Indexed OCR Text
Pages 1581-1600
كتاب الحج ..... ١٥ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَيُّهْدِى هَدَيْنٍ، هَدْيًا لِقِرَانِهِ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ، وَهَدْيًا لِمَا فَاتَهُ مِنَ الْحَجِّ. الشرح: وهذا كما قال أن من قرن الحج والعمرة ففاته فإن عليه أن يحج قابلاً قضاء عن الحج الذى فاته، وعلى صفته من القران، ولا تسقط عنه العمرة مع الحج فى القضاء بالعمرة التى تحلل بها؛ لأن تلك ليست بالعمرة التى قرنها مع حجه؛ لأن تلك لا يصح التحلل منها ولا الإتمام لها إلا مع تمام الحج والتحلل منه على حسب ما قرنها به، وهذه العمرة إنما هى عمرة التحلل، ألا ترى أن من أفرد الحج ثم فاته تحلل منه بعمرة، فثبت أن عمرة التحلل غير العمرة التى قرنها بحجه. فصل: وقوله رضى الله عنه: ((ويهدی ھدیین ھدیًا لقرانه، وهديًا لفوات الحج)) يريد أنه يهدى فى حجة القضاء هديين، هديًا للقران فى ذلك العام، وهديًا للقوات فى العام الخالى، ولم يذكر حكمه فى هدى القرآن عن العام الماضى الذى فاته فيه الحج والعمرة، إن كان يلزمه الدخول فيه أو يسقط عنه بالفوات. وفى كتاب ابن المواز من رواية أبى زيد عن ابن القاسم ما يدل على أن دم القران يسقط بالقوات والتحلل بالعمرة. ومن رواية ابن القاسم عن مالك أنه لا يسقط. وجه القول الأول أنه يتحلل بعمرة، فلم يلزمه دم القران كالذى أحرم بعمرة مفردة. ووجه الرواية الثانية أنه أحرم قارنًا، فلزمه حكم القران فى الدم كما لو أتم قرانه. * هدى من أصاب أهله قبل أن يفيض ٨٥٤ - مَالِكِ، عَنْ أَبِىِ الزُّبِيْرِ الْمَكِىِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى رَبَاحٍ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ وَقَعَ بِأَهْلِهِ وَهُوَّ بِمِنِى قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْحَرَ بَدْنَةٌ. الشرح: قوله: ((فى الذى وقع بأهله بمنى قبل أن يفيض يتحر بدنة)) يقتضى على مذهب مالك أن يكون بعد الرمى بحمرة العقبة أو بعد يوم النحر وقبل الإفاضة، وأما إن أصابها قبل يوم النحر، فقد تقدم آن المشهور من مذهب مالك أن حجه یفسد، وإن كان قد روى عنه: أن عليه الهدى مع العمرة. ٨٥٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٢٧. الأم للشافعى ٢٤٤/٧. المحلى ١٨٩/٧. المغنى ٥٤٥/٣. آثار أبى يوسف ٢٤٩. کتاب الحج ١٦ فصل: وقوله: ((ينحر بدنة)) البدنة، أرفع الهدى؛ لأن الهدى قد يكون بقرة ويكون شاة، وأرفع ذلك البدنة، وخصه هاهنا بالبدنة لعظم ما أتى به. ٨٥٥ - مَالِكِ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِمِىِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَّاسٍ قَالَ: لا أَظُنُّهُ إِلَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنْهُ قَالَ: الْذِى يُصِيبُ أَهْلَهُ قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ يَعْتَمِرُ ويُهْدِى. ٨٥٦ - مَالِك أَنَّهُ سَمِعَ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ فِى ذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِ عِكْرِمَةً عَنِ ابْنِ عَّاسٍ. قَالَ مَالِك: وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَىَّ فِى ذَلِكَ. الشرح: قوله: ((الذى يصيب أهله قبل أن يفيض)) يحتمل ما قلناه قبل هذا أن يكون قبل الرمى أو بعده، على التفسير الذى تقدم ذكره. وقوله: ((يعتمر ويهدى)) هو قول مالك رحمه الله، وهو المشهور عن عبد الله بن عباس رضى الله عنه، وذلك أنه لما أدخل النقص على طوافه للإفاضة بما أصابه من الوطء كان عليه أن يقضيه بطواف سالم إحرامه من ذلك النقص، ولا يصلح أن يكون الطواف فى إحرام إلا فى حج أو عمرة. وسُئِلَ مَالِك عَنْ رَجُلٍ نَسِىَ الإِفَاضَةَ حَتَّى خَرَجَ مِنْ مَكْةَ وَرَجَعَ إِلَى بِلادِهِ، فَقَالَ: أَرَى إِنْ لَمْ يَكُنْ أَصَابَ النِّسَاءَ فَلْيَرْجِعْ فَلْيُفِضْ، وَإِنْ كَانَ أَصَابَ النِّسَاءَ فَلْيَرْجِعْ فَلْيُفِضْ ثُمَّ لْيَعْتَمِرْ وَلْيُهْدٍ، وَلا يَنْبَغِى لَهُ أَنْ يَشْتَرِىّ هَدْيَهُ مِنْ مَكَّةَ وَيَنْحَرَهُ بِهَا، وَلَكِنْ إِنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَهُ مَعَهُ مِنْ حَيْثُ اعْتَمَرَ فَلْيَشْتَرِهِ بِمَكَّةَ ثُمَّ لْيُخْرِجْهُ إِلَى الْحِلِّ فَلْيَسُقْهُ مِنْهُ إِلَى مَكَّةَ ثُمَّ يَنْحَرُهُ بِهَا. الشرح: وهذا كما قال أن من نسى الطواف حتى رجع إلى بلده، فلا يخلو أن يذكر ذلك قبل أن يصيب النساء أو بعدما أصاب، فإن كان لم يصب النساء، فلابد من الرجوع إلى مكة لتمام الحج بالطواف، ولا یجزئ عنه الدم لأنه ر کن من أركان اخج. ٨٥٥ - انظر: التخريج السابق. ٨٥٦ - انظر: التخريج السابق. کتاب الحج . ١٧٠٠ مسألة: وإن كان قد لبس وتطيب، فلا شىء عليه لذلك لأنه لما رمى جمرة العقبة، فقد وجد منه التحلل، فلا فدیة علیه بلباس ولا تطيب، وإن كان أصاب صيدًا. مسألة: وإن كان قد أصاب النساء، فهذا وطئ قبل الإفاضة بعد الرمى وبعد يوم النحر، فعليه أن يقدم مكة فيطوف طواف الإفاضة، ثم يقضيه فى عمرة لما أدخل على إحرامه من النقص بالوطء ويهدى، ولو كان وطؤه بعد الطواف وقبل الركعتين، ففى المدونة عن ابن نافع: أنه إن کان بمكة أعاد الطواف وركع، ثم يعتمر ويهدى، وإن كان خرج إلى بلده، فلیر کع الر کعتين حیث کان ثم يهدى. ورواه عيسى عن ابن القاسم. فصل: ((ولا ينبغى له أن يشترى هديه بمكة وينحره بها)) يريد أنه لا يصلح الهدى إلا أن يجمع بين الحل والحرم، وذلك أن يشترى فى الحل فيساق إلى الحرم أو يشترى فى الحرم، فيخرج إلى الحل، ثم يعود إلى موضع النحر فى الحرم فينحر فيه، وكذلك هذا لو اشترى الهدى بمكة ثم أخرجه إلى الحل ثم رده إلى مكة، فنحره بها أجزأه، إنما الذى يمنع من ذلك أن يشتريه بمكة ثم ينحره بها قبل أن يخرجه إلى الحل. فصل: قوله: ((ولكنه إن لم يكن ساقه معه من حيث اعتمر)) يريد أن عمرته كانت من الميقات أو من الحل على حسب ما يجب أن يكون الإحرام بها من الحل لما قدمناه من أنه لابد فى النسك من الجمع بين الحل والحرم ولما كان عمل العمرة جميعه فى الحرم، لزم أن يكون الإهلال بها من الحل بخلاف الحج فإن معظمه، وهو الوقوف بعرفة فى الحل، فجاز أن يحرم به من الحرم. فصل: وقوله: ((فليشتره بمكة ثم ليخرجه إلى الحل فليسقه إلى مكة فينحره بها)) يريد أنه إذ لم يكن معه هدى ساقه من الحل، فليشتره بمكة أو حيث أمكنه من الحل والحرم؛ لأنه ليس من شرط صحة شرائه الاختصاص بأحد الأمرين، فإن اشتراه فى الحرم بمكة أو غيرها، فليخرجه إلى الحل ليجمع فيه بين الحل والحرم؛ لأن المنحر فى الحرم، فإذا اشتراه فى الحرم، فلابد من إخراجه إلى الحل، ثم يرد بعد ذلك إلى المنحر فى الحرم، ولو اشترى فى الحل لأجزأ إدخاله إلى المنحر فى الحرم، وخص مكة فى هذه المسألة بالذكر لأن ما أهدى فى العمرة لا ینحر منى ولا ينحر إلا بمكة. ١٨ .. كتاب الحج ما استيسر من الهدى ٨٥٧ - مَالِك، عَنْ حَعْفَرِ بْنِ أَبِى مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ كَانَ يَقُولُ: ﴿مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] شَاةٌ. ٨٥٨ - مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ: مَا اسْتَيْسَرٌ مِنَ الْهَدْىِ: شَاةً. قَالَ مَالِك: وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَىَّ فِى ذَلِكَ لأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِى كِتَابِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيَا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامً﴾ [المائدة: ٩٥] فَمِمَّا يُحْكِّمُ بِهِ فِى الْهَدْىِ شَاةٌ، وَقَدْ سَمَّاهَا اللَّهُ هَدْيًا، وَذَلِكَ الَّذِى لا اخْتِلافَ فِيهِ عِنْدَنَا وَكَيْفَ يَشُكُّ أَحَدٌ فِى ذَلِكَ وَكُلُّ شَىْءٍ لا يَبْلُغُ أَنْ يُحْكَمَ فِيهِ بِبَعِيرٍ أَوْ بَقَرَةٍ، فَالْحُكْمُ فِيهِ شَاةٌ وَمَّا لا يَبْلُغُ أَنْ يُحْكَمَ فِيهِ بِشَاةٍ، فَهُوَ كَفّرَةٌ مِنْ صِيّامٍ أَوْ إِطْعَامٍ مَسَاكِينَ. الشرح: قوله: ((ما استيسر من الهدى شاة)) يحتمل معنيين، أحدهما: أن يكون هذا تفسير: ﴿ما استيسر من الهدى﴾ [البقرة: ١٩٦]، ومعناه ومقتضاه. والثانى: أن يكون هذا المراد بقوله: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى﴾ [البقرة: ١٩٦]، فعلم ذلك بالتوقيف أو الدليل دون أن يختص هذا الاسم بالشاة فى مقتضى اللغة ومستعمل الخطاب. فإذا قلنا إنه يقع عليه بعرف التخاطب، جاز أن يستدل عليه بقوله: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم هديًا بالغ الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥]؛ لأن معنى ذلك أن اسم الهدى واقع على الشاة، وأنها أقل ما يقع عليه اسم هدى، وإن علمنا ذلك بدلالة من جهة التوقيف أو الدليل، فإن كانت هذه اللفظة لا تختص فى اللغة بالشاة، لم يجز أن يحتج على ذلك بقوله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم هديًا بالغ الكعبة﴾ لأن اسم المستيسر من الهدى لا يقع عليه، وإنما يحتج بهذه الآية على من لا يطلق على الشاة اسم الهدى، ويمنع من ذلك. ٨٥٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٣٠. المحلى ١٥١/٧. ٨٥٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٣١. ١٩ .... کتاب الحج وأما من يقول: إن اسم الهدى ينطلق عليها وعلى غيرها، فلا يحتج عليه بهذه الآية، وإنما يحتج عليه بعموم قوله: ﴿فما استيسر من الهدى﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولفظ البدن عام فى كل ما يتناوله من بدن أو بقر أو غنم. وقد روى طاوس عن ابن عباس قال: ﴿فما استيسر من الهدى﴾ كل بقدر یسارته، فاقتضى بهذا القول أن ما استيسر من الهدى فى حق الغنى البدنة، وفى حق غيره البقرة، وفى حق الفقير الشاة. مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن ما استيسر من الهدى، يحتمل معنيين، أحدهما: أن يشير به إلى أقل أجناس الهدى، والثانى: إلى أقل صفاته فأما أقل أجناس الهدى فهو الشاة، وأما أقل صفات كل جنس منها، فهو ما روى عن عبد الله بن عمر أنه قال: البدنة دون البدنة، والبقرة دون البقرة، فهذا عنده أفضل من الشاة، ولا خلاف نعلمه فى ذلك. وإنما مكان الخلاف فى هذه المسألة أن عبد الله بن عمر كان يمنع الواجد للبدنة أو البقرة أن يهدى الشاة إما منع تحريم أو منع كراهية وغيره ممن يخالفه يطلق للواحد أن يهدى الشاة مع وجود البدنة والبقرة. ولفظ: ما استيسر من الهدى، يقتضى المستيسر منه على المخرج له لأن المستيسر من الهدى إنما يعود إلى حال المخرج، إن تيسر له إخراجه، وقد يكون ذلك ينصرف إلى الغنى وينصرف إلى التمكن وسهولة التناول. وأما الأدون والأقل، فلفظ المستيسر فيه أظهر، والأظهر فى هذه المسألة أن يقول فيه على ما تعلق به مالك من أنه إذا ثبت أن اسم الهدى ينطلق على الشاة بقوله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم هديًا بالغ الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥]، وأنه قد وقع الاتفاق على أن الشاة يتناولها فى هذه الآية اسم الهدى، فإن قوله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدى﴾ يتناول الشاة وغيرها مما يقع عليه اسم الهدى، وأنه يجوز إخراج الشاة مع وجود غيرها لأن قوله تعالى: ﴿فما استيسر﴾ يقتضى ما تيسر على المخرج وسهل عليه، وهذا اللفظ إنما يستعمل فى التخفيف والتجوز عن اليسير، ولو قلت الإنسان: افعل ما تيسر عليك، لفهم منه أنه يجوز عنه ما يقع عليه اسم الفعل، وتعليق هذا باختياره، وما هو أسهل عليه، ولو لم يرد ذلك لقال: فما وجد من الهدى، والله أعلم. فصل: وقول مالك رضى الله عنه: ((وقد سمى الله تعالى الشاة هدیًا)» و کیف يشك ٢٠ ............. · كتاب الحج أحد فى ذلك، وكل شىء لا يبلغ أن يحكم فيه ببعير أو بقرة، فالحكم فيه بشاة، وما لا يبلغ الشاة لم يحكم فيه بهدى، يقتضى الدلالة على معنيين، أحدهما: أن اسم الهدى يقع على الشاة لأنه إذا بلغ أن يحكم فى الصيد بشاة، جاز إخراجها، وهذا يقتضى أن اسم الهدى يتناولها. والثانى: أنه إذا لم يبلغ الصيد أن يحكم فيه بشاة لم يحكم فيه بهدى، وهذا يقتضى أن اسم الهدى لا يتناول ما هو دونها، فاقتضى ذلك عنده أن اسم الهدى ينطلق على الشاة. ٨٥٩ - مَالِك، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: مَا اسْتَيْسَرٌ مِنَ الْهَدْىِ: بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَّةٌ. الشرح: قوله: ((ما استيسر من الهدى بدنة أو بقرة)) ظاهره يقتضى أن هذا الوصف مختص بالبدنة والبقرة، وأن الشاة غير مرادة بالآية، إما من جهة اللغة، وإما من جهة الدليل عنده، وإذا ثبت أن اسم الهدى واقع على الشاة وجب أن يتناولها الوصف، وأن تستحقه، وأن تتناولها الآية بحق العموم. ٨٦٠ - مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرِ أَنَّ مَوْلاَةً لِعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُقَالُ لَهَا رُقَّةُ أَخْبَرَتْهُ أَنْهَا خَرَجَتْ مَعَ عَمْرَةً بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى مَّكَّةَ قَالَتْ: فَدَخَلَتْ عَمْرَةُ مَكّةَ يَوْمَ الَّرْوِيَةِ، وَأَنَا مَعَهَا، فَطَّافَتْ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ دَخَلَتْ صُفَّةَ الْمَسْجِدِ، فَقَالَتْ: أَمَعَكِ مِقَصَّانِ؟ فَقُلْتُ: لا، فَقَالَتْ: فَالْتَمِسِيهِ لِى، فَالْتَمَسْتُهُ حَتَّى جِئْتُ بِهِ، فَأَخَذَتْ مِنْ قُرُونٍ رَأْسِهَا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْنّحْرِ ذَبَحْتْ شاً . الشرح: قولها: ((أنها دخلت مكة يوم التروية فطافت وسعت)) يحتمل أن تكون أهلت بالحج، فطافت للورود، وسعت للحج على ما يفعل غير المراهق، ويحتمل أن تكون متمتعة أهلت بعمرة وطافت وسعت لعمرتها، ثم قصرت لتحللها ثم أحرمت بالحج من مكة، وخرجت إلى منى، وهذا هو الأظهر لتقصيرها بعد ذلك وذبحها يوم النحر شاة عن متعتها. ٨٥٩ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٣٢. المحلى ١٥١/٧. ابن أبى شيبة فى المصنف ٠٤٦٤/٤ ٨٦٠ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٣٣. ٢١ ....... کتاب الحج . وإدخال مالك، رحمه الله، هذا الحديث فى هذا الباب، دليل على أنه حمل ذلك على أنها كانت متمتعة، فاحتج باجتزائها بالشاة عن تمتعها على أن الشاة مرادة بقوله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدى﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقد كان يحتمل أن يقال إنه فدية لإماطتها الأذى إلا أنه لم يذكر حاجة إلى ذلك ولا مرضًا يقتضى إماطة أذى، ولا يوصف ذلك بالأخذ من القرون فى عرف الاستعمال، وإنما يوصف بإماطة الأذى، والله أعلم. جامع الهدى ٨٦١ - مَالِكِ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارِ الْمَكِىِّ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ جَاءَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَقَدْ ضَفَرَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنِّى قَدِمْتُ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَوْ كُنْتُ مَعَكَ أَوْ سَأَلْتَنِى لِأَمَرْتَكَ أَنْ تَقْرِنَ، فَقَالَ الْمَانِى: قَدْ كَانَ ذَلِكَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: خُذْ مَا تَطَايَرَ مِنْ رَأْسِكَ وَأَهدٍ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ: مَا هَدْيُهُ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فَقَالَ: هَدْيُهُ، فَقَالَتْ لَهُ: مَا هَدْيُهُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَوْ لَمْ أَجِدْ إِلا أَنْ أَذْبَحَ شَاةٌ لَكَانَ أَحَبَّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ أَصُومَ. الشرح: قوله: ((أن السائل سأل ابن عمر وقد ضفر رأسه)) وهو نوع من التلبيد، فقال: ((إنى قدمت بعمرة)) فكره عبد الله بن عمر أن يحلق، واختار أن يكون الحلاق فى الحج، فقال: ((لو كنت معك لأمرتك أن تقرن)) لأنه كان يجمع بين العمرة والحج ويحلق لهما مرة واحدة، فكان ذلك أحب إليه من أن يحلق رأسه فى العمرة، ولا يجد شعرًا یحلقه فی حجه. وقد روى عن مالك فى المختصر، فيمن قدم معتمرًا يوم التروية: لا يحلق ويقصر وليردف الحج. قال الشيخ أبو بكر: إنما قال ذلك ليبقى له من الشعر ما يحلقه يوم النحر، فلذلك رأى التقصير أفضل. فصل: وقول اليمانى: ((قد كان ذلك)) يريد أنه قد فات أمر القران بفوات محل الإرداف لتمام الطواف والسعى، ولذلك لم يأمره عبد الله بن عمر بشىء غير التقصير، ٨٦١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٣٤. · كتاب الحج ٢٢ .. ولم يذكر طوافًا، ولا سعيًا، فدل ذلك على أنه قد فهم من اليمانى أنه قد كان أكمل الطواف والسعى، فلم يبق إلا أن يشير عليه بأفضل ما يراه فى هذه الحال التى قد فات فيها القران. فصل: وقول عبد الله بن عمر: ((احلق ما تطاير من رأسك)) يريد ما علا من الشعر عن التضغير، وهذا لا يصح عند مالك فى التقصير، ولا يجزئه إلا الأخذ من جميع الشعر، بل لا يجزئ من ضفر التقصير، ولا يجزئه إلا الحلاق، ولكنه لعله قد أمره بنقض ما ضفر منه، ثم حينئذ يأخذ ما زاد من شعره على المشط أو على ما يبقيه التقصير. وأما إن حمل على ظاهره، فعنده يجوز التقصير بأخذ بعض الشعر، وعند مالك غير مجزئ، وسیأتی ذکره وبيان حكمه فى موضعه إن شاء الله. فصل: وقوله: ((وأهد)) يحتمل أن يريد هدى التمتع؛ لأنه اعتمر فى أشهر الحج، وهو يريد أن يحج من عامه، فلزمه هدى المتعة، ويحتمل أن يكون أمره من التقصير بأكثر ما يقدر عليه، وإن لم يكن مجزئا عنه ثم أمره مع ذلك بالهدى لما أخره من الحلاق أو التقصير المجزئ، وقد قال مالك فى العتبية فيمن أتم عمرته، ثم أحرم بالحج، ثم ذكر أنه لم يقصر، فعليه هدى لذلك مع هدى التمتع. قوله: ((فقالت امرأة عراقية: ما هديه يا أبا عبد الرحمن؟)) يحتمل قولها أحد أمرين، أحدهما: أن تسأله عن هدى من أتى بمثل ذلك فى الجملة، والثانى: أن تسأله عن هدى ذلك الرجل خاصة فى مثل يساره وحاله، فتوقف عن الجواب لاختياره لذى اليسار البدنة أو البقرة. ولعله قد رأى من حال ذلك الرجل أن يده لا تتسع لذلك، فكره أن يفتى بالشاة، فيتعلق بذلك من يقدر على البدنة أو البقرة، فلما كررت عليه السؤال تعين عليه الجواب، إما لأنه رأى أن المرأة ممن يجب تعليمها مثل هذا الحكم، أو لعلها قد لزمها مثل ذلك فى خاصة نفسها أو لأنه خاف فوات اليمانى، ومغيبه عنه من قبل أن يعلم ما حكمه، فقال: ((لو لم أجد إلا أن أذبح شاة لكان أحب إلى من أن أصوم)) فصرح بجواز ذبح الشاة فى مثل ذلك لمن لم يجد غير ذلك، وأنه أحب إليه من الصوم، وأحب هاهنا، وإن كان لفظه لفظ الاستحباب، فظاهره الوجوب بالاتفاق على أنه لا يجوز الانتقال إلى الصوم إلا عند عدم ما يجزئ من الهدى، ويحتمل أن يريد بذلك التشدد فى الفضيلة، والمنع مما هو عنده أقل الهدى لذى اليسار والله أعلم. .............. ٢٣ کتاب الحج وقد قال مالك فى الموازية: من لم يقدر على الحلاق ولا التقصير من وجع به، فعليه بدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام وسبعة. وقال الشيخ أبو بكر: إنما قال ذلك لأن البدنة أفضل الهدى، وأنفع للمساكين، فاستحب مالك أن يأتى بالبدنة، إذا وجد، فمن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة، وذلك أدنى الهدى. ومعنى ذلك على ما قاله الشيخ أبو بكر الاستحباب لا على معنى أنه لا تجزئ الشاة عن البدنة، وعلى هذا يمكن أن يحمل قول ابن عمر، والله أعلم. ٨٦٢ - مَالِك، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: الْمَرَأَةُ الْمُحْرِمَةُ إِذَا حَلْتْ لَمْ تَمْتَشِطْ حَتَّى تَأْخُذُّ مِنْ قُرُونِ رَأْسِهَا، وَإِنْ كَانَ لَهَا هَدْى لَمْ تَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهَا شَيْئًا خَتَّى تَنْحَرَ هَدْيَهَا. الشرح: قوله: ((المرأة المحرمة إذا حلت لم تمتشط حتى تأخذ من قرون رأسها)) يحتمل قوله: ((إذا حلت)) وجهين، أحدهما: إذا بلغت من نسكها موضع الإحلال للتقصير، وهذا يكون فى الحج والعمرة، والثانى: إذا حلت برمى الجمار، فإنه نوع من الإحلال، وهذا إحلال مختص بالحج، فنهاها عن أن تمتشط حتى تأخذ من قرون رأسها، ومعناه أن تقصر، فتأخذ من قرون شعر رأسها. وأما منعها من الامتشاط قبل أن تقصر، فلا يخلو أن تكون معتمرة أو حاجة، فإن كانت معتمرة، فقد قال ابن القاسم، فى الموازية: ليس للمحرم المعتمر أن يغسل رأسه قبل أن يحلقه، أو يقتل شيئًا من الدواب، أو يلبس قميصًا بعد تمام السعى. وأما فى الحج، فإن ذلك مشروع. قال مالك فى الموازية: ومن الشأن أن يغسل رأسه بالغاسول والخطمى حين يريد أن يحلق، ولا بأس أن يتنور يقص أظفاره، ويأخذ من شاربه ولحيته قبل أن يحلق، وإنما كره ذلك للمعتمر؛ لأن التقصير أو الحلاق بهما يتحلل إلقاء التفث، وبه يبتدأ فيه. فصل: وقوله: ((حتى تأخذ من قرون رأسها)) يقتضى استيعاب ذلك بالتقصير دون الاقتصار على التقصير من بعضه دون بعض، وهو الواجب عند مالك وسيأتى ذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى. ٨٦٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٣٥. .· كتاب الحج ٢٤ ٠.٠٠ ........ فصل: وقوله: ((فإن كان لها هدى لم تأخذ من شعرها حتى تنحر هديها)) يريد أن النحر مقدم على الحلاق والأصل فى ذلك قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله﴾ [البقرة: ١٩٦]. مَالِكِ أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: لا يَشْتَرِكُ الرَّجُلُ وَامْرَأَتُهُ فِى بَدَنَةٍ وَاحِدَةٍ لِيُهْدِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَدَنَّةٌ بَدَنَةً (١). الشرح: قوله: ((لا يشترك الرجل وامرأته فى بدنة)) على وجه الإخبار عن أن ذلك ممنوع غير مجزئ ولا مشروع، وقد تقدم كلامنا فى ذلك، وإنما خص الرجل وامرأته بالمنع من ذلك، لأن الرجل يجوز أن يشرك امرأته فى الأضحية، وإن لم يجز له أن يشرك أجنبية. فلما نص على أنه لا يجوز للرجل أن يشرك امرأته فى الهدى كان فيه تنبيه على أن امتناع ذلك فى الأجنبية أولى مع ما فى ذلك من التفريق بين الهدى والأضحية فى هذا الحكم، وقد تقدم ذكره بما یغنی عن إعادته. فصل: وقوله: ((لیهد كل واحد منهما بدلة بدنة)) یرید أن حکمها فى ذلك حکمه، وأن هدى كل واحد منهما بدنة كاملة سالمة من المشاركة فيها، وفى ذلك تنبيه على أن هذا أقل ما يجب أن يتفرد به كل واحد منهما من جنس الهدى؛ لأنه لما منع الاشتراك، ثم أباح لكل واحد واحدة كاملة، اقتضى ذلك أن هذا أقل الهدى وبين أيضًا أن الانفراد بالهدى حكم البدن وغيرها، لئلا يظن ظان أنه يجوز الاشتراك فى البدن، وإن لم يجز فى الغنم، والله أعلم. قال يحيى: وسُئِلَ مَالِك عَمَّنْ بُعِثَ مَعَهُ هَدْى يَنْحَرُهُ فِى حَجِّ، وَهُوَ مُهِلٌّ بِعُمْرَةٍ هَلْ يَنْحَرُهُ إِذَا حَلَّ أَمْ يُؤَخِّرُهُ حَتَّى يَنْحَرَهُ فِى الْحَجِّ، وَيُحِلُّ هُوَ مِنْ عُمْرَتِهِ؟ فَقَالَ: بَلْ يُؤَخِّرُهُ حَتَّى يَنْحَرَهُ فِى الْحَجِّ وَيُحِلُّ هُوَ مِنْ عُمْرَتِهِ. الشرح: قوله: ((عمن بعث معه هدى لينحره فى حج)) يقتضى أن لبعثه فى الحج تأثيرًا يمنع من نحره فى غيره، قال مالك: ويبعث الرجل بهديه مع حاج أو معتمر، فإن بعث به مع غير معتمر لم أربه بأسًا، وأجزأ عنه. ومعنى ذلك أنه لا تعلق للهدى بنسك الحامل له، وإنما تعلقه بالوجه الذى أمر أن (١) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٣٦. ....... ٢٥ کتاب الحج يذبحه عليه، فمن بعث معه هدى لينحره فى الحج، فإنما بعث به معه لئلا ينحره قبل أيام منى، فإذا أخذه على ذلك، فعليه الوفاء بما عاهد عليه، والتزم فعله، وهل يختص ذلك بحج الذى أرسل معه أو بحج الناس؟. قال القاضى أبو الوليد: لم أر فيه نصًا وعندى أنه إنما يتعلق ذلك بحج الناس، فعلى الحامل للهدى أن يقف به بعرفة، وينحره مع الناس يوم النحر منى حج هو أو لم يحج، ولذلك قال مالك فى هذه المسألة: لا ينحره إلا فى الحج، ولم يعلق ذلك بحجه، قال: ((ويحل هو من عمرته))، يريد أنه دخل بعمرة لكن الهدى الذى أرسل معه على أن ینحره فى الحج. مسألة: ولو أن باعث الهدى لينحر له فى الحج خرج معتمرًا، فأدركه أخر حتى ینحره فى الحج، ورواه محمد عن مالك. ووجه ذلك أنه لما قلدوا وجب على النحر فى الحج لم يمنع من ذلك، ولا غير هذا الحكم الذى أوجبه فيه إدراكه له كما لو قلده على أن ينحره فى الحج، ودخل متمتعًا لکان حکمه ان لا ینحر فى عمرته، و کان عليه أن يؤخره حتی ینحره فی حجه. قَالَ مَالِك: وَالَّذِى يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْهَدْىِ فِى قَتْلِ الصَّدِ أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ هَدْی فِى غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّ هَدْيَهُ لا يَكُونُ إِلا بِمَكَّةَ كَمَا قَالَ الَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿هَدْيَا بَالِغَ الْكَّعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وَأَمَّ مَا عُدِلَ بِهِ الْهَدْىُ مِنَ الصِّيَامِ أَوِ الصَّدَقَّةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِغَيْرِ مَكَّةً حَيْثُ أَحَبَّ صَاحِبُهُ أَنْ يَفْعَلَهُ فَعَلَهُ. الشرح: وهذا كما قال، وذلك أن بدل الصيد ثلاثة أشياء، هدى أو إطعام أو صيام، فأما الهدى، فإنه لا ينحر إلا بمكة لقوله تعالى: ﴿هديًا بالغ الكعبة﴾ وهل يجزئه أن ينحره منى أم لا؟ ظاهر قوله هاهنا يمنع من ذلك، ويقتضى اختصاصه بمكة. وكذلك يقتضيه استدلا له بقوله تبارك وتعالى: ﴿هديًا بالغ الكعبة﴾ غير أن حكم هذا الهدى حكم غيره من الهدايا، إن ساقه وهو معتمر أو حلال نحره بمكة، ولو ساقه فى حج، فوقف به فى عرفة لم يجزه أن ينحره إلا منى فى أيام منى، قاله أشهب وابن القاسم عن مالك. ووجه ذلك أنه هدى وقف به فى عرفة، فوجب أن ينحر فى أيام منی کھدی المتعة. مسألة: فإن نحره بمنى أو بمكة، فأراد أن يطعم منه مساكين الحل بأن ينقل ذلك . كتاب الحج .... ٢٦ إليهم، جاز ذلك، فيما حكاه القاضى أبو الحسن عن مالك، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعى: لا يجوز أن يفرقه إلا فى الحرم. والدليل على ما نقوله أن هذا هدى جزاء الصيد، فجاز أن يصرف إلى فقراء الحل. أصل ذلك إذا دفع إليهم فى الحرم وأيضًا فقد صار بالنحر طعامًا، فبطل اختصاصه بأهل الحرم. فصل: وقوله: ((وأما ما عدل به الهدى من الصيام أو الصدقة، فإن ذلك يكون بغير مكة حيث أحب صاحبه)) يقتضى هذا أن له أن يأتى بالصيام والإطعام حيث شاء من البلاد مكة أو غيرها، فأما الصيام فلا تأثير للبلاد والمواضع والأزمان فيه، ولذلك من أفطر رمضان بمكة، وفى الصيف جاز له أن يقضيه فى الشتاء، وفى كل بلد، ولا خلاف فى ذلك نعرفه. مسألة: وأما الإطعام، فقد قال مالك فى الموطأ وغيره: إن ذلك يكون بغير مكة حيث شاء صاحبه، ولم يذكر صفة الإخراج بغير مكة، وقد اتفق أصحابنا على جواز الإخراج بغير مكة، وإن اختلفوا فى كيفية الإخراج، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعى: لا يجوز أن يفرق الطعام إلا فى الحرم. والدليل على ما نقوله أن هذا الطعام بدل عن نسك، فجاز إخراجه بغير مكة كفدية الأذى. مسألة: إذا ثبت ذلك، فقد قال ابن حبيب: لا يطعم الطعام إلا بموضع أصاب الصيد فيه، وما قاربه حيث يجد المساكين. ومعنى ذلك أن يقوم بسعر ذلك المكان ويستحب إخراجه فيه لما قدمناه. وقد قال ابن حبيب: إن كان ببلد بسعر بلد الإخراج أو أرخص اشترى بثمن الطعام حيث يصاب الصيد، فأخرج ذلك الطعام، وإن كان يبلد الإخراج أغلى أخرج تلك المكيلة، ونحوه روی ابن المواز. وروى يحيى بن يحيى عن ابن وهب فى العتبية: أنه يخرج قيمة الطعام الذى حكم به عليه حيث أصاب الصيد فليشتر به طعامًا كان السعر بيلد الشراء أرخص أو أغلى ونحوه روی عن أصبغ. ............... كتاب الحج . ٨٦٣ - مَالِكِ، عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ خَالِدِ الْمَْزُومِىِّ، عَنْ أَبِى أَسْمَاءَ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَعْفَرٍ أَنَّهُ أَخْرَهُ أَنْهُ كَانَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَعْفٍَ فَخَرَجَ مَعَهُ مِنَ الْمَدِينَةٍ، فَمَرُّوا عَلَى حُسَيْنِ بْنِ عَلِىٌّ، وَهُوَ مَرِيضٌ بِالسُّقْيَا، فَأَقَّامَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ جَعْفَرٍ خَتَّى إِذَا خَافَ الْفَوَاتَ خَرَجَ، وَبَعَثَ إِلَى عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ وَأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، وَهُمَا بِالْمَدِينَةِ، فَقَدِمَا عَلَيْهِ ثُمَّ إِنَّ حُسَيْئًا أَشَارَ إِلَى رَأْسِهِ، فَأَمَرَ عَلِى بِرَأْسِهِ فَحُلْقَ ثُمَّ ◌َسَكَ عَنْهُ بِالسُّْيًا، فَتَحَرَ عَنْهُ بَعِيرًا. قَالَ يَحْتِى بْنُ سَعِيدٍ: وَكَانَ حُسَيْنٌ خَرَجَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فِى سَفَرِهِ ذَلِكَ إِلَى مَكَّةً. الشرح: قوله: ((أنهم مروا على حسين بن على وهو مريض بالسقيا)) وهو موضع بين مكة والمدينة، وهو من المدينة، ومقام عبد الله بن جعفر عليه، يقتضى أنه كان يرجو أن يقوى على التوجه معه، ولذلك لما أيس أن يدرك معه الحج، وخاف الفوات أرسل إلى علىّ بن أبى طالب وأسماء بنت عميس يعلمهما بحاله، ولم يرسل إليهما قبل ذلك، لما رجا من صحته وقوته على إكمال نسكه، ويحتمل أن يكون حسين رضى الله عنه توقف على أن يحل لما اعتقد أنه لا يحله إلا البيت أو لأنه رجا القوة على الوصول قبل فوات الحج. وقد اختلف العلماء فى ذلك فذهب مالك والشافعى إلى أن المحصر بمرض لا يحله إلا البيت. وقال أبو حنيفة: هو كالمحصر بعدو يتحلل حيث أحصر. والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهذا عام إلا ما خصه الدلیل. ودليلنا من جهة القياس أن هذا تحلل لا يستفاد به التخلص من أذى، فوجب أن لا يجوز. أصله إذ ضل فى طريقه. مسألة: إذا ثبت ذلك، فسواء شرط فى إحرامه أن يحله حيث حبسه المرض أو لم يشترط ذلك لا يحله إلا البيت. وقال الشافعى: إن شرط ذلك حل بالمرض. والدليل على ما نقوله أن كل معنى لا يخرج به من العبادة بغير شرط، فإنه لا يخرج به بالشرط. أصل ذلك الكسل. ٨٦٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٣٧. ٢٨ .. كتاب الحج مسألة: ومن أحصر بمرض، ففاته الحج، فليحل بعمل العمرة وعليه الهدى، ولا يجوز ذبحه إلا بمكة أو منى، قاله القاضى أبو الحسن، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعی: ینحره حیث أحصر فی حل کان أو حرم. والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خيرٌ﴾، إلى قوله: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾ [الحج: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهذا يقتضى بلوغه إلى مكة لأنه قال فى الآية الأولى: «﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾. فصل: وقوله: ((ثم إن حسينا أشار إلى رأسه)) يريد أنه تأذى بشعره أو بهوام فى رأسه، فأمر على رضى الله عنه برأسه فحلق، وذلك يقتضى أن لكل من به أذى من رأسه أن يحلق ويفتدى. والأصل فى ذلك قوله تعالى: ﴿﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه فقدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقد ورد حديث كعب بن عجرة بتفسير ذلك، وسيأتى بعد هذا إن شاء الله تعالى. فصل: وقوله: ((ثم نسك عنه بالسقيا)) وهو موضع غلب عليه به، وأقام فيه وفدية الأذى جائز أن ينحرها بكل موضع؛ لأنها ليست بهدى، فيكون لها تعلق بالبيت، وإنما هو نسك لا يقلد ولا يشعر، ولا يحتاج أن يجمع له بين الحل والحرم، فله نحره حيث شاء. والدليل على ذلك أن هذا دم ورد الشرع فيه بلفظ النسك، فلم يختص بالخرم كالعقيقة والأضحية، ولا يجوز أن يدعى أن البعير الذى نحره علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه للتحلل بذلك الموضع لوجوه، أحدها: أن أبا حنيفة الذى يبيح التحلل فى موضع المرض لا يرى أن ينحر الهدى إلا بمكة، والشافعى الذى يجيز التحلل بالشرط، ويرى أن من نحر الهدى حيث يحل لا يمكنه أن يعلم أنه اشترط التحلل، ولا علمنا أحدًا عمل به. وقد روى عن الزهرى أنه قال: لم يقل أحد بالشرط على أنه لو سلم له هذا، فإن على بن أبى طالب رضى الله عنه اشترى ما نحر عنه حيث نحره، روى ذلك حماد بن زيد ولم يقلده ولا أشعره، وهذا يدل على أنه لم يكن هديًا ساقه، وإنما كان دم فدية ٢٩ كتاب الحج الأذى، ولكنه اختار إخراج الأفضل وهو جائز عندنا وإنما يجزئ من ذلك الشاة، ومن أخرج بدنة أو بقرة أجزاته، بل ذلك أفضل. فصل: وقول يحيى بن سعيد: ((وكان حسين قد خرج مع عثمان بن عفان فى سفره ذلك)) يريد خرج معه فى توجهه للحج. وقد روى سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد أنه قال: مرض حسين بالعرج فتحامل، فلما بلغ السقيا، اشتد به المرض، فمضى عثمان، وبقی هو بالسقيا. الوقوف بعرفة والمزدلفة ٨٦٤ - مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنٍ عُرَنَةَ، وَالْمُرْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَرْقِفٌ، وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسٍِّ)). الشرح: قوله : ((عرفة كلها موقف)) يريد أن لا يختص بعضها بهذا الحكم دون بعض، وأن من وقف فى أى موضع شاء منها، فقد أجزأه ذلك من الوقوف بعرفة، لئلا یتضايق الناس موضع وقوف النبى ٨٦٤ - أخرجه مسلم حديث رقم ٢٩٠٣. أبو داود حديث رقم ١٩٠٧، ١٩٠٨. النسائى ٢٥٥/٥. ابن ماجه كتاب المناسك باب الموقف بعرفات عن جابر ١٠٠٢/٢. البيهقى فى السنن الكبرى ١١٥/٥ عن محمد بن المنكدر. الطبرانى ٤٩/١١ عن ابن عباس. الطحاوى فى مشكل الآثار ٧٢/٢ عن ابن عباس. ذكره بكنز العمال برقم ١٠٢٥١، وعزاه للطبرانى عن ابن عباس. قال ابن عبد البر فى التمهيد ٤٠/٦: وهذا الحديث يتصل من حديث جابر بن عبدالله، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث على بن أبى طالب. قال ابن وهب: سألت سفيان بن عيينة عن عرنة؟ فقال: موضع الممر فى عرفة، ثم ذلك الوادى كله قبلة المسجد إلى العلم الموضوع للحرم بطريق مكة؛ وأما بطن محسر، فذكر ابن وهب أيضا عن سفيان بن عيينة، قال: بطن محسر حين تنحدر من الجبل الذى عند المشعر الحرام عند النخيلات عند المشلل. أخبرنا عبدالله بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن جعفر بن عمران، قال: حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنا أبى، قال: حدثنا عثمان بن عمر، قال: حدثنا أسامة، يعنى ابن زيد، عن عطاء، عن جابر، قال: قال رسول الله : ((عرفة كلها موقف، ومنى كلها منحر، وكل فجاج مكة طريق ومنحر)، وقال أبو عمر: هذا هو الصحيح، إن شاء الله، ومن رواه عن عطاء، عن ابن عباس، فليس بشىء، روى من حديث عبيدالله بن عمر، عن عطاء، عن ابن عباس، وليس دون عبيدالله من يحتج به فى ذلك. كتاب الحج ٠٫٣٠ وقد قال عمر بن الخطاب: يا أيها آمنوا لا تقتلوا أنفسكم ولا تهلكوا أنفسكم على . هذا المكان، فإن عرفة كلها موقف، فهذا فى الجواز، وإن كنا نستحب الوقوف فى ذلك الموضع، وما یقرب منه تبر كًا بالنبى وقد قال ابن حبيب: وحيث يقف الإمام أفضل. وقد قال ابن المواز عن مالك: ليس فى موضع من ذلك فضل إذا وقف مع الناس، ومن تأخر عن الناس، فوقف دونهم أجزأه. قال ابن المواز: إذا ارتفع عن بطن عرنة. فصل: وقوله: ﴿: ((ارتفعوا عن بطن عرنة)) يحتمل معنيين، أحدهما: أن تكون عرنة من جملة ما يقع عليه اسم عرفة، فيكون ذلك استثناء مما عممه بقوله: ((عرفة كلها موقف)) فكأنه قال ﴾: عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة، على حسب ما قال ابن الزبير بعد هذا. ويؤيد هذا التأويل أنه لم يعد عرفة من غير جهة عرنة، واقتصر على أن يكون الموقف يختص بالموضع الذى يتناوله هذا الاسم، فدل ذلك على أنه احتاج إلى استثنائها كما لم يستثن ما ليس من عرفة من سائر الجهات، وإن كنا نعلم أنه لا يجوز الوقوف به، ويحتمل أن تكون عرنة ليست من عرفة، ولا يتناولها اسمها، فيكون معنى قوله ﴿﴿: ((وارتفعوا عن بطن عرنة)) على معنى قصر هذا الحكم على عرفة، وما قرب منها، ولذلك قال: ((ارتفعوا عن بطن عرنة)) مع قربه من عرفة. وقد قال مالك فى الموازية: بطن عرنة، هو واد فى عرفة، يقال إن حائط مسجد عرفة القبلى على حده، لو سقط ما سقط إلا فيه. وقد روى ابن حبيب أن عرفة فى الحل، وعرنة فى الحرم، وبطن عرنة الذى أمر النبى ﴿﴿ بالارتفاع عنه، هو بطن الوادى الذى فيه مسجد عرفة. قال فى الموازية: من وقف بالمسجد، فقد خرج عن بطن عرنة، ولكن الفضل بقرب الإمام. وقال ابن القاسم: ليس الوقوف له بحسن. وقد روى أبو القاسم بن الجلاب أنه لا يجزئ الوقوف ببطن عرنة، قيل: فإن فعل حتى دفع؟ قال: لا أدرى، وقد قاله ابن عبد الحكم. قال أصبغ: لا حج له، ورآه من بطن عرنة. قال مالك: لا أحب أن يقف علی جبال عرفة، ولكن مع الناس. فصل: وقوله: ((والمزدلفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن محسر)) على مثل ذلك يحتمل من التأويل ما تقدّم فى قوله 198: ((عرفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة)). ............ ٣١ کتاب الحج وقال ابن المواز: كان الناس يستحبون الوقوف على الجبل الذى يقف عليه الإمام. وقال ابن حبيب: ويقف الإِمام حيث المنارة التى على قزح، والمشعر ما بين جبلى المزدلفة، ويقال لها أيضًا جمع. قال ابن حبيب: ما بين الجبلين موقف .. قال ابن أبى نجيح: ما صب من محسر فى المزدلفة، فهو منها، وما صب منه فى منى فهو منها. مسألة: وقد قال أشهب: يستحب الوقوف بالمزدلفة مع الإمام. وروى ابن المواز عن ابن القاسم: إنما لا يقف بالمشعر بعد دفع الإمام من بات بها أو وقف معه. وأما من أتى بعد الفجر، فليقف ما لم يسفر جدًا، وإن دفع الإمام. ٨٦٥ - مَالِك، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اِعْلَمُوا أَنَّ عَرَفَةَ كُلَّهَا مَوْقِفٌ إِلا بَطْنَ عُرَنَةَ، وَأَنَّ الْمُرْدَلِفَةَ كُلَّهَا مَوْقِفٌ إِلا بَطْنَ مُحَسِّرٍ. الشرح: قوله: ((اعلموا أن عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة) على سبيل الاجتهاد فى تعليم هذا الحكم والمبالغة فى تبيينه. وقوله: ((إلا بطن عرنة)) أظهر فى أحد التأويلين، وهو أن تكون عرنة من عرفة، ومحسر من المزدلفة، ولذلك استثناهما من جملة ما أباح به الوقوف له من عرفة والمزدلفة. وقد يجوز عندنا أن يكون استثناء من غير الجنس، فتكون عرنة من غير عرفة، ومحسر ليس من المزدلفة إلا أن الأول أظهر، فإذا قلنا بجواز ذلك، وحملتاه على أنه استثناء من غير الجنس، فمعناه إلا أن بطن عرنة على قربه من عرفة لا يجوز الوقوف به تحديدًا لمكان الوقوف، وتحذيرًا من أن يجرى أحد ما قرب من عرفة مجرى عرفة. قَالَ مَالِك: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿فَلَا رَفَتَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِى الْحَجٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] قَالَ: فَالرَّفَثُ إِصَابَةُ النِّسَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَلَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةُ الصِّيَّامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] قَالَ: وَالْفُسُوقُ الذّبْحُ لِلأَنْصَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿أَوْ فِسْقَا أُهِلَّ لِغَيْرٍ ٨٦٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٣٩. · كتاب الحج ... ٠٣٢ اللّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] قَالَ: وَالْجِدَالُ فِى الْحَجِّ أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَقِفُ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بِالْمُرْدَلِفَةِ بِقُرَحَ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ وَغَيْرُهُمْ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ فَكَأَنُوا يَتْحَادَلُونَ يَقُولُ هَؤُلاءٍ: نَحْنُ أَصْوَبُ. وَيَقُولُ هَؤُلاءٍ: نَحْنُ أَصْوَبُ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِى الأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدَى مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٦٧] فَهَذَا الْجِدَّالُ فِيمَا نُرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنْ أَمْلِ الْعِلْمِ. الشرح: الذى ذكره مالك فى تأويل الآية هو قول جماعة من أهل العلم، فأما الرفث، فقال مالك: إنه إصابة النساء، يريد بذلك الجماع. وقد روى ذلك عن ابن عمر وابن عباس، واحتج مالك على ذلك بآية الصوم. ولا خلاف أن الرفث فى آية الصوم إصابة النساء، وأما فى آية الحج، فقد قيل إنه الجماع. وقال عطاء: هو الجماع وما دونه من قول الفحش. وروى طاوس عن ابن عباس أن الرفث فى آية الحج الإغراء به، وهو التعريض للنساء بالجماع. فصل: وأما الفسوق، فقد قال مالك: إنه الذبح للأنصاب، واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿أو فسقًا أهل لغير الله به﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وقد روى مجاهد عن ابن عمر، رحمه الله، أنه قال: الفسوق السباب. وقال ابن عباس: الفسوق المعاصى. وقد قال ربيعة: الفسوق قول الزور. وإنما قصد مالك، رحمه الله، إلى الاستدلال بالقرآن؛ لأنه قد ورد لفظ الفسوق فيه، والمراد به الذبح للأنصاب، والحج مما شرع فيه الذبح وإراقة الدماء، فخص بالنهى عن ذلك، وإن كان قد نهى عن المعاصى جملة. قال القاضى أبو الوليد، رحمه الله: ولا يمتنع عندى أن يكون الفسوق فى الآية كل ما يفسق به من المعاصى والذبح للأنصاب من جملة ذلك. فصل: وأما الجدال، فذهب مالك إلى أنه اجدال فى الموقف يوم عرفة، وبه قال ربيعة. وقال ابن عمر وابن عباس: الجدال: المراء. زاد ابن عباس: أن تمارى صاحبك حتى تغضبه. وقال القاسم بن محمد: هو قول بعضهم: الحج اليوم، وقول بعضهم: الحج غدًا. وإنما ذهب مالك إلى تخصيص الاختلاف بهذا المعنى دون غيره من وجه اجدال؛ ٣٣ كتاب الحج . لأنه حمل قوله تعالى: ﴿ولا جدال فى الحج﴾ [البقرة: ١٩٧]، على المنع من الجدال فى أمر الحج خاصة، ولا يمتنع حمل الآية على عمومها، إلا أن يدل الدليل على التخصيص، فيكون الرفث الجماع، وكل قبيح من الكلام والفسوق كل معصية والجدال كل مراء ممنوع منه، فهذا كله، وإن كان ممنوعًا فى غير الحج إلا أنه يتأكد أمره فى الحج. * وقوف الرجل وهو غير طاهر ووقوفه على دابته قَالَ يَحْيَى: سُئِلَّ مَالِك هَلْ يَقِفُ الرَّجُلُ بِعَرَفَةً أَوْ بِالْمُرْدَلِفَةِ، أَوْ يَرْبِى الْحِمَارَ، أَوْ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَهُوَ غَيْرُ طَاهِرِ؟ فَقَالَ: كُلُّ أَمْرٍ تَصْنَعُهُ الْحَائِضُ مِنْ أَمْرِ الْحَجِّ فَالرَّجُلُ يَصْنَعُهُ، وَهُوَ غَيْرُ طَاهِرٍ، ثُمَّ لا يَكُونُ عَلَيْهِ شَىْءٌ فِى ذَلِكَ، وَلَكِنِ الْفَضْلُ أَنْ يَكُونَ الرَّحُلُ فِى ذَلِكَ كُلِّهِ طَاهِرًا، وَلا يَنْبَغِى لَهُ أَنْ يَتْعَمَّدَ ذَلِكَ(١). الشرح: قوله: ((كل شىء تفعله الحائض من أمر الحج، فالرجل يفعله، وهو غير طاهر)) كلام بين؛ لأن الحائض محدثة حدثًا أكبر، فإذا جاز لها أن تفعل سائر المناسك، دل ذلك على أن المحدث والجنب يفعله بدليل أن ما يشترط الطهارة فى صحته لا تفعله الحائض من الطواف. وأما ما لا نشترط الطهارة فى صحته من الوقوف بعرفة، أو بالمزدلفة، أو رمى الجمار، أو السعى بين الصفا والمروة، ففعل الحائض له وإجزاؤه عنها مع حدثها، دليل على أن المحدث والجنب يصح منهما فعله غير أنه قال: ((فالرجل يفعله، وهو غير طاهر)) وهذا اللفظ يقع على المحدث، ويقع على الجنب، ويحتمل أن يريدهما أو يريد أحدهما. فصل: وقوله: ((ثم لا شىء عليه)) يحتمل أن يريد بذلك لا قضاء عليه، ويحتمل أن يريد لا قضاء، ولا جبران. وقد روى ابن حبیب عن مالك: من حفزه غائط أو بول فی السعى، فليقض حاجته ويتوضأ ثم يتم سعيه. وقال مالك فى العتبية: من أحدث فى سعيه، فتمادى، فلا إعادة عليه، وأحسن من ذلك لو توضأ وتمم سعيه. وروى أشهب عن مالك: إن حاضت امرأة بعد الركوع سعت، وأجزأها، وبالجملة إن جميع أفعال الحج يفعلها غير الطاهر، ما خلا الطواف. (١) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٤٠. ٠٣٤ ... ... کتاب الحج والأصل فى ذلك حديث عائشة رضى الله عنها ((أنها قالت: قدمت مكة، وأنا حائض، ولم أطف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى الرسول ** فقال: افعلى كما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفى بالبيت حتى تطهرى))(١). فصل: وقوله: ((والفضل أن يكون الرجل طاهرًا فى ذلك كله)) يريد أنه أفضل؛ لأنه مما شرعت فيه الطهارة استحبابًا. وقد روى ابن وهب عن مالك: واستحب بعض العلماء التطهير للسعى، ولرمى الجمار، ولوقوف عرفة ومزدلفة، ومن لم يفعل فلا شیء عليه. وهذا الغسل إنما هو غسل للتنظيف كغسل الجمعة وغسل دخول مكة، ولكنه يقوى أن الطهارة مشروعة لهذه المناسك مع نظافة الأعضاء، فلهذا قال: ((ولا ينبغى لأحد أن يتعمد ذلك))، أى ولا ينبغى له أن يتعمد الوقوف على غير طهارة، وقاله ابن الماجشون. قَالَ يَحْيَى: وسُئِلَ مَالِك عَنِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لِلرَّاكِبِ أَيَنْزِلُ أَمْ يَقِفُ رَاكِيبًا فَقَالَ: بَلْ يَقِفُ رَاكِيًّا إِلا أَنْ يَكُونَ بِهِ أَوْ بِدَايَتِهِ عِلَّةٌ، فَالَّهُ أَعْذَرُ بِالْعُذْرِ. الشرح: قوله: ((بل يقف راكبًا)) على وجه الاستحباب للوقوف على الراحلة. والأصل فى ذلك ما روى عن النبى ﴿﴿ أنه وقف على بعيره، وقد تقدم من حديث أم الفضل بنت الحارث، ويحتمل ذلك معنيين، أحدهما: طلب القوة والاستظهار على الدعاء، والثانى: أن الإنفاق مشروع فى الحج، وله تعلق بالمال، وقطع السفر كالجهاد. فصل: وقوله: ((إلا أن يكون به أو بدايته علة فالله أعذر بالعذر)» یرید والله أعلم، أن الركوب أفضل لصاحب الراحلة، وإن لم يكن شرطًا فى صحة الوقوف، وإنما هو على معنى الاستحباب، فإن عاقه عذر منعه كان العذر به أو بدابته، فهو معذور فى تركه المستحب واقتصاره على الأدون. مسألة: إذا ثبت ذلك، فمن وقف غير راكب، فليكن وقوفه للدعاء قائمًا، فإذا عيى، فليجلس، قاله مالك. وقال الشيخ أبو إسحاق: الماشى يقف قائمًا أو جالسًا كل بقدر طاقته. (١) أخرجه البخارى حديث رقم ٣٠٥. مسلم حديث رقم ١٢١١. النسائى فى الصغرى حديث رقم ٢٩٠. أبو داود حديث رقم ١٧٨٢. ابن ماجه حديث رقم ٢٩٦٣. أحمد فى المسند حديث رقم ٢٥٣١٠.