Indexed OCR Text

Pages 1901-1920

٣٣٥
کتاب الجهاد
وقول أبى بكر الصديق رضى الله عنه: ((ما أنت بنازل، وما أنا براكب إلى
احتسبت خطائ هذه فى سبيل الله» يريد أن قصده بالمشى فى تشييعهم ووصيتهم
حسبة فى سبيل الله تعالى، فلعله أراد الرفق به والتقوية له لما يلقاه من نصب العدو
وتعب السفر، ولقاء العدو، ومقاومته وأبو بكر رضى الله عنه لا يلقى شيئًا من ذلك،
فلم يحتج من التقوى والترفه ما يحتاج إليه یزید.
فصل: وقوله رضى الله عنه: ((إنك ستجد أقوامًا زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله،
فدعهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له))() يريد الرهبان الذين حبسوا أنفسهم عن
مخالطة الناس، وأقبلوا على ما يدعون من العبادة وكفوا عن معاونة أهل ملتهم برأى أو
مال أو حرب أو إخبار بخير، فهؤلاء لا يقتلون، سواء كانوا فى صوامع أو ديارات أو
غيران؛ لأن هؤلاء قد اعتزلوا الفريقين وعفوا عن معاونة أحدهما.
مسألة: وأما رهبان الكنائس، فقال ابن حبيب: يقتلون لأنهم لم يعتزلوا أهل ملتهم،
وهم مداخلون لهم بحيث لا يمكن أن تعرف سلامتهم من معونتهم.
مسألة: ولا يسبى الرهبان ولا يخرجون من صوامعهم، بل يتركون على حالهم،
خلافا للشافعى فى قوله: يسبون ويسترقون، لقول أبى بكر رضى الله عنه: ((فدعهم
وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له)) وهذا يقتضى إبقاءهم على حالهم.
فإن كان للرهبان أموال، فروى ابن نافع عن مالك فى الراهب له الغنيمة والزرع فى
أرض الروم: أنه لا يعرض له، وذلك يسير ولا يعرض لبقره ولا لغنمه إذا عرف أنها له،
ولذلك وجه يعرف وما أدرى كيف يعرف هذا. وقال سحنون: إن معنى ذلك من
قول مالك إذا كان قليلاً قدر عيشه، وأما ما جاوز وذلك فلا يترك له.
وجه قول سحنون أن فی استئصال ما له قتله أو إنزاله عن موضعه، وقد تقدم أن
ذلك غير جائز، فلابد أن يترك له ما يكفيه، وما زاد عليه، فلا حاجة إليه، فلا يترك له.
فصل: وقوله الله عنه: ((وستجد أقوامًا فحصوا عن أوساط رءوسهم)) يريد حلقوا
(*) قال فى الاستذكار ٦٩/١٤: روى هذا الحديث سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد كما
رواه مالك، فلما انتهى إلى قوله: ((فدعهم وما حبسوا أنفسهم له))، قال سفيان: يعنى الرهبان؛
قال: ((وستجد قوما قد فحصوا عن أوساط رؤوسهم، وجعلوا حولها أمثال العصائب فاضرب
ما فحصوا من أوساط رؤوسهم بالسيف»، قال سفيان: يعنى القسيسين، ثم ذكر تمام الخبر
کما ذكره مالك سواء.

کتاب الجهاد
٣٣٦
أوساط رءوسهم. قال ابن حبيب: يعنى الشماسمة، فأمره أن يضرب ما فحصوا عنه
بالسيف، يريد بذلك قتلهم، ولم يرد ضرب ذلك الموضع خاصة، وذلك كقوله تعالى:
﴿إذا يوحى ربك إلى الملائكة أنى معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقى فى قلوب الذين
كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان﴾ [الأنفال: ١٢].
وأما ضرب أوساط رءوسهم بالسيف، فلا يجوز ذلك إلا قبل الأسر لهم فى نفس
الحرب، وأما بعد أسرهم والتمكن منهم، فلا ينبغى أن يمثل بهم، ولا يعبث فى قتلهم،
ولكن تضرب أعناقهم صبرًا إلا أن يكونوا قد فعلوا بالمسلمين على وجه التمثيل، فيعمل
بهم مثله قال الله تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقيتم به﴾ [النحل: ١٢٦].
!
فصل: لم يذكر فى هذا الحديث تقديم الدعوة والمشركون فى ذلك على ضربين،
طائفة قد بلغتهم الدعوة، وطائفة لم تبلغهم. فأما من بلغته الدعوة، فروى عن مالك:
تلتمس غرتهم ويقاتلون دون تقديم دعوة إلى الإسلام، وهذه رواية العراقيين عن مالك.
وفى المدونة: روايتان عن مالك، قال ابن القاسم: لا يبيتوا غزوناهم نحن أو أقبلوا
إلينا غزاة فى بلادنا حتى يدعوا، قال: وقد قال مالك أيضًا: الدعوة ساقطه عمن قارب
الدار لعلمهم ما يدعونإليه.
وأما من شك فى أمره، فخيف أن لا تبلغه الدعوة، فإن الدعوة أقطع للشك، وأنزه
للجهاد يبلغ بك وبهم ما بلغ.
وقال أبو حنيفة: إن بلغتهم الدعوة فحسن أن يدعوا قبل القتباك، وإن لم تبلغهم
الدعوة لم یبتدؤا بالقتال حتى يدعوا.
وقال الشافعى: لا أعلم أحدًا من المشركين لم تبلغه الدعوة إلا أن يكون خلف
الذين يقاتلون قوم من المشركين خلف الخزر والترك لم تبلغهم الدعوة، فلا يقاتلوا حتى
يدعوا إلى الإيمان.
وجه الرواية الأولى ما روى أن النبى و بعث محمد بن مسلمة وأبا نائلة إلى كعب
بن الأشرف وابن أبى الحقيق فيبيتوهما غارين وقتلوهما ولم يقدما دعوة حين قتلاهما.
ومن جهة المعنى ما احتج به فى المدونة أنه قد تقدم علمهم بما يدعون إليه وعادوا
الدين وأهله، والدعوة لا تحدث لهم إلا تحذيرًا وإنذارًا، وهم مع ذلك يطلبون الغرات
والعورات، فیجب أن یلتمس منهم ويؤخذوا بها.

٣٣٧٠٠
کتاب الجهاد .
قال القاضى أبو الحسن: وعلى كل حال فيستحب أن يدعوا إلى الإيمان قبل القتال.
ووجه الرواية الثانية ما روى ((أن على بن أبى طالب قال للنبى 498 يوم خيبر:
نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا. فقال : انفذ، ثم ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله
فوالله أن يهدى الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم))(١).
ومن جهة المعنى أن هذا حرب للمشركين، فلزم أن يتقدم بالدعوة كغير العالمين؛
لأن تجديد الدعوة قد يكون فيها من التذكير بالله والإيمان به ما لم يكن فيما تقدم.
فرع: إذا ثبت ذلك، فإن هذا حكم الروم. وأما القبط، فقد قرن بينهم وبين الروم،
فقال: لا يقاتلوا ولا يبيتوا حتى يدعوا، ولا نرى الدعوة بلغتهم، وكذلك الفرازنة. قال
القاضى: وهم جنس من الحبشة، قال: ولم ير مالك بلوغ الدعوة غرة فيهم.
ووجه ذلك أنهم قد استعملوا الكف عن المسلمين، ولم يعاجلوا بالمحاربة، ولا
استعملوا طلب الغرة، فلم يكن فى تقدم الدعوة وجه مضرة، وكذلك إذا كان
المسلمون ظاهرين، ولم يكن فى تقدم الدعوة لمن قد بلغته وجه مضرة، فإن الدعوة
ثابتة فى حقهم، ولذلك أمر النبى لها بتقديم الدعوة على محاربة أهل خيبر، وقد تقدم
علمهم بما يدعو النبى ﴿)، ولا خلاف فى ذلك لطول المدة وقرب المسافة.
فرع: فإن عوجل أحد ممن لم تبلغه الدعوة، فقتل قبل أن يدعى إلى الإيمان، فقد قال
أبو حنيفة: لا دية فيه. وقال الشافعى: الدية على عاقلة القاتل. قال القاضى أبو الحسن:
ولست أعرف لمالك فيه نصًا، والأظهر عندې قول أبى حنيفة.
قال: والدليل على ذلك أن من أصلنا أن المسلم إذا أقام بدار الحرب مع القدرة على
الخروج، ثم قتل خطأ لم تكن فيه دية، فالكافر منهم أولى إلا أن تكون فيه دية. قال:
أيضًا فإنه ليس فيه أکثر من أننا ممنوعون من قتله، وذلك لا يوجب فیه دیة لکونه فى
دار الحرب كقتل نسائهم وذراريهم، وكذلك الرهبان والشيخ الفاني.
فصل: وقوله رضى الله عنه: ((إلى موصيك بعشر خلال، لا تقتلن امرأة ولا صبيًا))
على حسب ما تقدم من المنع من قتل النساء والصبيان، وأن الصبى هو الذى لم يحتلم
ولم ينبت، فإن أنبت ولم يحتلم، فهل يقتل أم لا؟ اختلف أصحابنا فى ذلك، فقال.
أكثرهم: يقتل. وقال ابن القاسم: لا يقتل حتى يحتلم.
(١) أخرجه البخارى حديث رقم ٢٩٤٢، ٣٠٠٩، ٣٧٠١، ٤٢١٠. مسلم حديث رقم
٢٤٠٦. أبو داود حديث رقم ٣٦٦١. أحمد فى المسند حديث رقم ٢٢٣١٤.

٣٣٨
کتاب الجهاد
ا يوم
وجه القول بالقتل ما روى عن عطية القرظى أنه قال: عرضنا على النبى
قريظة، فكان من أنبت منا قتل، ومن لم ينبت خلى سبيله، فكنت فيمن لم ينبت،
فخلى سبيلى. ومن جهة المعنى أن الاحتلام إنما يتعلق به حقوق البارى تعالى.
وأما حقوق الآدميين، فالأحكام التى تنفذ بين الناس، فلا يجوز أن تتعلق بالاحتلام؛
لأنه أمر لا يدرى ويمكن كتمانه وادعاؤه، وإنما يجب أن يعلق ذلك بأمر يظهر، وتمكن
معرفته إليه، وهو الإنبات على أنه فى الأغلب لا يتأخر على الاحتلام، ولا يتقدم عليه
بكثير مدة وأكثر ما يكون مقارنًا له، والله أعلم.
فصل: وقوله رضى الله عنه: ((ولا كبيرًا هرمًا)» يريد الشيخ الهرم الذى بلغ من
السن ما لا يطيق القتال، ولا ينتفع به فى رأى ولا مدافعة، فهذا مذهب جمهور الفقهاء
إلا أنه لا يقتل، وبه قال مالك وأبو حنيفة.
وللشافعى قولان، أحدهما: مثل قول الجماعة. والثانى: يقتل هو والراهب.
والدليل على ما نقوله قول أبى بكر رضى الله عنه هذا ليزيد بن أبى سفيان ولا
مخالف، فثبت أنه إجماع. ومن جهة القياس أن هذا ممن لا يقاتل ولا يعين يمنع دائم، فلا
يجوز قتله كالمرأة.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن المشركين على ضربين، أحدهما: من لا يخاف منه مضرة
ولا معونة برأى ولا مال كالراهب والشيخ الفاني، فهذا قد تقدم حكمه. والضرب
الثانى: أن يكون ممن تخشى مضرته، فيكون فيه المعونة بالحرب أو الرأى أو المال، فهذا
إذا أسر يكون الإمام مخيرًا فيه بين خمسة أشياء أن يقتله أو یفادى به أو يمن عليه أو
يسترقه أو يعقد له الذمة على أداء الجزية.
فأما الاسترقاق وعقد الذمة، فلا خلاف نعلمه فى جوازهما. وأما القتل، فحكى
القاضى أبو الحسن أنه لا خلاف فى جوازه. وحكى القاضى أبو محمد عن الحسن المنع
من ذلك، وأنه قال: اصنع كما صنع رسول الله ﴿﴿ بأسارى بدر، يمنُّ عليه أو يفاديه.
والدليل على جواز ذلك قوله تعالى: ﴿ما کان لنبی أن یکون له أسرى حتى يثخن
فى الأرض﴾ [الأنفال: ٦٧]. ودليلنا من جهة السنة تواتر الأخبار عن النبى 19 بقتل
عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث من أسارى بدر. ومن جهة المعنى أنه ليس فى
الأسر حقن للدم، وإنما يحقن الدم بعقد الأمان.

.. ٠ ٣٣٩
......
کتاب الجهاد
مسألة: وأما المنّ أو المفاداة، فإنه جائز عند جمهور الفقهاء، وبه قال مالك
والشافعى. وقال أبو حنيفة: لا يجوز المنّ ولا المفاداة. وحكى هذا القول عن أصحاب
الشافعى غير أنهم قالوا: لا يفادى مال. وهذا القول فى المفاداة إنما هو لسحنون.
والدليل على صحة جواز المنّ والمفاداة قوله تعالى: ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا
فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع
الحرب أوزارها﴾ [محمد: ٤].
ودليلنا من جهة السنة ما تظافرت الأخبار به من مفاداة أهل بدر. ودليلنا من جهة
القياس أن هذا قتل يجوز تركه إلى غير بدل، فجاز تركه إلى بدل كالقصاص.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن الإمام يجب أن ينظر فى ذلك بحسب الاجتهاد، فمن
علمت شجاعته وإقدامه أو رأيه وتدبيره، فالأولى قتله، ومن لم يكن بهذه الصفه،
وكان صانعا أو عسيفًا، فالأفضل استبقاؤه ومن رجى إسلامه والانتفاع به، فالأولى أن
يمن عليه ومن كان غناؤه عنهم قليلاً وأخذ عنه عوض نافع من مال أو أسير من أسرى
المسلمين فودى.
فصل: وقوله رضى الله عنه: ((ولا تقطعن شجرًا مثمرًا، ولا تخربن عامرًا)) هذا على
ضربين، أما ما كان من البلاد مما يرجى أن يظهر عليه المسلمون، فإنه لا يقطع شجره
المثمر، ولا يخرب عامره، لما يرجى من استيلاء الإسلام عليه وانتفاعهم به، وما كان
بحيث لا یرجی مقام المسلمين به لبعده وتوغله فى بلاد الكفر، فإنه يخرب عامره،
ويقطع شجره المثمر وغيره؛ لأن فى ذلك إضعافًا لهم وتوهِينًا وإتلافًا لما يتقوون به على
المسلمين.
قال ابن حبيب: قال مالك وأصحابه: إنما نهى الصديق عن إخراب الشام؛ لأنه علم
مصيرها للمسلمين. وأما ما لا يرجى ظهورهم عليه، فخراب ذلك مما ينبغى. قال ابن
حبيب: هو الصحيح، وقد حرق النبى 18 نخل بنى النضير.
فصل: وقوله: ((ولا تعقرن شاة ولا بعيرًا إلا لمأكلة)) وهذا أيضًا على ضربين،
أحدهما أن يكون الإبل والغنم، فيستطيع المسلمون أن يخرجوا بها ويتمولوها فلا تعقر
إلا لحاجة، ويحتمل أن يريد بالعقر الذبح والنحر، فيقول بذبحها ونحر إبلها إلا لحاجتهم
إلى أكلها.
فأما على وجه السرف والإفساد أو على وجه التمول والإخراج للبيع إلى بلاد

کتاب الجهاد
٣٤٠
المسلمين، فلا. ويحتمل أن يريد بالعقر الحبس لما شرد منها بالعقر الذى يحبس ما ند
وشرد، ولا تبلغ مبلغ القتل، فیقول: ما شزد علیکم، فلا یمکنکم ر کوبه واستعماله، فلا
ترموه ولا تعقروه، وليكن فى جملة ما يساق من الإبل ولا تعقروه على الوجه المذكور
إلا حاجتكم إلی أکله، فاحبسوه بالعقر، ثم ذكره بعد التمكن منه بالنحر.
مسألة: والضرب الثانى من الإبل والغنم ما يعجز المسلمون عن إخراجه، فإنه يقتل
أو يعقر، وهو الذى عناه بقوله المروى عنه فى كتاب ابن المواز: ولا بأس أن يعقر
غنمهم وبقرهم، وإن لم يحتج إلى ذلك؛ لأن فى ترك ذلك تقوية للعدو وفى إتلافه
إضعافًا لهم، فإن كانوا ممن يأكل الميتة، فالصواب أن تحرق بعد العقر إن أمكن ذلك
ليبطل انتفاعهم بها وبالله التوفيق فعلى هذا يحمل قول أبى بكر رضى الله عنه على ما
يمكن إخراجه. وحمله ابن وهب على عمومه، فقال: لا يجوز قتل شىء من الحيوان إلا
لمأكلة.
مسألة: وأما دوابهم وخيلهم وبغالهم وحمرهم، فإنها تعقر إذا عجز عن إخراجها
والانتفاع بها لم يختلف فى ذلك أصحابنا غير ابن وهب، وبه قال أبو حنيفة. وقال
الشافعی: لا يجوز عقرها، وبه قال ابن وهب من أصحابنا، ولكن تخلى.
والدليل على ما نقوله أن هذه أموال باقية يتقوى بها العدو، فجاز إتلافها عليهم
كالزرع القائم والشجر المثمر.
فرع: واختلف أصحابنا فى صفة العقر، فقال المصريون من أصحاب مالك: تعرقب
وتذبح أو يجهز عليها. وقال المدنيون من أصحابه: يجهز عليها، وكرهوا أن تذبح أو
تعرقب.
قال ابن حبيب: وبه أقول لأن الذبح مثله والعرقبة تعذيب، وهذا الذى قاله ابن
حبيب ليس ببين؛ لأن الذبح لم يكره فى الخيل، لأنه مثلة، وإنما كره لأنه ذريعة إلى
إباحة أكلها. قال أصحابنا: يضرب عنقه وتبقر بطنه. فأما العرقبة، فإنه تعذيب على ما
ذكره، والصواب الإجهاز عليه بوجه يمنع أكله عند من قال بذلك.
ووجه ما حكاه عن البصريين أنه ربما اضطر إليه أحد من المسلمين، فيكون أولى من
الميتة و کذلك ما وقف من خیل المسلمین ببلد العدو فحكمه عند مالك وأصحابه ما
ذكرناه فى خيل العدو، وأما سائر الأموال مما ليس بحيوان، فإن عجز عنه أحرق، ولم
يترك طعامًا كان أو غيره.

٣٤١
.....
کتاب الجهاد
فصل: وقوله: ((ولا تحرقن نحلاً ولا تغرقنه)) يريد ذباب النحل لا يحرق بالنار ولا
يغرق فى ماء، واختلف قول مالك فيما لا يقدر على إخراجه من ذلك، فروى ابن
حبيب عن مالك: يحرق ويغرق. وروى عن مالك أنه کره ذلك.
وجه الرواية الأولى أنه لا طريق إلى إتلافها إلا بذلك وإتلافها مأمور به؛ لأنها مما
يقوى به العدو، فإذا لم يكن إتلافها إلا بالنار توصل إليه بها كالفارين من العدو.
ووجه الرواية الثانية ما روى عن النبى 8% أنه قال: ((قرصت نملة نبيًّا من الأنبياء،
فأمر بقرية من النمل، فأحرقت فأوحى الله إليه أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم
تسبح))(٢) وهذا ما لم تدع إلى ذلك حاجة أكل.
فإن احتاج إلى ذلك، ولم يمكنه دفعها إلا بتحريقها أو تغريقها، فعل من ذلك ما
يتوصل إلى ما يتناول ما فى جباحها، وبالله التوفيق.
فصل: وقوله رضى الله عنه: ((لا تغلل ولا تجبن)) الغلول أن يأخذ من الغنيمة بعض
الغانمين ما لم تصبه المقاسم، وسيأتى بيانه إن شاء الله تعالى، والجبن الجزع والفرار
عمن لا يجوز الفرار عنه، وهو من الكبائر عن ابن القاسم وأكثر أصحابنا. وقال الحسن
البصرى: لم يكن الفرار من الزحف كبيرة إلا يوم بدر.
والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنو إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا
الله كثيرًا لعلكم تفلحون﴾ [الأنفال: ٤٥]، وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا
لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولوهم الأدبار﴾ [الأنفال: ١٥] الآية.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فقد اختلف الناس فى المعنى المراعى فى جواز الفرار عن
العدو فى الحرب، فالذى عليه جمهور أصحابنا العدد، وبه قال ابن القاسم. وروى ابن
الماجشون عن مالك، أنه قال: الجلد، هو السلاح والقوة.
وجه قول ابن القاسم قوله تعالى: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾
[الأنفال: ٦٥] ثم قال بعد ذلك: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا فإن
يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله
مع الصابرين﴾ [الأنفال: ٦٦].
(٢) أخرجه البخارى حديث رقم ٣٠١٩. مسلم حديث رقم ٢٢٤١. النسائى فى الصغرى
حدیث رقم ٤٣٥٨. أبو داود حديث رقم ٥٢٦٦. ابن ماجه حديث رقم ٣٢٢٥. أحمد فى
المسند حديث رقم ٨٩٧٦.

کتاب الجهاد
٣٤٢
مسألة: وهذا إذا أمن أن يكثروا، فأما فى بلادهم وحيث يخاف تكاثرهم، فإن للعدو
اليسير أن يولوا عن مثلهم؛ لأن فرارهم ليس عن العدد اليسير، وإنما هو مخافة أن يكثروا.
وكذلك إن فر عدد من المسلمين عن مثلهم من العدو بحيث لا يجوز لهم الفرار،
وكان منهم من لا يريد ذلك، فإن له إذا انهزم أصحابه، ويئس منهم أن يولى حينئذ؛
لأن توليه إنما هو عن جماعة العدو وانحيازًا إلى أصحابه، وقد فعل ذلك النبى
ا ومن
ثبت معه أحد حين انهزم المسلمون ويئس من رجعتهم انحاز فى آخرهم إلى المسلمين.
١٠١٩ - مَالِك أَنّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى عَامِلٍ مِنْ عُمَّالِهِ أَنَّهُ
بَغْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ كَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً يَقُولُ لَّهُمُ: (اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِى سَبِيلٍ
اللَّهِ تُقَاتِلُونَ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، لاَ تَغُلُّوا، وَلا تَغْدِرُوا، وَلا تُمَثِّلُوا، وَلا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَقُلَ
ذَلِكَ لِحُيُوشِكَ وَسَرَايَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَالسَّلامُ عَلَيْكَ(١).
الشرح: قوله رضى الله عنه: ((أن رسول الله ﴿﴿ إذا بعث سرية)) السرية من يدخل
دار الحرب مستخفيًا، والجيش من يدخل معلنًا، وظاهرا مغالبًا، وليس لعددهما حد.
وقد روى: ((خير الصحابة أربعة، والطلائع أربعون، وخير السرايا أربعمائة، وخير
الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة ولا تبييت))(٢).
فصل: وقوله 38): ((اغزوا باسم الله، تقاتلون من كفر بالله)) على معنى تبيين ما
يفارقهم عليه وتذكيرهم بتحقيق النية عند ابتداء العمل.
وقوله ﴿﴿: ((لا تغلوا)) يريد الغلول، وسيرد بيانه إن شاء الله.
١٠١٩ - أخرجه البخارى ٩٣/٤ كتاب الجهاد والسير باب سهام الفرس عن ابن عمر. مسلم
١٣٨٣/٣ كتاب الجهاد باب ١٧ رقم ٥٧ باب كيفية قسمة الغنيمة عن ابن عمر. والترمذى
برقم ١٥٥٤، ١٢٤/٤ كتاب السير باب سهم الخيل. وابن أبى شيبة ١٥١/١٤ عن ابن عمر.
وذكره الهيثمى مجمع الزوائد ٣٤٢/٥ وعزاه للطبرانى عن زيد بن ثابت. البيهقى فى السنن
٦٩/٩. الطحاوى فى شرح معانى الآثار ٢٠٧/٣. النسائى فى الكبرى ٧١/٢.
(١) وقال ابن عبد البر فى التمهيد ٢٢٦/٦: هكذا هو فى الموطأ عند جميع رواته عن مالك،
وهذا يستند من حديث عبيدالله بن عمر عن نافع، عن ابن عمر، عن النبى ﴿، وقد روى من
حدیث زيد بن ثابت وحديث ابن عباس، عن النبى
(٢) أخرجه الترمذى حديث رقم ١٥٥٥. أبو داود حديث رقم ٢٦١١. أحمد فى المسند
حدیث رقم ٢٦٧٧. الدارمی حديث رقم ٢٤٣٨.

٣٤٣٠٠٠٠
....
کتاب الجهاد
وقوله ﴿1: ((ولا تغدروا)) الغدر هو نقض العهد وترك الوفاء للمشركين وغيرهم،
وذلك مما لا خلاف فى المنع منه.
وقد روى ابن عمر سمعت النبى ﴿ يقول: ((لكل غادر لواء، ينصب له يوم القيامة
بغدرته»(٣).
مسألة: والتأمين على ضربين، أحدهما: أن يؤمن العدو بحيث القوة للمسلمين، فهذا
لا يجوز الغدر به، ولا خلاف فى ذلك. والثانى: أن يؤمنهم الأسير فى أيديهم ابتداء أو
يطلقوه من الثقاف بشرط ذلك، وذلك يتناول أحد أمرين، أحدهما: أن يؤمنهم على
أنفسهم، وسیأتی بیان ذلك إن شاء الله.
والثانى أن يؤمنهم من فراره، وأخذ شىء من أموالهم، فإن أمنهم من فراره، لزمهم
الوفاء، قاله ابن القاسم. وقال سفيان الثورى: له أن يفر.
والدليل على صحة ما نقوله قوله تعالى: ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتهم﴾ [النحل:
٩١].
قال القاضى أبو الوليد: وعندى أن هذا إنما هو إذا عاهدكم مختارًا للعهد، وأما إن
أکره علیه، فإنه لا يلزمه الوفاء به، ويجوز له الفرار.
فصل: وقوله ﴿19: ((ولا تمثلوا)) يريد العيث فى قتلهم بقطع الأيدي والأرجل وفقء
العين وقطع الآذان، وإنما يقتل من أسر منهم بضرب الرقاب.
وأما ما روى من أن النبى ﴿ أمر بالعرنيين الذين قتلوا رعناء النبى ﴾ واستاقوا
نعمه، فأمر بهم النبى ﴿﴿ فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم، فإنه روى سلمان
التيمى عن أنس أنهم كانوا فعلوا بالرعاء مثل ذلك، ومثل هذا يجوز من مثل مسلم أن
يمثل به على سبيل القصاص والمقارضة على فعله.
مسألة: وهذا فى قتلهم بعد الاستيثاق منهم. فأما فى الحرب، فإنهم على ضربين،
أحدهما: أن يضعف المشرك عن المحاربة ويستسلم، فهذايجوز قتله بالطعن والضرب
دون الثمثيل ولا التعذيب. والضرب الثانى أن يكون مقاتلاً ومدافعًا، فهذا يجوز أن
یتوصل إلى إذایته بکل ما يمكن بما فيه تمثيل وغيره.
(٣) أخرجه البخارى حديث رقم ٣١٨٧، ٣١٨٨. مسلم حديث رقم ١٧٣٨. الترمذى
حديث رقم ٢١٩١. ابن ماجه حديث رقم ٢٨٧٢، ٢٨٧٣. أحمد فى المسند حديث رقم
٣٨٩٠، ٥٠٧٧، ٥٨٧٩، ٦٠٥٧، ١٠٦٥٤، ١٠٧٥٩، ١١١٩٣، ١١٢٦٩. الدارمى
حدیث رقم ٢٥٤٢.

٣٤٤
کتاب الجهاد
.........
فصل: وقوله رضى الله عنه: ((وقل ذلك لجيوشك وسراياك إن شاء الله والسلام))
إنما خص الأمير بهذه الوصية ثم أمره أن يوصى بها من ينفذه من الجيوش والسرايا لأنه
هو الذى يطاع أمره، فإذا أمر بذلك من ينفذه امتثل أمره، وبالله التوفيق.
*
ما جاء فى الوفاء والإيمان
١٠٢٠ - مَالِك، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوْفَةِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَى
عَامِلٍ جَيْشٍ كَانَ بَعَهُ، إِنَّهُ بَلَغَنِى أَنَّ رِحَالا مِنْكُمْ يَطْلُونَ الْعِلْجَ حَنِّى إِذَا أَسْنَدَ فِى
الْحَبَلِ، وَامْعَ، قَالَ: رَجُلٌ مَطْرَسْ يَقُولُ: لا تَخَفْ، فَإِذَا أَدْرَكَهُ قَلَهُ، وَإِنّى وَالْذِى
نَفْسِى بِبَدِهِ لا أَعْلَمُ مَكَانَ وَاحِدٍ فَعَلَ ذَلِكَ إِلا ضَرَبْتُ عُنْقَهُ.
قَالَ مَالِك: لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ بِالْمُجْتَمَعِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ.
الشرخ: قوله رضى الله عنه: ((أنه بلغنى أن رجالاً منكم يطلبون العلج)) يريد يفر
أمامهم فيتبعونه ((حتى إذا أسند فى الجبل)) يريد صار فى سنده، وامتنع فيه ممن طلبه،
قال له مطرس، وهذه لفظه فارسية، تقول الفرس مطرس، أى لا تخف، فإذا أدركه
قتله، فأنكر عمر رضى الله عنه قتله بعد أن أمن لأنه نقض لما عقد له من التأمين، وقد
أمر الله تعالى بأن يوفى بالعهد فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة:
١]. وقال عز وجل: ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم﴾ [النحل: ٩١].
وفى التأمين خمسة أبواب، الباب الأول: فى صفة التأمين. والباب الثانى: فى وقت
التأمين. والباب الثالث: فى صفة المؤمن. والباب الرابع: فيما يثبت به التأمين. والباب
الخامس: فى مقتضى التأمين.
الباب الأول فى صفة التأمين
التأمين لازم بكل لسان عربيًا كان أو غيره، سواء فهمه المؤمن أو لم يفهمه،
والاعتبار فيه بأحد الجنبتين، فإن أراد المؤمن التأمين، ولم يفهمه الحربى، فقد لزم
١٠٢٠ - أخرجه البيهقى فى معرفة السنن والآثار ١٨١٢٥/١٣. وذكره ابن عبد البر فى
الاستذكار برقم ٩٤٠.

کتاب الجهاد
٣٤٥٠
...
الأمان، وكذلك إن أراد به المؤمن منع الأمان، فظن الحربى أنه أراد التأمين، فقد لزم
من الأمان أن لا يقتله بذلك الاستسلام، وحكم الإشارة فى ذلك حكم العبارة
والكناية، لأن التأمين إنما هو معنى فى النفس، فيظهره تارة بالنطق، وتارة بالكناية،
وتارة بالإشارة، فكل ما بين به التأمين، فإنه يلزم كالكلام.
*
*
الباب الثانى فى وقت التأمين
التأمين لازم ما لم يكن الحربى مأسورًا أو فى حكم المأسور، ممن تيقنت غلبته،
وظهر الظفر به، فأما المأسور، فأمره إلى الإمام، فليس لغيره الافتيات غليه فيه كما أنه
ليس لغير الإمام استرقاقه، ولا عقد الذمة له، كذلك ليس له تأمينه والمن عليه.
ولو أشرف المسلمون على أخذ حصن وتيقن أخذه، فأمن أهله رجل من المسلمين
كان للإمام رد تأمينه، قاله سحنون؛ لأن حق المسلمين قد تعلق بهم، فليس لهذا المؤمن
إبطاله، ولو تقدم الإمام بمنع التأمين، ثم تعدى بعد ذلك رجل من المسلمين، فأمن أحدًا
كان للإمام رد تأمينه ورد الحربى إلى ما كان عليه قبل الأمان إن لم يعلموا منع الإمام،
وإن علموا.
الباب الثالث فى صفة المؤمن
المؤمنون على ضربين، آمن وخائف، فأما الآمن، فإذا اجتمعت له صفات الأمان،
وهى خمسة: الذكورة والحرية والبلوغ والعقل والإسلام، جاز تأمينه عند مالك، فإن
عدم بعض هذه الفصول، فقد اختلف العلماء فيه. وقال عبد الملك بن الماجشون: لا
يلزم غير تأمين الإمام، فإن أمن غيره، فالإمام بالخيار بين أن يمضيه، وبین یرده.
والأصل فيما ذهب إليه مالك ما روى عن النبى ﴿) أنه قال: ((وذمة المسلمين
واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا
يقبل منه صرف ولا عدل))(١).
ودليلنا من جهة القياس أن هذا مسلم يعقل الأمان، فجاز أمانه كالإمام.
(١) أخرجه البخارى حديث رقم ١٨٧٠، ٣١٨٠، ٦٧٥٥، ٧٣٠٠. مسلم حديث رقم
١٣٧٠، ١٣٧١. أبو داود حديث رقم ٢٠٣٤. أحمد فى المسند حديث رقم ١٠٤٠،
١٣٠٠، ٠٨٩٢٢

٣٤٦
کتاب الجهاد
مسألة: وأما الأنوثة، فلا تمنع صحة الأمان، وسيأتى ذكرها بعد هذا إن شاء الله
تعالى. وأما الحرية، فقد اختلف أصحابتا فى مراعاتها، فقال القاضي أبو الحسن: لم
أجد فيه نصًا لمالك، ولكنهم يحكمون بلزوم أمان العبد، ونزاه قياس قول مالك. وقد
نص على لزومه ابن القاسم.
وذكر القاضى أبو محمد لزوم أمان العبد على أنه مذهب مالك، وبه قال الشافعى.
وأخرج الشيخ أبو محمد فى النوادر رواية معن بن عيسى عن مالك أنه قال: لا يصح
أمان العبد، وما سمعت فيه شيئًا. وقال سحنون: إن أذن له سيده فى القتال، جاز
أمانه، وإن لم يأذن له سيده فى القتال، لم يجز أمانه، وبه قال أبو حنيفة.
وجه إجازة أمانه قوله 48: ((ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم)) والعبيد من
أدنى المسلمين.
ودليلنا من جهة القياس أن كل من لزم أمانه إذا أذن له فى القتال، لزم، وإن لم
يؤذن له كالأجير والمرأة.
ووجه رواية معن أنه محجور عليه، فلم يجز تأمينه كالطفل، والذى لا يعقل.
مسألة: وأما البلوغ، فاختلف أصحابنا فيه، فقال ابن القاسم: يجوز تأمين الصبى إذا
عقل الأمان. وقال سحنون: إن أجازه الإمام فى المقاتلة، جاز تأمينه، وإلا فلا أمان له.
وقال الشافعى: لا يلزم أمانه.
وجه قول ابن القاسم أن هذا مسلم يعقل الأمان، فجاز تأمينه كالبالغ.
مسألة: وأما العقل، فلا اختلاف فى اعتباره فى لزوم الأمان وصحته؛ لأن من لا
يعقل لا يعتبر بأقواله، ولا تصح مقاصده. وأما الإسلام، فالظاهر من المذهب الاعتبار
به، وبه قال أبو حنيفة والشافعى. والأصل فى ذلك قوله ﴿14: ((المسلمون تتكافأ
دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم»(٢) فخص بذلك المسلمين.
*
*
الباب الرابع فيما يثبت به الأمان
قد اختلف أصحابنا فى ذلك، فقال سحنون: لا يثبت إلا بقول شاهدين. وأما بقول
المؤمن، فلا يثبت له التأمين. وقال ابن القاسم: يثبت بقول المؤمن، وبه قال الأوزاعى
وأصبغ وابن المواز.
(٢) أخرجه أبو داود حديث رقم ٢٧٥١. ابن ماجه حديث رقم ٢٦٨٣.

٣٤٧٠٠٠
....
.....
کتاب الجهاد ..
وجه ما قاله سحنون أن التأمين فعل المؤمن، وإلزام سائر المؤمنين تأمينه بقوله، وإنما
ثبت بشهادة غيره. ووجه قول ابن القاسم أن هذا شخص يصح أمانه، فوجب أن يقبل
فيه قوله کالإمام.
الباب الخامس فى مقتضى التأمين
أما التأمين، فإنه على ضربين، أحدهما: التأمين المطلق الذى لا مخافة بعده أن لا
يحدث. والثانى: تأمين مترقب. فأما الأول، فمثل أن يؤمن الإمام الرجل والجماعة من
المشركين تأمينًا مطلقًا، فهذا يقتضى كونه آمنا من القتل والاسترقاق.
فإن أراد البقاء فى بلاد المسلمين على أداء الجزية كان له ذلك، وإن أراد الرجوع
إلى حيث شاء من بلاد الحرب، فهو آمن حتى يبلغ موضع امتناعه من بلاد الحرب،
وهذا حكم من أمنه المسلم الجائز الأمان. وأما التأمين المترقب، فأن ينظر فيه الإمام،
فإن رآه صوابًا أمضاه وإلا رده ورده إلى مأمنه، وهذا مذهب مالك وابن الماجشون.
وقال سحنون: إن التأمين أن لا يكون لأحد من الجيش قتل المؤمن وينظر الإمام فى
حاله، فإن رأى التأمين صوابًا أمضاه، وإلا رده إلى مأمنه، ولعل هذا أن يكون تجوزًا ممن
يقوله من أصحابنا.
قال القاضى أبو الوليد رحمه الله: والصواب عندى أن يرد إلى مثل الحالة التى كان
عليها قبل التأمين، ولو لزم رده إلى مأمنه لكان أمانًا تامًا، فهذا عند سحنون هو التأمين
الصحیح، وابن الماجشون یری هذا رد الأمان.
فصل: وقوله: ((والذي نفسي بيده لا أعلم مكان أحد فعل ذلك إلا ضربت عنقه))
یحتمل أن يكون عمر رضى الله عنه، أی قتل المسلم بالمستأمن، وقد قال به أبو يوسف،
ومنع منه مالك وأبو حنيفة والشافعي، ولذلك قال مالك: ليس هذا الحديث بالمجتمع
عليه، وليس عليه العمل، يريد أن من قتل من المسلمين مستأمنًا، فإنه لا يقتل به.
وسُئِلَ مَالِك عَنِ الإِشَارَةِ بِالأَمَانِ أَهِىَ بِمَنْزِلَةِ الْكَلامِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَإِنِى أَرَى أَنْ
يُتَقَدَّمَ إِلَى الْحُيُوشِ أَنْ لا تَقْتُلُوا أَحَدًا، أَشَارُوا إِلَيْهِ بِالأَمَانِ؛ لأنَّ الإِشَارَةَ عِنْدِى
بِمَنْزِلَةِ الْكَلامِ، وَإِنَّهُ بَغَنِى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا خَتَرَ قَوْمٌ بِالْعَهْدِ إِلَا سَلْطَ
اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْعَدُوَّ.

٣٤٨
کتاب الجهاد
الشرح: وهذا كما قال أن الإشارة بمنزلة الكلام والكتابة؛ لأنها إفهام بالإمان،
فيجب أن يتقدم إلى الجيوش أن لا يقتلوا من أشار إليه بالإمان، والإشارة بالإمان على
ضربين، أحدهما: أن يشير إلى ممتنع بالإمان، فهذا يكون آمنًا يذهب حيث شاء.
والثانى: أن يؤمن أسيرا بعد أن يأسره، فهذا لا يجوز له ولا لغيره قتله حتى يبلغ الإمام،
فیری فیه رأيه لأنه بعد أن ثبت فيه حكم النظر للإمام.
فصل: وقول عبد الله بن عباس: ((ما ختر قوم العهد)) يريد نقضوه، ولم يفوا به (إلا
سلط الله عليهم عدوهم) يريد أن هذه عقوبتهم التى تختص فى الدنيا مع ما فى ذلك
من المآثم، والله أعلم.
العمل فيمن أعطى شيئًا فى سبيل الله
١٠٢١ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ أَنْهُ كَانَ إِذَا أَعْطَى شَيْئًا فِى
سَبِيلِ اللَّهِ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: إِذَا بَلَّغْتَ وَادِىَ الْقُرَى فَشَأْنَكَ بِهِ.
الشرح: قوله: ((أن عبد الله بن عمر كان إذا أعطى شيئًا فى سبيل الله)) يريد
أخرج فيه نفقة أو فرسًا أو سلاحًا ((يقول لصاحبه)) يريد الذى يدفع إليه ذلك ((إذا
بلغت وادى القرى)) يريد أن هذا نهاية فى سفره، ومقتضى غزوه فى رجوعه غاريًا من
الشام. وقوله: «فشأنك به» یعنی هو لك.
وفى هذا مسألتان، أحداهما حكم محل العطية. والثانية: حكم العطية، فأما حكم
محل العطية، فعلى ضربين، أحدهما: الإطلاق. والثانى: التعيين.
فأما الإطلاق، فهو أن يقول ما لى فى سبيل الله، فإن منصرفه إلى الغزاة، ومن فى
موضع الجهاد؛ لأن إطلاق هذه اللفظة، وظاهرها يقتضى الجهاد، فإن كان فى موضع
لا جهاد فيه، ولا غزو، فلا يعطى منه حاج ولا غيره، قاله مالك. قال سحنون: ويعطى
منه الصبيان والنساء والأعمى والمقعد. وقال سحنون: لا يعطى منه من تعطل عن
العمل كالمفلوج والأعمى ويعطى منه المريض.
وجه ما قاله سحنون أن هؤلاء من عمار الثغور، وفى بقائهم هناك تكثير للعدو،
وقوة لأهل الحرب، فكانوا مستحقین.
١٠٢١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٤١.

٣٤٩
کتاب الجهاد
ووجه قول سحنون أنهم لا يرجى منهم عون على الحرب، فلا يعطون منه شيئًا لأن
هذا المال إنما أخرج للعون على الحرب.
مسألة: وأما حكم العطية، فإنه على ضربين، أحدهما: أن يجعل العطية فى السبيل
خاصة، فهذا ليس لمن أعطيها تموّلها، ولا إنفاقها فى غير سبيل الله؛ لأنه عدول بالعطية
عن وجهها، وهل له أن يأكل منها فى القفول أم لا؟ قال ابن حبيب: ينفق منها فى
القفول. وقال مالك: لا ينفق منها فى القفول.
وجه ما قاله ابن حبيب أن القفول من الغزو، فكان له أن ينفق فيه منه كالمسير إلى
بلد العدو.
ووجه ما قاله مالك أن من أخرج شيئًا فى سبيل الله فقد عينه للغزو والعون على
العدو، وليس القفول منه بسبیل، فمن فضل له منه شىء بعد ذهابه على قول مالك أو
عن قفوله على قول ابن حبيب، فهو مخير بين أن يرده إلى من أعطاه إياه أو يعطيه هو
سبيل الله.
وأما الضرب الثانى، وهو أن يجعل المعطى العطية فى سبيل الله ويبتلها لمن أخذها
بأن يقول له: هذا لك فى سبيل الله، فهذا يلزم المعطى أن يتزود منه فى السبيل بقدر ما
يعلم أن تلك العطية تخرج لمثله، ثم يكون له بيعه، والانتفاع بثمنه وبهذا كان عبد الله
بن عمر يشترط عليه إذا بلغ وادى القرى، يريد بعد قضاء الغزو به.
١٠٢٢ - مَالِك، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ كَانَ يَقُولُ: إِذَا
أُعْطِىَ الرَّجُلُ الشَّيْءَ فِى الْغَزْوِ، فَيَبْلُغُ بِهِ رَأْسَ مَغْزَاتِهِ، فَهُوَ لَهُ.
الشرح: قوله: ((إذا أعطى الرجل الشىء فى الغزو)) يريد ما قلناه من تبتيله له على
وجه الغزو به.
وقوله: ((فبلغ به رأس مغزاته)) يريد تهاية الغزو فى القفول وموضع تفرق أهل
الجيش إلى مواضعهم وبلادهم، وهكذا كانت وادى القرى رأس المغزى فى الغزو إلى
الشام.
وقوله: ((فهو له)) يريد أنه قد ملكه، وكل ما لزمه المعطى فيه من الغزو به، فليفعل ما
شاء من بيع أو غيره.
١٠٢٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٤٢.

٣٥٠
کتاب الجهاد
وسُئِلَ مَالِك عَنْ رَجُلٍ أَوْ جَبَ عَلَى نَفْسِهِ الْغَزْوَ، فَتَجَهَّرَ حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ
مَنَّعَهُ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا فَقَالَ: لا أرى أن لا يُكَابِرْهُمَا، وَلَكِنْ يُؤَخْرُ ذَلِكَ إِلَى عَامٍ
آخَرَ، فَأَمَّا الْجِهَازُ، فَإِنِّى أَرَى أَنْ يَرْفَعَهُ حَتَّى يَخْرُجَ بِهِ، فَإِنْ خَشِىَ أَنْ يَفْسُدَ بَاعَهُ،
وَأَمْسَكَ ثَمَنَّهُ حَتَّى يَشْتَرِىَ بِهِ مَا يُصْلِحُهُ لِلْغَزْوِ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا يَجِدُ مِثْلَ حَهَازِهِ
إِذَا خَرَجٌ، فَلْيَصْنَعْ بِحَهَازِهِ مَا شَاءَ.
الشرح: وهذا كما قال أن من أوجب على نفسه الغزو بنذر أو قسم، فتجهز له ثم
منعه أبواه، فليس له أن يكابرهما فى ذلك العام، وليؤخر غزوه إلى العام المقبل، وقد بينا
أن الجهاد على ضربين، أحدهما: أن لا يتعين على المكلف الغزو والجهاد لقيام غيره به،
فهذا يلزمه طاعة أبويه فى المنع منه، مؤمنين كانا أو كافرين، قاله سحنون.
والأصل فى ذلك ما روى عن عبد الله بن عمر أنه قال: ((جاء رجل إلى النبى
فاستشاره فى الجهاد، فقال: ألك أبوان؟ فقال: نعم. قال: ففيهما فجاهد))(١).
ومن جهة المعنى أن طاعة أبويه من فروض الأعيان، والجهاد من فروض الكفاية،
وفروض الأعيان أكد.
مسألة: والضرب الثانى أن يتعين على المكلف الجهاد، وهو يتعين من وجهين،
أحدهما: أن يوجب ذلك على نفسه بنذر أو قسم. والثانى أن يجب ذلك عليه بأصل
الشرع ويتعين عليه لقوة العدو، وضعف المسلم عنه، فأما إن أوجب ذلك على نفسه،
فلا يمتنع منه لمنع أبويه، وإن كان وجب ذلك عليه بأصل الشرع لم يمتنع منه لمنع أيويه.
والفرق بينهما أن حق أبویه قد وجب علیه، فليس له أن يسقطه بنذر یلزمه نفسه،
وليس كذلك ما ثبت بأصل الشرع، فإنه يجب بالوجه الذى وجب به حق أبويه، فإذا
کان آ کد من حق أبویه لم یکن لهما المنع منه.
فصل: وقوله: ((وأما الجهاز، فإنى أرى أن يرفعه حتى يخرج به)) يريد أن هذا الأفضل
له؛ لأنه مال قد نوى به البر وسببه للغزو فيستحب أن لا يرجع عن ذلك، فإن أمسكه
كذلك، مات قبل الغزو به، فإنه ميراث سواء أمسكه عنده أو جعله على يد غيره؛ لأنه
كصدقة نذرها ولم ينفذها، فإن أشهد بإنفاذها، فهو على ضربين، أحدهما: أن يشهد
(١) أخرجه البخارى حديث رقم ٣٠٠٤، ٥٩٧٢. مسلم حديث رقم ٢٥٤٩. الترمذى
حديث رقم ١٦٧١. النسائى فى الصغرى حديث رقم ٣١٠٣.

............ ٣٥١
کتاب الجهاد
بإنفاذها إن مات، فهذه تكون من الثلث، والثانى أن يشهد بإنفاذها على كل حال،
فهذه تکون من رأس المال.
فصل: وقوله: ((فإن خشى أن يفسدها، باعه وأمسك ثمنه يشترى به ما يصلحه
للغزو)) يريد أن يكون جهازه ذلك مما يفسد ويتغير كالأزواد والأطعمة وغير ذلك مما
يسرع إليه الفساد، فإنه يبيعه ويمسك ثمنه؛ لأن الثمن يقوم مقامه، فإن كان غنيًا يعلم
أنه قدر على مثل ذلك أو أفضل منه إذا تيسر غزوه، لم يكن له التصرف فيه إذا اعتقد
أن يعوض منه مثله أو أفضل منه.
جامع النفل فى الغزو
١٠٢٣ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ الَّهِ ﴿ بَعَثَ سَرِيَّةٌ
فِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قِيَلَ نَجْدٍ، فَغَنِمُوا إِلا كَثِيرَةً، فَكَانَ سُهْمَانُهُمُ اثْنَىْ عَشَرَ بَعِيرًا
أَوْ أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا وَنُفْلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا.
الشرح: قوله رضى الله عنه: ((فكانت سهمانهم)) يريد مبلغ سهمانهم الواقعة لهم
من الغنيمة ((اثنى عشر بعيرًا أو أحد عشر بعيرًا)) شك فى ذلك الراوى، ويحتمل
وجهين، أحدهما: أنه شك هل سهمانهم كانت اثنى عشر بعيرًا أو أحد عشر بعيرًا.
والثانى: أنه شك هل كانت سهامهم اثنى عشر، ونفلوا بعيرًا زائدا على ذلك،
وبلغت بالنافلة اثنى عشر بعيرًا، غير أنه يعود من جهة هذا العدد إلى معنى واحد.
١٠٢٣ - أخرجه البخارى فى فرض الخمس ٢٩٠١. ومسلم فى الجهاد والسير ٣٢٩٠. وأبو داود
فى الجهاد ٢٣٦٢، ٢٣٦٤، ٢٣٦٥. وأحمد فى مسند المكثرين من الصحابة ٤٣٥١،
٤٩٣٣، ٥٠٣٤، ٥٢٦١، ٥٦٤٩، ٦٠٩٧، ٠٦١٦٥ والدارمى فى السير ٢٣٧٠
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٢٤١/٦: هكذا رواه يحيى، عن مالك على شك فى أحد عشر
بعيرًا، أو اثنى عشر بعيرًا، وتابعه على ذلك جماعة رواة الموطأ؛ منهم: القعنبى وابن القاسم
وابن وهب وابن بكير ومطرف وغيرهم؛ إلا الوليد بن مسلم، فإنه رواه عن مالك، عن نافع،
عن ابن عمر؛ وقال فيه: فكانت سهمانهم اثنى عشر بعيرًا. ونفلوا بعيرًا بعيرًا، دون شك،
وأظنه حمله على رواية شعيب بن أبى حمزة لهذا الحديث، فإنه عند الوليد، عن شعيب، عن
نافع، عن ابن عمر: اثنى عشر بعیرًا، بلا شك. فحمل حديث مالك على ذلك وهو غلط منه،
والله أعلم.

٣٥٢
كتاب الجهاد
وقوله: ((ونفلوا بعد ذلك بعيرًا بعيرًا)) يريد أعطوه زائدًا على ما وجب لهم، ويحتمل
أن يكون جميع ما حصل لهم اثنى عشر بعيرًا من جهه اللفظ غير أن قوله: ((غنموا إبلاً»
يدل على أن سهام كل واحد منهم كانت هذا العدد، والنافلة فى كلام العرب عطية
التطوع والزيادة فى العطاء على الواجب.
وهذا يقتضى أن النفل فى الخمس، وذلك أنه قد سوى بينهم فى النفل، فنفلوا بعيرًا
بعيرًا، فلو كان النفل من الأربعة الأخماس التى لهم لما كان فى ذلك فائدة، لأن ذلك
كان لهم لو لم ينفلوه، وقسمت بينهم الأربعة الأخماس، ولو كان ذلك لكان هذا
الفعل لا فائدة فيه، ولكان هذا اللفظ من جملة اللغو، ولما أجمعنا على أنه ﴿﴿ لا يفعل
ما لا فائدة فيه، ثبت أنه قسم عليهم الأربعة الأخماس، ثم نفلهم بعد ذلك من غيرها
بعيرًا، ولا سهم يمكن أن يشار إليه ينفلوا منه غير الخمس، وهذا مذهب مالك رحمه
الله أن النفل لا يكون إلا من الخمس، وبه قال أبو حنيفة والشافعي.
١٠٢٤ - مَالِك، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ أَنْهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَّبِ يَقُولُ: كَانَ
النّاسُ فِى الْغَزْوِ إِذَا اقْتَسَمُوا غَنَائِمَهُمْ يَعْدِلُونَ الْبَعِيرَ بِعَشْرِ شِيَاءٍ(١).
الشرح: قوله: ((كان الناس إذا قسموا غنائمهم)) يريد الصحابة. وفى هذا خمسة
أبواب، أحدها: فى موضع قسمة الغنيمة. والثانى: فى من يقسمها. والثالث: فيما
يقسم منها. والرابع: فى من يسهم له منها. والخامس: فى صفة قسمتها.
*
الباب الأول فى موضع قسمتها
هو من بلد الحرب بحيث لا يمنع من ذلك مخافة أو عدم قوت يحتاج إليه، لا من
١٠٢٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٤٤.
(١) قال فى الاستذكار ١٠٨/١٤ - ١٠٩: فى هذه المسألة جواز قسمة الحيوان المختلف
الأجناس بعضه ببعض على اختلاف أجناسه. وبه قال الشافعى، ولا ربا عته فى ذلك فى شىء
من الحيوان بعضه ببعض نقدًا ونسيئة. وهو قول أبى حنيفة، إلا فى النسيئة، قال: تقسم الإبل
والبقر والغنم والثياب كيف شاء أربابها يدا بيد. وقال عيسى بن دينار، عن أبى القاسم: ليس
العمل على حديث سعيد بن المسيب هذا، ولكن تقسم الإبل على حدة، والغنم على حدها
بالغنيمة، وكذلك سائر العروض، يقسم كل جنسٍ على حدته بالغنيمة، ولا يقسم شىء منها
بالسهم، ولا يجعل جزء من جنس من غيره، ذلك مكروه؛ لأنه لا يدرى أين يقع سهمه، وهو
عنده من باب الغرر. وهذا خلاف ظاهر فى حديث سعيد بن المسيب.

کتاب الجهاد
٣٥٣
...
المقام بسبب التقاسم. وبه قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: فى بلاد المسلمين إلا أن
يحتاج الجيش إلى ثياب أو ما أشبه ذلك، فيقسم ذلك بينهم ويبقى الباقى يقسم فى دار
الإسلام، فإن قسم الجميع بدار الحرب مضى الحكم بذلك ولا ينقض.
والدليل على ما نقوله ما روى الأوزاعى أن رسول الله ﴾ لم يقسم غنيمة قط إلا
فى دار الشرك، فمنها غنيمة بنى المصطلق قسمها على مياههم، وقسم غنيمة هوازن فى
دارهم، وقسم غنيمة خیبر بخیبر، وهم مشركون، ثم لم ينزل الناس من لدن التبى
إلى زمن عمر وعثمان والخلفاء كلهم وجيوشهم فى البر والبحر ما قسموا غنيمة قط
إلا حيث غنموها، وهذا معروف عند أهل السير والمغازى.
فإن قيل إنما قسم رسول الله مؤ غنائم بنى المصطلق فى مياههم، وهوازن فى
دارهم؛ لأنها كانت دار إسلام يدل على ذلك أن النبى 18 بعث الوليد بن عقبة
مصدقًا إليهم، فعلم أنهم كانوا مسلمين.
فالجواب أن هذا غير صحيح لأنهم لم يكونوا مسلمين وقت الغنيمة، ولو كانوا
مسلمين ما قسم غنائمهم، والنبى ﴿﴿ غنم بنى المصطلق سنة خمس وأسلموا سنة عشر
وفى سنة عشر بعث إليهم الوليد بن عقبة مصدقًا.
ودليلنا من جهة القياس أن كل مكان جازت فيه قسمة الثياب إذا احتيج إليها، فإنه
يجوز قسمة سائر الغنائم كدار الإسلام، وهذا إذا كان الغانم جيشًا.
فإن كان سرية من الجيش، فلا يقسم حتى يعود إلى الجيش، قاله ابن المواز، وذكر
أنه قول أصحابنا إلا عبد الملك بن الماجشون، فإنه قال: إلا أن يخشى من ذلك فى
السرية مضرة من تضييع مبادرة الانصراف، وطرح أثقال، وقلة طاعة وإلى السرية،
فتباع الغنيمة، ويلزم كل مبتاع حفظ ما ابتاعه، ويلزم البيع من غاب من أهل
الجیش.
فوجه ما قاله ابن المواز أن القسمة لا تصح إلا بعد الرجوع إلى الجيش؛ لأن
أنصباءهم فى غنيمة السرية ووالى السرية لا يلزم أهل الجيش حكمه، فيقسم عليهم
ويبيع ما لهم وإنما يلزمهم حكم أميرهم.

٣٥٤
کتاب الجهاد
.......
الباب الثانى فى بيان من إليه قسمة الغنيمة [ ........ ] (١)
الباب الثالث فى بيان ما يقسم من الغنيمة وتمييزه مما لا يقسم
الأصل فى ذلك أن ما كان منها مباحًا لكل واحد من الجيش أخذه من بلاد العدو
والاستبداد به، وهو على ضربين، أحدهما: أن يكون مملوكًا فى الأصل، ولكنه يباح
للانتفاع به للغذاء والقوة، وسیأتی بیانه.
والثانى ما كان على حكم الأصل لمن يملك بعد، وهو ينقسم إلى قسمين، أحدهما:
ما لا يترك أكثره ويتمول جميع ما يوجد منه لنفاسته كالجواهر والياقوت والعنبر، فإن
هذا قياسه على مذهب أصحابنا أنه فى كله لما ذكرناه كالنساء والصبيان.
مسألة: والقسم الثانى، أن يؤخذ من الجيش بعضه يترك أكثره كالصيد والخشب
يستحب منها ما يحتاج إليه من سرج أو رخامة أو مس أو نشاب أو قتب.
فأما ما كان منه له قيمة بأرض العدو ولخفة حمله وكثرة قيمته كالبازى والصقر،
فالذی علیه جمهور أصحابنا أنه يكون فيًا، وحكاه ابن حبيب عن مالك.
ووجه ذلك أن له قيمة كثيرة بموضع الاستيلاء عليه، فوجب أن یکون فیًا کسائر
ما يقسم. وأما ما لم يكن له يبلد العدو إلا القيمة اليسيرة، فروى أشهب عن مالك فى
العتبية أنه قيل له بأرض العدو أشجار لها ثمن كثير ببلاد الإسلام وحملها خفيف
وشأنها ببلاد العدو يسير، قال: لا بأس بأخذ هذا وله أخذه للبيع، ولو جاء به إلى
صاحب المقاسم لم يقبله ولم يقسمه.
وروى ابن حبيب عن ابن القاسم أنه إذا كان مما يؤكل من حيتان أو صيد، فما
أكل منه فهو له، وما باعه كان ثمنه فيئًا. وكذلك ما حمل إلى أهله فباعه إلا اليسير
الذی یفضل عنه.
وروى ابن المواز عنه أن ما عمل من الخشب والحجارة من سرج وقتب وعصى
رماح، وما يحتاج إليه، فهو له، وإن فضل منه يسير كان له، وأما ما كثر مما يقصد به
التمول، فهو فىء.
ووجه قول مالك أن هذا مباح، فوجب أن لا يكون فيًا كما لو أدخل معه عودًا أو
حجرًا فتحه فى بلاد الحرب؛ لكان له دون جميع الجيش.
(١) ما بين المعقوفتين بياض فى الأصل.