Indexed OCR Text
Pages 1721-1740
كتاب الحج ١٥٥٠ ..... الأنبياء صلوات الله عليهم يدعون بأفضل الدعاء ويهدون إليه، فإذا كان أفضل دعائهم، فهو أفضل الدعاء. ٩٣٩ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿﴾ دَخَلَ مَكّةَ عَامَ الْفَتْحِ، وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ خَطَلٍ(١) مُتَعَلّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿﴾: ((الْتُوهُ)). قَالَ مَالِك: وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ يَوْمَئِذٍ مُحْرِمًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الشرح: قوله: ((أن رسول الله ﴿﴿ دخل مكة عام الفتح، وعلى رأسه المغفر))(١) يقتضى أحد أمرين، إما أن يكون غير محرم، فلذلك غطى رأسه بالمغفر، وهو الأظهر؛ لأنه لم يرو أحد أنه تحلل من إحرام. وقد روى عنه ﴿﴿ أنه قال: ((وإنما أحلت لى ساعة من نهار))(٢) فعلى أن دخول مكة على غير إحرام خاص بالنبى ٩٣٩ - أخرجه البخارى، ٤٣/٣ كتاب جزاء الصيد باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام عن أنس. ومسلم ٩٩٠/٢ كتاب الحج باب ٨٤ رقم ٤٥٠ باب جواز دخول مكة بغير إحرام عن أنس. وأبو داود برقم ٢٦٨٥، ٥٩/٣ كتاب الجهاد باب قتل الأسير عن أنس. والنسائى ٢٠١/٥ كتاب مناسك الحج باب دخول مكة بغير إحرام عن أنس. وأحمد ١٠٩/٣ عن أنس. والبيهقى فى الكبرى ١٧٧/٥ عن جابر. وابن خزيمة برقم ٣٠٦٣، ٣٥٥/٤ عن أنس. وابن أبى شيبة ٤٩٢/١٤ عن أنس. (١) قال ابن عبد البر فى التمهيد ١٨١/٦: اختلف فى اسم ابن خطل هذا، فقيل: هلال بن خطل، وقيل: عبد العزى بن خطل، وقيل عبد الله بن خطل، هذا قول ابن إسحاق وجماعة. وقال الزبير بن بكار: ابن خطل الذى أمر رسول الله ﴿3﴾ بقتله يوم فتح مكة، وإن كان متعلقا بأستار الكعبة، فقتل على تلك الحال، هو هلال بن عبد الله بن عبد مناف بن أسعد بن جابر بن كبير بن تيم بن غالب بن فهر. قال: وعبد الله، هو الذى يقال له: خطل ولأخيه عبد العزى بن عبد مناف أيضا خطل، هما جميعا الخطلان. قال: فبنو تيم بن غالب بن فهر، يقال لهم: بنو الأدرم، وتيم هو: الأدرم بن غالب. (١) قال ابن عبد البر: المغفر: ما غطى الرأس من السلاح، كالبيضة وشبهها، من حديد كان أو من غيره، وقد روى بشر بن عمر الزهرانى، عن مالك هذا الحديث بإسناده، وقال فيه: مغفر من حديد، وليس فى الموطأ: من حديد، ولا أعلم أحدا ذكر ذلك عن مالك، غير بشر بن عمر فى هذا الحديث. (٢) أخرجه البخارى حديث رقم ١٣٤٩، ١٨٣٣. مسلم حديث رقم ١٣٥٥. الترمذى حديث رقم ١٤٠٦. النسائى فى الصغرى حديث رقم ٢٨٩٢. أبو داود حديث رقم ٢٠١٧. أحمد فى المسند حديث رقم ٢٢٧٩، ٧٢٠١. ١٥٦ کتاب الحج ... ولهذا قال مالك: ولم يكن رسول الله ﴾ يؤمئذ محرمًا، وقد كان يحتمل أن يكون غطى رأسه لأذى اضطره إلى ذلك، وافتدى لو ثبت أنه دخل مكة محرمًا. ودخول مكة على ثلاثة أضرب، أن يريد دخولها للنسك فى حج أو عمرة، فهذا لا يجوز أن يدخلها إلا محرمًا، فإن تجاوز الميقات غير محرم ثم أحرم، فعليه دم. والضرب الثانى: أن يدخلها غير مريد للنسك، وإنما يدخلها لحاجة تتكرر كالخطابين وأصحاب الفواكه، فهؤلاء يجوز لهم دخولها غير محرمين؛ لأن الضرورة كانت تلحقهم بالإحرام متى احتاجوا إلى دخولها لتكرر ذلك. والضرب الثالث: أن يدخلها لحاجته، وهى مما لا تتكرر، فهذا لا يجوز له أن يدخلها إلا محرمًا؛ لأنه لا ضرر عليه فى إحرامه، وإن دخلها غير محرم، فهل عليه دم أو لا؟ الظاهر من المذهب أنه لا شىء عليه، وقد أساء. فصل: وقوله: ((فلما نزع المغفر جاءه رجل فقال: يا رسول الله، ابن خطل متعلق بأستار الكعبة)) ابن خطل، هو عبد الله بن خطل، فيحتمل أن يكون عرفه حينئذ لما أزال المغفر عن رأسه، ويحتمل أن يكون وافق نزع المغفر مجىء الرجل وإخباره، وكان تعلق ابن خطل بأستار الكعبة استجارة بها، فإنه كان ممن يؤذى النبى ﴿﴾، وأن النبى أمن كل من ألقى السلاح ودخل دار أبى سفيان إلا عبد الله بن خطل. فصل: وقوله: ﴿: ((اقتلوه)) دليل على أنه لم تنفعه استجارته بالبيت والحرم لما أوجب الله تعالى عليه من سفك دمه، وهكذا كل من وجب عليه سفك دمه لقصاص أو غيره یقتل فى الحرم، وسیأتی ذکره فی کتاب الجنايات إن شاء الله تعالى. ٩٤٠ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عُمَرَ أَقْبَلَ مِنْ مَكّةً حَتَّى إِذَا كَانَ بِقُدَيْدٍ جَاءَهُ خَبَرٌ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَرَجَعَ فَدَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ. وحَدَّثَنِى مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ. الشرح: وقوله: ((أن عبد الله بن عمر أقبل من مكة)) يحتمل أنه كان يريد المدينة؛ لأن قديدًا ما بين مكة والمدينة، فورد عليه بقديد خبر من المدينة، وذلك الخبر الذى ورد عليه يقتضى أن يكون اقتضى رجوعه إلى مكة لامتناع وصوله إلى المدينة، ويحتمل أن يكون اقتضى رجوعه إلى مكة ليخرج إلى المدينة على غير الصفة التى كان خرج غليها أو لیستصحب ما لم یکن استصحبه أو لیقدم ما لم یکن یقدمه. ٩٤٠ - أخرجه النسائى فى مناسك الحج ٢٩٤٣. وأحمد فى مسند المكثرين من الصحابة ٥٩٥٣. ١٥٧٠٠٠ کتاب الحج فصل: وقوله: ((فدخل مكة بغير إحرام)) قد تقدم ذكر الداخل إلى مكة بغير إحرام ابتداء، وما يلزم فيه من الإحرام، وما يجوز منه بغير إحرام، والكلام هاهنا فى الراجع إلى مكة لحاجة نسيها أو لقصة ذكرها، وهو لا يريد نسكًا، ولا مقامًا به، وإنما يريد أخذ ما نسيه، ثم يخرج عنها، فإن هذا عندى مثل من طاف طواف الوداع ثم رجع. ٩٤١ - مَالِك، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ خَلْحَلَةَ الدِّيلِىِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ الأَنْصَارِىِّ(١)، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: عَدَلَ إِلَىَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَأَنَا نَازِلٌ تَحْتَ سَرْحَةٍ بِطَرِيقٍ مَّكَّةَ، فَقَالَ: مَا أَنْزَلَكَ تَحْتَ هَذِهِ السَّرْحَةِ؟ فَقُلْتُ: أَرَدْتُ ظِلَّهَا، فَقَالَ: هَلْ غَيْرَ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ: لا مَا أَنْزَلَنِى إِلا ذَلِكَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: (إِذَا كُنْتَ بَيْنَ الأَخْشَيْنِ مِنْ مِنَّى، وَنَفَعَ بِيِّدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، فَإِنَّ هُنَاكَ وَادِيًا يُقَالُ لَهُ السِّرَّرُ بِهِ شَجَرَةٌ سُرَّ تَحْتَهَا سَبْعُونَ نَبيَّ). الشرح: قوله: ((غدا إلى عبد الله بن عمر، وأنا نازل تخت سرحة بطريق مكة)) السرحة الشجرة العظيمة، وإنما عدل إليه عبد الله بن عمر لما كان عنده من العلم ليختبر، إن كان ذلك أنزله أو أنزله الظل، فيعلمه بما عنده فى ذلك اغتنامًا للأجر، وحرصًا على تعليم العلم، ولعل ابن عمر قد قصد مع ذلك التبرك بالوصول إليها، وذكر الله عندها لما كان عنده من علم فضلها إن كانت السرحة معينة عنده، أو لظنه أنها تلك لعدم مثلها فى تلك الجهة، أو لعله رجا أن يكون عند عمران الأنصارى علم بعينها، والله أعلم. فصل: وقوله: ((ما أنزلك تحت هذه السرحة؟)) اختبارًا لما عند عمران الأنصارى فى ذلك، فلما قال: ((أردت ظلها)) استفهمه إن كان اقترن بذلك غرض آخر من تبرك بها أو معرفة شىء مما يرجى عندها، فإنه يجتمع فيها الأمران لمن قصد ذلك ونواه. فصل: وقوله : ((إذا كنت بين الأخشبين من منى)) الأخشبان الجبلان، وهذا يدل ٩٤١ - أخرجه النسائى ٢٤٩/٥ كتاب مناسك الحج باب ما ذكر فى منى. وأحمد ١٣٨/٢ عن عبد الله بن عمر. والبيهقى فى الكبرى ١٣٩/٨ عن عبد الله بن عمر. وأبو نعيم فى الحلية ٣٣٦/٦ عن ابن عمر. وابن حبان ٤٧/٨ عن ابن عمر. (١) قال ابن عبد البر فى التمهيد ١٩٠/٦: لا أعرف محمد بن عمران هذا إلا بهذا الحديث، وإن لم يكن أبوه عمران بن حبان الأنصارى أو عمران بن سوادة، فلا أدرى من هو؟ وحديث هذا مدنى، وحسبك بذ کر مالك له فی کتابه. کتاب الحج ١٥٨ . على أن طريق عمران إلى مكة أو من مكة، كان على منى، إما لأنه كان واردًا من اليمن أو السراة أو لأنه جعل طريقه من المدينة على تلك الجهة. فصل: وقوله: ((ونفح بيده)) يريد أشار، ولعله أراد البعد عن الموضع الذى كان به حين أشار. فصل: وقوله: ﴿4: ((فإن هناك واديًا يقال له السرر به سرحة، سر تحتها سبعون نبيًا)» يحتمل أن يكون الوادى يسمى السرر بذلك، وإنما أعلم بذلك ﴿3﴾ فيما يظهر إلىّ والله أعلم، لفضل الذكر عندها لمن مر بها ورجاء إجابة الدعاء وتنزل الرحمة عندها. ٩٤٢ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ أَنَّ عُمَرٌ ابْنَ الْخَطَّابِ مَرَّ بِامْرَأَةٍ مَحْذُومَةٍ، وَهِىَ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَقَالَ لَهَا: يَا أَمَةَ اللَّهِ لا تُؤْذِى النَّاسَ، لَوْ جَلَسْتِ فِى بَيْتِكِ، فَجَلَسَتْ، فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهَا: إِنَّ الَّذِى كَانَ قَدْ نَهَاكِ قَدْ مَاتَ، فَاخْرُجِى فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأَطِيعَهُ حَيًّا، وَأَعْصِيَهُ مَيِّنًا. الشرح: قوله للمرأة المجذومة الطائفة بالبيت: ((يا أمة الله، لا تؤذى الناس)) على سبيل الرفق بها فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر عرض عليها بالرفق ما هو أرفق بها، فأطاعته. وقولها: ((ما كنت لأطيعه حيًا وأعصيه ميتًا)) تريد أنها إنما أطاعته لأنه أمرها بالحق، وذلك یوجب عليها امتثال ما أمر به فى كل وقت فى حياته وبعد موته. ٩٤٣ - مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ: مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ الْمُلْتَزَمُ. الشرح: قوله: ((ما بين الركن)) يريد الركن الأسود وفيه الحجر ((وبين الباب)) يريد باب البيت الملتزم ومعنى ذلك التزام البيت والتعوذ به وموضع الدعاء والوقوف. ٩٤٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٢٣. عبد الرزاق فى المصنف ٧١/٥. ٩٤٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٢٤. البيهقى فى السنن الكبرى ١٦٤/٥. كشف الغمة ٢٢٣/١. ١٥٩ .......... کتاب الحج . ٩٤٤ - مَالِك، عَنْ يَحْبَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْتَى بْنِ حَبَّانَ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَذْكُرُ أَنَّ رَجُلًا مَرَّ عَلَى أَبِى ذَرِّ بِالرََّدَةِ، وَأَنَّ أَبَا ذَرِّ سَأَلَهُ أَيْنَ تُرِيدُ؟ فَقَالَ: أَرَدْتُ الْحَجَّ، فَقَالَ: هَلْ نَزَعَكَ غَيْرُهُ؟ فَقَالَ: لا، قَالَ: فَأَتَيِفِ الْعَمَلَ، قَالَ الرَّجُلُ: فَخَرَجْتُ حَتّى قَدِمْتُ مَكّةً فَمَكَنْتُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ إِذَا أَنَا بِالنَّاسِ مُنْقَصِفِينَ عَلَى رَجُلٍ، فَضَاغَطْتُ عَلَيْهِ النّاسَ، فَإِذَا أَنَا بِالشَّيْخِ الَّذِى وَجَدْتُ بِالرَّبَدَةِ، يَعْنِى أَبَا ذَرٍّ، قَالَ: فَلَمَّا رَآنِى عَرَفَنِى، فَقَالَ: هُوَ الَّذِى حَدَّثْتُكَ. الشرح: قوله: ((أن رجلا مر على أبى ذر بالربذة)) لأنه كان نزلها زمن عثمان رضى الله عنه، فقال أبو ذر للرجل: ((أين تريد؟ فقال: أردت الحج، فقال له أبو ذر: هل نزعك غيره؟)) أى هل حملك على سفرك هذا غيره من قصد حاجة أو تجارة أو نكاح أو غير ذلك من الأغراض، فقال له الرجل: ((لا، قال: فانتنف العمل)) ولذلك لما روى عن النبى ڵ﴾ أنه قال: «من حج هذا البیت، فلم يفسق رجع کیوم ولدته أمه»(١) یرید والله أعلم أنه لا ذنب له؛ لأن ما أتى به من العمل، قد كفر سائر ذنوبه، فصار كيوم ولدته أمه لا ذنب له، والله أعلم. فصل: وقوله: ((فمكثت ما شاء الله)) يستعمل ذلك فى المدة الطويلة، قال: ((ثم إذا أنا بالناس منقصفين على رجل)) يريد متزاحمين عليه، يقصف بعضهم بعضًا من شدة تزاحمهم، ((فضاغطت عليه) يريد أنه ضايق الناس حتى وصل إلى النظر إليه، ((فإذا أنا بالشيخ الذى وجدته بالربدة» يريد أبا ذر إذ قال له: ((انتنف العمل فلما رآه أبو ذر عرفه))، ويقتضى ذلك أنه ذكر ما كان أخبره به من أنه يأتنف العمل من خرج إلى الحج لا يخرجه غيره. فصل، وقول أبى ذر: (هو الذى حدثتك)) تذكير بما جرى وثبات على قوله، وتحقيق الأمر عنده وتغبيط له بتكرره على ذلك الحج إن كان ذاك بمكة. ٩٤٥ - مَالِكِ أَنّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنِ الاسْتِنَاءِ فِى الْحَجِّ، فَقَالَ: أَوَ يَصْنَعُ ذَلِكَ أَحَدٌ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ. ٩٤٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٢٥. (١) أخرجه مسلم حديث رقم ١٣٥٠. البخارى حديث رقم ١٥٢١. الترمذى حديث رقم ٨١١. النسائى فى الصغرى حديث رقم ٢٦٢٧. ابن ماجه حديث رقم ٢٨٨٩. أحمد فى المسند حديث رقم ٧٠٩٦. ٩٤٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٢٦. کتاب الحج ١٦٠ .. الشرح: وقوله: ((الاستثناء فى الحج)) يريد أن يشترط أن يتحلل حيث أصابه مانع، وذلك غير جائز عند مالك وأكثر العلماء. سُئِلَّ مَالِك هَلْ يَحْتَشُّ الرَّجُلُ لِدَأَتِهِ مِنَ الْحَرَمِ؟ فَقَالَ: لا. الشرح: وهذا كما قال أن لا يحتش أجد فى الحرم لدايته ولا لغير ذلك إلا إلاذخر الذى أباحه النبى ﴿3﴾، والاحتشاش جميع الحشيش. والأصل فى ذلك قوله ﴿﴿ فى مكة: ((لا تعضد شجرها، ولا يختلى خلاها)) والخلى ما ييس من النبت والحشيش. فقال العباس: ((إلا الإذخر يا رسول الله، فإنه لصاغتنا وقبورنا. فقال: إلا الإذخر))(١) وقد قيس عليه السنا للحاجة العامة إليه كالإِذخر. مسألة: ومن احتش فى الحرم، فلا جزاء عليه. وقال الشافعى: عليه القيمة، وقد تقدم ذكره، ولا بأس أن يرعى الإبل فى الحرم. والفرق بينه ويبن الاحتشاش أن الاحتشاش تناول قطع الحشيش، وإرسال البهائم للرعى ليس بتناول لذلك، وهذا لا يمكن الاحتراز منه، ولو منع منه لامتنع السفر فى الحرم، والمقام فيه لتعذر الامتناع منه والتحرز، والله أعلم وأحكم. حج المرأة بغير ذى محرم قَالَ مَالِك فِى الصَّرُورَةِ مِنَ النِّسَاءِ الَّتِى لَمْ تَحُجَّ قَطُ: إِنَّهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا ذُو مَحْرَمٍ يَخْرُجُ مَعَهَا أَوْ كَانَ لَهَا، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا أَنَّهَا لا تَتْرُكُ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَيْهَا فِى الْحَجِّ لِتَخْرُجْ فِى حَمَاعَةِ النِّسَاءِ(١). الشرح: وهذا كما قال أن المرأة لا يسقط عنها فرض الحج الذى فرض عليها إذا اجتمعت شروط الوجوب والأداء بعدم ذى محرم يخرج معها، وإذا وجدت جماعة نساء يخرجن خرجت معهن ولزمها ذلك، وبه قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: لا تخرج إلا مع ذي محرم، إلا أن يكون بينها وبين مكة أقل من ثلاثة أيام بلياليها. (١) أخرجه البخارى حديث رقم ١٣٤٩، ١٨٣٣، ١٨٣٤، ٢٠٩٠، ٤٣١٣. مسلم حديث رقم ١٣٥٣. النسائى فى الصغرى حديث رقم ٢٨٩٢. أحمد فى المسند حديث رقم ٢٢٧٩، ٣٢٤٣. (١) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٢٧. ............. ١٦١ کتاب الحج. والدليل على مانقوله قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]، وهذا عام فى التى تجد ذا محرم، وفى التى تعدمه، فيحمل علی عمومه إلا ما خصه الدلیل. ودليلنا من جهة القياس أن هذه مسافة يجب قطعها، فلم يكن من شروط وجوب قطعها وجود ذی رحم، کما لو کان بينها وبين مكة ليلتان. مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن هذا حكم حجة الفريضة، وأما حجة التطوع منه، فروى ابن حبيب: لا تخرج فيه إلا مع ذى محرم، خلاف حجة الفريضة. ووجه رواية ابن حبيب حديث أبى سعيد الخدرى: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذى محرم منها))(٢) وهذا سفر غير واجب، فلم تخرج إليه إلا مع ذى محرم. أصل ذلك سائر الأسفار التى لا تجب ولا تؤمن. مسألة: إذا ثبت ذلك، فقد كره مالك أن يخرج بها ابن زوجها وإن كان ذا محرم منها. قال الإمام أبو الوليد: ووجه ذلك عندى ما ثبت للربائب من العداوات وقلة المراعاة فى الأغلب، فلا يحصل لها منه الإشفاق والستر والحرص على طيب الذكر. مسألة: ولعل هذا الذى ذكر بعض أصحابنا، إنما هو فى حال الانفراد والعدد اليسير، فأما القوافل العظيمة والطرق المشتركة العامرة المأمونة، فإنها عندى مثل البلاد التى يكون فيها الأسواق والتجار، فإن الأمن يحصل لها دون ذى محرم ولا امرأة، وقد روى هذا عن الأوزاعى. إذا ثبت ذلك، ففى هذا ثلاثة أبواب، أحدها: فى بيان ما يجوز للمرأة أن تخرج فيه بغير إذن زوجها، ولا يجوز له أن يحملها. والثانى: فى بيان ما لا يجوز لها أن تخرج إلا بإذن زوجها، ويكون له أن يحلها. والباب الثالث: فيما يلزمها إذا حللها. * * * صيام المتمتع ٩٤٦ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةً بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ (٢) أخرجه البخارى حديث رقم ١٠٨٨. مسلم حديث رقم ٨٢٧، ١٣٣٩. الترمذى حديث رقم ١١٦٩. ابن ماجه حديث رقم ٢٨٩٩. أحمد فى المسند حديث رقم ١٠١٩٧، ١٠٩٠١. ٩٤٦ - أخرجه البخارى فى الصوم ١٨٥٩. البيهقى فى السنن الكبرى ٢٤/٥. وذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٢٨. كتاب الحج .. ١٦٢ أَنْهَا كَانَتْ تَقُولُ: الصِيَامُ لِمَنْ تَمَتْعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، لِمَنْ لَمْ يَخِدْ هَدْيَا مَا بَيْنَ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ إِلَى يَوْمٍ عَرَفَةَ، فَإِنْ لَمْ يَصُمْ صَامَ أَيَّمَ مِنِّى. ٩٤٧ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنْهُ كَانَ يَقُولُ فِى ذَلِكَ مِثْلَ قَوْلٍ عَائِشَةَ رَضِى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا. الشرح: قولها رضى الله تعالى عنها: ((الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج لمن لم يجد هديًا ما بين أن يهل بالحج إلى يوم عرفة)) تريد والله أعلم أنه إذا أهل بالحج، فقد لزمه الهدى، فإن عدمه جاز له الصیام وأما قبل أن یھل بالحج ولم يجب علیه هدى، فلا يجوز له أن يصوم قبل أن يجب عليه كما لا يجوز له أن ينحر هدى التمتع حينئذ. فصل: وقولها رضى الله عنها: ((فإن لم يصم إلى يوم عرفة صام أيام منى)) وهى أيام التشريق الثلاثة التى تلى يوم النحر، وهذا اللفظ يقتضى صحة الصوم من وقت يحرم بالحج المتمتع إلى يوم عرفة، وأن ذلك مبدأ، إما لأنه وقت الأداء وما بعد ذلك من أيام منى وقت القضاء. وإما لأن فى تقديم الصيام قبل يوم النحر إبراء للذمة وذلك مأمور به. وأما أن صيام ما قبل يوم النحر لمن يريد الصوم، وصيام أيام منى ممنوع، فإنما يباح الصوم فيها للضرورة إن لم يصم قبل ذلك ليكون صومه فى حجه امتثالا لقوله تعالى: ﴿فصيام ثلاثة أيام فى الحج﴾ [البقرة: ١٩٦]، وما بعد أيام منى، فليس محلاً لهذا الصوم على وجه الأداء؛ لأن ما بعد أيام منى لا يكون الصوم فيها فى الحج. وقد قال أصحاب الشافعى: إن صيام أيام منى إنما هو على وجه القضاء، والأظهر من المذهب أنه على وجه الأداء، وإن كان الصوم قبلها أفضل كوقت الصلاة الذى فيه سعة للأداء، وإن كان أوله أفضل من آخره، والله أعلم. فرع: وقد تقدم أنه لا يصوم اليومين الأولين من أيام التشريق إلا المتمتع الذى لا يجد الهدى لضرورة أن يقع صومه فى الحج، وأما اليوم الثالث، فإنه يصومه من نذره. والفرق بينهما أن اليوم الثالث لا يتحقق بالحج؛ لأنه قد يترك الحاج المقام فيه بمنى ويترك الرمى والمبيت وأما اليومان الأولان، تحققان بالحج لا يجوز لمن حج أن يترك لهما المبيت، ولا أن يترك الرمى، والمقام فيهما يمنى، فلذلك افترق حكمهما، والله أعلم. تم کتاب الحج بحمد الله وعونه ٩٤٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٣٧٢/١٣. كتاب الضحايا ما ينهى عنه من الضحايا ٩٤٨ - مَالِك، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ فَيْرُوزٍ، عَنِ الْبَرَاءِ ابْنِ عَازِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ّ سُئِلَ مَاذَا يُنْقَى مِنَ الضَّحَايَا؟ فَأَشَارَ بِيدِهِ وَقَالَ: «أَرْبَعًا، وَكَانَ الْبَرَاءُ يُشِيرُ بِيْدِهِ وَيَقُولُ: يَدِى أَقْصَرُ مِنْ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ الْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا، وَالْعَوْرَاءُ الْبِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَحْفَاءُ الَّتِى لَا تُنْقِى)). الشرح: قوله: ((سئل رسول الله (8) ماذا يتقى من الضحايا؟)) دليل على أن للضحايا عنده صفات، يتقى بعضها ولا يتقى بعضها، ولو لم يعلم أنه يتقى منها شىء لسأله هل يتقى من الضحايا أم لا، والذى يتقى من الضحايا على ضربين، ضرب يتعلق به عدم الإجزاء، وضرب تتعلق به الكراهة. وقد ذكر 8 صفات جامعة للمعانى التى تتقى من جهة النص، ومن جهة السنة، وجمع ذلك فى أربع صفات ليسهل على السائل حفظ جواب ما سأل عنه وأشار بيده لیکون فى ذلك تذ کرة له، ومنع من النسيان. ٩٤٨ - أخرجه الترمذى فى الأضاحى ١٤١٧، وفى الضحايا ٤٢٩١، ٤٢٩٢، ٤٢٩٣. وأبو داود فى الضحايا ٢٤٢٠. وابن ماجه فى الأضاحى ٣١٣٥. وأحمد فى مسند الكوفيين ١٧٧٧٧، ١٧٨٠٩، ٠١٧٩١٩ والدارمى فى الأضاحى ١٨٦٨. البيهقى فى السنن ٢٧٣/٩. البيهقى معرفة السنن الآثار ١٨٩٦٨/١٤. الطحاوى فى شرح معانى الآثار ١٦٨/٤. قال ابن عبد البر فى التمهيد ٤/٧: هكذا روى مالك هذا الحديث عن عمرو بن الحارث، عن عبيد بن فيروز؛ لم يختلف الرواة عن مالك فى ذلك، والحديث إنما رواه عمرو بن الحارث عن سليمان بن عبد الرحمن، عن عبيد بن فيروز، عن البراء بن عازب؛ فسقط لمالك ذکر سليمان بن عبد الرحمن، ولا يعرف هذا الحديث إلا لسليمان بن عبد الرحمن هذا، ولم يروه غيره عن عبيد ابن فيروز، ولا يعرف عبيد بن فيروز إلا بهذا الحديث، وبرواية سليمان عنه. ورواه عن سليمان جماعة من الأئمة منهم: شعبة والليث وعمرو بن الحارث ويزيد بن أبى حبيب وغيرهم. ١٦٤ کتاب الضحايا فصل: وقوله: ﴿4: ((العرجاء البين ظلعها)) دليل على أن العرج على ضربين، ضرب يمنع الإجزاء، وضرب لا يمنعه. فأما ما يمنع الإجزاء، فقد قال الشيخ أبو القاسم فى تعريفه: العرجاء البين ظلعها، هى الشديدة العرج، التى لا تلحق الغنم، فهذه التى لا تجزئ. وقال أبو حنيفة: تجزئ. ودليلنا على ذلك الحديث المتقدم قوله : ((العرجاء البين عرجها))(١) ولا شك أن العرجاء تمشى وأما التى لا تمشى، فلا يقال فيها عرجاء؛ لأن العرج من صفات المشى. ومن جهة القياس أنها مريضة، فوجب أن لا تجزئ. أصله المريضة البين مرضها، وأما العرج الذى لا يمنع الإجزاء، فهو العرج الخفيف. روى ابن حبيب عن مالك أنه استخفها إذا لم يمنعها أن تسير سير الغنم، وذلك صحيح لأن عرج هذه ليس بين، وإنما یکون حينئذ عرجًا خفيفًا. فصل: وقوله 48: ((والعوراء البين عورها)) يريد والله أعلم، التى ذهب بصر إحدى عينيها، يقال: عارت العين تعار وعورت إذا ذهب بصرها، ويقال عين عوراء، ولا يقال عمياء والشاة إذا عورت إحدى عينيها مع بقائها لا ينقص ذلك من لحمها، وإنما نقص بعض خلقها عن حل السلامة، والتمام بمعنى طارئ عليها فى الغالب لا يعود ذلك بمنفعه فى لحمها، فينبغى أن يتقى فى الضحايا ما كان معنى ذلك. ونقصان الخلقة على ثلاثة أضرب، ضرب ينقص منافعها وجسمها، فإذا لم يعد بمنفعة فى لحمها منع الإجزاء كعدم يد أو رجل. وضرب ينقص المنافع دون الجسم كذهاب بصر العين أو العينين أو ذهاب الميز، فما كان له تأثير بين كالعور والعمى والجنون، فهو يمنع الإجزاء، ولم أجد نصًا لأصحابنا فى الجنون. وأما الضرب الثالث، فهو نقصان الجسم دون المنافع كذهاب القرن والصوف وطرف الأذن والذنب، فما كان من باب المرض أو مما يشوه الخلقة أو ينقص جزءًا من لحمها، وجب أن يمنع الإجزاء. فرع: وإذا كان بعين الأضحية بياض، فلو كان على الناظر، وكان يسيرًا لا يمنعها أن تبصر أو كان على غير الناظر، لم يمنع الإجزاء)، رواه ابن المواز فى كتابه عن مالك. (١) أخرجه بلفظه: النسائى فى الصغرى حديث رقم ٤٣٧١. أحمد فى المسند حديث رقم ٠١٨١٩٢ ١٦٥ کتاب الضحايا وأما إن منعها الرؤية لكونه كثيرًا على الناظر، فهى العوراء، وكذلك عندى لو ذهب أکثر بصر عينها. فرع: وروى ابن المواز فى كتابه: أن الجدع يمنع، وأما العصب فى الأذن أو الأذنين، فإن استوعب الأذن، فإنه يمنع الإجزاء. وأما الشرقاء والخرقاء والمقابلة والمدابرة، والشرقاء هى المشقوقة الأذن، والخرقاء هى التى يخرق أذنها للسمنة، والمقابلة هى التى يقطع طرف أذنها، والمدابرة هى التى يقطع من مؤخر أذنها، فقال القاضى أبو الحسن: وهذه الصفات كلها عندى لا تمنع الإجزاء، وإنما تمنع الاستحباب، وهذا قد قاله على الإطلاق غير أن المذهب مبنى على أن الكثير من القطع يمنع الإجزاء، واليسير لا يمنعه. وأما شق الأذن، ففى المبسوط: أن مالكًا كان يوسع فى اليسير منه كالسمة ونحوها. قال القاضى أبو الوليد: والذى عندى أن الشق لا يمنع الإجزاء، إلا أن يبلغ من الأذن المبلغ الذى يشوه الخلقة، والله أعلم. فرع: إذا ثبت ذلك، فقد روى ابن القاسم عن مالك أنه لم يحد حدًا بين القليل والكثير. قال محمد فى كتابه: والنصف عندى كثير. والأصل فى ذلك أن طريقه الاجتهاد. وقال أبو حنيفة فى الأذن والذنب والآلية فى أحد قوليه أن الثلث عنده فى حيز القليل، وهو نحو قول ابن المواز فى الأذن، إلا أنه سوى بين الذنب والأذن والألية. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: والأظهر فى ذلك عندى مذهب أصحابنا، وهو الصحيح إن شاء الله، أن ذهاب ثلث الأذن فى حيز اليسير، وذهاب ثلث الذنب فى حيز الكثير؛ لأن الذنب ذو لحم وعظم وعصب، والأذن ليس فيه غير طرف جلد لا یکاد يتألم بقطعه ولا يستضر به، لكنه ينقص الجمال كثيره، والله أعلم. مسألة: وأما السكاء، ففى المدونة: أتها الصغيرة الأذنين. قال ابن القاسم: وهى الصمعاء، فهى تجزئ عند مالك. وأما التى خلقت بغير أذنين، فلا خلاف فى ذلك. وقال الشيخ أبو القاسم: لا يضحى بالكساء، وهى التى خلقت بغير أذنين. قال القاضى أبو الوليد، رحمه الله: والذى عندى فى ذلك أنه إن كان الأذن من الصغر بحيث تقبح الخلقة معه ويقع به التشويه، فإنه يمنع الإجزاء. مسألة: وأما الثرماء، قال ابن حبيب: وهى التى سقطت أسنانها من كبر أو كسر، .... كتاب الضحايا ٠٠ ١٦٦ فلا تجزئ. وفى الموازية: إن سقطت أسنانها من إثغار أو هرم، أو حفيت، فلا بأس بها، وإن كان من غير ذلك، فلا يضحى بها. قال فى المبسوط: لأنه نقص من خلقها. قال القاضى أبو إسحاق: ذهب إلى أن الفتية إنمما تسقط أسنانها من داء نزل بها فصار عيبًا بها، والهرمة سقطت أسنانها من كبر، وهو أمر معتاد. ووجه قول ابن حبيب، أن الهرم معنى يضعف الحيوان ، فإذا أسقط الأسنان منع الأضحية كالمرض. فرع: فإذا قلنا إن ذهاب الأسنان يمنع الأضحية، ففى كتاب محمد: لا يمنع ذلك ذهاب السن الواحدة. وفى المبسوط: إذا سقط لها سن أو أسنان، فهو عيب، ولا یضحی بها، فإنه نقصان من خلقها. فصل: وقوله ﴿1: ((والمريضة البين مرضها)). قال أبو الحسن: ذلك لمعان، أحدها: أن المرض نهك بدنها فينقص لحمها. والثانى: أنه يفسده حتى تعافه النفس. والثالث: أنه ينقص ثمنها. وهذه المعانى على ما ذكر، فيجب أن يكون كل غرض يحدث ذلك فى النفس يمنع أن يضحى بها، والخمرة وهى البشمة لا تجزئ، وكذلك الجرباء، فما بلغ من ذلك كله حد المرض البين، وجب أن يمنع الإجزاء. مسألة: قال مالك: ولا يجوز الدبر من الإبل. قال القاسم: ومعنى قوله فى الدبرة: الكبيرة، فأرى المجروح بتلك المنزلة إن كان جرمًا كبيرًا. قال القاضى أبو الوليد: ووجه ذلك عندى أنه من المرض الذى يمنع الإجزاء كالمكسورة القرن تدمى، وإذا كان الجرح صغيرًا لا يضر بالأضحية أو بالهدى، فليس من باب المرض، فلم يمنع ذلك الإجزاء. فصل: وقوله : ((والعجفاء التى لا تنقى)) النقى الشحم، يريد أنه لا يوجد فيها شحم، فإذا بلغت هذا الحد من الهزال، فإنها لا تجزئ؛ لأنها خارجة عن الحد المعتاد؛ لأنه لا منفعة فى لحمها ولا طيب كالمريضة. ٩٤٩ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَتْقِى مِنَ الضَّحَايَا وَالْبُدْنِ الَّتِى لَمْ تُسِنَّ وَالْتِى نَقَصَ مِنْ خَلْقِهَا. قَالَ هَالِك: وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَىَّ. ٩٤٩ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٩٩. ......... ١٦٧ کتاب الضحايا الشرح: قوله: ((كان يتقى من البدن والضحايا)) البدن ما أهدى من الإبل، ذكرًا كان أو أنثى، وقد تقدم الكلام فى معناها فى الحج واتقاؤه فيها («ما لم تسن(١) يريد ما لم تبلغ سن الإجزاء، وهذا لفظ يستعمل غالبًا فى الهرم وما قاربه، فيقال أسن فلان، إذا بلغ سن الشيخ، ولم يرد ذلك هاهنا؛ لأنه لا خلاف أن الثنية من كل نوع من أنواع الضحايا تجزئ، وإن كانت لم تبلغ حد تمام السن، وإنما هو أول الإثغار، ويحتمل أن يريد بذلك التى لم تبلغ أو تكون مسنة من البقر وأكثر ما يعتبر ذلك بالسنين، وإن جاز أن يتقدم يسيرًا أو يتأخر يسيرًا، على حسب اختلاف الخلقة، ولكن المعتاد متقارب، فالجذع من الضأن قد اختلف الفقهاء فيه، فقال ابن حبيب: الجذع من الضأن والماعز ابن سنة، وقاله ابن نافع وأشهب، وعلی هذا أکثر الناس، وقاله أبو عبيد، قال فى المعز والضأن: هو فى السنة الثانية جذع. وروى ابن وهب أنه ابن عشرة أشهر. وروى سحنون عن على بن زياد: هو ما استكمل ستة أشهر، وقاله ابن شعبان، قال: وقيل ثمانية أشهر. وأما الثنى، فقال ابن حبيب: هو ابن سنتين دخل فى الثالثة، والأنثى ثنية. وأما الإبل، فقال ابن حبيب: الجذع من الإبل ابن خمس سنين، والثنى ابن ست (١) قال فى الاستذكار ١٣٠/١٥ - ١٣١: قال بعضهم - يعنى جمهور العلماء -: إنه كان يتقى من الضحايا التى لم تستن، بكسر السِّينِ. وبعضهم يرويه: التى لم تسنَّ بفتح السِّينِ. فمن روى بكسر السين يجعله من السنن، ويقول: إن المعروف من مذهب ابن عمر أنه كان لا يضحى إلا بالثنى من الضأن، والمعز، والإبل والبقر فى الهدايا والضحايا. والذى روى عنه: لم تسن بفتح السين، يقول: معناه لم تعط أسنانا، وهى الهتماء، لا تجوز عند أكثر أهل العلم فى الضحايا. و کان أبو محمد بن قتيبة یقول: لیس الصواب فی حدیث ابن عمر هنا إلا قول من رواه لم تسنن بنونين، أى لم تعط أسنانا. قال: وهذا كلام العرب لم يقولوا تسنن من لم تخرج أسنانه، فكما يقولون لم يلبن إذا لم يعط لبنا، ولم يستمن، أى لم يعط سمنا، ولم يعسل، لم يعط عسلا. وهذا مثل النهى عن الهتماء فى الأضاحى. وقال غير ابن قتيبة: لم تسنن التى لم تبدل أسنانها. وهذا نحو قول ابن عمر فى أنه لا يجوز إلا الثنى فما فوقه إلا الجدع. وأما حديث ابن عمر أنه كان يتقى فى الضحايا، والبدن التى نقص من خلقها، والتى لم تسنن، ففيه دليل على أن كل ما نقص من الخلق فى الشاة لا تجوز فى الضحية عنده. إلا أن العلماء مجمعون على أن الجمعاء حائز أن يضحى بها، فدل إجماعهم هذا على أن النقص المكروه هو ما تتأذى به البهيمة، وينقص من ثمنها، ومن شحمها. وأجمع الجمهور على أن لا بأس أن يضحى بالخصى الأحم إذا كان سمينا. وهم مع ذلك يقولون: إن الأقرن الفحل أفضل من الخصى الأحم إلا أن يكون الخصى الأحم أسمن، فالأصل مع تمام الخلقِ السمن. كتاب الضحايا ... ١٦٨ ٠٠ سنين. وقال أبو عبيدة: إذا أتت عليه الخامسة، فهو جذع، فإذا ألقى ثنيته فى السادسة، فهو ثنی. وأما البقر، فقد قال ابن حبيب: الجذع من البقر ابن ثلاث سنين، والثنى ابن أربع ستين. وقال أبو عبيد: هو أول سنة تبيع، والأنثى تبيعة، ثم جذع، ثم ثنى. وقال القاضى أبو محمد: الثنى من البقر ما له سنتان، وقد دخل فى الثالثة، وهو أشبه بقول أبی عبيد، والله أعلم. النهى عن ذبح الضحية قبل انصراف الإمام ٩٥٠ - مَالِكِ، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ أَبَا بُرْدَةً بْنَ نِيَارِ ذَبَحَ ضَحِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ يَوْمَ الْأَضْحَى، فَرَعْمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِع ◌َ﴾ أَمَرَهُ أَنْ يَعُودَ بِضَحِيَّةٍ أُخْرَى، قَالَ أَبُو بُرْدَةً: لا أَجِدُ إِلا حَذَعًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((وَإِنْ لَمْ تَجِدْ إِلا جَذَّعًا فَاذْبَحْ)). كل يوم الشرح: قوله: ((أن أبا بردة ذبح أضحيته قبل أن يذبح رسول الله الأضحى فزعم أن رسول الله ﴿ أمره أن يعيد)) يقتضى أن يكون ذبحه الذى يجزيه بعد ذبح الإمام، ويلزم مع ذلك أن يلزم وقت ذبح الإمام ليترتب على ذبح الناس. فأما وقت ذبح الإمام، فهو بعد الصلاة من صلاة العيد يوم الأضحى، فمن ذبح قبل الصلاة لم يجزه، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعى: إذا ذهب من الوقت بمقدار ما يصلى ركعتين بقراءتهما وتمامها لعيد، فقد جاز الذبح، فمن ذبح حينئذ قبل الصلاة أجزأه. والدليل على ما نقوله ما أخرجه البخارى من حديث البراء بن عازب، سمعت ٩٥٠ - أخرجه النسائى فى الضحايا ٤٣١٩. وأحمد فى مسند المكيين ١٥٢٧٠، ومسند المدنيين ١٥٨٨٨. والدارمى فى الأضاحى ١٨٨١. قال ابن عبد البر فى التمهيد ١٠/٧: أبو بردة بن نيار اسمه هانئ بن نيار، ويقال: إن بشير بن يسار لم يسمع من أبى بردة، وقد رواه معن بن عيسى عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن بشير ابن يسار، عن أبى بردة بن نيار، أنه ذبح قبل أن يذبح رسول الله ﴾، فذكر الحديث. .............. ١٦٩ کتاب الضحايا النبى ﴿لَا يخطب، فقال: ((أول ما نبدأ به فى يومنا هذا أن نصلى، ثم نرجع فننحر، فمن فعل هذا فقد أصاب سنتنا، ومن نحر قبل ذلك فإنما هو لحم يقدمه لأهله ليس من النسك فى شىء. فقال أبو بردة: ذبحت يا رسول الله قبل أن أصلى، وعندى جذعة خير من مسنة، فقال: اجعلها مكانها ولن تجزئ أو توفى عن أحد بعدك))(١). وهذا بين فی موضع الخلاف. ووجه ذلك من جهة المعنى أننا قد بينا أنه لا يذبح إلا بعد أن يذهب من الوقت بقدر فعل الصلاة، فوجب أن يعتبر بفعل الصلاة لا بمقدار فعلها. أصل ذلك السعى لما رتبناه على ركعتى الطواف كان الاعتبار فى ذلك بفعل ركعتى الطواف، لا بمقدار فعلها من الوقت. مسألة: إذا ثبت أن الذبح بعد الصلاة فإن الإمام يذبح أولاً ثم يذبح الناس بعده، فمن ذبح قبل الإمام لم يجزه، رواه ابن المواز وغيره. وقال أبو حنيفة: من ذبح بعد الصلاة وقبل الإمام أجزأه. ودليلنا الحديث المذكور، وهو أن أبا بردة بن نيار ذبح أضحيته قبل أن يذبح رسول الله ﴿﴿ فأمره رسول الله ﴿﴿ أن يعيد بأضحية أخرى. ودليلنا ما أخرجه مسلم من حديث جابر بن عبد الله أن النبى ﴿3﴾ صلى بهم يوم النحر بالمدينة، فسبقهم رجال فنحروا، وظنوا أن النبى فـ ﴾ من ◌ّ قد نحر، فأمر النبى کان نحر قبله ان یعید بنحر آخر، ولا ینحر حتی ینحر النبی فرع: المضحون على ضربين، أحدهما: بحضرة الإمام، والآخر: بغير حضرته. فأما من كان بحضرة الإمام، فلا يخلو إمامه من أن يظهر نحر أضحيته أو لا يظهر ذلك، فإن أظهر ذبح أضحيته ذبح بأثر الصلاة، فمن ذبح قبله، فالمشهور عن مالك أنه لا جزئه. وأما من لم یظهر ذبح أضحیته، ففی کتاب محمد: إن ذبح رجل أضحیته قبله فى وقت لو ذبح الإمام بالمصلى لكان هذا قد ذبح بعده، لم يجزه. وقال أبو مصعب: إذا ترك الإمام الذبح بالمصلى، فمن ذبح بعد ذلك، فهو جائز. (١) أخرجه البخارى حديث رقم ٩٨٦. مسلم حديث رقم ١٩٦١. النسائى فى الصغرى حديث رقم ١٥٦٣. أحمد فى المسند حديث رقم ١٨٠١٢، ١٨٢١٨. ١٧٠ کتاب الضحايا ..... .. وأما كان بموضع ليس به إمام، مثل أهل القرى الذين لا يصلون صلاة عيد بخطبة، فقد روى ابن القاسم عن مالك يتحرون صلاة أقرب الأئمة وذبحه. فمن تحرى ذلك، فأخطأ، فذبح قبل ذبحه، ففى المدونة من قول ابن القاسم: يجزئه، ورواه مطرف وابن الماجشون عن مالك. وأنكر ذلك ابن المواز فى كتابه، فقال: قد روى أشهب عن مالك خلافه، ونقله أبو محمد فى نواره، فقال: وقد روى أشهب عن مالك: لا يجزيهم، وهو أحب إلينا. وقد قيل إن رواية أشهب عن مالك إنما هى فيمن ذبح على علم أنه قد ذبح الإمام. ورواية ابن القاسم فيمن تحرى أن يذبح بعده، فأخطأ، فذبح قبله، والله أعلم. وجه قول ابن القاسم أن فرضهم الاجتهاد والتحرى فى أمر غائب عنهم لا يمكنهم تيقنه، فكان الخطأ موضوعًا عنهم كالخطأ فى القبلة عند الاشتباه فى أعلامها. ووجه قول أشهب أنهم غير معذورين؛ لأنهم قادرون على التأخير الذى لو أخر الإِمام إليه، فجاز لأهل بلده الذبح قبله، وما كان مثل هذا لا يسوغ فيه التحرى كالوقت فى الصيام والصلاة. فصل: وقول أبى بردة: ((لا أجد إلا جذعا)) دليل على أنه قد علم أن الجذع يتعلق به حكم المنع، إما لأن غيره يجزى دونه أو لأن غيره أفضل منه. وقد روى فى حديث البراء ابن عازب أنه قال: إنها كانت جذعة من المعز، وللإنسان تعلق بالإجزاء، وتأثير فيه لأنه لا خلاف أنه لا تجوز السخلة ولا الفصيل، والذى يجزى عن الإنسان فى الضحايا من الضأن الجذع، فما فوقه، ومن المعز والإبل والبقر الثنى، فما فوقه. والدليل على إجزاء الجذع من الضأن ما أخرجه مسلم من حديث جابر قال: قال رسول الله : ((لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن)»(٢). والدليل على أن الجذع من المعز لا يجزى، ما روى فى حديث البراء أن أبا بردة بن نيار قال: ((إن عندى عناق جذعة، وهى خير من شاتى لحم، فهل تجزى عنى؟ قال: نعم، ولن تجزی عن أحد بعدك». (٢) أخرجه مسلم حديث رقم ١٩٦٣. النسائى فى الصغرى حديث رقم ٤٣٧٨. أبو داود حديث رقم ٢٧٩٧. ابن ماجه حديث رقم ٣١٤١. أحمد فى المسند حديث رقم ١٣٩٣٨، ١٤٠٩٣. ........... ١٧١ كتاب الضحايا .. فإن قيل فما الفرق بين الضأن وغيرها، قيل له الفرق بينهما نص صاحب الشريعة، ولا فرق أصح منه. ووجه آخر، وهو أنه قد روى ابن الأعرابى أنه قال: إن المعز والبقر والإبل لا تضرب فحولتها إلا بعد أن تثنى، والضأن تضرب فحولتها إذا أجذعت. فرع: إذا ثبت ذلك، فالثنى من الضأن أحب إلى مالك من الجذع، رواه ابن المواز عن مالك. ! أنه قال: ((لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر ووجه ذلك ما روى عن النبى عليكم، فاذبحوا جذعة من الضأن)). ومن جهة المعنى أن فى ذلك خروجًا عن الخلاف المروى وفى الثنى أيضًا من تمام الجسم و کماله ما يفضل به الجذع، والله أعلم. ٩٥١ - مَالِك، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ أَنَّ عُوَيْمِرَ بْنَ أَشْقَرٌ ذَبَحٌ ضَحَِّهُ قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ يَوْمَ الأَضْحَى، وَأَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﴿ فَأَمَرَهُ أَنْ يَعُودَ بِضَحِيَّةٍ أُخْرَى. الشرح: قوله: ((إن عويمرًا ذبح قبل أن يغدو يوم الأضحى)) يريد قبل أن تغدو إلى المصلى؛ لأنه هو الغدو المعتاد فى يوم الأضحى، فاستغنى بذلك عن ذكره، ولو أراد غيره من الغدو لبينه، ويحتمل أن يريد به قبل أن يحدث غدوًا، وهو بعد فى وقت يمكنه الغدو، فلما أخبر النبى ﴿3﴾ بذلك، ولعله أخبره لما ذكر النبى ﴿٤﴾ فى الذبح قبل الصلاة خَ﴾ أن يعيد بضحية أخرى بمعنى أن الأولى لم تكن ضحية مجزية. ما تقدم، فأمره النبى * ما يستحب من الضحايا ٩٥٢ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ضَحَّى مَرَّةً بِالْمَدِينَةِ، قَالَ نَافِعٌ: ٩٥١ - أخرجه ابن ماجه فى الأضاحى ٣١٤٤. وأحمد فى مسند المكيين ١٥٢٠٢، ومسند الكوفيين ١٨٢٣١. قال ابن عبد البر فى التمهيد ٢١/٧: لم يختلف عن مالك فى هذا الحديث، ورواه حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد، عن عباد بن تميم، عن عويمر بن أشقر أنه ذبح قبل أن يصلى، فأمره النبى ﴿﴿ أن يعيد. ٩٥٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠٠٠. کتاب الضحايا ١٧٢ فَأَمَرَنِى أَنْ أَشْتَرِىَ لَهُ كَبْشًا فَحِيلًا أَقْرَنَ، ثُمَّ أَذْبَحَهُ يَوْمَ الأضْحَى فِى مُصَلَّى النّاسِ، قَالَ نَافِعٌ: فَفَعَلْتُ ثُمَّ حُمِلَ إِلَى عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرٌ، فَحَلَقَ رَأْسَهُ حِينَ ذُبِحَ الْكَبْشُ، وَكَانَ مَرِيضًا لَمْ يَشْهَدِ الْعِيدَ مَعَ النَّاسِ، قَالَ نَافِعٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَقُولُ: لَيْسَ حِلاقُ الرَّأْسِ بِوَاحِبٍ عَلَى مَنْ ضَحَّى، وَقَدْ فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ. الشرح: قوله: ((أنه ضحى مرة بالمدينة)) يريد أن هذا فعل وقع منه بالمدينة؛ لأن كثيرًا مما حكاه لا يتأتى فى غير الأمصار من الذبح بالمصلى وغير ذلك، وإلا فقد كان یضحی بالمدينة، وفی أسفاره. وقد روى عنه أنه اشترى فى سفره شاة من راع، وأمره بذبحها عنه. وقد روى ابن المواز عن مالك: أن الأضحية لازمة للمسافر كلزومها للمقيم. فصل: وقوله: ((فأمرنى أن أشترى له كبشًا)) شراء الضحايا مما يجب أن يتوقى فيه؛ لأنها قربان، فمن كان فى بلده أسواق لها فلا يشترى منها ما يجلب إلى الأسواق حتى يرد السوق؛ لأنّ ذلك من التلقى المنهى عنه، فيجب أن ينزه عنه ما يتقرب به إلى الله عز وجل من أضحية وهدی. فرع: فإن ضحى بما اشترى فى التلقى، قال عيسى: عليه البدل فى أيام النحر، ولا يباع لحم الأولى. ووجه ذلك أن أضحيته قد وجبت على الوجه المنهى عنه، فلم تجزه أو لم تتم فضيلتها لفساد ملكه لها، فكان عليه بدلها ليدرك الأضحية أو ليدرك تمام فضيلتها، ولم يجز له بيع لحمها لأنه قد قصد بذبحها القربة. فصل: وقوله: ((فأمرنى أن أشترى له کبشًا فحیلاً أقرن)) فیه خمس مسائل، إحداها: أن الأضحية لا تكون من غير بهيمة الأنعام. والثاني: أن الضأن أفضل أجناس الضحايا. والثالثة: ذكورها أفضل من إناثها. والرابعة: أن الفحل منها أفضل من الخصى. والخامسة: أن الأقرن أفضل من الأجم. فأما المسألة الأولى فى أن الأضحية لا تكون إلا من بهيمة الأنعام، والغنم والبقر والإبل، ولو ضربت فحول البقر الإنسية، إناث البقر الوحشية، فقد قال الشيخ أبو إسحاق: اتفق أصحابنا، أنه لا یضحی بها. واختلفوا إذا ضربت، فحول الوحشية إناث الإنسية، والذى أقول به إجازة ذلك. ١٧٣ کتاب الضحايا ومعنى ذلك أن كل ولد نتج لأمه فى الجنس والحكم، وإنما يختلف ذلك فى ولد آدم، وإنما منع ذلك بالمنع من أصحابنا، إذا كانت الفحول وحشية ليغلب الحظر على الإباحة. مسألة: فأما المسألة الثانية، من أن أفضل الأضاحى الضأن، فهو مذهب مالك، رحمه الله، وسائر أصحابه أن الضأن أفضل من المعز. واختلفوا فى التفضيل بين البقر والإبل، فروى الشيخ أبو إسحاق أن الأفضل الإبل. وحكى الشيخ أبو القاسم والقاضى أبو محمد فى معونته: أن البقر أفضل. وقال أبو حنيفة والشافعي: الإبل أفضل، ثم البقر، ثم الغنم. والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك من تفضيل الضأن، ما روى عن النبى ((أنه كان يضحى بكبشين أقرنين أملحين))(١). ومثل هذا اللفظ لا يستعمل إلا فيما يواظب عليه، ومعلوم أن النبى ﴿ لا يواظب فى خاصته إلا على الأفضل. ومن جهة المعنى أنه لا خلاف أنه لا يضحى بجذع إلا من الضأن، وذلك يقتضى أن لها مزية على غيرها فى الأضحية. مسألة: وأما المسألة الثالثة، وهى أن ذكر كل جنس أفضل من إناته، فهو مذهب مالك وأصحابه. والأصل فى ذلك الحديث المتقدم ((أن النبى (﴿﴿ كان يضحى بكبشين)). ومن جهة المعنى أن المقصود من الأضحية طيب اللحم ولا خلاف أن لحم الكبش أفضل من لحم النعجة، فكان إخراجه أفضل، وإنما ذلك فى ذكور الجنس وإناثه. وأما الذكور والإناث، فإن إناث الضأن أفضل من ذكور المعز، وإناث المعز أفضل من ذكور ما سوى ذلك من أجناس الأضاحى. مسألة: وأما المسألة الرابعة، فإن الفحل من الضحايا أفضل من الخصى، قاله ابن حبيب. والأصل فيه ما روى (أن النبى (﴿﴿ ضحى بكبش أقرن فحيل))(٢). (١) أخرجه النسائى فى الصغرى حديث رقم ٤٤١٨. أبو داود حديث رقم ٢٧٩٣، ٢٧٩٤. أحمد فى المسند حديث رقم ١١٥٤٩، ١١٧٣٧. (٢) أخرجه الترمذى حديث رقم ١٤٩٦. النسائى فى الصغرى حديث رقم ٤٣٩٠. أبو داود حدیث رقم ٢٧٩٦. ابن ماجه حديث رقم ٣١٢٨. ١٧٤ کتاب الضحايا مسألة: وأما المسألة الخامسة، فى أن الأقرن أفضل من الأجم. والأصل فى ذلك الحديث المتقدم ((أن رسول الله ﴿ ضحى بكبش أقرن فحيل)). ومن جهة المعنى أنه أتم خلقة. فصل: وقوله: ((ثم اذبحه يوم الأضحى فى مصلى الناس)) أمر نافعًا مولاه بذبح أضحيته على وجه الاستنابة، وذلك جائز للضرورة، وقد كرهه مالك من غير ضرورة. والأصل فى جوازه القياس على الهدايا؛ لأنه حيوان شرع ذبحه على سبيل القربة، فصحت الاستنابة فيه كالهدايا، وإنما استنابه عبد الله بن عمر لمرضه، والأفضل لمن قدر عليه أن يتولى ذبحها بنفسه، لما روى عن أنس ((أن النبى ﴿لَ﴾ ضحى بكبشين أقرنين أملحین ذبحهما بیده)). فرع: فإذا قلنا يجوز فيه الاستنابة، فإن استناب مسلما أجزأه، وإن استناب كتابيًا، فهل يجزئه، أم لا؟ قال ابن القاسم فى المدونة: يعيدها، ولو أمر بذلك مسلمًا أجزأه. وروی عنه أشهب أنه قال: يجزئه. وجه قول ابن القاسم أن الكافر لا تصح منه نية القربة، وإن صحت منه نية الاستنابة والأضحية قربة، فإذا ذبحها الكتابى لم تكن أضحية، وكانت ذبيحة مباحة. ووجه قول أشهب إن صح ذبحه لغير الأضحية صح ذبحه للأضحية کالمسلم. فرع: والاستنابة فها بالتصريح أو العادة، فبأن يأمر بذبحها عنه أضحية فينوى النائب فى ذلك من الأضحية ما کان ینویه المضحی لو باشر ذبحها وأما العادة، ففى المدونة عن ابن القاسم فيمن ذبح أضحيتى بغير إذنى: إن كان مثل الولى فى عياله، فذبحها ليكفيه، أجزأه، وإن كان على غير ذلك لم يجزه. زاد ابن المواز عن ابن القاسم: أو بعض من فى عياله، ممن يحمل ذلك عنه. زاد أبو زيد: أو لصداقة بینهما، إن وثق به حتی یصدقه أنه ذبحها عنه. فيحتمل أن يريد ابن القاسم بقوله: ولده فى عياله، وقول ابن المواز عنه: أو بعض عياله ممن يحمل ذلك عنه، من يدخله رب الدار فى أضحيته، ويكون معنى قوله: ممن يحمل ذلك عنه، ويحتمل أن يريد به الولد الذى قد فوض إليه القيام، فأمره فى جميع أحواله، ويكون ذلك معنى قول ابن القاسم فى المدونة: الولد فى عياله فيذبحها لیکفیه. وأما ما رواه أبو زيد عن ابن القاسم من قوله: أو صديقه إن وثق به حتى يصدقه