Indexed OCR Text
Pages 1801-1820
............. ٢٣٥ كتاب الصيد بلحمه فى أكل أو بيعه بثمن، وذلك ممنوع لما قدمناه، والله أعلم. قال ابن حبيب، عن مطرف وابن الماجشون، عن مالك: أنه استحب الصيد لمن سكن البادية، ويقول: هم من أهله، ولا غنى بهم عنه، وكرهه لأهل الحواضر، ورأى خروجهم إليه من السفه والخفة، وهذا غير خارج عما قدمناه من قول مالك؛ لأن الكلام الأول متوجه إلى ما يأخذ الإنسان به فی نفسه. والكلام الثانى فى عذر الناس للتصيد مع قوله: إنه خرج لما أراد إحراز الصيد، ولم يقصد اللذة، فالظاهر أن أهل البادية محتاجون إلى ذلك، ومعتادون له، فلا يغنيهم ذلك، وأهل الحواضر یندر ذلك فیهم مع قلة انتفاعهم به وحاجتهم إلیه ما يجدونه من أدم الحواضر والمجازر، فلا يعذرون بما يدعونه من مقصدهم، والله أعلم. مسألة: وأما صيد الحيتان، ففى العتبية من رواية حسين بن عاصم، عن ابن القاسم: أن صيد البحر والأنهار عندى أخف لذوى المروات والمال من صيد البر، وكأنى رأيته لا یری به بأسا. فصل: وقوله: ((رميت طائرين بحجر))، يحتمل أن يكون رمى الطائرين بحجر واحد، وقصد إلى إصابتهما به، ويحتمل أن يكون رمى كل واحد منهما بحجر غير الحجر الذى رمى به الآخر، فيكون معنى قوله: ((رميت طائرين بحجر))، أى هذا الجنس مما يرمى به ويصاد، ويحتمل أن يكون رمى به أحدهما فأصابه، ثم أخذ ذلك الحجر، فرمى به الطير الثانی فأصابه. وفى هذا أربعة أبواب، أحدها: فى صفة السلاح الذى يرمى به أو يضرب به. والباب الثانى: فى صفة الرمى أو الضرب. والباب الثالث: فى صفة المرمى أو المضروب. والباب الرابع: فى منتهى فعل الرمية والضربة. الباب الأول فى صفة الآلة ما يصاد به من السلاح على ضربين، أحدهما: ما له حد كالرمح والسهم والسيف والسكين، مما له حد تجوز به الذكاة، والثانى: ما لا حد له كالمعراض والبندقية والحجر الذى لا حد له، وغير ذلك مما لا حد له لا تجوز به الذكاة. فيحتمل أن يكون الحجر الذى رمى به نافع مما له حد، ويحتمل أن يكون مما لا حد کتاب الصيد ٢٣٦ له، وهو الأظهر لما فعله عبد الله بن عمر من طرحه الطائرين حين لم يدرك ذكاتهما، ولو كان الحجر مما له حد، وأصاب بحده وجرح، لكانت تلك ذكاة تبيح أكل الطائر، وإن لم تدرك ذ کاتھما. وقد رواه ابن حبيب، عن أصبغ، عن ابن القاسم فی رامی الصيد بالحجر الذى مثله يذبح، فقطع رأس الصيد، وهو ينوى اصطياده، قال: لا يعجبنى أكله؛ إذ لعل الحجر قطع رأس الصید بعرضه، وهذا يحتمل أن یکون فیما شك فیه من أمره، فليس له أکله؛ لأنه لا یتیقن ذکاته، ولو كان علم أنه أصابه بحده، جاز له أكله. * الباب الثانى فى صفة الرمى أو الضرب وذلك عند مالك نوع من الذكاة، فيجوز أن تكون الذكاة ممن تجوز ذكاته، وعلى صفة تصبح بها الذكاة، فيحتاج أن ينوى الرامى أو الضارب الاصطياد. وفى المدونة، عن مالك فيمن رمى صيدًا بسكين فقطع رأسه، وقد نوى اصطياده: فلا بأس بأ کله، وإن كان لم ينوا اصطياده برميته، فلا يأكله. ووجه ذلك أن ما اعتبر فيه صفة الفاعل، فإنه يعتبر فيه نيته، کالذبح والوضوء والصلاة وغيرها من العبادات، وكذلك لو رمى صيدًا، فأصاب غيره، لم يجز له أكله، ولو أصابه وأصاب غيره بعده أكله دون الذى أصاب بعده، لمعنى النية فى ذلك، والله أعلم. الباب الثالث فى صفة المرمى أو المضروب وهذا يراعى فيه صفتان، إحداهما: أن يكون التوحش، والثانى: أن يكون من الامتناع بصفة ما لا يتمكن من ذكاته. فأما الصفة الأولى. فالأصل فى ذلك قول الله تعالى: ﴿ليبلونكم الله بشىء من الصيد﴾ [المائدة: ٩٤] الآية، فعلى أى وجه نالته رماحنا يجب أن يحل لنا إلا ما خصه الدليل، وسواء كان متوحشًا على أصله أو تأنيس ثم استوحش بعد ذلك، والوجه فيه ما قدمناه. والدليل على ذلك أن هذا مستوحش الجنس ممتنع، فجاز أن يذكى بالرمى كالذى لم يتأنس فقط. ٢٣٧٠ ...... کتاب الصيد مسألة: وأما الصفة الثانية، وهى الامتناع من الذكاة المعهودة فيه، فهى العلة فى إباحة ما ذكر، قال فى الصيد: ولم تكن منه بإثخان الجراح له أو بحبالة أو غيرها لم تجز ذكاته إلا بما يذكى به الإنسى؛ لأن علة الامتناع قد عدمت، وهاتان الصفتان مؤثرتان فى العمل لا فى النية؛ لأن العمل ينفرد بها دون النية. الباب الرابع فى منتهى فعل الرمية والضربة الرمية أو الضربة لا تخلو أن تنفذ المقاتل أو لا تنفذها، فإن أنفذتها، فقد كملت فيها الذكاة، وهو على ضربين، أحدهما: أن يبين بها من الحيوان جزء، والثانى: أن لا يبين بها شیء، فإن بان منه جزء، فإن كان إنما قطع الصيد بنصفین، فإنه يؤ کل جمیعه، زاد النصف الذى مع الرأس أو نقص، وبه قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: إن قطع الثلث مما يلى الرأس أكلاً جميعًا، وإن قطع الثلث مما يلى الفخذ أكل الثلثان اللذان يليان الرأس، ولم يؤكل الثلث الباقى. قال القاضى أبو الحسن: وهذا ينبغى أن يفصل، فإذا قطع الرأس أكل الجميع؛ لأنه مقتول لا محالة، فإن كان الذى قطع منه سوى الرأس يتوهم أن يعيش منه بعد قطعه، فإن الذى بان منه لا يؤكل، ويؤكل الباقى، مثل أن تقطع يدًا أو رجلاً، فإن اليد أو الرجل لا تؤكل؛ لأنه توهم عيش الحيوان بعدها، ويؤكل الباقى، سواء مات من العقر الأول أو غيره. وقال الشافعى: إن ماتت من العقر الأول أكل جميعه، وما بان منه، وإن كان لم يمت حتى رماه رمية أخرى، فإنه يؤكل الحيوان كله، ولا يؤكل ما بان منه من يد أو رجل، هذا الذى حكاه القاضى أبو الحسن فى هذه المسألة هو القياس. غیر أنه قد روی این المواز، عن ربيعة ومالك فيمن رمی صیدًا فأبان ورکیه مع فخذيه: فإنه لا يؤكل ما بان منه، ويؤ كل باقيه، وهذا مما لا يتوهم أن يعيش بعده. وقد روی عیسی، عن ابن القاسم أنه إذا ضربه فخذل ور کیه انه یؤ کل جمیعه، ولیو أبان فخذيه، ولم تصل إلى الجوف فلا يؤ كل ما أبان منه، ويؤ كل ما بقى. قال ابن حبيب: ومعنى ذلك أنك إذا ضربته على العجز، فصار عجزه فى حيز الأسفل، وقد قطعت من جوفه، فكأنك قطعت وسطه، فعلى قول ابن القاسم وتفسير کتاب الصيد ٢٣٨ ابن حبيب، إنما يراعى أن يكون فى معنى القطع بنصفين، وذلك بأن يصل القطع إلى شىء من الجوف. وعلى جواب ابن المواز، يراعى أن يكون الأكثر فى حيز الأسفل، وعلى تعليل القاضى أبى الحسن أن يقطع منه ما لا تتوهم حياته دونه، فكأنه قد أنفذ مقاتله وبضربته تلك، فکانت ذکاة جمیعه. مسألة: إذا ثبت أنه لا تؤكل اليد البائنة وما أشبهها من الأعضاء التى يصح بقاء الحیوان دونها، فإن معنى ذلك أن يبين المقطوع منه أو یکون فی حکم البائن. وقد قال ابن حبيب: إن ما يتعلق بالجلد أو بيسير من اللحم، فلا يؤكل، وإن كان مما يجرى فيه الروح على هيئته، فإنه يؤكل، ونحوه قال ابن المواز، غير أنه لم يذكر يسير اللحم. ووجه ذلك أنه إذا تعلق به تعليقًا یحیا بحياته، ويسرى إليه منه، فإنه من جملة الجسد، يذكى بذكاته، وإذا لم يتعلق إلا بالجلد والشىء اليسير الذى لا تسرى إليه به الحياة، فإنه لا یذکی بذکاته كالمنفصل. مسألة: وأما إذا أنفذ المقاتل، ولم يبق منه جزء، فإنه يستحب له أن یذ کیه، فإن لم يفعل جاز أكله لكمال الذكاة فيه بما يذكى به مثله من محدد السلاح، وأما إذا لم ينفذ مقاتله، فسیأتی بیانه بعد هذا إن شاء الله. فصل: وقوله: (أما أحدهما فمات فطرحه))، يريد أنه مات بنفس الضربة أو قبل إدراکه، فهذا قد فاتت فيه الذکاة علی ما ذکرناه من أنه أصابه بحجر لا حد له أو بحجر له حد، فلم يثبت له أنه أصابه بحده. وكذلك لو أصابه بحد الحجر فلم يجرحه، فمات قبل أن يذكى، فإنه لا يؤكل، وقد قاله مالك وأصحابه فى الذى يضرب الصيد بالسيف، فيقتله ولا يجرحه. وقال أشهب: يؤكل، سواء علم على هذا أن هذا فات بالموت أو نفذت مقاتله؛ لأن الذكاة فاتت فيه. فصل: وقوله: ((وأما الآخر فذهب عبد الله يذكيه بقدوم فمات قبل أن يذكيه فطرحه))، لا يخلو أن يكون فاتت ذكاته لتأخير ذلك، مع التمكن من تعجيلها، أو یکون فات لأنه لم يتمكن من الذكاة فيه لسرعة موته. فإن فات للتأخير، وكان ضربه بعرض حجر على ما قدمناه، فأنفذ مقاتله أو لم ٢٣٩ کتاب الصيد . ينفذها، فلا يجوز أكله؛ لأنه موقوذة، ولو ضربه بحد الحجر فلم ينفذ مقاتله، وفات للتأخير مع التمكن من تعجيل الذكاة فيه لم يجز أكله؛ لأنه كان مقدورًا على ذكاته، فلا يستباح أ کله بغیر ذ کاته کالإِنسی. ولو مات قبل التمكن من ذكاته من غير تفريط ولا تأخير، لجاز أكله؛ لأنه غير مقدور عليه، ولو ضربه فأنفذ مقاتله لاستحب له أن يذكيه، وإن فعل جاز أكله لكمال الذكاة فيه بما يذكى به مثله من محدد السلاح. والأصل فى ذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشىء من الصيد﴾، إلى قوله تعالى: ﴿فله عذاب أليم) [المائدة: ٩٤]. قال الإمام أبو الوليد، رحمه الله: فالظاهر عندى من الآية أن مبا تناله أيدينا هو المقدور عليه، وإنما يذكى بما يذكى به المقدور عليه المتمكن من ذكاته، والذى تناله رماحنا هو غير المقدور عليه، فذكاته من السلاح بالرماح وما أشبهها. وسيأتى بعد هذا شىء من ذكر الآية فى باب ما قتل بالمعراض، فعلى هذا يحتمل أن يتأول فعل عبد الله بن عمر فى أمر الطائرين، والله أعلم. ٩٨٠ - مَالِك أَنْهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ كَانَ يَكْرَهُ مَا قَتَلَ الْمِعْرَاضُ وَالْبُنْدُقَةُ. الشرح: قوله: ((كان يكره ما قتل المعراض))، يريد بعرضه، والله أعلم؛ لأنه وقيذ. والأصل فى ذلك قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾، إلى قوله تعالى: ﴿والموقوذة والمتردية﴾ [المائدة: ٣]، والموقوذة هى المضروبة بما لا حد له. وقد بين ذلك بما روى عن عدى بن حاتم، ثم قال: سألت النبى 198 عن صيد المعراض، فقال: ((ما أصاب بحده فكله، وما أصاب بعرضه، فهو الوقيذ))(١). فالمعراض عصا فى طرفها حديدة يرمى الصائد بها، فما أصاب بحده، فهو وجه ذكاته، فإنه يؤكل، وما أصاب بعرضه، فإنه وقيذ، فلا يؤكل إلا أن تدرك ذكاته لما قدمناه فى صفة ما یرمی به من أنه يجب أن یکون محددًا. ٩٨٠ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠٢١. (١) أخرجه البخارى حديث رقم ٥٤٧٥. مسلم حديث رقم ١٩٢٩. أحمد فى المسند حديث رقم ١٧٧٨١. الترمذى حديث رقم ١٤٧١. النسائى فى الصغرى حديث رقم ٤٢٦٤. أبو داود حدیث رقم ٢٨٥٤. ابن ماجه حدیث رقم ٣٢٤١. ٢٤٠ ٠٠ کتاب الصید فصل: وقوله: ((والبندقة))، يحتمل أن يريد به ما اجتمع فى قتله المعراض، والبندقة مثل أن يرمى بهما جميعًا فى وقت واحد، فيعلم أنه من الضربتين مات، أو لا يعلم من أيهما مات، فهذا لا يؤكل، سواء أصابه المعراض بعرضه أو حده؛ لأنه قد أعانت فى ذكاته آلة لا يذكى بمثلها كما لو اشترك فى قتل الصيد الكلب والحبالة أو كلبان أحدهما لم يرسل. ويحتمل أن يريد بذلك أن ينفرد المعراض بالقتل أو تنفرد البندقة بالقتل، فعلى هذا لا يؤكل ما انفردت البندقة بقتله وينظر إلى ما قتله المعراض، فما قتله بجده أكل، وما قتل بعرضه لم يؤ كل. ٩٨١ - مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ تُقْتَلَ الإنْسِيَّةُ بِمَا يُقْتَلُ بِهِ الصَّدُ مِنَ الرَّمْيِ وَأَشْبَاهِهِ. الشرح: قوله: ((كان يكره أن تقتل الإنسية بما يقتل به الصيد)، لا يخلو من أحد حالين، أحدهما: حال إمكانها، والثانى: حال امتناعها. فأما فى حال إمكانها، فلا خلاف فى ذلك. وأما فى حال امتناعها بالتوحش، فقد قال مالك وأصحابه: إنه لا يجوز ذلك، وإنما يجوز أن يحبس بالرمى والطعن والضرب وغير ذلك من العرقبة وغيرها، ما لم تنفذ بشىء، ومن ذلك المقاتل. وقال أبو حنيفة: يجوز وحكمها حكم الصيد. والدليل على ما نقوله أن هذا حكم ثبت لبهيمة الأنعام، فلم يخرج عنه بالتوحش. أصل ذلك وجوب الذكاة فيها وإجزاؤه لها فى الضحايا والهدايا. مسألة: وأما ما يتأنس من الوحش ثم استوحش، فإنه يرجع إلى أصله، فيحل أكله بالصيد، قاله مالك، وحكاه عنه ابن حبيب فى اليمام واليعاقيب، وجميع الطير الذى أصله التوحش. قَالَ مَالِك: وَلا أَرَى بَأْسًا بِمَا أَصَابَ الْمِعْرَاضُ إِذَا حَسَقَ، وَبَلَغَ الْمَقَائِلَ أَنْ يُؤْكَل. الشرح: ومعنى ذلك أن یکون بحده وطرفه المحدد کطرف العصا، و کذلك قال ابن القاسم فى المدونة فيمن رمى صيدًا بعود أو عصا، فخرق، فإنه يؤكل؛ لأنه نفذ بطرفه كطرف الرمح. ٩٨١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠٢٢. ........... ٢٤١ كتاب الصيد قال الإمام أبو الوليد: وهذا إنما يصح عندى فيما يكون محدد الطرف، فأما ما لم یکن محدد الطرف، فإنما خزقه هشم ورض. وقد أشار إلى هذا ابن حبيب. وقال مالك فى المدونة فيمن رمى بحجر أو بندقة فخزق أو بضع وبلغ المقاتل: إنه لا یؤ کل، وليس ذلك بخزق، وإنما هو رض. وقد روى عدى بن حاتم قال: سألت النبى 8 عن صيد المعراض، فقال: ((ما أصاب بحده فخزق، فکله، وما أصاب بعرضه فهو وقیذ، فلا تأكله(١). قال مالك: قَالَ اللَّهُ عز وجل تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَّنْكُمُ اللَّهُ بِشَىْءٍ مِنَ الصَّيْدِ قَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤] قَالَ: فَكُلُّ شَىْءٍ نَالَهُ الإِنْسَانُ بِيَدِهِ أَوْ برمحه أَوْ بِشَىْءٍ مِنْ سِلاحِهِ، فَأَنْفَذَهُ وَبَلَغَ مَقَاتِلَهُ، فَهُوَ صَيْدٌ كَمَّا قَالَ اللَّهُ تبارك تَعَالَى. الشرح: قوله: ﴿ليبلونكم الله بشىء من الصيد﴾ الآية، يدل على اختصاص هذا الحكم بالمؤمنين من هذه الآية؛ لأنه لم يخاطب بها سواهم، ولا أضيف إلا إلى أيديهم ورماحهم. فصل: قوله: ﴿بشىء من الصيد﴾، يدل على إباحته فى الجملة وإطلاقه، وهو على ثلاثة أضرب، ضرب: يفعله المتصيد على وجه الحاجة إليه للتكسب والاستغناء به، وضرب: يفعله على وجه الحاجة إلى أكل لحمه مثل الغنى عنه، وضرب: يفعله على وجه اللهو والراحة. فأما ما يفعل على وجه الحاجة للتکسب أو لأكل لحمه، فلا خلاف فى إباحته دون كراهية فيه، رواه ابن حبيب، عن مالك. وأما الصيد للهو، فكرهه مالك ونهى عنه ورآه سفھًا، ولم جز قصر الصلاة فیه، رواه عنه ابن المواز وابن حبيب. مَالِك أَنَّهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: إِذَا أَصَابَ الرَّحُلُ الصَّيْدَ، فَأَعَانَهُ عَلَيْهٍ غَيْرُهُ مِنْ مَاءٍ أَوْ كَلْبٍ غَيْرٍ مُعَلّمٍ لَمْ يُؤْكَلْ ذَلِكَ الصَّدُ إِلا أَنْ يَكُونَ سَهْمُ الرَّامِى قَدْ فَتَلَهُ (١) أخرجه البخاری حديث رقم ٥٤٧٥. مسلم حديث رقم ١٩٢٩. أحمد فى المسند حديث رقم ١٧٧٨١. الترمذى حديث رقم ١٤٧١. النسائى فى الصغرى حديث رقم ٤٢٦٤. أبو داود حدیث رقم ٢٨٥٤. ابن ماجه حديث رقم ٣٢٤١. کتاب الصيد ٢٤٢ أَوْ بَلَغَ مَقَاتِلَ الصَّيْدِ حَتَّى لا يَشُكَّ أَحَدٌ فِى أَنَّهُ هُوَ قَتَلَهُ، وَأَنَّهُ لا يَكُونُ لِلصَّيْدِ حَيَاةٌ الشرح: وهذا كما قال أنه إذا أعان الصائد على صيده غيره مما ليس كآلة للصيد، فلم يدر أنه مات من فعل الصائد، أو من فعل المعين، لم يجز أكل ذلك الصيد. وقال ابن حبیب نحوه. ووجه ذلك أن الصيد يحتاج إلى نية كالذكاة، وتراعى فيه صفة الفاعل والآلة کالذ کاة، فإذا رمی الرامى صيدًا على شاهق، فتردى فوجده ميتا، فإن كان سهمه قد أنفذ مقاتله قبل ترديه، فقد تمت ذكاته، فلا يحرمه ترديه بعد ذلك، وإن كان لم ينفذ مقاتله برميته لم يجز أكله؛ لأنه لا يدرى أمن رميته مات أو من ترديه، قاله مالك. مسألة: ولو رماه بسهم، فسقط فى ماء، فعلى حسب ذلك إن تيقن إنفاذ السهم مقاتله برميته، فهو جائز، وإن شك فى ذلك لم يجز أكله لعل إنما قتله الماء وليس بآلة الصید، روی ذلك ابن المواز، عن مالك. والأصل فى ذلك ما رواه عدى بن حاتم أن النبى ﴿﴾ قال: ((إذا وقعت رميتك فى ماء فغرق، فلا تأكل))(٢)، معنى ذلك، والله أعلم، أن تكون وقعت فى الماء ولم تنفذ الرمية مقاتلها، ولذلك اعتبر الغرق؛ لأن الغرق هاهنا بمعنى الموت، ولو أنفذ السهم مقاتله لم يراع الموت، والله أعلم، وكذا لو أعان كلبه على الصيد كلبًا آخر لم يرسله. مسألة: ومن رمى صيدًا بسهم مسموم، فقد قال مالك فى العتبية والموازية: لا يؤكل، لعل السم أعان على قتله، وأخاف على من أكله. قال الإمام أبو الوليد: وهذا عندى إذا لم ينفذ مقاتله السهم، فإن أنفذ مقاتله، فقد ذهبت علة واحدة وهو خوفه أن يعين على قتله السهم، وبقيت على ثانية، وهى مخافته على آكله، فلا يجوز حينئذ أن يأكله أنفذ السهم مقاتله أو لم ينفذها. فإن كان من السموم التى تؤمن، ولا يتقى على أكل الصيد منها شىء كالبقلة، فقد (*) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠٢٣. وقال: قول مالك قولٌ صحيح على ما شرط؛ لأنه شرط حتى لا يشك أحدٌ أن السهم قتله، وأن لا تكون له حياة بعد. وإذا كان هكذا ارتفع معنى الخلاف؛ لأن المخالف لم يحمله على قوله إلا خوف أن يعين الجارح غيره على ذهاب نفس الصيد، والله أعلم. (٢) أخرجه أبو داود حديث رقم ٢٨٥٠. الترمذى حديث رقم ١٤٦٩، ٠٠ ٢٤٣ کتاب الصيد ارتفعت العلتان، وجاز أكله على رواية ابن القاسم، وفيه نظر على أصل ابن نافع مراعاته أن ينفذ السهم المقاتل قبل أن يسقط فى الماء، وإن سقط فى الماء، ثم أنفذت فيه مقاتله لم يجز عنده أكله، فعلى هذا يتحرر الكلام فى المسألتين. [قَالَ: وسَمِعْت مالكًا يَقُولُ](٩): لا بَأْسَ بِأَكْلِ الصَّدِ، وَإِنْ غَابَ عَنْكَ مَصْرَعُهُ إِذَا وَجَدْتَ بِهِ أَثَرًا مِنْ كُلْبِكَ أَوْ كَانَ بِهِ سَهْمُكَ مَا لَمْ يَبِتْ، فَإِذَا بَاتَ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ أَكْلُهُ. الشرح: قوله: ((لا بأس بأكل الصيد وإن غاب عنك مصرعه))، وهذا يحتاج إلى تقسيم وتفضيل، وذلك أن الكلب أو السهم إذا أنفذ مقاتل الصيد بمشاهدة الصائد ثم تحامل الصيد وغاب عنه، فقد كملت ذكاته، فلا يؤثر فى ذلك مغيبه عنه ولا مبيته. قال القاضى أبو الحسن: وهذا الذى أراد مالك، رحمه الله. مسألة: وإن لم ينفذ السهم ولا الكلب مقاتله حتى غاب عنه ثم وجده ميتا، فقد قال القاضى أبو الحسن: إذا كان مجدًا فى الطلب حتى وجده على هذه الحالة، فإنه يجوز أكله، وإن تشاغل عنه ثم وجده ميتا، فإنه لا يجوز أكله. وحکی نحوه ابن حبيب، عن أصبغ. وروى يحيى بن يحيى، عن ابن القاسم: إذا توارى الصيد مع الكلب، فوجده قد قتله إن لم ير بالقرب صيدًا يشككه أن الذى قتل غير الذى أرسل عليه، فإنه حلال، وإن شك فلا يؤ كل. ومعنى ذلك أن لا يميز الصيد الذى أرسله عليه، ويكون بالموضع من الصيد ما يشك به فى قتل الذى أرسل عليه، وهذا شك فى عين الصيد، وما ذكرناه أولاً شك فى صفة قتله. وقال بعض الشافعية: إذا زال عن عينه وهو فى غير حكم المذبوح، فلا يجوز أكله. والدليل على ما نقوله ما روى عن النبى ﴿﴾ قال: ((إذا أرسلت كلبك المعلم، فذكرت الله عز وجل وقتل، فكل))(٣) . (*) ما بين المعقوفتين هكذا فى الأصل، وفى الموطأ مثله أيضًا. والمصنف يعتمد على الموطأ رواية يحيى بن يحيى فيكون هو الذى سمع مالكا. والله أعلم بالصواب. (٣) أخرجه البخارى حديث رقم ٥٤٧٦، ٥٤٨٥. الترمذى حديث رقم ١٤٧٠. النسائى فى الصغری حدیث رقم ٤٢٦٣. أبو داود حديث رقم ٢٨٥٢. ٠٢٤٤ کتاب الصید فصل: وقوله: ((إذا وجدت فيه أثرًا من كلبك أو كان به سهمك))، يريد أن الظاهر إذا كان به أثر كلبه أو وجد فيه سهمه، أنه الصيد الذى أرسل عليه ما لم يدخل عليه شك من وجود صيد بقربه يشك به أن الذى فيه أثر كلبه أو سهمه غير الذى أرسل علیه، فلا يأكله حينئذ على ما تقدم. فصل: وقوله: ((ما لم يبت عنه، فإذا بات عنه كره أكله))، ولا يخلو أن يكون اصطاده بجارح أو سهم، فإن كان بالجارح فبات الصيد عنه، وقتلته الجوارح بعد أن غاب، فالمشهور من مذهب مالك أنه لا يؤكل، وبه قال الشافعى. وحكى القاضى أبو محمد، عن مالك فى الصيد بالكلب: أنه يؤ كل وإن بات عنه، سواء كان صاحبه يطلبه أو لا يطلبه. وقال أبو حنيفة: إن كان صاحبه لم ينقطع، حل أکله، وإن كان قد تشاغل عنه، لم يحل أكله. وجه الامتناع من أکله ما ذكره أصحابنا، أن للحیوان انتشار بالليل، فإذا بات عنه، جوز أن يكون ما ينتشر من السباع وغيرها بالليل قتله دون كلبه، فلا يجوز أكله، وإن كان يجوز مثل هذا بالنهار إذا غاب عنه أكثر النهار، إلا أنه يندر بالنهار ويكثر بالليل، فالحكم للغالب دون النادر. ووجه الرواية الثانية أن مغيب الصيد عن الصائد لا يمنع إباحته، أصله مغيبه بالنهار. مسألة: وأما إن صاد بسهمه، فبات عنه، فالذى روى عن ابن القاسم، عن مالك: لا يؤكل، صاد كلب أو سهم أو غير ذلك. وقال أصبغ: إن بات عنه، فوجد فيه أثر سهمه، وقد أنفذت مقاتله، فلیأ کله. وأما أثر البازى والكلب، فلا يؤكل وإن كان مقتلاً. وقد تقدم وجه الرواية الأولى. وأما الرواية الثانية فوجهها ما أخرجه البخارى من حديث عمر بن حاتم، أن رسول الله ﴿﴾ قال: ((إن رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس فيه أثر سهمك فكل، فإن وقع فى الماء فلا تأكل)) (٤). ومن جهة المعنى ما قاله القاضى أبو محمد: أن الفرق بين أثر السهم والجارح أن السهم يوجد فى موضعه، فإذا لم يوجد فيه أثر غيره علم أنه مات منه. وأما الجوارح، فإن أثرها كآثار غيرها من السباع، لا تتميز منها. (٤) أخرجه البخاری حدیث رقم ٥٤٨٥. مسلم حديث رقم ١٩٢٩. ٢٤٥ كتاب الصيد فصار فى هذه المسألة ثلاث روايات، رواية القاضى أبى الحسن: أنه يؤكل ما بات، سواء صيد بسهم أو كلب، ورواية ابن القاسم: لا يؤكل ما بات، سواء صيد بسهم أو كلب، وقول أصبغ: يؤكل ما بات مما صيد بسهم، ولا يؤكل من ذلك ما صيد بجارح، والله أعلم. ما جاء فى صيد المعلمات ٩٨٢ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِى الْكَلْبِ الْمُعَلّمِ: كُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ، إِنْ قَتَلَ وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ. ٩٨٣ - مَالِك أَنْهُ سَمِعَ نَافِعًا يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: وَإِنْ أَكَلَ وَإِدْ لَمْ يَأْكُلْ. الشرح: قوله: ((فى الكلب المعلم كل ما أمسك عليك))، يريد المعلم للصيد. والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾، إلى قوله: ﴿واذكروا اسم الله عليه﴾ [المائدة: ٤]. وما روى عن النبى ﴿﴿ أنه قال لعدى بن حاتم: ((إذا أرسلت الكلاب المعلمة، وذكرت اسم الله، فكل ما أمسكن عليك))(١). وفى هذا ثلاثة أبواب، أحدها: فى صفة الجارح الذى يصح الاصطياد به. والباب الثانى: فى صفة المعلم منه. والباب الثالث: فى معنى الإمساك على الصائد. * * الباب الأول فى صفة الجارح فأما صفة الجارح الذى يصح أن يصاد به، فهو كل جارح يمكن أن يفهم التعليم من ذوات الأربع، كالكلب والفهد والنمر، ومن الطير كالبازى والصقر والباشق والشاهين والشذانيق والعقاب، وغير ذلك، وعلى هذا عامة الفقهاء، وقاله مالك وأبو حنيفة والشافعى، وهو مذهب ابن عباس. ٩٨٢ - أخرجه البيهقى فى السنن الكبى ٢٣٧/٩. وذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠٢٤. ٩٨٣ - أخرجه البيهقى فى السنن الكبرى ٢٣٧/٩. عبد الرزاق فى المصنف ٤٧٣/٤. البيهقى فى معرفة السنن والآثار ١٨٧٧١/١٣. وذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠٢٥. (١) أخرجه بلفظه ابن ماجه کتاب الصید حديث رقم ٣٢٠٨. ٢٤٦ کتاب الصيد وروى عن عبد الله بن عمر أنهما قالا: لا يحل إلا صيد الكلب، وأما صيد سائر الجوارح من الطير وغيرها فلا يحل صيدها. وقال الحسن البصرى: يجوز صيد كل شىء إلا صيد الكلب الأسود البهيم، وبه قال النخعی وابن حبان وابن راهويه. والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾ [المائدة: ٤]، وهذا عام فى كل جارح من الكلاب وغيرها؛ لأن معنى مكلبين، مسلطين، وأضافه إلى الصائد ليعلم أن ذلك من فعله، وهو التعليم والتسليط، قاله ابن حبيب. وقال الفضل بن مسلمة: التكليب تعليم الكلاب الصيد. ودليلنا من جهة القياس أن هذا من الجوارح المعلمة، فجاز الاصطياد به كالكلب. * الباب الثانى فى صفة الكلب المعلم أما صفة الكلب المعلم، فهو أن يفهم الزجر والإشلاء، وليس من شرطه أن لا يأكل عند مالك وأصحابه، وهو شرط فى تعلمه عند أبى حنيفة والشافعي، وبالقول الأول قال سلمان الفارسى وسعد بن أبى وقاص وعلى بن أبى طالب وابن عمر وأبو هريرة. وقد استدل شيوخنا فى ذلك بقوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ [المائدة: ٤]، قالوا: فما بقى بعد الأكل، فهو مما أمسكن علينا. ودليلنا من جهة القياس أن قتل الجارح ذكاة يفسد الصيد بها، فلا يفسد يأكله منه. أصل ذلك إذا ذبح، وتعلق من منع ذلك بما روى عن الشعبى، عن عدى بن حاتم، أن رسول الله ◌َّه قال: ((إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله فكل، وإن قتل، فإن أكل، فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه))(٢). وهذا الحديث صحيح، فالأخذ به واجب، غير أنه عام، فنحمله على الذى أدرك ميتًا من الجرى أو الصدم، فأكل منه، فإنه قد صار على صفة لا يتعلق بها الإرسال ولا الإمساك علينا. يبين هذا التأويل أنه قد قال 48: ((ما أمسك عليك فكل، فإن أخذ الكلب (٢) تقدم تخريجه. ٢٤٧ کتاب الصيد ذكاة))(٣)، وهذا الحديث وإن كان أخذه المعتاد ذكاة، ومعنى الذكاة أن تبيح أكل المذكى، فلا يفسده ما وجد بعد ذلك من أكل غيره، كما لو ذبحه الصائد، ثم أكل منه الكلب. ويحتمل أن يريد بقوله ﴿: ((فإن أكل، فلا تأكل))، إلا أن يوجد منه غير مجرد الأكل دون إرسال الصائد له، ويكون قوله: ((فإن أكل فلا تأكل)) مقطوعًا مما قبله، والله أعلم. وإنما ذكرنا الحديث ووجه تأويله لإنكار من أنكر على مالك مخالفته ابن عمر، فبينا أن مالگًا لم يخالفه، وإنما تأوله على وجه سائغ، وقیاس جلی. * * * الباب الثالث فى معنى الإمساك أما معنى الإمساك علينا، فقد قال القاضى أبو الحسن: إن معناه أن يمسك بإرسالنا وهو على أصولنا بين؛ لأن الكلب لا نية له، ولا يصح منه ميز هذا، وإنما يتصيد بالتعلیم. وإذا كان الاعتبار علينا بأن يمسك علينا أو على نفسه، وكان الحكم يختلف بذلك، وجب أن يتميز ذلك بنية من له نية، وهو مرسله، فإذا أرسله، فقد أمسك عليه، وإذا لم یرسله، فلم مسك علیه. وقال أبو حنيفة: معنى قوله تعالى: ﴿مما أمسكن عليكم﴾ [المائدة: ٤]، مما صدن لكم. مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن الكلب إذا لم يرسله الصائد وصاد بإرساله، فلا يؤكل ما قتل. والأصل فى ذلك قوله ﴿﴿: ((إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله، فكل))، وفیہ فإن وجدت مع کلابك أو کلبك کلبًا غیره، فخشيت أن یکون أخذه معه وقد قتله، فلا تأكل، فإنما ذكرت اسم الله على كلبك، ولم تذكره على غيره. مسألة: وإذا انشلى الكلب بنفسه على الصيد، ثم أعانه الصائد بالإشلأ، فقد قال مالك فى المدونة: لا يؤكل، وهو قول الشافعى. قال القاضى أبو الحسن: وقد روى عن مالك أنه يؤ كل، وبه قال أبو حنيفة. وجه القول الأول، أن الاعتبار بأول انبعاثه يدل على ذلك أنه لو أرسل مسلم كلبًا (٣) أخرجه بلفظه البخارى كتاب الذبائح والصيد حديث رقم ٥٤٧٥. کتاب الصید ٢٤٨ على صيد، فانبعث بذلك، فأغراه مجوسى لما منع ذلك من أكله، ولو أرسله مجوسى، ثم أغراه مسلم، ما أکل صیده. قال القاضى أبو الحسن: ووجه القول الثانى أن بإشلائه تمادى على الصيد، فوجب أن يطرح ما كان من جريه قبل ذلك، فلا يعتبر به؛ لأنه لم يكن على قصد قاصد أرسله. مسألة: فإن أرسله على صيد فصاد غيره، فقتله لم يؤكل. وقال أبو حنيفة والشافعى: يؤكل. والدليل على ما نقوله أن هذا صيد لم يرسل عليه، فلم يحل أكله، أصله إذا انبعث من غير إرسال. مسألة: إذا ثبت أن الصيد يحتاج أن يعتبر بالنية، فإنه يجوز أن يعتبر ذلك ف جماعة يراها الصائد، أو يرى بعضها، أو لا يرى شيئًا منها، وتحصر بموضع لا تختلط بغيرها فى الأغلب كالغار فيه الصيد يرسل جارحه، وينوى جميع ما فيه، هذا هو المشهور عن مذهب مالك وأصحابه. وقال أشهب: لا يصح إرساله على ما يراه حين الإرسال، وأما ما لا يراه إذا كان الموضع مما لا ينحصر ولا يمتنع من دخول غيره من الصيد إليه كالغيضة والجوبة من الأرض، فقد جوز الإرسال على ما فيها، أصبغ، ومنع منه ابن القاسم وأشهب. ويتخرج القولان من قول مالك، وهذه المسألة على ثلاثة أضرب، وأقوال أصحابنا فيها على ثلاثة مذاهب، فمذهب ابن القاسم: أنه يجوز الإرسال على ما لا يراه إذا أمن من امتزاج غيره به كالغار، ولا يجوز إذا لم يأمن من ذلك كالغياض. ومذهب أصبغ: يجوز الإرسال على ما فى جهة معينة، سواء كانت مما يصل إليها صيد غير ما فيها كالغياض أو مما لا يصل إليه كالغار. ومذهب أشهب: أنه لا يجوز أن يرسل إلا على ما يراه. وأما الإرسال على غير تعيين مثل أن يرسله على كل صيد يقوم بين يديه، فلا خلاف فى المذهب أن ذلك لا يجوز لعدم التعيين كما لو أرسله ونوى كل صيد فى العالم أو لم ينو شيئًا. فصل: وقوله: ((وإن قتل وإن لم يقتل)»، يريد وإن قتل، فإنه يؤكل؛ لأن قتله على ما کتاب الصيد ٢٤٩٠ ....... تقدم ذكاة إذا أخذه الأخذ المعتاد، فجرحه فمات من خرجه من غير تفريط من صاحبه أو أنفذ مقاتله. وأما إن قتله بالصدم أو الضغط، فقد روى ابن القاسم، عن مالك فى المدونة: لا یؤ کل، وبه قال أبو حنيفة. وروی محمد، عن أشهب: یؤ کل، وبه قال ابن وهب والشافعى فى أحد قوليه. وجه قول مالك قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾، إلى قوله: ﴿ إلا ما ذكيتم﴾ [المائدة: ٣]، وهذه نطيحة لم تذك، فلا يجوز أكلها. ومن جهة المعنى أن هذه آلة الصيد، فإذا قتلت من غير جرح لم تؤكل. أصل ذلك السهم والمعراض. ووجه قول أشهب حديث عدى بن حاتم، أن رسول الله ﴾ قال: ((إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله تعالى فكل، وإن قتل)، ولم يفرق بين أن يجرح أو لا يجرح. ومن جهة القياس أن هذا صيد، مات بفعل الجارح، فجاز أكله. أصل ذلك إذا جرحه. فأما إذا مات من غير أن يدركه، فقد قال ابن المواز: إن قول مالك وأصحابه أنه لا يؤكل، ولا نعلم فى ذلك خلافًا فى المذهب. فصل: ((وإن لم يقتل))، معنى ذلك إن لم يقتل، فأدركت ذكاته، فذكيته؛ لأن ذکاة المقدور عليه هى الذكاة المعهودة، وأما إذا لم يقدر على ذكاته حتى قتله الكلب، سواء أدركه أو لم يدركه، فإنه يجوز أكله؛ لأن قتله على هذا الوجه ذكاته. فصل: وقوله: ((وإن أكل وإن لم يأكل))، هو مذهب عبد الله بن عمر، وذلك أن أكل الكلب من الصيد إنما هو بعد قتله، وقد أجمع الفقهاء على أن قتله ذكاة. قال مالك وأصحابه: فلا يضر ما طرأ بعد ذلك من قتله، كما لا يضر الذبيحة ما طراً عليها بعد تمام ذکاتها. ٩٨٤ - مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ إِذَا قَتَلَ الصَّيْدَ، فَقَالَ سَعْدٌ: كُلْ، وَإِنْ لَمْ تَبْقَ إِلاَ بَضْعَةٌ وَاحِدَةٌ. الشرح: ظاهر السؤال عن الكلب المعلم يقتل الصيد، هل يبيح ذلك أكله أو لا يبيحه؟ فأجابه سعد بقوله له: ((كل، وإن لم يبق إلا بضعة))، وليس فى السؤال ذكر ٩٨٤ - أخرجه عبد الرزاق فى المصنف ٤٧٤. وذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠٢٦. کتاب الصيد ٢٥٠ .......... الأكل، غير أن معناه أن يقتله الصيد على الوجه المخصوص، فقد كملت ذكاته، فلا يضرك بعد ذلك ما حدث على الصيد، فكل ما وجدت منه، وإن لم يبق منه إلا بضعة واحدة بأكل الكلب أو غيره؛ لأن ذكاته قد كملت. مَالِك أَنْهُ سَمِعَ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ فِى الْبَازِى وَالْعُقَابِ وَالصَّقْرِ وَمَّا أَشْبَةً ذَلِكَ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ يَفْقَهُ كَمَا تَفْقَهُ الْكِلابُ الْمُعَلَّمَةُ، فَلا بَأْسَ بِأَكْلٍ مَا قَتَلَتْ مِمَّا صَادَتْ إِذَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَى إِرْسَالِهَا (). الشرح: قوله: ((فى البازى والعقاب والصقر إذا كان معلمًا يفقه كما تفقه الكلاب المعلمة يؤكل ما قتلت))، وقد تقدم أن جميع الجوارح التى تفهم التعليم يؤكل ما قتلت. وقد قال ابن حبيب: تعليم الكلب أن تدعوه فیجیب، وتشليه فيشلى، وتزجره فيزدجر، وكذلك الفهود. وأما البزاة والصقر والعقبان، فأن تجيب إذا دعيت، وتشلى إذا أشليت، ولا تزدجر إذا زجرت؛ لأن ذلك لا يمكن فيها، قاله ربيعة وابن الماجشون. وكان ابن القاسم يقول فى البزاة: إنها كالكلاب، تجيب عند النداء، وتفقه الزجر، وأما ما لا يفقه الزجر من سائر الحيوان، فلا يجوز أكل ما قتل من الصيد، إلا أن تدرك ذكاته، روى ذلك ابن حبيب، عن مالك فى النمر. وروى عيسى، عن ابن القاسم فى المدنية: إن كان لا يفقه، فلا يؤكل صيده. قال الشيخ أبو إسحاق: وما جرى مجرى ما ذكر مما يصاد به، فهو جارخ وإن كان سنورًا أو ابن عرس. وجه ذلك أن جنس ما يفقه التعليم إذا كان منه غير معلم لا يجوز أكل ما قتل، فبأن لا يجوز أكل ما قتل النمر الذى جنسه لا يفقه التعليم أولى. فصل: وقوله: ((لا بأس بأكل ما قتلت مما صادت))، يريد ما تناولته على وجه الاصطياد ممن يصاد بها إذا أشليت من غير أن يرسلها لو أرسلها، فلم يقتل على وجه الاصطياد، وذلك أنها لم تتبع الصيد بالإشلاء، بل رجعت عنه، واشتغلت بغيره أو قتله (*) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠٢٧. وقال: لا أعلم فى صيد سباع الطير المعلمة خلافًا، إنه جائز كالكلب المعلم سواء إلا مجاهد بن جبر، فإنه يكره صيد الطير، ويقول: إنما قال الله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾ فإنما هى الكلاب. وخالفه عامة العلماء قديمًا وحديثا، فأجازوا الاصطياد بالبازى، والشوذتين، وسائر سباع الطير المعلمة. ٢٥١ کتاب الصيد صدمًا أو نطحًا، على مذهب ابن القاسم، فإن هذا ليس وجه الاصطياد المعتاد. فصل: وقوله: ((إذا ذكر اسم الله تعالى على إرسالها))، ظاهر هذا اللفظ يقتضى أن التسمية شرط فى صحة الاصطياد كما هى شرط فى صحة الذكاة. وقد قال ابن القاسم فى المدونة: من ترك التسمية فى الصيد عامدًا لم يؤكل صيده. ويجرى فى التسمية فى الصيد من الخلاف ما تقدم فى الذبيحة، وقد تقدم هنالك من الكلام ما یغنی عن إعادته. ومما يختص بهذا الباب قوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه﴾ [المائدة: ٤]، فأمر بذكر الله تعالى على التصيد، والأمر يقتضى الوجوب. ومن جهة السنة ما روى عن النبى ﴿﴿ أنه قال لعدى بن حاتم: ((إذا سميت فكل، وإلا فلا تأكل))(١)، وكذلك إرسال السهم والرمى بالرمح والضرب بالسيف، يلزم فيه من التسمية ما يلزم فى إرسال الجارح؛ لأن الذكاة انتقلت منه. مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن التسمية تلزم حين إرسال الكلب على ما قاله فى موطئه فى قوله: ((إذا ذ کر اسم الله علیه عند إرسالها)). ووجه ذلك أنه ربما قتل، فيكون ذلك ذكاته، فإن قدر على الصيد بعد ذلك، ولزمته ذكاته، كان عليه أن يسمى عند ذكاته أيضًا، ولم أر فى ذلك نصًا غير أن إرسال الكلب هو ابتداء ذكاة ما قتل؛ لأنه قد تغيب حين القتل ولا يعلم به، فلا تمكن التسمية حينئذ، فشرعت التسمية حين الإرسال. فإن لم يقتل انتقلت ذكاته إلى الذكاة المعهودة، فلزمت إعادة التسمية، وأيضًا فإن التسمية لزمت عند إرسال الجارح؛ لأنه فعل الصائد، وما بعد ذلك، فإنما هو فعل الكلب، وحينئذ يلزم الصائد أن ينوى دون وقت قتل الكلب، فإذا أخذ ولم يقتل، فقد تعين عليه فعل آخر، وهو الذكاة ونية أخرى، فلزمت إعادة التسمية كما لزم تحديد النية، والله أعلم. قَالَ مَالِك: وَأَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِى الَّذِى يَتَخَلِّصُ الصَّيْدَ مِنْ مَخَالِبِ الْبَازِى أَوْ مِنَ فِى الْكَلْبِ ثُمَّ يَتَرَّبَّصُ بِهِ فَيَمُوتُ، أَنَّهُ لا يَحِلُّ أَكْلُهُ. (١) تقدم تخريجه فى الحديث رقم ٩٨٣. کتاب الصيد ٢٥٢ قَالَ مَالِك: وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا قُدِرَ عَلَى ذَبْجِهِ وَهُوَ فِى مُخَالِبِ الْبَازِى أَوْ فِى فِى الْكَلْبِ فَتْرُكُهُ صَاحِبُهُ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَبْحِهِ حَتَّى يَقْتُلَهُ الْبَازِى أَوِ الْكَلْبُ فَإِنَّهُ لا يَجِلُّ أَكْلُهُ. قَالَ مَالِك: وَكَذَلِكَ الَّذِى يَرْبِى الصَّيْدَ فَيَالُهُ، وَهُوَ حَى، فَيُغَرِّطُ فِى ذَبْجِهِ حَنِّى يَمُوتَ، فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ أَكْلُهُ(٢). الشرح: وهذا كما قال أن الجارح إذا أخذ الصيد، فأدركه صاحبه سالمًا، فلا يخلو أن يقدر على ذكاته أو لا يقدر، فإن قدر على الذكاة بأن ينتزعه منه فیذکیه أو يذکیه فى أفواهها أو تحتها لزمه ذلك، وانتقلت الذكاة إلى الصائد، فإن لم يفعل ذلك وتركها حتی قتلته، فإنه لا يجوز أكله. ووجه ذلك أنه صار مقدورًا عليه متمكنًا من ذكاته، فلا يجوز أن يؤكل بقتل الجارح كالمستأنس المقدور عليه، وكذلك لو شغل عن ذكاته بإخراج السكين من متاعه أو انتظاره غلامه به حتى قتلته الجوارح، فإنه لا يجوز أكله؛ لأنه مقدور عليه. مسألة: وإن لم يقدر على ذکاته حتى فاضت نفسه أو غلبته الكلاب عليه فقتلته، فإنه يؤكل، وبه قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: لا يؤكل. والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ [المائدة: ٤]، وهذا مما أمسکنه الجوارح علينا. ودليلنا من جهة السنة ما روى عن النبى ﴿ أنه قال لعدى بن حاتم: ((إذا أرسلت كلابك المعلمة، وذكرت اسم الله، فكل وإن قتلن))(٢) (٣) ذكر قول مالك هذا والذى قبله ابن عبد البر فى الاستذكار ٢٩,٢/١٥، وقال: على قول مالك هذا جمهور الفقهاء كلهم، يقول: إذا مات الصيد قبل أن يمكنه ذبحه جاز أكله، وإن أمكنه ذبحه، فلم يفعل حتى مات، لم يأكله. وممن قال بهذا: الليث بن سعد، والأوزاعى، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وهو قول الحسن، وقتادة. وقال أبو حنيفة، وأصحابه: إذا حصل الصید فی یدہ حیا من فم الكلب، أو الصید لسھم، ولم یذ که لم یؤ کل، سواء قدر علی تذ کیته، أو لم يقدر. وقد قال الليث: إن ذهب يخرج سكينه من حقبه، أو خفه، فسبقه بنفسه، فمات أكله، وإن ذهب يخرج سكينه من مخرجه، فمات قبل أن يخرجه لم يأكله. وقد روى عن إبراهيم النخعى، والحسن البصرى فى هذه المسألة قول شاذّ، قالا إذا لم تكن معك حديدة، فأرسل عليه الكلاب حتى تقتله. (٢) تقدم تخريجه فى الحديث رقم ٩٨٣. ٢٥٣ کتاب الصيد ودليلنا من جهة القياس أنه حيوان مستوحش غير مقدور عليه، فكان ذکاته بعقر الجوارح أو آلة الصيد، کالذى لم یدر که حيًّا. فصل: وقوله: ((وكذلك الذى يرمى الصيد فيناله، وهو حى، فيفرط فى ذبحه حتى يموت، فإنه لا يحل أكله))، وحكمه فى ذلك حكم صيد الجوارح، فإذا رمى الصيد بسهم أو رمح أو ضربه بسيف، فلم ينفذ مقاتله وصار ما نال منه مقدورًا عليه، فإن الذكاة قد انتقلت إلى أصلها، فعليه أن يذكيه، فإن فرط فى ذلك أو تأخر أو تشاغل بشىء مما قدمنا ذكره حتى مات، فقد فاتت ذکاته، ولا يحل أکله. قَالَ مَالِك: الأَمْرُ الْمُخْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا أَرْسَلَ كَلْبَ الْمَحُوسِىِّ الضَّارِىَ فَصَادَ أَوْ قَتَلَ إِنّهُ إِذَا كَانَ مُعَلَّمًا، فَأَكْلُ ذَلِكَ الصَّيْدِ حَلالٌ لا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُذَكِّهِ الْمُسْلِمُ، وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ الْمُسْلِمِ يَذْبَحُ بِشَغْرَةِ الْمَحُوسِىِّ أَوْ يَرْبِى بِقَوْسِهِ أَوْ بِنَيِْهِ، فَيَقْتُلُ بِهَا فَصَيْدُهُ ذَلِكَ وَذَّبِيحَتُهُ حَلالٌ لا بَأْسَ بِأَكْلِهِ(). (*) قال ابن عبد البر فى الاستذكار ٢٩٤/١٥: الخلاف فى ذبائح المجوسى ليس بخلاف عند أهل العلم، والفقهاء أئمة الفتوى على ألا تؤكل ذبائحهم، ولا صيدهم، ولا تنكح نساؤهم، من قال منهم: أنهم كانوا أهل كتاب، ومن أنكر ذلك منهم كله يقول: لا تنكح نساؤهم، ولا تؤكل ذبائحهم، ولا صيدهم. على هذا مضى جمهور العلماء من السلف، وهو الصحيح، عن سعيد بن المسيب. روى معمر، عن قتادة، عن شعبة، عن سعيد بن المسيب فى المسلم يستعير كلب المجوسى، فيرسله على الصيد، قال: كله، فإن كلبه مثل شفرته. قال قتادة: وكرهه الحسن. قال أبو عمر: على جواز صيد المسلم يكلب المجوسى، وسلاحه جماعة السلف، وتابعهم الجميع من الخلف. وشذ عنهم من لزمته الحجة فى الرجوع إليهم، فلم يعد قوله خلافًا وهو أبو ثور. قال فى المسلم يأمر المجوسى بذبح أضحيته: إنها تجزئه، وقد أساء. وقال فى الكتابى يتمجس: إنه جائز أكل ذبيحته. وقال فى موضع آخر من صيد المجوسى قولان: أحدهما: أنه يجوز كصيد الكتابى وذبيحته؛ لأنه من أهل الكتاب. والثانى: أنه لا يجوز أكل صيده، كقول جمهور المسلمين. وأما صيد المسلم بكلب المجوسى، فالاختلاف قديم، كرهته طائفة، ولم تجزه، وأجازه آخرون. فمن كرهه جابر بن عبد الله صاحب رسول الله لا، والحسن البصرى، وعطاء، ومجاهد، وإبراهيم النخعى، وسفيان الثورى. وإليه ذهب إسحاق بن راهويه. وحجة من ذهب إلى هذا ظاهر قول الله عز وجل: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم اللهِه. فخاطب المؤمن بهذا الخطاب، فإن لم يكن المعلم للكلب مؤمنا لم يجز صيده. ومن حجتهم أيضًا ما رواه وكيع، عن الحجاج، عن القاسم ابن أبى بزَّة، عن سليمان اليشكرى، عن جابر بن عبد الله، قال: نهينا عن صيد كلب المجوسى. وخالفهم آخرون، فقالوا: تعليم= كتاب الصيد ٢٥٤ الشرح: وهذا كما قال؛ لأن كلب المجوسى إذا كان معلمًا، فإنه لا فرق بينه وبين كلب المسلم؛ لأنه آلة للصيد كالسهم والرمح، ولا يراعى فيها صفة مالكه ولا صفة معلمه ولا صفة مرسله، وإنما يراعى صفة المرسل فى نفسه، فالكلب كالسهم والرمح. فإذا أرسل المسلم كلب المجوسى، وهو معلم، فقد أرسل كلبًا يجوز الاصطياد به، والمرسل لما كان مسلمًا جاز اصطياده، فلم يؤثر فى ذلك ملك المجوسى؛ لأنه ليس بمرسل ولا جارح، وإنما يعتبر فى الصيد بصفة المرسل والجارح خاصة، وذلك كالذبح يراعى فيه صفة الذبح وصفة آلة الذبح، دون صفة مالكها، والله أعلم. قَالَ مَالِك: وَإِذَا أَرْسَلَ الْمَحُوسِىُّ كَلْبَ الْمُسْلِمِ الضَّارِىَ عَلَى صَيْدٍ، فَأَخَذَهُ، فَإِنَّهُ لا يُؤْكَلُ ذَلِكَ الصَّدُ إِلا أَنْ يُذَكَّى، وَإِنْمَا مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ قَوْسِ الْمُسْلِمِ وَيْلِهِ يَأَخُذُهَا الْمَحُوسِىُّ، فَيَرْسِى بِهَا الصَّدَ فَقْتُلُهُ، وَبِمَنْزِلَةٍ شَفْرَةِ الْمُسْلِمِ يَذْبَحُ بِهَا الْمَحُوسِىُّ، فَلا يَحِلُّ أَكْلُ شَىْءٍ مِنْ ذَلِكَ. الشرح: وهذا كما قال أن المجوسى إذا أرسل كلب المسلم على صيد فقتله، فإنه لا يحل أكله، وإن كان الكلب معلمًا؛ لأن الكلب وإن كملت شروط الصيد فيه، فإن مرسله ممن تعتبر صفاته فى الصيد، وقد عدمت شروطه؛ لأن من لا تجوز ذكاته لا يجوز صیده. وللصائد صفات تعتبر فيه منها أن يكون مسلمًا، وأن يكون عاقلاً، وأن يكون صاحيًا، ولا خلاف فى جواز صيد المسلم العاقل الصاحى، فأما صيد الكتابى، فقد روى ابن المواز، عن مالك: لا يؤكل صيده، وإن أكلت ذبيحته. رروی ابن حبیب، عن ابن وهب إباحته، قال ابن حبيب: ونحن نكرهه من غیر تحریم، والقياس أنه كذبائحهم. =المجوسى له، وتعليم المسلم سواءٌ، وإنما الكلب كآلة الذبح والذكاة. وممن ذهب إلى هذا: سعيد ابن المسيب، وابن شهاب، والحكم، وعطاء. وهو الأصح عنه إن شاء الله. وهو قول مالك، والشافعى، وأبى حنيفة، وأصحابهم، وكان الحسن البصرى يكره الصيد بكلب المجوسى، والنصرانى. وقال أحمد بن حنبل: أما كلب اليهودى والنصرانى، فهو أهون. وقال إسحاق: لا بأس أن يصيد المسلم بكلب اليهودى، والنصرانى. قال أبو عمر: لما أجمع الجمهور الذين لا يجوز عليهم تأويل الكتاب، وهم الحجة على من شذ عنهم، إن ذبح المجوسى بشفرة المسلم، ومديته ومديته، واصطياده بكلب المسلم لا يحل، علمنا أن المراعاة، والاعتبار إنما هو دين الصائد، والذابح لا آلته، وبالله التوفيق.