Indexed OCR Text

Pages 1821-1840

٢٥٥
كتاب الصيد ..
واحتج مالك لقوله المتقدم بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشىء
من الصيد تناله أيديكم ورماحكم﴾ [المائدة: ٩٤]، ولم يذكر أهل الكتاب فى الصيد
كما ذكر إباحة طعامهم، وهى ذبائحهم.
ووجه الاستدلال بهذه الآية على قول من یری المضاف من باب الحصر، فلما
أضاف الأيدى والرماح إلى المخاطبين، وهم المؤمنون دل ذلك على قصر هذا الحكم
علیه.
ووجه قول ابن وهب أنها ذكاة، فصحت من الكتابی کالذبح.
مسألة: وأما صيد المجوسى، فإنه لا يجوز كما لا تجوز ذبيحته؛ لأنه ليس من أهل
الكتاب، وإنما أباح الله تعالى لنا طعام أهل الكتاب بقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا
الكتاب﴾ [المائدة: ٥]، وإذا تولد صبی بین کتابی وموسى، فحكمه فى هذا الباب
حکم أبيه، وسیأتی بیانه إن شاء الله تعالى.
مسألة: وأما المجنون، فلا یؤ کل صیده ولا ذبيحته، و کذلك السكران، رواه ابن
المواز، عن مالك؛ لأن الصيد يحتاج إلى نية، ولا تصح النية من أحدهما.
ما جاء فى صيد البحر
٩٨٥ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِى هُرَيْرَةَ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ عُمَرَ
عَمَّا لَفَظَ الْبَحْرُ فَنَهَهُ عَنْ أَكْلِهِ. قَالَ نَافِعٌ: ثُمَّ انْقَلَبَ عَبْدُ اللَّهِ فَدَعًا بِالْمُصْحَفِ فَقْرَاً
﴿أَحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦]. قَالَ نَافِعٌ: فَأَرْسَلَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
عُمَرَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى هُرَيْرَةَ إِنَّهُ لا يَأْسَ بِأَكْلِهِ.
الشرح: قوله: ((إن عبد الله بن عمر نهى عن أكل ما لفظه البحر))، وذلك على
ضربين، أحدهما: أن يلفظه حيًّا. والثانى: أن يلفظه ميتًا لما اعتقد تحريمه، ثم ظهر إليه
أن يعيد النظر أو يذكر الآية، فأعاد نظره فيها، فقرأ: ﴿أخل لكم صيد البحر
وطعامه﴾، فحمل الصيد على ما اصطيد منه لامتناعه، والطعام على ما يتناول دون
تصید.
٩٨٥ - أخرجه عبد الرزاق فى المصنف ٥٠٨/٤. البيهقى فى السنن الكبرى ٢٥٥/٩. وذكره ابن
عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠٢٨.

٢٥٦
كتاب الصيد
وذلك لا يكون إلا فى الطافی الذی قد مات، وهو فى الغالب لا يعلم سبب موته،
ولا أنه مات بسبب، فلما استوى عنده ذلك فى الإباحة، إما لعموم الآية أو لغيرها من
الأدلة، رجع عن المنع منه إلى إباحته.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فجميع صيد البحر حلال عند مالك. وأما كلب الماء
وخنزيره، فقد روى الشيخ أبو القاسم أنه مكروه غير محرم، وقاله ابن حبيب. وفى
الموازية اختلف فى خنزير الماء، فأجاز أكله ربيعة، وكرهه يحيى بن سعيد، وظاهر القرآن
والسنة يبيحه.
فوجه القول الأول ظاهر التسمية، وفى المدونة عن ابن القاسم: لم يكن مالك يجيبنا
فيه بشىء، ويقول: أنتم تقولون خنزير، يريد والله أعلم، التعلق بعموم قوله تعالى:
﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾ [المائدة: ٣]، ولاسيما على قول من يراعى
فى العموم موضوع اللفظ دون عرف استعماله.
ومن راعى عرف استعماله دون موضوعه توقف عن الجواب أو حكم لما لم يدخل
تحت عرف الاستعمال بالكراهية. قال ابن القاسم: إنى لأتقيه، ولو أكله رجل لم أره
حرامًا.
وجه القول الأول قوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ [المائدة: ٩٦]، وما
روى عنه ﴿ أنه قال: ((هو الطهور ماؤه الحل ميتته))(١).
مسألة: وأما الخريت، فقال ابن عباس: لا بأس بأكله، وهو ظاهر مذهب مالك
وأصحابه. وقال ابن حبيب: أنا أكرهه؛ لأنه يقال أنه من الممسوخ.
فصل: وقوله: ((نهى عن أكل ما لفظه البحر))، وذلك على ضربين، أحدهما: أن
يلفظ حيًّا. والثانى: أن يلفظه ميتًا، فأما لفظه حيًّا، فإن مذهب مالك جواز أكله،
: كذلك ما لفظه ميتًا، سواء مات بسبب أو بغير سبب، وبه قال الشافعى.
وقال أبو حنيفة: لا تؤكل ميتته إلا ما مات بسبب مثل أن يؤخذ، فيموت أو يموت
من شدة حر أو برد أو تقتله سمكة أخرى أو ينضب عنه الماء فيموت، أو يلفظه البحر
حيًّا، فيموت. فأما إن مات حتف أنفه أو لفظه البحر ميتًا، فإنه لا يؤ كل.
(١) أخرجه الترمذى فى سننه حديث رقم ٦٩. النسائى فى الصغرى حديث رقم ٥٩، ٣٣٢،
٤٣٥٠. أبو داود حديث رقم ٨٣. ابن ماجه حديث رقم ٣٨٦، ٣٨٧، ٣٨٨، ٣٢٤٦. الإمام
أحمد فى المسند حديث رقم ٧١٩٢، ٨٥١٨، ٨٨٥٥، ١٤٥٩٤، ٢٢٥٨٦. الدارمى حديث
رقم ٢٠١١،٧٢٩.

٢٥٧
كتاب الصيد
والدليل على ما نقوله الحديث المتقدم فى كتاب الطهارة، وهو ما رواه أبو هريرة أن
رسول الله ﴾ قال: ((هو الطهور ماؤه الحل ميتته)).
ودليلنا من جهة القياس أن هذا سمك لو مات فى البر لأكل، فإذا مات فى البحر،
وجب أن يؤكل. أصله إذا مات بسبب، وأيضًا فإن الذكاة إنما تكون بقصد قاصد
يصح منه القصد، ولا خلاف أن ذلك لا يعتبر فى الحوت، فوجب أن لا تعتبر فيه
الذكاة.
إذا ثبت ذلك، ففى هذا بابان، أحدهما: فى بيان ما يجوز أكله بغير ذكاة. والباب
الثانى: فى بيان ما لا يجوز أكله إلا بذكاة.
الباب الأول فى بيان ما يجوز أكله بغير ذكاة
ما فى الماء الحيتان ودوابه على ضربين، ضرب: لا تبقى حياته فى غير الماء،
وضرب: تبقى حياته فى غير الماء. فأما ما لا تبقى حياته فى غير الماء كالسمك وجميع
أنواع الحيتان والدواب التى إذا خرجت من الماء لم تبق حياتها، وعاجلها الموت، ولا
تصرف لها فى البر، فلا خلاف فى المذهب أنه يجوز أكل ذلك كله بغير ذكاة ولا
سبب.
وأما ما تبقى حياته فى البر كالضفادع والسلحفاة والسرطان، ففى المدونة عن
مالك إباحة أکله من غیر ذکاة ولا سبب.
وروى عيسى، عن ابن القاسم: ما كان مأواه فى الماء، فإنه يؤكل بغير ذكاة، وإن
كان يرعى فى البر، وكان مأواه ومستقره فى البحر، فإنه لا يؤكل إلا بذكاة وإن كان
يعيش فى الماء. وفى المدنية عن محمد بن إبراهيم بن دينار، فى القسمين: لا يؤكل إلا
بذكاة، وهو قول أبى حنيفة والشافعى.
وجه قول مالك أن هذا من حيوان الماء، فلا يحتاج إلى ذكاة كالحوت. ووجه القول
الثانى أنه حيوان يعيش فى البر، فلم يجز أكله إلا بذكاة كحيوان البر.
مسألة: دم السمك نجس، وبه قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: هو طاهر يحل أكله.
وبطهارته قال الشيخ أبو الحسن.
والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾ [المائدة: ٣]، وهذا

کتاب الصيد
....
٢٥٨ ...
عام فيحمل على عمومه. ودليلنا من جهة القياس أن هذا دم سائل، فوجب أن يكون
بجسًا کسائر الدماء.
الباب الثانى فى بيان ما لا يجوز أكله إلا بذكاة
أما ما يحتاج إلى ذكاة فهو كالجراد والحلزون، وما يكون فى البر من الحشرات
وأنواع الخشاش.
قال القاضى أبو الوليد: وهى عندى من التى ليست لها نفس سائلة، فقد روى عن
مالك فى كتاب ابن المواز وغيره: أنه لم يجز أكل الجراد وغيره إلا بذكاة، فإن ماتت
بغير سبب بعد أن اصطيدت حية، فقد أجاز أكلها سعيد بن المسيب وعطاء بن أبى
رباح، وقالا: أخذها ذكاتها، ولو وجدت ميتة لم يجز عندهما أكلها. وأجاز ذلك
مطرف من رواية ابن حبيب عنه، وقاله محمد بن عبد الحكم وبه قال الشافعى.
ووجه قول مالك قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ وهذه ميتة.
ومن جهة المعنى أن هذا من حيوان البر، فلم يجز أكله بغير ذكاة. أصل ذلك سائر
حيوان البر.
ووجه قول مطرف أن هذا حيوان مقدور عليه لا تعتبر فيه الذكاة المخصوصة، فلم
تعتبر فیه ذکاة. أصله الحوت.
فرع: وحكم الحلزون حكم الجراد فى أنها لا تؤكل إلا بذكاة. قال ابن حبيب:
كان مالك وغيره يقول: من احتاج إلى أكل شىء من الخشاش لدواء أو غيره، فلا بأس
به إذا ذكى كما يذكى الجراد كالخنفساء والعقرب وبنات وردان والعقربان والجندب
والزنبور واليعسوب والذر والنمل والسوس والحلم والدود والبعوض والذاباب وما أشبه
ذلك.
٩٨٦ - مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ سَعْدٍ الْحَارِىِّ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ
أَنْهُ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عُمَرَ عَنِ الْحِيتَانِ يَقْتُلُ بَعْضُهَا بَعْضًا أَوْ تَمُوتُ صَرَدًا،
فَقّالَ: لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ. قَالَ سَعْدٌ: ثُمَّ سَأَلْتُ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَالَ مِثْلَ
ذَلِكَ.
٩٨٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠٢٩. كشف الغمة ٢٤٠/١.

............ ٢٥٩
كتاب الصيد ..
الشرح: ما قتل بعضه بعضًا من الحيتان أو مات صردًا، يجوز أكله، وهو مما اتفق
عليه مالك وأبو حنيفة والشافعى؛ لأنه مات بسبب، وليس من شرطه عند أبى حنيفة
أن يكون السبب من فعل الصائد بل يجوز أكله متى مات بسبب من فعل الصائد أو
غير فعله، وما احتاج إلى سبب عند مالك، فإنه يحتاج أن يكون السبب من فعل قاصد
إلى ذلك.
وقد نص على ذلك الشيخ أبو بكر فى كل ما ليست له نفس سائلة: أن ذكاته
بأن يقصد إلى إماتته بفعل ما، وهل يعتبر فيه من صفة الفاعل ما يعتبر فى الذكاة
أم لا؟.
فى العتبية من رواية أشهب، عن مالك: لا يجوز صيد المجوسى للجراد إن قتلها
بفعله، إلا أن تؤخذ منه حية. قال ابن عبد الحكم: وعلى آخذها التسمية عند قطع
رءوسها أو أجنحتها أو غير ذلك مما يقتلها، وهذا لا يدل على أن هذا ذكاة لها.
٩٨٧ - مَالِكِ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْفَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً
وَزَيِّدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنْهُمَا كَانَا لا يَرَيَانِ بِمَا لَفَظَ الْبَحْرُ بَأْسًا.
٩٨٨ - مَالِك، عَنْ أَبِىِ الرِّنَادِ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ
الْجَارِ قَدِمُوا، فَسَأَلُوا مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ عَمَّ لَفَظَ الْبَحْرُ، فَقَالَ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ. وَقَالَ:
اذْهَبُوا إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِى هُرَيْرَةً فَاسْلُوهُمَا عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ الْتُونِى فَأَخْبِرُونِى،
مَاذَا يَقُولان؟ فَأَتَوْهُمَا فَسَأَلُوهُمَا، فَقَالا: لا بَأْسَ بِهِ، فَأَتَوْا مَرْوَانَ فَأَخْبُرُوهُ. فَقَالَ
مَرْوَانُ: قَدْ قُلْتُ لَكُمْ.
قَالَ مَالِك: لا بَأْسَ بِأَكْلِ الْحِيْثَانِ يَصِيدُهَا الْمَحُوسِىُّ لأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ فِى
الْبَحْرِ: (هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَْتُهُ».
قَالَ مَالِكٍ: وَإِذَا أُكِلَ ذَلِكَ مَيْتًا فَلا يَضُرُّهُ مَنْ صَادَّهُ.
الشرح: قوله: ((أن ناسًا من أهل الجار أتوا مروان فسألوه عما لفظ البحر))، ومعناه
من الحيتان والدواب، وإنما سألوه؛ لأنه كان أمير المدينة حينئذ، فأفتاهم بأكله، ثم
٩٨٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠٣٠.
٩٨٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠٣١.

کتاب الصيد
٠٢٦٠
أمرهم أن يسألوا زيد بن ثابت وأبا هريرة؛ لأنهما كانا من أعلم من بقى من أصحاب
النبى ﴿4 بالمدينة فى ذلك الوقت.
ولعل من كان يشاركهما فى العلم غاب ذلك الوقت واستظهر بمشاورتهما،
المعنيين، إما لأنه قد علم موافقتهما له على هذا الحكم قبل هذا، وأراد أن يقوى ذلك
فى أنفس السائلين بجواب علماء الصحابة وفقهاء المدينة، وإما لأنه لم يعلم قولهما فى
ذلك، فأراد أن يستظهر بجواب من هو أعلم منه، ويعلم فى ذلك قوله، وإن كان قد
ظهر إليه ما أجاب به.
فلما وافقاه على ذلك تحقيق قوله، وقوى فى نفسه ما أفتاهم به، ولم يسأل مروان
ولا زيد ولا أبو هريرة أحدًا من السائلين عما رماه البحر من ذلك، هل رماه حيًّا أو
ميتًا؛ لأن الحكم عندهم فى ذلك واحد على ما قدمنا ذكره من قول مالك، ولو
اختلف الحكم فيه لسألوا عنه، وكان الجواب من التفصيل على حسبه، والله أعلم.
تحريم أكل كل ذي ناب من السباع
٩٨٩ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى إِدْرِيسَ الْخَوْلانِىِّ، عَنْ أَبِى ثَعْلَبَةً
الْعُشَنِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((أَكْلُ كُلِّ ذِى نَابٍ مِنَ السَِّاعِ حَرَامٌ)).
٩٩٠ - مَالِك، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِى حَكِيمٍ، عَنْ عَبِيدَةَ بْنِ سُفْيَانَ الْحَضْرَبِىِّ،
٩٨٩ - أخرجه البخارى الذبائح والصيد ٥١٠١، ٥١٠٤، الطب ٥٣٣٥. ومسلم فى الصيد
والذبائح وما يؤكل من الحيوان ٣٥٧٠، ٣٥٧٢. والترمذى فى الصيد ١٣٩٧، السير ١٤٧٧،
١٤٨٢، فضائل الجهاد ١٥٦٠. والنسائى فى الصيد والذبائح ٤٢٤٩، ٤٢٥٠، ٤٢٦٥،
الضحايا ٤٣٢٥، ٤٣٢٦، ٤٣٤٢. وأبو داود فى الأطعمة ٣٣٠٨، الحدود ٣٨٠٢. وابن ماجه
فى الصيد ٣٢٢٣، ٣٢٣٢. وأحمد فى مسند الشاميين ١٧٠٦٥. والدارمى فى الأضاحى
١٨٩٨، ١٨٩٩، الأطعمة ١٩٨٠، ١٩٨١.
٩٩٠ - أخرجه مسلم فى الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان ٣٥٧٣. والترمذى فى الصيد
١٣٩٩. والنسائى فى الصيد والذبائح ٤٢٤٨. وابن ماجه فى الصيد ٣٢٢٤. وأحمد فى باقى
مسند المكثرين ٦٩٢٦، ٨٤٣٤، ٩٠٥٤. والطبرانى فى الكبير ٣٢٠/٨ عن أبى أمامة. وذكره
فی الکنز برقم ٤٠٨٩١ وعزاه لمسلم رابی داود عن أبى هريرة.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٦١/٧، ٦٢: هكذا قال يحيى فى هذا الحديث بهذا الإسناد: أكل
كل ذي ناب من السباع حرام. ولم يتابعه على هذا أحد من رواة الموطأ فى هذا الإسناد=

............ ٢٦١
کتاب الصید
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((أَكْلُ كُلِّ ذِى نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ).
قَالَ مَالِك: وَهُوَ الأَمْرُ عِنْدَنَا.
الشرح: نهيه ﴿﴿ عن أكل كل ذي ناب من السباع، ظاهره التحريم، ويجوز أن
يحمل على الكراهية، بدليل أن وجد فى الشرع.
واختلف العلماء فى تحريم السباع، فروى العراقيون من المالكيين عنه: أنها كلها
عنده على الكراهية، من غير تمييز ولا تفضيل، وهو ظاهر فى المدونة.
وقد روى عبد الرحمن بن دينار، عن ابن كنانة أنه قال: كل ما يفترس من السباع
ويأكل اللحم، فهو مما لا يؤكل، وما كان سوى ذلك من دواب الأرض وما يعيش
بنبات الأرض، فلم يأت فیه نھی.
قال عيسى، عن ابن القاسم: وهذا فيما كان من السباع، فأما الطير فإنها تفترس
وتأکل اللحم، وليس بأ کلھا بأس.
وأما المدنيون من المالكيين، فقد قال ابن حبيب: لم يختلف المدنيون فى تحريم لحوم
السباع العادية، الأسد والنمر والذئب والكلب، فأما غير العادية كالذئب والثعلب
والضبع والهر الوحشى والإنسى، فيكره أكلها دون تحريم، قاله مالك وابن الماجشون.
ولعله لم يبلغه قول ابن كنانة أو بلغه وحمله على المنع فى الجملة، وأنه عنده على
ضربين، منه ممنوع على وجه التحريم، ومنه ممنوع على وجه الكراهية.
وأما المغاربة من المالكيين، ففى كتاب ابن المواز، عن مالك: السبع والنمر والفهد
محرمة بالسنة، والذئب والثعلب والهر مكروهة. وقد يوجد من قول ابن القاسم وروايته
عن مالك أن ذلك كله على الكراهية مثل رواية العراقيين.
استدل شيوخنا فى ذلك بقوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحى إلىّ محرمًا على طاعم
يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ [الأنعام: ١٤٥]،
فليست لحوم السباع مما تضمنته الآية، فوجب أن لا يكون محرمًا.
=خاصة وإنما لفظ حديث مالك عن ابن شهاب، عن أبى إدريس، عن أبى ثعلبة، عن النبى
أنه نهى عن أكل كل ذى ناب من السباع، وأما اللفظ الذى جاء به يحيى فى هذا الإسناد فإنما
هو لفظ حديث مالك عن إسماعيل بن أبى حكيم، عن عبيدة بن أبى سفيان، عن أبى هريرة،
عن النبى

کتاب الصید
٢٦٢ ٠٠
ودليلنا من جهة القياس أن هذا سبع، فلم يكن محرمًا كالضبع والثعلب.
فصل: وقوله : ((أكل كل ذي ناب من السباع حرام)) وهذا نص فى التحريم،
وقد أجاب عنه أبو بكر بن الجهم وغيره بأن سفيان غير معلوم الحفظ.
وقد روى الزهرى حديث أبى ثعلبة الخشنى، فلم يذكر لفظ التحريم، وليس هذا من
الاعتراض؛ لأن مالكًا أخرجه فى موطئه، وهذا يدل على تصحيحه له، والتزامه له، إلا
أن یکون عنده فی ذلك تأويل.
وأما مخالفة لفظ حديث الزهرى له، فليس باعتراض صحيح الجواز أن يكون أبو
هريرة نقل لفظ التحريم، ونقل أبو ثعلبة لفظ النهى.
وقد أجاب عنه بعض أصحابنا بأن قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحى إلىّ محرمًا
على طاعم يطعمه﴾ الآية، عام فى نفى كل محرم غير ما تضمنت الآية تحريمه، إلا أن
يدل دليل على تحريم ما لا تتضمنه الآية كما دلت آية الخمر على تجريمها، وإن لم يكن
ذلك فى هذه الآية.
وحديث لحوم السباع عام فى تحريمها على كل أكل، فتحمل الآية على عمومها،
ويخص بها حديث تحريم لحوم السباع، ونحمله على المحرمين، وكان ذلك أولى؛ لأن
الآية مقطوع بصحتها، وكان التعلق بعمومها أولى من التعلق بعموم مظنون، وهو عموم
الخبر.
فإن قيل: فما فائدة تخصيص لحوم السباع وسائر لحوم الوحش محرمة على المحرمين؟
فالجواب أنه لا يمنع بأن يخص نوعًا من الجنس دون جمیعه ليجتهد فى إلحاق الباقى به أو
مخالفته له كما يقولون أنه نهى عن أكل كل ذى ناب من السباع، وخص بذلك
التحريم، وإن كان غيره من الحيوان عندكم حرامًا لم ينص عليه.
وجواب ثان، وهو أنه إنما خص لحوم السباع بالذكر لما كانت مما أبيح للمحرم قتلها
ابتداء لئلا يعتقد أنها بمنزلة بهيمة الأنعام فى استباحة لحومها لما كانت بمنزلتها فى
استباحة قتلها.
والأصل عندى فى هذا أن يخص الحديث بقوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم
واذكروا اسم الله عليه﴾ [المائدة: ٤]، فالآية عامة فى كل الحيوان وخاصة فى
الإمساك، وحديث أبى هريرة خاص فى السباع، وعام فى أحوالها، فنجمع بينها،
ونخص الحديث، ونحمله على الميتة بدليل خصوص الآية فيما أمسك علينا.

٢٦٣
...
کتاب الصيد
وكان ذلك أولى من تخصيص الآية بالحديث لمعنيين، أحدهما: أن الآية معلومة
والحديث ليس بمعلوم. والثانى: أن عموم الآية لم يدخله تخصيص، وعموم الحديث قد
دخله تخصيص فى الضبع والثعلب عندنا وعند الشافعى.
ووجه ذلك أن الأغلب من هذه السباع العادية أنها لا يتمكن منها إلا بعد فوات
ذكاتها، فخرج الحديث على الأغلب من أحوالها، فهذا الذى يمكن أن يقال فى ذلك.
ورواية من روى عن مالك: التحريم أظهر لحديث أبى هريرة، وهو نص فى التحريم
وخاص فى السباع.
وقد قال القاضى أبو إسحاق فى مبسوطه: أحسب أن مالكًا حمل النهى عن أكل
كل ذى ناب من السباع على النهى عن أكلها خاصة؛ لأن عبيدة بن سفيان روى عن
أبى هريرة أن رسول الله ﴿﴾ قال: ((أكل كل ذى ناب من السباع حرام))، فذهب
مالك إلى أن النهى مختص بالأكل، وأن التذكية طهر لغير الآكل، فقال: لا بأس يجلود
السباع المذكاة أن يصلى عليها.
مسألة: إذا قلنا بتحريم لحوم السباع العادية، فقد روى ابن حبيب، عن مالك: أن
الدب والثعلب والضبع ليست بمحرمة، وهذا على ما قاله ابن حبيب، فإن قول مالك
لم يختلف فى السباع التى لا تبدأ بالأذى غالبًا، كالهر والتغلب والضبع.
وإنما اختلف قوله فى السباع العادية التى تبدأ بالأذى غالبًا، فروى عنه التحريم،
وروى عنه الكراهية، وما روى عن ابن القاسم وابن كنانة أن كل ما يفرس ويأكل
اللحم لا يؤكل لحمه، يحتمل أن يريد به التحريم، ويحتمل أن يريد به الكراهية. وأما
القرد، فقد قال ابن حبيب: لا يحل لحم القرد.
قال الإمام أبو الوليد، رحمه الله: والأظهر عندى أنه ليس بحرام لعموم الآية، ولم
يرد فيه ما يوجب تحريمًا ولا كراهية، فإن كانت كراهية فلاختلاف العلماء فيه، والله
أعلم.
مسألة: وأما أكل الضب، فمباح عند مالك. وقال أبو حنيفة: هو مكروه.
مسألة: ولا تؤكل حية ولا عقرب، قاله الشيخ أبو بكر، وإنما كره أكلها؛ لأنها
ليست من بهيمة الأنعام ولا الطير ولا السمك، وقد يجوز أن تكون فى معنى السباع،
فكره أكلها كما كره أكل لحوم السباع.

کتاب الصيد
٢٦٤
فأما تحريمها فغير جائز؛ لأن الدليل لم يقم على ذلك، فنص على المنع على وجه
الكراهية لا على وجه التحريم للوجهين اللذين ذكرهما، ويحتمل أن يكون كره أكلهما
لما فيهما من السم مخافة على آكلها.
وأما أكل كل شىء من ذلك على وجه التداوى إذا أمن من أذاها وعرف وجهه،
فلا بأس به وله أبيح أكل الترياق مع ما فيه من لحوم الأفاعى لمن أمن أذاها، وعرف
سلامة لحمها من سمها.
مسألة: حشرات الأرض مكروهة، خلافًا لأبى حنيفة والشافعى فى قولهما: هى
محرمة.
والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحى إلى محرمًا على طاعم
يطعمه﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية، وليس فيها ذكر الحشرات. ومن جهة المعنى أنها من
الهوام، فكره أكلها لغير ضرورة کالحيات.
مسألة: وأجاز مالك أكل الطير كله ما كان له مخلب، وما لم يكن له مخلب، قال
مالك: لا بأس بأكل الصرد والهدهد، ولا أعلم شيئًا من الطير يكره أكله.
واختلف قول مالك فى الخطاف، ففى المستخرجة: لا بأس بأكل الخطاطيف، وقاله
ابن القاسم. وروى على بن زياد، عن مالك أنه كره أكلها. والأول أكثر وأظهر،
خلافًا لأبى حنيفة والشافعى فى قولهما: لا يؤكل كل ذى مخلب من الطير.
والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحى إلى محرمًا على طاعم
يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير﴾ الآية، وهذا عام فنحمله على
عمومه، إلا ما خصه الدليل، وقوله تعالى فى الجوارح: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾
[المائدة: ٤] ولم يفرق بين ذى مخلب وغيره.
ودليلنا من جهة القياس أن هذا طائر فلم يكن حرامًا كالدجاج والأوز.
*
*
*
ما يكره من أكل الدواب
مَالِك أَنَّ أَحْسَنَ مَا سَمِعَ فِى الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ أَنَّهَا لا تُؤْكِّلُ لأَنَّ اللّهَ
تَبَارَكَ وَتَعَلَى قَالَ: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِقَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكُبُوهَا وَزِينَةٌ﴾ [النحل: ٨].

..... ٢٦٥
کتاب الصيد
وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِى الأَنْعَامِ: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [غافر: ٧٩] وَقَالَ
تَّبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَّهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:
٣٤] ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦].
قَالَ مَالِك: وسَمِعْت أَنَّ الْبَائِسَ هُوَ الْفَقِيرُ، وَأَنَّ الْمُغْتَرَّ هُوَ الزَّائِرُ.
قَالَ مَالِك: فَذَكَرَ اللَّهُ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِلرُّكُوبِ وَالرِّينَةِ وَذَكَرَ الأَنْعَامَ
لِلُّكُوبِ وَالأَكْلِ.
قَالَ مَالِكٍ: وَالْقَائِعُ هُوَ الْفَقِيرُ أَيْضًا.
الشرح: استدل مالك على المنع من أكل لحوم الخيل والبغال والحمير بالآية، وذلك
على وجهين، أحدهما: أن لام ((كى)) بمعنى الحصر، وذلك أنه أخبر تعالى أنه إنما خلقها
للركوب والزينة، وقصد بذلك الامتنان علينا وإظهار إحسانه إلينا.
فدل ذلك على أنه جميع ما أباحه لنا منها، ولو كانت فيها منفعة غيرها لذكرها
ليبين إنعامه علينا أو ليظهر إباحة ذلك إلينا، فإن إخباره تعالى أنه خلقها لهذا المعنى
دليل على أنه جميع التصرف المباح فيها.
والوجه الثانى: أنه ذكر الخيل والبغال والحمير، فأخبر تعالى أنه خلقها للركوب
والزينة، وذكر الأنعام، فأخبر أنه خلقها لنركب منها ونأكل، فلما عدل فى الخيل
والبغال والحمير عن ذكر الأكل دل ذلك على أنه لم يخلقها لذلك، وإلا بطلت فائدة
التخصیص بالذکر.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فالخيل عند مالك مكروهة وليست بمحرمة ولا مباحة على
الإطلاق، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعى: هى مباحة، وبه قال أبو يوسف ومحمد
ابن الحسن. وقال ابن حبيب: الخيل مختلف فى كراهية أكلها، فلا يبلغ بها التحريم
والراذين مثلها، فجعلها مباحة فى أحد القولين.
ودليلنا على كراهيتها أن هذا حيوان أهلى ذو حافر، فلم يكن أكله مباحًا کالبغال
والحمير، وتعلق من رأى إباحة ذلك بما روى محمد بن على، عن جابر بن عبد الله:
نهى النبي ﴿لَ﴾ يوم خيبر عن لحوم الحمر، وأرخص فى لحوم الخيل.
مسألة: وأما الحمير، فاختلفت الرواية عن مالك، فقيل: إنها محرمة، وقيل: مكروهة

كتاب الصيد
...
٢٦٦
غير محرمة، ذكر ذلك القاضى أبو محمد. وذكر القاضى أبو الحسن رواية الكراهية
خاصة.
والدليل على التحريم، ما روى عن أبى ثعلبة: حرم رسول الله ﴿﴿ لحوم الحمر
الأهلية. ووجه الرواية الثانية أن هذا حيوان مركوب ذو حوافر، فلم يكن محرمًا، وإن
کان مکروهًا کالخيل.
وأما البغال، فحكمها حكم الحمر؛ لأنها متولدة بينها وبين الخيل، فإن قلنا إن الحمر
مكروهة، فالبغال مكروهة، وإن قلنا إن الحمر محرمة، فالبغال محرمة.
فصل: وقوله: ((وإن القانع هو الفقير والمعتر هو الزائر)) مما ذكره العلماء وأهل
التفسير، ويقتضيه المعنى، وذلك أن البائس من وجد به البؤس، والفقير من جملة البؤس،
والقانع هو الطالب، والقنوع الراضى بما عنده.
ما جاء فى جلود الميتة
٩٩١ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَيْدِ اللّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ
اللّهِ بْنِ عَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ه بِشَاةٍ مَيِّئَةٍ كَانَ أَعْطَاهَا مَوْلاَةٌ لِمَيْمُونَةً
زَوْجِ النّبِّ ﴿﴾، فَقَالَ: (أَفَلَا انْتَفَغْتُمْ بِحِلْدِهَا)، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْهَا مَيْنَةٌ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ﴿: (إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا).
٩٩١ - أخرجه البخارى فى الزكاة ١٣٩٧، البيوع ٢٠٦٩، الذبائح والصيد ٥١٠٥، ٥١٠٦.
ومسلم فى الحيض ٥٤٢، ٥٤٣، ٥٤٤، ٥٤٦، ٥٤٧، ٥٤٨، ٥٤٩. والترمذى فى اللباس
١٦٤٩، الأطعمة ١٧٢٧، ١٧٢٨. والنسائى فى الفرع والعتيرة ٤١٥٩، ٤١٦٠، ٤١٦١،
٤١٦٢، ٤١٦٣، ٤١٦٤، الصيد والذبائح ٤٢٣٤، ٤٢٣٥، ٤٢٣٦، ٤٢٣٨، ٤٢٣٩،
٤٢٤١. وأبو داود فى اللباس ٣٥٩٢، السنة ٤١٢٠، ٤١٢٣. وابن ماجه فى اللباس ٣٦٠٠،
٣٦٠٩، ٣٦١٠. وأحمد فى مسند بنى هاشم ١٨٩٩، ٢٢٥١، ٢،٣٧٤، ٢٨٦١، ٢٨٩٠،
٣٢٧٣، ٣٣٤١. والدارمى فى الأضاحى ١٩٠٥، الأطعمة ١٩٨٥، ١٩٨٦، ١٩٨٨.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٨١/٧: هكذا روى يحيى هذا الحديث فجود إسناده أيضًا وأتقنه،
وتابعه على ذلك ابن وهب وابن القاسم، والشافعى، ورواه القعنبى، وابن بكير، وحويرية ومحمد
ابن الحسن، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبيدالله، عن النبى 48 مرسلا، والصحيح فيه
اتصاله وإسناده.

............ ٢٦٧
کتاب الصید
الشرح: قوله: ((إن رسول الله 98 مر بشاة ميتة كان أعطاها مولاة لميمونة))، يريد
أنه كان أعطاها أياها حية ثم ماتت، وكان أعطاها إياها إما على سبيل الصدقة لكونها
محتاجة؛ لأن إطلاق لفظ المولاة يفيد أنها قد أعتقت، وسقطت نفقتها عمن أعتقها،
والله أعلم.
فصل: وقوله: ﴿﴿: ((ألا انتفعتم بجلدها؟))، يحتمل معنيين، أحدهما: أفلا ذبحتموها
فانتفعتم بجلدها. والثانى: أفلا سلختموها، فانتفعتم يجلدها، حضًّاً منه 19 على
الانتفاع بالأموال والتمييز لها ومنعها من إفسادها قليلها ويسيرها، وما فيه منتفع منها،
والانتفاع بكل نوع منها وصرف ما فضل من الأموال واستغنى عنه إلى سبيل الله
ومواساة أهل الحاجة، فإن إفساد المال لا فائدة فيه ولا منفعة فى إطراح ما ينتفع به إلا
مجرد العبث والكبر.
فرع: وهذا الانتفاع مشروط عند مالك بتقدم الدباغ، ولا يجوز الانتفاع بها قبل
الدباغ، رواه عيسى بن دينار، عن ابن القاسم فى المدنية. وروى ابن حبيب، عن
مطرف وابن الماجشون وأصبغ: لا يفترش ولا يطحن عليه، ولا يستعمل فى غير ذلك
من وجوه المنافع حتى يدبغ.
وروى أبو زيد، عن ابن القاسم، عن مالك فى العتبية: ترك الانتفاع بجلد الميتة قبل
الدباغ أحب إلىّ. وقال ابن القاسم: لا ينتفع به حتى يدبغ.
والدليل على ذلك ما روى عن عبد الله بن حكيم أنه قال: قرأ علينا كتاب رسول
الله ﴿: أن لا ينتفعوا من الميتة بإهاب ولا بعصب، فدل على أن الانتفاع بالجلد شرط
فى التوصل إليه تطهيره بالذكاة وجعل لذلك التطهير عند عدمه بدل، وهو الدباغ. فلا
يجوز استباحة ذلك دون البدل إذا عدم المبدل منه كالصلاة جعلت الطهارة شرطًا فى
صحتها، وجعل للطهارة بدلاً وهو التيمم، فلا يجوز استباحتها عند عدم المبدل منه إلا
بالتيمم الذى هو البدل، فهذا الأكثر من المذهب.
ويحتمل الرواية عن مالك أن ذلك على الاستحباب، ويكون وجه ذلك التعلق
بظاهر قوله: ((هلا انتفعتم بجلدها))، ولم يشترط دباغًا ولا غيره.
فصل: وقولهم: ((إنها ميتة))، إظهار للوجه الذى منعهم من الانتفاع بجلد الميتة حين
علموا تحريم الميتة، فاعتقدوا أن ذلك يحرم الانتفاع بجلدها وغير ذلك منها، وأنه قد
حرم ذلك كله منها كما حرم أكل لحمها.

٢٦٨
کتاب الصید
فصل: وقوله : ((إنما حرم أكلها))، تبيين لما حرم منها وإعلام أن الانتفاع بها لم
يفت بفوتها كما لم يفت المحدث الصلاة عند عدم الماء، بل قد یيمكن استدراكه بالدباغ
كما يمكن المحدث استدراك استباحة الصلاة بالتيمم، وليس فى هذا الحديث تصريح
بطهارة جلد الميتة، وإنما فيه الإخبار عن جواز الانتفاع بها.
وقد استدل أصحاب الشافعى من هذا الحديث على طهارة جلد الميتة بالدباغ لقوله ؟
:5
((إنما حرم أكلها))، و((إنما)) للحصر، وهذا يقتضى أن ما عدا الأكل منه باق على ما كان
عليه من الإباحة فيها، وهذا ليس بصحيح؛ لأنه لم يجر للطهارة ولا للنجاسة ذكر، وإنما
جرى ذكر جواز الانتفاع بها، فيجب أن يكون قوله: ((إنما حرم أكلها)) راجعًا إليه فى
إباحة ما يقتضى اللفظ لإباحته منه، ومنع ما يقتضى اللفظ المنع منه.
فأما الطهارة والنجاسة، فلم يجر لهما ذكر، فلا يتعلق بهما شىء من اللفظ بحصر
ولا غيره، كما أن بقاء الملك عليها وإزالته عنها لم يجر له ذكر، فلم يرجع اللفظ إليه.
ولذلك قال أكثر أصحابنا وأصحابهم: إنه لا يجوز بيعها؛ لأن لفظ الانتفاع بها لا
يتناوله، فلم يرجع إليه قوله ﴿13: ((إنما حرم أكلها))، ويحتمل أن يكون قوله : ((إنما
حرم أكلها))، راجعًا إلى الشاة، وقد ينتفع بلحمها أيضًا.
وقال الشيخ أبو بكر: ينتفع به بأن يطعمه كلابه، قاله ابن المواز، إذا شاء ذلك، فإنه
يذهب بكلابه إليها، ولا يأتى بالميتة إلى الكلاب.
٩٩٢ - مَالِك عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنِ وَعْلَةً(١) الْمِصْرِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﴿ه قَالَ: ((إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ(٢) فَقَدْ طَهَرَ).
٩٩٢ - أخرجه مسلم فى الحيض ٥٤٩. والترمذى فى اللباس ١٦٥٠. والنسائى فى الفرع والعتيرة
٤١٦٦، ٤١٦٧. وأبو داود فى اللباس ٣٥٩٤. وابن ماجه فى اللباس ٣٥٩٩. وأحمد فى مسند
بنى هاشم ١٧٩٧، ٢٠١٢، ٢٣٠٩، ٢٣٩١، ٢٧٣٠، ٣٠٢٩. والدارمى فى الأضاحى
١٩٠٢، ١٩٠٣. والبيهقى فى الكبرى ٢٠/١ عن ابن عباس. والبغوى فى شرح السنة ٩٧/٢
عن ابن عباس. وذكره الزيلعى فى نصب الراية ١١٦/١ عن ابن عمر.
(١) ابن وعلة: قال ابن عبد البر هذا اسمه عبد الرحمن بن وعلة السبئى، أصله من مصر، ثم
انتقل إلى المدينة وسكنها، وهو فى أهل المدينة معدود، وكان ثقة من ثقات التابعين، مأمونا على
ما روى وحمل. روى عنه زيد بن أسلم، والقعقاع بن حكيم، وأبو الخير اليزنى، وغيرهم. ذكر
إسحاق بن منصور، عن ابن معين، أنه قال: عبد الرحمن بن وعلة ثقة. وقال: وسماع ابن وعلة
من ابن عباس صحيح.
(٢) الإهاب: قال النووى: اختلف أهل اللغة فيه فقيل هو الجلد مطلقًا، وقيل هو الجلد قبل
الدباغ فأما بعده فلا یسمی إهابا وجمعه أهب.

.............. ٢٦٩
کتاب الصيد
الشرح: قوله : ((إذا دبغ الإهاب فقد طهر))، تصريح بطهارته بعد الدباغ،
والطهارة على ضريين، طهارة ترفع النجاسة جملة، وتعيد العين طاهرة، كتخلل الخمر،
وطهارة تبيح الانتفاع بالعين، وإن لم ترفع حكم النجاسة كتطهير الدباغ جلد الميتة،
على المشهور من مذهب مالك ويجرى ذلك مجرى الوضوء فى رفع الحدث والتيمم فى
استباحة الصلاة مع بقاء الحدث.
فأما تطهير الدباغ جلد الميتة بمعنى الانتفاع به مع بقاء نجاسته، مما لا خلاف فيه
نعلمه فى المذهب. قال الشيخ أبو القاسم: جلد الميتة قبل الدباغ نجس، وبعده طاهر
طهارة مخصوصة، يجوز بها استعماله فى اليابسات وفى الماء وحده من المائعات.
وأما تطهيره إياه بمعنى رفع نجاسته جملة وإعادة طهارته، فقد اختلف العلماء فيه،
فروى عن مالك: أنه لا يطهر بالدباغ. ومعنى ذلك الطهارة التى تدفع النجاسة.
وروى شيوخنا العراقيون، عن مالك رواية أخرى: أنها تطهر بالدباغ إلا جلد
الخنزير، وهو قول ابن وهب وابن حنبل، وبه قال أبو حنيفة والشافعى.
واستدل أصحابنا فى ذلك بما روى عن عبد الله بن عكيم أنه قال: قرئ علينا
كتاب رسول الله ﴿1: ((أن لا ينتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب(٣))، وهذا الحديث
لا يصح احتجاجنا به؛ لأنا لا نمنع الانتفاع بجلد الميتة بعد الدباغ، وهم لا يخالفونا فى
الذى لا يجوز الانتفاع به قبل الدباغ.
ودليلنا من جهة المعنى أنه جزء من الميتة نجس بالموت، فوجب أن تتأبد نجاسته.
أصل ذلك اللحم. واستدل فى ذلك من أثبت الطهارة التى تدفع النجاسة بما روى عن
النبى ﴿3﴾ أنه قال: ((إذا دبغ الإهاب فقد طهر)).
(٣) أخرجه الترمذى حديث رقم ١٧٢٩، وقال أبو عيسى الترمذى تعليقًا عليه: هذا حديث
حسن ويروى عن عبد الله بن عكيم، عن أشياخ لهم هذا الحديث، وليس العمل على هذا عند
أكثر أهل العلم، وقد روى هذا الحديث عن عبد الله بن عكيم، أنه قال: أتانا كتاب النبى
قبل وفاته بشهرين، قال: وسمعت أحمد بن الحسن، يقول: كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا
الحديث لما ذكر فيه قبل وفاته بشهرين، وكان يقول: كان هذا آخر أمر النبى ول﴾، ثم ترك أحمد
ابن حنبل هذا الحديث لما اضطربوا فى إسناده حيث روى بعضهم فقال: عن عبد الله بن عکیم،
عن أشیاخ لهم من جهينة.
وأخرجه النسائى فى الصغرى حديث رقم ٤٢٤٩، ٤٢٥٠. أبو داود حديث رقم ٤١٢٧،
٤١٢٨. ابن ماجه حديث رقم ٣٦١٣. أحمد فى المسند حديث رقم ١٨٣٠٣.

٢٧٠
كتاب الصيد
والجواب أن الطهارة تكون بمعنى التنظيف وإباحة الاستعمال، وإن لم ترفع حكم
موجب الطهارة، يدل على ذلك أن التيمم قد سمى فى الشرع طهارة، وسمى التراب
طهورًا كما سمى الماء، وإن كان لا يدفع حكم موجبه وهو الحدث، وإنما تستباح به
الصلاة، فكذلك فى مسألتنا مثله.
فرع: فإن قلنا إن الدباغ لا يدفع حكم نجاسة، فإنه يستمتع به ويصرف فى
الجامدات يغربل عليه الطعام وغيره، غير أنه لا يصلى به ولا عليه. وقال ابن حنبل: لا
ينتفع به، ولا يستعمل فى جامد ولا غيره.
والدليل على قولنا قوله ﴿®: ((إذا دبغ الإهاب فقد طهر)). وقوله ﴿3﴾ فى حديث ابن
عباس: ((أفلا انتفعتم بجلدها)). وقوله : ((إنما حرم أكلها))(٤).
فرع: وأما استعمالها فى المائعات، فإنه كره مالك فى خاصته استعماله فى الماء،
ولم يمنع منه غيره، ومنع من استعماله فى غير ذلك من المائعات، هذا هو المشهور من
مذهب مالك، وذكره الشيخ أبو بكر فى شرح المختصر عن مالك. وقال ابن حبيب:
لا بأس أن يجعل منها السقاء للماء وقربة اللبن وزق الزيت.
ووجه ذلك أن الماء لا ينجس من النجاسات إلا بما يغيره، وإنما يكره استعمال
اليسير منه للخلاف على ما تقدم فى ذكر أحكام المياه فى كتاب الطهارة، فكان يحتاط
ويأخذ بالأفضل فى خاصته، ويوسع على الناس فيه لما قام من الدليل على طهارته.
وأما سائر المائعات، فإنها تنجس بيسير وإن لم يغيرها، فلذلك لم يجز استعمالها
فيها؛ لأن ذلك ينجسها ويحرمها، ولا يجوز على هذه الزواية بيعه، رواه ابن القاسم،
عن مالك فى المدنية؛ لأنه لا يجوز بيع ما كان نجسًا لعينه.
وأما رواية ابن حبيب فى استعماله فى اللبن والزيت، فمبنى على قول من يرى أن
المائعات لا تنجس من مخالطة النجاسة إلا بما غير، وقد تقدم ذكره فى الطهارة.
فرع: وإن قلنا إنه يطهر بالدباغ طهارة تمنع نجاسته، فإنه يصلى به وعليه، ويستعمل
فى المائعات كلها ويجوز بيعه، قاله ابن وهب، ورواه ابن عبد الحكم، عن مالك فى
المختصر الكبير بشرط أن تبين، والمشهور من المذهب أنه لا يجوز بيعه مع كونه لا يجوز
أن يصلى فيه.
(٤) تقدم تخريجه فى الحديث رقم ٩٩١.

... ٠ ٢٧١
.....
كتاب الصيد .
مسألة: وبما يطهر من الدباغ؟ قال ابن المواز، عن نافع فى المدنية: لا يكون دباغه
بالملح فقط مما يمنعه الفساد، وإنما يكون الدباغ التام الذى ينتفع به للشرب وغيره.
وقال يحيى بن سعيد الأنصارى: ما دبغ به جلد الميتة من دقيق أو ملح أو قرظ، فهو
له طهور، والدليل لقوله ﴿3﴾: ((إذا دبغ الإهاب فقد طهر))، فعلق ذلك بالدباغ،
والدباغ معلوم.
وأما ما يفعل من غيره مما لا يبلغه حكم الدباغ، والانتفاع به فى الأسقية وغيرها،
فإنما هو تجفيف لرطوباته، وهذا يحصل بتجفيفه فى الشمس.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فهذا حكم جلد ما يستباح أكله بالذكاة، والحيوان على
ثلاثة أضرب، مباح، وقد تقدم ذكره، ومحرم، ومكروه. فأما المتفق على تحريمه
كالخنزير، فقد قال الشيخ أبو بكر: لا ينتفع بجلده، وإن ذبح ودبغ؛ لأنه لا يحل بذكاة
ولا غيرها.
والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾، ثم قال فى آخر
الآية: ﴿إلا ما ذكيتم﴾ [المائدة: ٣]، والخنزير لا تعمل فيه الذكاة، وهى أقوى فى
التطهير من الدباغ؛ لأن الذكاة تعمل فى اللحم وغيره من أجزاء الحيوان، والدباغ إنما
يعمل فى الجلد خاصة على الاختلاف، فإذا كانت الذكاة لا تؤثر فى جلد الخنزير،
فبأن لا يؤثر الدباغ أولى وأحری.
وفى المبسوط عن إسماعيل بن أبى أويس: سئل مالك عن جلود الميتة مما يؤكل
لحمه، وما لا يؤكل لحمه، فقال: لا بأس أن يستمتع بها ولا تباع ولا يصلى عليها.
وقال الشيخ أبو القاسم: ذلك کله سواء.
مسألة: وأما ما تقدم الخلاف فى تحريمه كجلود السباع، فقال ابن المواز، عن مالك :.
لا بأس ببيع جلود السباع والصلاة فيها، إذا ذكيت، وإن لم تدبغ إذا غسلت. وقال
ابن حبيب فى جلود السباع العادية: لا تباع ولا يصلى عليها، ولا تلبس وإن ذکیت،
وينتفع بها فيما سوى ذلك.
فأما قول ابن حبيب، فعلى رواية التحريم. وأما رواية ابن المواز، فيجوز أن يكون
على رواية نفى التحريم، ويجوز أن يكون على رواية التحريم لما كان تحريمًا مختلفًا فيه.
وأما السباع التى لا تعدو كالهر والثعلب والضبع، فقد قال ابن حبيب: يجوز بيعها

كتاب الصيد
٢٧٢
ولباسها والصلاة فيها إذا ذكيت. وقال الشافعى: لا تطهر جلود السباع بالذكاة غير
الضبع وتطهر بالدباغ غير جلد الكلب والخنزير.
والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾، إلى قوله تعالى: ﴿إلا ما
ذكيتم﴾ [المائدة: ٣]، فاستثنى الذكى على أنه غير محرم.
ودليلنا من جهة القياس أن هذا جلد يطهر بالدباغ، فوجب أن يطهر بالذكاة كجلد
الضبع.
مسألة: وأما جلد الفرس، فقال ابن المواز: لا يصلى به وإن ذبح ودبغ. وقال ابن
حبيب: لا بأس يبيعه والصلاة فيه، وقد اتفقنا على أنه جلد حيوان مكروه لا محرم،
فيتخرج من هذا أن جلد الحيوان المكروه لحمه، عند ابن المواز، لا يستباح استعماله
بذکاة ولا دباغ.
ومعنى ذلك ما رواه عن مالك أنه إنما كره ذكاتها للذريعة إلى أكل لحومها، فمنع
من ذلك لما كانت كثيرة التكرر والوجود لا لعينها.
وأما جلود السباع، فقد أجاز بيعها والصلاة بها إذا ذكيت، وإن لم تدبغ، وذلك لما
لم تكن لحومها موجودة، فلم يخف أن يكون استعمال جلودها ذريعة إلى أكلها،
فتأكدت عنده كراهية لحوم الخيل وجلودها لما خاف الذريعة إلى أكلها.
ولا يمتنع مثل هذا فى الشريعة، فإن لحم الخنزير محرم كلحم الميتة وكالخمر، ثم
شرع الحد فى شرب الخمر لما خيف الشرع إليها، ولم يشرع الحد فى أكل الميتة ولا
أكل لحم الخنزير لما لم يخف التسرع إليها. وقال ابن حبيب فى جلد الفرس: لا بأس
ببيعه والصلاة فيه.
. ومعنى ذلك أنه غير محرم لحمه، فجاز أن يكون جلده طاهرًا، كجلود السباع التى
لا تعدو.
مسألة: وأما جلد الحمار والبغل، فقد قال ابن المواز: لا يصلى بجلد شىء من ذلك،
وإن دبغ وذبح. وقال مالك: أكره ذكاتها للذريعة إلى أكل لحومها، وهذا يقتضى أنها
عنده على الكراهية.
ويحتمل على توجيه ابن حبيب أن يكون القول فيها كالقول فى جلد الفرس. وأما
على رواية التحريم، فيجب أن يكون جلدها ممنوعًا قولاً واحدًا.

٢٧٣
کتاب الصید
مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن العظم ينجس بالموت، وبه قال الشافعى. وقال أبو حنيفة:
لا ينجس بالموت. وقد روى ابن المواز: أن مالكًا نهى عن الانتفاع بعظم الميتة والفيل
والادهان فيه، ولم يطلق تحريمها؛ لأن ربيعة وابن شهاب أجاز الامتشاط بها.
قال ابن حبيب: وقد أجاز ذلك ابن الماجشون ومطرف وابن وهب وأصبغ. فأما ابن
وهب وأصبغ، فإنهما راعيا تغليتها بالماء، وجعلا ذلك كالدباغ فيها يطهرها كما يطهر
الجلد الدباغ.
وهذا يدل على أنه ينجس عندهما بالموت، فلم أر مالكًا فى رواية ابن المواز عنه
راعى ذلك فيها، كذلك مطرف وابن الماجشون.
قال الشيخ أبو بكر: والخلاف فى هذه المسألة مبنى على أن الروح يحل العظم أو لا
يحله، وهذا الذى قاله مالك هو الأصل غير رواية ابن وهب وأصبغ، فإنهما جعلاه مما
تحله الروح، ويطهر بالدباغ.
والدليل على أن الروح يحله، وأنه ينجس بالموت قوله تعالى: ﴿من يحيى العظام وهى
رميم﴾ [يس: ٧٨] الآية. ودليلنا من جهة القياس أن ما ينجس لحمه بالموت ينجس به
عظمه كالكلب والخنزير.
ووجه الرواية الثانية أنه جزء لا يألم الحيوان منه، فلم ينجس بالموت. أصل ذلك
الشعر. وقال الشيخ: لم يحرم الانتفاع بأنياب الفيل وغيره، وإنما كره ذلك للاختلاف
فى موتها.
وقال ربيعة: إنما ينتفع من عظم الفیل بالناب وحده؛ لأنه لا لحم علیه ولا دسم فیه،
إنما هو كعود يابس ثابت، قال: وكذلك كل عظم ليس عليه لحم. وإلى هذا ذهب ابن
حبيب، ولا أعلم بهذه الصفة غير الأسنان، وهذا يقتضى أن أصل العظم الطهارة، وإنما
ينجس ما نبت عليه اللحم مما خالطه من الدسم الذى ينجس بالموت.
وقد قال عن مالك: إن الريش الذى له سنخ فى اللحم والدم والقرون والأنياب
والأظافر لا خير فيه، وحكم هذا فيما ذكر ربيعة حكم ناب الفيل، إلا أن يكون ابن
حبيب روى عن مالك قوله، واختار قول ربيعة.
فرع: وأما بيع عظام الميتة، فقد حكى ابن حبيب، عن ابن الماجشون: لم أسمع أحدًا
يرخص فى ذلك، وإذا وقع البيع فسخ، ورد الثمن إلى المبتاع، وذلك عنده فى عظام
الفیل وغيرها.

٢٧٤
كتاب الصيد
وقال ابن عبد الحكم، عن مالك: يجب اجتناب عظام الميتة وعظام الفيل؛ لأنها
تجرى مجرى اللحم، فلا يمتشط بها ولا يتجر فيها.
وقال ابن حبيب فى الواضحة: إذا غلبت جاز بيعها كما يجوز بيع جلود الميتة إذا
دبغت. وقال أصبغ: لا تباع، وإن غلبت، غير أنى لا أفسخ بيعها بعد أن تغلى إلا أن
تکون قائمة لم تفت.
وأما ما لم يدبغ ولم يغل، فالبيع مفسوخ فاتت أو لم تفت، وهذا كله يدل من قول
أصحابنا على أنها تنجس بالموت وتحلها الروح.
قال القاضى أبو الوليد، رحمه الله: وقول ابن حبيب وربيعة فى العظم الطاهر لا
معنى له عندى، إلا أن يريد أن طول طهوره ويبس رطوبته أو عدمها يقوم مقام الدباغ
لسائرها، وهذا حكم أنياب الفيل الذى لم يذك.
فأما إذا ذكى، فقد قال الشيخ أبو بكر: ينتفع بجلده وعظمه من غير دباغ كجلود
السباع وعظامها يجوز الانتفاع بها إذا ذكيت من غير دباغ.
فرع: وكره مالك أن يطبخ بعظام الميتة طعام أو شراب أو يسخن بها ماء الوضوء،
قال ابن حبيب: أكرهه، فإن فعل جاز أكل الطعام، ولم ينجس الماء. قال الشيخ أبو
بکر: إنما کره ذلك جواز أن يقع فى القدر منها شىء فینجسه.
مسألة: الشعر والصوف والوبر لا ينجس بالموت، زاد ابن حبيب، عن مالك:
وكذلك الريش الذى لا سنخ مثل الزغب وشبهه، وبه قال أبو حنيفة، غير أنه استثنى
شعر الكلب والخنزير، وهو أحد قولى الشافعى، وقوله الثانی ان ذلك کله پنجس
بالموت، وذلك مبنى عندنا على أن الروح لا يحله.
والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتًا تستخفونها
يوم ظنعكم ويوم إقامتكم﴾، إلى قوله: ﴿ومتاعًا إلى حين﴾ [النحل: ٨٠]، فوجب
الاستدلال من الآية عمومها، ولم يفرق بين شعر الميتة وغير منها.
ودليلنا من جهة القياس أن جز الشعر سبب لانقطاع الماء عن الشعر، فلم ينجس به
كجزه. قال الشيخ أبو بكر: تجوز الخرازة بشعر الخنزير؛ لأنه ليس بنجس ولا روح فيه
فيموت بعد ذلك منه بأن يؤخذ ذلك منه حال حياته أو بعد موته، والله أعلم.