Indexed OCR Text
Pages 1521-1540
کتاب الحج
٥٢٢
سعى ثلاثة أطواف، ومشى أربعة، وسجد سجدتين، ثم يطوف بين الصفا والمروة))(١).
ومن جهة القياس أن هذا ركن من أركان الحج لا تعلق له بالبيت كالوقوف بعرفة.
فرع: ومن طاف، فلا ينصرف إلى بيته حتى يسعى إلا من ضرورة يخاف فواتها أو
يتعذر التصبر لها، ويرجى بالخروج ذهابها كالحقن والخوف على النزول، وكره
الخروج للمريض لأنه لا يذهب بالخروج، فإن فعل، فقد روى ابن المواز عن مالك:
يبتدئ طوافه، والظاهر من المذهب إن لم يبدأه حتى يرجع، فعليه دم.
مسألة: فأما المسألة الثانية فى صفة الخروج إلى الصفا، فهو أن يسلم من ركعتى
الطواف ثم يستلم الحجر قبل أن يخرج إلى السعى لأنه مار بالحجر يريد السعى الذى
هو من جنس الطواف.
فرع: ولم يحد مالك لمن أراد الخروج إلى الصفا بابًا يخرج منه، ومعنى ذلك أنه ليس
من المناسك الخروج على باب الصفا غير أننا نعلم أنه من خرج إليها، فإنه لا يخرج إلا
على ذلك الباب إلا أن يتكلف.
فصل: وقوله: ﴿: ((نبدأ بما بدأ الله به)) يريد والله أعلم، أنه يبدأ بالوقوف ويبتدأ
السعى بالصفا قبل المروة، وذلك أن الله تعالى بدأ بالصفا قبل المروة، فقال تعالى: ﴿إن
الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة: ١٥٨] وهذا حكم السعى بين الصفا والمروة أن
يبدأ بالصفا. والأصل فيه فعل النبى ﴿، وقوله: ((نبدأ بما بدأ الله به)) وبدأ بالصفا.
ومن جهة المعنى أن الصفا أقرب إلى البيت، فيخرج إليها الحاج أو المعتمر من السعى
بخطوات يسيرة، ثم يرقى إلى الصفا، ثم يتوجه منها إلى المروة ساعيًا فى نسكه، ولو بدأ
أولاً بالمروة لخرج إليها من المسجد، فمر بأكثر المسعى، وهو غير ساع، وذلك بمنزلة أن
يقصد الإنسان إلى أن يطوف بأكثر البيت قبل طوافه، ولا يعتد به، فكان البدء بالصفا
ولی.
مسألة: فإن بدأ بالمروة قبل الصفا، بنى على سعيه شوطًا ثامنًا بين الصفا والمروة،
حتى يتم به سبعًا أولها الوقوف بالصفا وآخرها الوقوف بالمروة.
ووجه ذلك أن ما تقدم من سعيه لما لم يكن عقيب الوقوف على الصفا لم يعتد به،
(١) أخرجه البخارى فى صحيحه حديث رقم (١٦١٦). مسلم حديث رقم (١٢٦١). الدارمى
حديث رقم (١٨٤١).
......... ٥٢٣
كتاب الحج .
واعتد من سعيه بما تعقب وقوفه على الصفا، فأكمل عليه بقية سعيه، وذلك لا يكون
إلا بما ذكرناه.
فصل: وقوله: ((فبدأ بالصفاء يريد أنه بدأ بالوقوف عليها، أو افتح بذلك سعيه
ووقوفه على الصفا أربع مرات وعلى المروة مثلها، وبذلك يتم سبع مرات بينهما.
٨١٩ - مَالِكِ، عَنْ حَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنٍ عَلِىِّ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ حَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ كَانَ إِذَا وَقَفَ عَلَى الصَّفَا يُكَبِّرُ ثَلاَنَّا وَيَقُولُ: (لا إِلَّهَ إِلا اللَّهُ
وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، يَصْنَعُ ذَلِكَ
ثَلاثَ مَرَّاتٍ وَيَدْعُو، وَيَصْنَعُ عَلَى الْمَرْوَّةِ مِثْلَ ذَلِكَ)).
الشرح: قوله: ((إن رسول الله ﴿﴿ كان إذا وقف على الصفا)) الوقوف على الصفا
والمروة يكون بأعلاهما من حيث يرى البيت، قاله مالك فى المدونة. وذلك أن لفظ
الوقوف على الصفا يقتضى الإشراف عليها، وإذا كان بأعلاها أمكنه رؤية البيت.
مسألة: وهذا حكم الرجل، فأما النساء، فمن سعت منهن فى سعة وقت خلوة، فقد
قال ابن القاسم: تقف على أعلى الصفا والمروة، ومن سعت بين الرجال، فلتقف فى
أصل الصفا والمروة، ولا ترقى إلى أعلاه لأن التأخر عن الرجال والاعتزال لموضعهم
مشروع لهن متعين عليهن. أصل ذلك الطواف والصلاة.
مسألة: ويكره للرجل أن يقعد على الصفا أو المروة، وليقف، قال مالك: لا يعجبنى
ذلك، فإن فعل فلا شىء عليه. وأما السقيم، فلا بأس أن يقعد.
ووجه ذلك أن الوقوف مشروع لأنه موضع دعاء وتضرع فالوقوف فيه أفضل.
وكذلك قال فى حديث جابر: ((أن رسول الله ﴿﴿ كان إذا وقف على الصفا
يكبر))(١)، فإن كان له عذر مرض أبيح له القعود لأنه عذر يسقط حكم القيام فى
الصلاة، وهو ركن من أركانها فبأن يسقط هاهنا أولى وأحرى.
٨١٩ - أخرجه مسلم ٨٣٥/٢ كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم عن ابن عمر. والنسائى ١٣٣/٥
كتاب الحج عن ابن عباس، باب الرخصة فى لبس الخفين فى الإحرام. وأحمد ٢٢١/١ عن ابن
عباس. والبيهقى فى الكبرى ٩٣/٥ عن ابن عباس. وابن ماجه برقم ٢٩٣١، ٩٧٧/٢ كتاب
المناسك، باب السراويل عن ابن عباس.
(١) النسائى فى الصغرى حديث رقم ٢٩٧٢.
كتاب الحج
٥٢٤ .......
فصل: قوله: ((ثم يكبر ثلاثًا ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله
الحمد وهو على كل شىء قدير يفعل ذلك ثلاث مرات ويدعو)) على ما روى عنه ؟
أنه كان يكرر ما تكلم، وكان إذا سلم على قوم سلم عليهم ثلاثًا (٢) لأن أقواله قرب
ورحمة، فكان يكررها ثلاثًا تارة للإفهام والتعليم وتارة للاستكثار من الذكر، وهذا أقل
ما تكرر به الأذكار مع استحباب الوتر، وليس ذلك بحد فى تكرار هذا الذكر ولا
غيره، ولكنه أقل ما يستحب من تكراره لما ذكرناه.
وكان ﴿ يأخذ فيما يشرعه معلنا يحظ من الاستحباب، وحظ من التخفيف على
حسب ما كان يفعل فى القراءة فى صلاة الجماعة، ومن زاد على هذا لقوة أو رغبة فى
الخير، فحسن ومن قصر عن هذا العدد فلا بأس به، وهذا الذكر من أفضل الأذكار.
وقد روى عن النبى ﴿) أنه قال: ((أفضل ما قاله هو والنبيون لا إله إلا الله))(٣).
مسألة: وصفة الإتيان به. قال ابن حبيب: يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيرًا،
والحمد لله كثيرًا، ثم يقول: لا إله إلا الله الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد
وهو على كل شىء قدير، ثم يدعو بما استطاع، ثم يرجع فيكبر ثلاثًا، ويهلل مرة كما
ذكرناه، ثم يدعو ثم يعيد التكبير والتهليل، يفعل ذلك سبع مرات، فيكون إحدى
وعشرين تكبيرة، وسبع تهليلات، والدعاء بين ذلك، ولا يدع الصلاة على النبى
قال: وهذا كله مروى وليس بلازم ومن شاء زاد ومن شاء نقص أو دعا بما أمكنه.
قال الشيخ أبو محمد: وما ذكره ابن حبيب من التهليل والتكبير، والدعاء على الصفا
والمروة مروى عن ابن عمر وغيره.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: وعندى أن لفظ حديث النبى ﴿4﴾ يقتضى
غير الصفة التى أوردها ابن حبيب، وذلك أن حديث جابر إنما يقتضى تكبير ثلاث
مرات، ثم تهليل مرة، ثم تكبير ثلاث مرات، ثم تهليل مرة ثم تكبير ثلاث مرات، ثم
تهليل مرة ثم الدعاء بعد وكيفما فعل من ذلك أجزاه، والله أعلم.
فصل: وقوله: ((ثم يدعو)). قال فى المدونة: وليس فى الدعاء على الصفا والمروة
دعاء مؤقت، وهذا صحيح لأنه لم ينص جابر على دعاء بعينه، وهذا يدل على أنه رأى
(٢) أخرجه البخارى حديث رقم ٩٥. الترمذى حديث رقم ٢٧٢٣، ٣٦٤٠. أحمد فى المسند
حدیث رقم ١٢٨٠٩، ١٢٨٩٥.
(٣) أخرجه الإمام مالك حديث رقم (٩٦٣) وسيأتى ذكره.
كتاب الحج
........... ٥٢٥
من النبى ◌َّ فى مواقفه أدعية مختلفة دالة على أنه يؤقت فى ذلك دعاء، فنص على أنه
دعاء ولم ينص على الدعاء لأنه بين أنه غير مؤقت.
مسألة: وهل يرفع يديه على الصفا والمروة عند الدعاء؟ قال ابن القاسم: كان رفع
اليدين عند مالك ضعيفًا على الصفا والمروة. وقال ابن حبیب: یرفع يديه.
وجه قول مالك ما روى من حديث جابر فى الدعاء، ولم يذكر رفع اليدين مع
استقصائه أقواله وأفعاله فى الحج، حتى أنه لم ينقل أحد من ذلك عن النبى
نقل. ووجه قول ابن حبيب أنه موضع دعاء وتضرع وسؤال ورغبة ورفع اليدين فى
مثل هذا مشروع.
فرع: فإذا قلنا بقول ابن حبيب فى رفع اليدين، فكيف صفة رفعهما؟ قال ابن
حبيب: يرفعهما حذو منکبیه وبطونهما إلى الأرض، ثم یکبر ويهلل ويدعو.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: وعندى أن دعاء التضرع والطلب إنما هو
برفع اليدين وبطونهما إلى السماء، وإنما يكون ما ذكره ابن حبيب عند الذكر
والتعظيم، ولعله هو الذى ضعف مالك، رحمه الله.
فصل: قوله: ((ويصنع على المروة مثل ذلك)) يريد من التكبير والتهليل والدعاء،
ذلك على حسب ما يفعله على الصفا، ويفعل ذلك كلما وقف على الصفا، وكلما
وقف على المروة حتى يقف على الصفا أربعًا وعلى المروة أربعًا.
٨٢٠ - مَالِك، عَنْ نَافِعِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَهُوَ عَلَى الصَّفَا، يَدْعُو
يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ قُلْتَ: ﴿اذْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] وَإِنَّكَ لا تُخْلِفُ
الْمِيعَادَ وَإِنِّى أَسْأَلُكَ كَمَا هَدَيْتَنِى لِلإِسْلامِ أَنْ لا تَنْزِعَهُ مِنَّى حَتَّى تَتَوَفَانِى وَأَنَا
مُسْلِمٌ.
الشرح: دعاء عبدالله بن عمر رضى الله تعالى عنه بهذا الدعاء دليل على ما قدمناه
من أنه ليس فيه دعاء مؤقت، وإنما يدعو كل إنسان على حسب ما يعن له ويبدو من
حاجته، وأوكد الأشياء عنده، وإن من أوكد الأشياء الدعاء لأمر الآخرة، وأن يتوفى
المرء على الإسلام، وما بدأ به أولا من قوله: ((اللهم إنك قلت ادعوني أستجب لكم،
٨٢٠ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٠٠. البيهقى فى السنن الكبرى ٩٤/٥. المغنى
٣٨٥/٣. الدر المنثور ١٦١/١. المجموع ٧٦/٨.
كتاب الحج
٥٢٦
وإلك لا تخلف الميعاد))، إعلان بإيمانه وتيقنه أن ذلك الموعد من عند الله، وأنه تعالى لا
يخلف الميعاد، وإخباره عن امتثال أمره فى الدعاء وانتظاره ما وعد به تعالى من الإجابة.
*
*
جامع السعى
٨٢١ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنْهُ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ أُمِّ
الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ: أَرْأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا
وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اغْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطْوَّفَ
بِهِمَا﴾ فَمَا عَلَى الرَّجُلِ شَىْءٌ أَنْ لا يَطّوَّفَ بِهِمَا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَلا لَوْ كَانَ كَمَا
تَقُولُ لَكَانَتْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لا يَطَّوَّفَ بِهِمَا، إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِى الأَنْصَارِ
كَانُوا يُهِلُونَ لِمَنَّةً(١)، وَكَانَتْ مَنَةٌ حَذْوَ قُدَيْدٍ، وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ
الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلامُ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﴿ عَنْ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ
وَتَعَلَى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحٌ
عَلَيْهِ أَنْ يَطْوَّفَ بِهِمَا﴾.
الشرح: قول عروة: ((إنه قال لعائشة، وهو حديث السن)) يريد أنه لم يكن بعد فقه
ولا علم من سنن النبى ﴿3﴾ ما يتأول به نص القرآن والحديث فى هذه المسألة، فقال
لعائشة: ((أرأيت قول الله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو
أعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ فما على الرجل شىء أن لا يطوف بهما))
فتأول الآية على أنها تقتضى أن لا شىء على من لم يسع بين الصفا والمروة فى حج
ولا عمرة.
وذلك أن موضوع هذا اللفظ أن لا حرج على من فعل فعلا ما. وأكثر ما يستعمل
هذا اللفظ فى الأفعال المباحة دون الواجبة، ولكن كان لهذا سبب، وذلك إنما خاطب
٨٢١ - أخرجه البخارى ٣٠٦/٢ كتاب الحج باب وجوب الصفا والمروة ... إلخ، عن عروة.
ومسلم ٩٢٨/٢ كتاب الحج باب ٤٣ رقم ٢٥٩ عن عروة. أبو داود حديث رقم ١٩٠١.
النسائی فی الكبرى ١٩٣/١٢.
(١) قال ابن وهب: مناة: حجر كان أهل الجاهلية يعبدونه، وكان فى المشلل الجيل الذى تصدر
منه إلى قُدید.
٠ ٥٢٧
كتاب الحج .
به من كان يرى الحرج فى السعى بين الصفا والمروة، ومن كان لا يستجيز ذلك فى
حج ولا عمرة، فلذلك خوطب به على هذا الوجه.
ولو أن إنسانًا اعتقد أن قضاء الفوائت محظور بعد العصر، فسأل عن ذلك لجاز أن
يقال له: لا إثم عليك فى قضائها بعد العصر، ولم يمنع ذلك وجوب قضائها فى ذلك
الوقت.
ووجه ذلك أن قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ [البقرة: ١٥٨]
يقتضی نفی الحرج عن التطوف بهما، و کون ذلك واجبًا أو غير واجب یثبت بدليل غير
هذا، وقد دل على ذلك. قوله: إنهما من شعائر الله.
فصل: وقول عائشة رضى الله عنها له: ((كلا لو كان الأمر كما تقول لقال فلا
جناح عليه أن لا يطوف بهما)) استفتحت كلامها ((بكلا)) على معنى التحقيق والتأكيد،
وأخبرته أنه لو كان الأمر على ما قال لقال تعالى: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما،
فينفى الحرج عن تارك الطواف بهما، وهو تعالى لم يقل ذلك وإنما قال: ﴿فلا جناح
عليه أن يطوف بهما﴾ فنفى الحرج عن المطوف بهما، وذلك لا يمنع أن يلحق من ترك
الطواف بهما، ويوجب السعى، كما قالت عائشة.
وإليه ذهب مالك والشافعى وأحمد، وقالوا: إنه ركن من أركان الحج لا ينوب عنه
دم. وروى عن ابن مسعود وغيره أنه غير واجب. وقال أبو حنيفة: وهو واجب، ولكن
الدم ینوب عليه.
والدليل على ما نقوله ما روى عن ابن عباس: (لما قدم النبى ◌َّ مكة أمر أصحابه أن
يطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم يحلوا ثم يحلقوا أو يقصرو))(٢)، وأمره على
الوجوب.
ودليلنا من جهة القياس أنه سعى ذو عدد سبع، فوجب أن يكون ركنا من أركان
الحج كالطواف.
فصل: وقولها: ((إنما أنزلت هذه الآية فى الأنصار كانوا يهلون لمناة، وكانت حذو
قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة)) يريد أن هذه الآية إنما نزلت
فيمن كان يتحرج عن السعى بين الصفا والمروة، فقصد بها إلى نفى ما اعتقدوه خاصة،
ولم يكن جواب السؤال من سأل عن السعى أمشروع أو غير مشروع.
(٢) أخرجه البخارى فى صحيحه حديث رقم (١٧٣١) بلفظه.
٥٢٨
کتاب الحج
وقد قال أبو بكر بن عبدالرحمن: إنه سمع رجالاً من أهل العلم يقولون: لما أنزل الله
تعالى الطواف بالبيت، ولم يذكر السعى بين الصفا والمروة قيل للنبى ﴿، إنما كنا
نطوف فى الجاهلية بين الصفا والمروة، فهل علينا من حرج أن لا نطوف بهما، فأنزل
الله تعالى: ﴿إِن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة: ١٥٨] الآية كلها. قال أبو
بكر: فأسمع هذه الآية نزلت فى الفريقين كليهما فيمن طاف، وفيمن لم يطف وعلى
الوجهين جميعًا، فإنها نزلت فيمن خاف أن يخرج إذا طافى بينهما.
فصل: وقولها: ((فأنزل الله تعالى: ﴿إِن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج
البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ بين بذلك ما أنزل للسائلين من
حکم سؤالهم.
وقوله: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ بيان أنه لا يريد بقوله: ﴿فلا جناح عليه
أن يطوف بهما﴾ الإباحة، وإنما هو إنكار على من يظن أن فى ذلك إثمًا وحرجًا،
وبمنزلة أن يسئل عن صيام رمضان هل فيه إثم؟ فيقال هو فرض، فلا يأثم أحد به.
وقوله تعالى فى حكم من سأل هل يأثم بالسعى بين الصفا والمروة: ﴿إِن الصفا
والمروة من شعائر الله﴾ إخبار عن حكمهما أنهما مما أمرنا بتعظيمه فى قوله تعالى:
﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾ [الحج: ٣٢] ثم قال بعد ذلك:
﴿ فلا جناح عليه أن يطوف﴾ يريد والله أعلم، إنها من الشعائر التى شرع السعى
بینهما، ومن کان هذا حکمه، فلا جناح فيه بل فیه الأجر.
٨٢٢ - مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةً أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كَانَتْ عِنْدَ
عُرْوَةً بْنِ الزُّبَيْرِ، فَخَرَجَتْ تَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِى حَجِّ أَوْ عُمْرَةٍ مَاشِيَّةً،
وَكَانَتِ امْرَأَةٌ تَقِيلَةٌ، فَحَاءَتْ حِينَ انْصَرَفَ النّاسُ مِنَ الْعِشَاءِ، فَلَمْ تَقْضِ طَوَافَهَا
حَتّى نُودِىَ بِالأولَى مِنَ الصُّبْحِ، فَقَضَتْ طَوَافَهَا فِيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ، وَكَانَ غُرْوَةُ إِذَا
رَآهُمْ يَطُوفُونَ عَلَى الدَّوَابِّ يَنْهَاهُمْ أَشَدَّ النَّهْىِ، فَيَعْتَلُونَ بِالْمَرَضِ حَيَاءٌ مِنْهُ، فَيَقُولُ
لَّا فِيمَا بَيْنَا وَبَيْنَهُ: لَقَدْ حَابَ هَؤُلاءِ وَخَسِرُوا.
الشرح: قوله: ((كانت سودة عند عروة بن الزبير فخرجت تطوف بين الصفا
والمروة وكانت امرأة ثقيلة)) لا تكمل طوافها لثقلها إلا فيما بين العشاء وبين الأذان
٨٢٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٠٢.
......... ٥٢٩
كتاب الحج
للصبح لثقل جسمها إلا أنها مع ذلك كانت تطوف بينهما ماشية، ولا تترخص
بالركوب.
وقد روى عن ابن أبي مليكة أنه قال لعائشة: أى أمتاه ما منعك من العمرة عام
الأول، فقد انتظرناك، فقالت: الصفا والمروة لا أستطيع أن أمشى بينهما، وأكره أن
أر کب بينهما.
وروى عن مجاهد: لا يركب بينهما إلا من ضرورة، وبه قال مالك، فإن كانت
ضرورة، فقد قال ابن نافع: لا بأس أن يسعى الرجل راكبًا من مرض أو نحو ذلك.
وقال عطاء: یر کب بينهما من شاء.
والدليل على ما نقوله ما روى عنه 98 أنه سعى ماشيًا وأفعاله على الوجوب.
ودليلنا من جهة القياس أنه سعى ذو عدد سبع، فكان حكمه المشى مع القوة. أصل
ذلك الطواف.
فرع: فإن سعى راكبًا من غير عذر، فقد قال ابن القاسم: يعيد ما لم يفت، فيإن
تطاول ذلك، فعليه دم.
ووجه ذلك أن يأتى بالعبادة على الوجه المشروع فيها من السعى ما لم يفت ذلك،
فإذا فات بانفصاله من الطواف لم يبق إلا جبره بالدم.
فصل: وقوله: ((فلم تقض طوافها حتى نودى بالأولى من الصبح)) وقد روى معمر
أنها كانت تستريح فى أثناء السعى لعذر ليس بممنوع ما لم يخرج إلى حد القطع،
وذلك أن فيه معونة على العبادة وتسببًا إلى إتمامها.
مسألة: وأما الجلوس لغير علة، فممنوع فى الجملة لأنه قطعٍ لما شرع فيه من العبادة
التى حكمها الاتصال، فإن فعل، فقد قال أشهب: إن كان شيئًا خفيفًا، فلا شىء علیه،
وبئس ما صنع، وإن طال الجلوس حتى يكون تاركًا للسعى الذى كان فيه، فإنه
يستأنف ولا یبنی.
ووجه ذلك أنها عبادة حكمها الاتصال، فإذا شغل فيها بعمل يسير ليس منها لم
يقطعها كالعمل اليسير فى الصلاة، وإذا كان فى حكم التارك لها لطول جلوسه، فقد
عدم ما يثبت عليه من الاتصال، فوجب استئنافها.
فرع: فإن لم يستأنف وأتم سعیه على ما تقدم منه، فقال أشهب: لا شىء عليه.
٥٣٠
کتاب الحج
ووجه ذلك أن اتصاله ليس بشرط فى صحته، وإنما هو من صفاته وأحكامه
وفضائله.
فضل: وقول عروة: ((لقد خاب هؤلاء وخسروا)) يريد أنهم تركوا المشروع المأمور
به، وفعلوا المكروه مع تعبهم وتكلفهم قطع المسافة الطويلة والمشقة البعيدة، وتمون
النفقة الكثيرة، فقد خابوا من أجر من أتى بالعبادة على الوجه المأمور به، وخسروا ما
غنم من أتى بها على وجهها.
قَالَ مَالِك: مَنْ نَسِىَ السَّعْىَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِى عُمْرَةٍ، فَلَمْ يَذْكُرْ حَتَّى
يَسْتَبْعِدَ مِنْ مَكّةَ أَنْهُ يَرْجِعُ فَيَسْعَى، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَصَابَ النِّسَاءَ فَلْيَرْجِعْ فَلْيَسْعَ بَيْنَ
الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتّى يُتِمَّ مَا بَقِىَ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ عَلَيْهِ عُمْرَةٌ أُخْرَى
وَالْهَدْىُ(١) .
الشرح: وهذا كما قال أن من نسى البسعى بين الصفا والمروة، فإنه يرجع إليه من
حيث ما ذكر لأننا قد بينا أن السعى بينهما من أركان نسك الحج أو العمرة، فالمكلف
ما لم يأت بذلك باق على إحرامه لا يخرج عنه بتحلله كما لو ترك طوافه بالبيت، فإنه
يرجع إليه من حیث ذکر لأنه لم یکمل بعد نسکه حین ترك ر کنا من أركانه.
وهذا مبنى على مسألتين، إحداهما: أن السعى ركن من أركان الحج وقد بيناه.
والثانية أن النسك لا يخرج منه بالتحلل دون التمام، وقد تقدم ذكره، فإذا كان السعى
بين الصفا والمروة من أركان الحج والعمرة لم يتم إلا به، وإذا لم يتم إلا به، فلا يصح
الخروج منهما قبل الإتيان به، فيرجع من حيث ذكره باقيًا على إحرامه، فإن كان لم
يدخل على إحرامه فسادًا رجع فأتم نسكه، وإن كان قد أدخل عليه فسادا رجع، فأتم
عمرته التی أفسد ثم قضاها وأهدى.
فصل: وقوله: ((فلم يذكر حتى يستبعد من مكة أنه يرجع فيسعى)) معناه أنه يسعى
بعد أن يقدم من الطواف ما يلزم أن يتصل به السعى. وقد روى ذلك ابن عبدالحكم عن
مالك، ولا نعلم فيه خلافًا فى المذهب.
ووجه ذلك أن من سنة السعى اتصاله بالطواف؛ لأنه ركن من أركان الحج لا تعلق
له بالبيت، فوجب أن يتعقب ما له تعلق بالبيت كالوقوف بعرفة، فإذا كان من سنته
اتصاله بالطواف لزم إعادة الطواف ليتعقبه السعى.
(١) ذكره ابن عبد البر فی الاستذكار ٢٢٢/١٢.
....... ٥٣١
كتاب الحج .
مسألة: ومن أخر سعيه حتى انتقض وضوؤه ابتدأ الطواف، إن كان مكة، فإن كان
قد تباعد عنها أهدى.
ووجه ذلك أن تعقبه للطواف واتصاله به من سنته وواجبات أحكامه، فیلزمه الإتيان
به على ذلك ما لم تلحقه المشقة بالبعد عن مكة، فيكون عليه أن يجبر ذلك بالدم.
فصل: وقوله فى الذى ذكر السعى بعد أن أصاب النساء: ((يرجع فيتم ما بقى عليه
من عمرته ثم عليه عمرة أخرى والهدى)) يعنى أنه قد أفسد عمرته إذا أصاب النساء
قبل أن يتمها على ما بقى عليه من الفساد ثم يقضيها ويهدى. قال ابن القاسم: عليه
هدى آخر لإفساده العمرة وللتفرقة التى تقدم ذكرها. قال محمد: ذلك استحسان بمنزلة
من وجب عليه شىء إلى بيت الله تعالى، وعليه حملان ما لا يطيق حمله، فيجب عليه
لذلك هدى ثم يعجز، فيركب فلا يكون عليه للأمرین إلا ھدی واحد. وقد قال
أشهب: نرى عليه هديين، أحدهما، للتفرقة، والثانى: للإفساد، وليس هدى التفرقة
عنده بواجب.
وسُئِلَ مَالِك عَنِ الرَّجُلِ يَلْقَاهُ الرَّحُلُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَيَقِفُ مَعَهُ يُحَدِّثُهُ،
فَقَالَ: لا أُحِبُّ لَهُ ذَلِكَ(١).
الشرح: وهذا كما قال، وذلك أن من حكم هذه العبادة اتصالها ويلزم الإقبال
عليها والاشتغال بها عن غيرها من الحديث والوقوف، فإذا اشتغل عنها بالحديث،
وأخذ فيما هو من جنس القطع لها من الوقوف، فلم يأت بها على المشروع من
أحكامها والمستحب من هيئاتها. وقد قال ابن حبيب: والوقوف للحديث فى السعى
أشد منه بغير وقوف.
مسألة: ومن باع واشترى أو صلى على جنازة وهو يسعى، فإن كان ذلك خفيفًا
أتم سعيه، وإن كان ذلك كثيرًا، ابتدأ. فأما البيع والشراء فإنه من جنس الوقوف
للحديث.
وأما صلاة الجنازة، فإنها لا يلزم الخروج لها وغيره يقوم بفرضها، فإذا خرج
للصلاة عليه، فإنما هو مختار لقطع سعيه بغيره.
(١) قال فى الاستذكار ٢٢٤/١٢: إن العلماء يكرهون الكلام بغير ذكر الله فى الطواف بالبيت
وبين الصفا والمروة إلا فيما لابد منه؛ لأنه موضع ذكر ودعاء. والكلام بين الصفا والمروة عندهم
أخف، فمن تكلم وتحدث لم يفسد ذلك طوافه ولاسعيه عند الجميع.
٥٣٢
كتاب الحج
مسألة: ولا يخرج عن سعيه من أقيمت عليه صلاة الفريضة بخلاف الطائف؛ لأن
الطواف فى المسجد والتمادى على طوافه بمنزلة المخالف على الإمام بغير الصلاة التى
أقامها. وأما السعى، فهو خارج المسجد، فليس فيه مخالفة على الإمام.
مسألة: ومن أصابه حقن وهو يسعى أو أحدث، فإن الحاقن يخرج فيبول أو يتوضأ
وكذا المحدث ويبنيان على سعيهما؛ لأن الخروج كان لضرورة، والاشتغال بالوضوء
كان لإتمام فضيلة السعى المشروعة من الطهارة كالراعف.
قَالَ مَالِك: وَمَنْ نَسِىَ مِنْ طَوَافِهِ شَيْئًا أَوْ شَكَّ فِيهِ، فَلَمْ يَذْكُرْ إِلا وَهُوَ يَسْعَى بَيْنَ
الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَإِنَّهُ يَقْطَعُ سَعْيَهُ ثُمَّ يُتِمُّ طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ عَلَى مّا يَسْتَيْقِنُ، وَيَرْكَعُ
رَكْعَتَِّ الطََّافِ، ثُمَّ يَبْتَدِيُ سَعْيَهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْرَةِ.
الشرح: وهذا كما قال أن من نسى من طوافه شيئًا، ولو شوطًا واحدًا، فذكر فى
أثناء سعيه، فإنه يرجع فيتم طوافه ثم يركع ويسعى، وإن ذكر ذلك بعد أن أكمل
سعيه، فإن كان قريبًا من تمام سعيه، فقد قال مالك فى الموازية: يتم طوافه، ثم يعيد
الركعتين ثم يسعى؛ لأنه لا ينبغى لأحد أن يسعى إلا بعد تمام طوافه. وقال ابن المواز:
وإن كان قد تطاول أو انتقض وضوؤه، استأنف الطواف كله.
ووجه ذلك أن السعى يتعقب الطواف، ولا يجوز أن يتقدم عليه؛ لأن النبى 1 أتى
بالطواف قبل السعى، وأفعاله 48 على الوجوب ولأنه لا خلاف بين الأمة أن ذلك من
سنته.
مسألة: وإذا قلنا إنه يرجع لتمام طوافه، فإن كان بقى عليه شوط أو أكثر من ذلك
بنى عليه، وإن كان بقى عليه بعض شوط، فهل يتم ذلك الشوط أو يبتدئه؟ الذى
يقتضيه قول أصحابنا أنه يبتدئ الشوط من أوله.
مسألة: ومن شك فى شوط من طوافه، وهو يسعى، فإنه يرجع فيتم طوافه على ما
استيقن، ثم يعيد الركعتين والسعى.
ووجه ذلك أنه يلزمه أن يأتى بالطواف على يقين ليتحقق براءة ذمته، فعليه أن يتم
الطواف على اليقين، ثم يأتى بعده بما هو بعده فى الرتبة. وأما إن شك حين خرج من
منى، فإنه يعود إليه إذا رجع من منى، ويسعى بعده. رواه الشيخ أبو بكر، قال: ولو لم
يعده حتى رجع إلى بلده رجع إليه؛ لأن السعى لا يكون إلا بعد طواف متيقن.
٥٣٣
کتاب الحج
ويحتمل وجهًا آخر، وهو أن شكه بعد تمام عبادته غير مؤثر، وهو على ما أتمها عليه
من يقين التمام، وقد تقدم ذكر ذلك فى الصلاة، والله أعلم.
مسألة: ومن شك فى طوافه، فأخبره من يطوف معه أنه قد أتم طوافه، قال مالك:
أرجو أن يكون فى ذلك بعض السعة. قال الشيخ أبو بكر: هذا استحسان من مالك،
والقياس أن يبنى على يقينه، ولا يلتفت إلى قول غيره كما يفعل ذلك فى الصلاة. وما
قاله الشيخ أبو بكر فيه نظر، ولقول مالك وجه صحيح من النظر، وذلك أن المكلف لا
يرجع فى الصلاة إلى قول من ليس معه فى العبادة لأنها عبادة شرعت لها الجماعة.
وأما العبادة التى لم تشرع فيها الجماعة، فإنه يعتبر فيها بقول من ليس معه فى العبادة
كالطهارة والصوم.
مسألة: وأول الشوط فى الطواف من الحجر الأسود، وذلك أن الطائف يبتدئ
فيستلم ثم يأخذ فى الطواف. وكذلك فعل النبى ﴿﴿ وآخره أن ينتهى إلى الحجر
الأسود لأن استيعاب البيت بالطواف لازم، ولا يكون ذلك إلا بما قلناه، فإن بدأ من
الركن اليماني، ففى المدونة من رواية داود بن سعيد عن مالك: بلغنى ما بدأ به قبل
الركن الأسود. وروى عيسى عن ابن القاسم: إذا فرغ تمادى إلى الركن الأسود، وقد
تم طوافه.
فرع: فإن أتم طوافه علی ذلك، ور کی، فقد قال ابن کنانة: إن ذکر ذلك قريبًا ما
لم يتباعد أو ينتقض وضوؤه، أعاد طوافه، فإن تباعد أو انتقض، لم يكن عليه إعادة،
ویهدی ویجزئ إن شاء الله تعالی.
وروى عن ابن القاسم: إن لم يذكر ذلك حتى انتقض وضوؤه، ابتدأ الطواف
والسعى، فإن أحرم من مكة وتباعد، فليهل. ومعنى ذلك أن استفتاح الطواف فى
الحجر الأسود ليس بشرط فى صحته، وإنما هو من سننه الواجبة، ولذلك يجبر بالدم.
٨٢٣ - مَالِك، عَنْ حَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ حَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ
٨٢٣ - أخرجه مسلم ٨٨٦/٢ كتاب الحج باب ١٩ رقم ١٤٧ عن جعفر بن محمد عن أبيه.
والنسائى ٢٤٣/٥ عن جابر. وأحمد ٣٨٨/٣ عن جابر. والبيهقى فى الكبرى ٩٣/٥ عن جعفر.
والبغوی بشرح السنة ١٣٦/٧ عن جابر.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٥/٦: هكذا قال يحيى عن مالك فى هذا الحديث: إذا نزل بين
الصفا والمروة. وغيره من رواة الموطأ يقول: ((إذا نزل من الصفا مشى حتى انصبت قدماه فى=
كتاب الحج
٥٣٤
اللَّهِ ﴿ كَانَ إِذَا نَزَلَ مِنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مَشَى حَتَّى إِذَا انْصَّبَّتْ قَدَمَاهُ فِى بَطْنٍ
الْوَادِى سَعَى حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ.
الشرح: قوله: ((إنه كان 458 إذا نزل من الصفا مشى حتى إذا انصبت قدماه فى
بطن الوادى سعى حتى يخرج منه)) هذا المشهور عن النبى 48 وعليه الفقهاء. وروى
عن عبدالله بن عمر التخيير فى ذلك، وقال: إن مشيتها، فقد رأيت رسول الله
يمشى، وإن سعيت، فقد رأيت رسول الله ﴿﴿ يسعى. وروى عنه أنه قال: طفت مع
النبى ﴿﴿ بين الصفا والمروة، فكان فى الناس، فلم أره فسعوا، فلا أراهم سعوا إلا
بسعیه، ويحتمل أن يكون ذلك فی مواطن، والله أعلم.
مسألة: والسعى بين العلمين، وهو الذى يقتضيه الحديث المذكور، وقد أعلمت
الخلف ذينك الموضعين حتى صار إجماعًا. وصفة السعى أن يكون سعيها بين سعيين،
وهو الخبب، رواه محمد عن أشهب عن مالك.
فرع: فإن ترك السعى ببطن المسيل، فقد اختلف فيه قول مالك، قال فى المبسوط:
قد كان مرة يقول: عليه الدم ثم رجع، فقال: لا شىء عليه، وإنما ذلك على الرجال
دون النساء.
قَالَ مَالِك فِى رَجُلٍ جَهِلَ، فَبَدَّأَ بِالسَّعْىِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ
بِالْبَيْتِ قَالَ: لِيَرْجِعْ فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ ثُمَّ لْيُسْعَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَإِنْ جَهِلَ ذَلِكَ
خَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَكَّةَ وَيَسْتَبْعِدَ، فَإِنْهُ يَرْجِعُ إِلَى مَكْةً فَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَسْعَى بَيْنَ
الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَإِنْ كَانَ أَصَابَ الْنْسَاءَ رَجَعَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا
وَالْمَرْوَةِ حَتَّى يُتِمَّ مَا بَقِىَ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ عَلَيْهِ عُمْرَةٌ أُخْرَى وَالْهَدْىُّ.
الشرح: وهذا كما قال أن من جهل، فبدأ بالسعى بين الصفا والمروة، فهو كمن لم
يسع لأن تقدم الطواف شرط فى صحة السعى كالركوع الذى تقدمه شرط فى صحة
السجود، فمن قدم السعى على الطواف لم يجزه، وعليه أن يأتى بسعى آخر يصله
بطوافه، قاله أبو الفرج فى حاويه.
= بطن المسيل سعى حتى يخرج منه)). ولا أعلم لرواية يحيى وجها إلا أن تحمل على ما رواه
الناس؛ لأن ظاهر قوله: ((نزل بين الصفا والمروة))، يدل على أنه كان راكبا، فنزل بين الصفا
والمروة، وقول غيره: ((نزل من الصفاء، والصفا جبل لا يحتمل إلا ذلك.
.٥٣٥٠
کتاب الحج
فصل: وقوله: ((لیرجع فلیطف بالبيت» علی وجھین، أحدهما: أن یکون ذکر ذلك
قبل أن يطوف فمعنى قوله: ((ليرجع)) يريد من مكانه إلى البيت، فليطف به ثم ليسع،
ويحتمل أن يكون ذكر ذلك بعد طوافه، وبعد أن طال الأمر فيه بحيث لا يمكن أن يتصل
سعيه به، فعليه استئناف الطواف ليتصل به السعى. وقد ذكر الشيخ أبو محمد نحو هذا
فى شرحه. وأما إن ذكر ذلك بأثر طوافه، فإنه يجتزئ بذلك الطواف، ويعيد السعى
فقط، والله أعلم.
فصل: وقوله: ((وإن كان أصاب النساء رجع فطاف بالبيت وسعى)) إلى آخر الفصل
يريد أنه قد أفسد عمرته لإصابته النساء قبل أن يطوف ويسعى لها لأن ما تقدم من
سعيه، وطوافه غير مجزئ، فكان كمن وطئ فى عمرته قبل الطواف والسعى، فعليه أن
يرجع إلى مكة من حيث كان، ويكون رجوعه على إحرامه، فيطوف ويسعى لعمرته
التى أفسد، ثم يحلق ثم يستأنف الإحرام لعمرة ثانية قضاء للأولى التى أفسد، فيعتمر
ويهدى هديًا لإفساد عمرته الأولى، وليس هاهنا تفريق لطواف ولا سعى، فيكون عليه
هدی آخر على قول أشهب.
صيام يوم عرفة
٨٢٤ - مَالِك، عَنْ أَبِىِ النّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللّهِ، عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى عَبْدٍ
اللّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ أَنَّ نَاسًا تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفّةَ فِى
صِيَّامٍ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ،
فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ بِقَدَحٍ لَبْنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ فَشَرِبَ.
الشرح: تماريهم فى صيام رسول الله 48 يوم عرفة، هو اختلافهم فى ذلك، وكل
واحد منهم إنما ظن أمرًا، فنزع به، وذلك أن صيام يوم عرفة مرغب فيه لغير الحاج،
ممنوع ما يخاف أن يضعفه ما يحتاج إليه من الدعاء المخصوص بعبادته.
وأما الصوم، فليس يختص بعبادته، فوجب أن يمتنع من كل ما يضعفه عن عبادته.
وقد قال ابن وهب: فطر يوم عرفة للحاج أحب إلينا لأنه أقوى له. قال أشهب: ولا
٨٢٤ - أخرجه البخارى ٣١٤/٢ كتاب الحج باب الوقوف على الدابة بعرفة، عن أم الفضل.
ومسلم ٧٩١/٢ كتاب الصيام باب ١٨ رقم ١١٠ عن أم الفضل.
کتاب الحج
٥٣٦
شك أنه يرجى فى صيامه لغير الحاج ما لا يرجى فى صيام غيره، وفطره للحاج أحب
إلينا؛ لأنه يضعف عن الدعاء، وقد أفطر النبى ﴿﴾ فى الحج.
فصل: وقوله: ((فأرسلت إليه بقدح لبن)) تريد أن تختبر بذلك صومه، وتعلم الصحيح
من قول المختلفين فى صومه، وهذا وجه صحيح فى معرفة أحد القسمين، وهو أن
يشير به، فيعلم بذلك فطره لعلمها بصحته، وأنه ليس هناك ما يمنع من الصوم إلا اختيار
الفطر.
وأما لو امتنع من شربه، فليس فى ذلك دليل على صومه لجواز أن يمتنع من ذلك
لشبع ورى، وغير ذلك، غير أنه كان يقدى التجويزين، ولعله أن يكون فى رده ما يدل
على صومه أو يتسبب به إلى سؤاله.
فصل: وقوله: ((وهو راكب على بعيره بعرفة فشرب)) أما وقوفه بعرفة، فالأظهر منه
أنه كان فى وقت صوم؛ لأنه لا يقف بعرفة بعد غروب الشمس إلا ريثما يدفع، وأيضًا
فإنها أرادت أم الفضل أن تعلم بذلك، أمفطر هو أم صائم، ولا يصح ذلك إلا فى
وقت صوم، يقتضى أنه الأفضل لوجهين، أحدهما: أن للحج تعلقًا بالمال، والإنفاق فيه
أفضل من الإمساك، وفى الحج على الراحلة عون على موصلة الدعاء، فإن الواقف على
قدميه يضعف عن مواصلة ذلك من زوال الشمس إلى غروبها، ولهذا المعنى استحب
الفطر فى ذلك اليوم على ما قدمناه، وشرب النبى ﴿3﴾ فى ذلك الموقف ليبين للناس
فطره، ولعله قد علم بتمارى أصحابه فى ذلك الوقت، فأراد تبيين الشرع وإيضاح الحق
ورفع اللبس
٨٢٥ - مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنٍ مُحَمَّدٍ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ
الْمُؤْمِنِينَ كَانَتْ تَصُومُ يَوْمَ عَرَفَةَ. قَالَ الْقَاسِمُ: وَلَقَدْ رَأَيْتُهَا عَشِيَّةً عَرَفَةً يَدْفَعُ الإِمَامُ
ثُمَّ تَقِفُ حَتَّى يَبْيَضَّ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ النّاسِ مِنَ الأَرْضِ ثُمَّ تَدْعُو بِشَرَابٍ فَتُفْطِرُ.
الشرح: قوله: ((أن عائشة كانت تصوم يوم عرفة)) يقتضى صيامها إياه على كل
حال فى حج أو عمرة، غير أن الأظهر من جهة المقصد أنه أخبر عن صيامها إياه فى
الحج لاسيما، وقد بين ذلك بما بعده من الكلام، ولعل عائشة رضى الله عنها قد حملت
فعل النبى ﴿3﴾ فى ذلك على الجواز والتسهيل على الناس، وأن الفضيلة فى صيامه فى
الحج لمن أطاق ذلك ولم يمنعه من إدامة الدعاء والذكر.
٨٢٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٠٥. البيهقى فى معرفة السنن والآثار ٨٩٦١/٦.
٠ ٥٣٧
كتاب الحج .
فصل: وقوله: ((ولقد رأيتها عشية عرفة يدفع الإمام ثم تقف حتى يبيض ما بينها
وبين الناس)) بين بذلك أن صومها يوم عرفة كان فى الحج وأراد بقوله: ((عشية عرفة
بعد غروب الشمس» لأنه وقت دفع الإمام ووقت الفطر ووقوفها هناك ليخلوها
الموضع لكشف وجهها للفطر، وتمكنها مما تريد منه دون أن يلزمها حجاب ولا ستر
وأراد بقوله: ((حتى يبيض ما بينها وبين الناس من الأرض)) أى تخلو الأرض من سواد
الناس.
فصل: وقوله: ((ثم تدعو بشراب فتفطر)) إنما يدل على أن أكلها ذلك الوقت كان
لصوم، فكونه فطرًا وبعرفة، ذلك يكون من طريقين، أحدهما أن يكون علم بصومها،
فذلك سمى ما تتناوله من الطعام ذلك الوقت فطرًا، والطريق الثانى: أن ذلك ليس
بوقت أكل لغير الصائم لأن من لا يصوم إنما يشتغل فى ذلك الوقت بالدعاء وبالنفر،
والدفع من عرفة، والاهبتال بذلك، والتأهب له، ولا يشتغل فى ذلك الوقت بتناول
طعام إلا صائم يقصد البر بتعجيل فطره أو يسترجع به قوته ليستعين على ما بين يديه
من العمل.
ما جاء فى صيام أيام منى
٨٢٦ - مَالِكِ، عَنْ أَبِى النّصْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ نَهَى عَنْ صِيَامٍ أَيَّامٍ مِنِّى.
الشرح: نهيه ﴿﴿ عن صيام أيام منى، يقتضى من جهة اللفظ، النهى العام عن
صيامها على كل حال، غير أن العلماء قد اختلفوا فى ذلك، وتأولوا نهيه ﴿ على ما
نذكره بعد هذا، فذهب مالك إلى أنه لا يجوز أن يصومها المتطوع، ومن صام يومًا من
أيام منى متطوعًا، فليفطر متى ما ذكر من نهاره، قاله أشهب.
ووجه ذلك أنه مأمور بفطره، فمتى ما ذكر أن يفطر ويرجع إلى ما أمر به.
٨٢٦ - أخرج نحوه أحمد ٤٤٦/٢. وذكر الهيثمى نحوه فى المجمع ٢٠٣/٣. وكذا السيوطى فى
الدر المنثور ٢٣٥/١.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ١٩/٦: لم يختلف عن مالك فى إسناده هذا الحديث وإرساله، وعند
.
مالك فى هذا المعنى حديثه عن يزيد بن الهادى، عن أبى مرة، عن عمرو بن العاصى، متصل
مسند.
كتاب الحج
٥٣٨
مسألة: وأما صيامها على وجه النذر، فإنه لا خلاف فى المذهب أنه لا يجوز صوم
اليومين الأولين عن نذر معين، ولا غير معين. واختلف قول مالك وأصحابه فى
صيامهما عن صوم واجب متتابع فى كفارة. وأما اليوم الرابع، فإنه يصومه عن نذره،
وذلك يقتضى تعيينه بالنذر، واتفق مالك وأصحابه على أنه يجزئ أن يصام فى صوم
الكفارة المتتابع.
مسألة: فأما صيام المتمتع أيام منى، فهو المشهور من مذهب مالك، وقال أبو حنيفة:
إذا لم يصم الثلاثة الأيام قبل يوم النحر، فقد ترتب عليه الهدى، ولا يجزئه الصوم، وهو
أحد قولى الشافعى، فعلى هذا لا يصوم المتمتع أيام منى.
والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك، قوله تعالى: ﴿فصيام ثلاثة أيام فى الحج﴾
[البقرة: ١٩٦] وليس هاهنا أيام يمكن أن يشار إليها غير هذه الأيام، ولو شاركها
غيرها من الأيام فى هذا الصوم لوجب حمل الآية على عمومها إلا ما خصه الدليل،
فعلى هذا حمل مالك الحديث، وإنما وصف هذه الأيام بأنها أيام منى لأنها تختص بالمقام
بمنى على وجه القربة.
فرع: وهل يطلب صيامها لغير المتمتع؟ روى ابن نافع عن مالك: أحب إلى أن لا
تصام أيام منى فى الفدية، وما سمعت ذلك إلا فى المتمتع.
ووجه ذلك قوله تعالى: ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة
كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٩٦] وعلى قول من
قال: إن ذلك من ألفاظ الحصر ظاهر، والله أعلم.
٨٢٧ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ بَعَثَ عَبْدَ اللّهِ بْنَ حُذَافَةَ أَيَّمَ
مِّى يَطُوفُ يَقُولُ: (إِنْمَا هِىَ أَيُّ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ تعالى)).
٨٢٧ - أخرجه النسائي رقم ٧٧٣ كتاب الصوم، باب ما جاء فى كراهية الصوم عن عقبة بن عامر.
وابن خزيمة رقم ٢٩٦٠ عن بشر بن سحيم.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٢٢/٦: هكذا هو فى الموطأ عند جميع رواته عن مالك، واختلف
فيه أصحاب ابن شهاب عليه: فرواه معمر عن الزهرى، عن مسعود بن الحكم الأنصارى، عن
رجل من أصحاب النبى )، قال: «أمر النبى / عبدالله بن حذافة السهمى، أن يركب راحلته
أيام منى، فيصيح فى الناس: لا يصومن أحد، فإنها أيام أكل وشرب، قال: فلقد رأيته
راحلته ینادی بذلك».
.......... ٥٣٩
کتاب الحج
الشرح: قوله: ((أنه بعث عبدالله بن حذافة أيام منى يطوف، يقول: إنما هى أيام
أكل))، الحديث دليل على قصده إلى الإخبار بذلك، واهتباله بتعليم الناس هذا من حكم
هذه الأيام، ويحتمل أن يكون ذلك لئلا يظن ظان أن الصوم مشروع فيها، مستحب
تخصيصها به لكونها من أيام العبادات، كما شرع ذلك فى سائر الأيام المرغب فيها،
كصوم يوم عاشوراء يوم التروية ويوم عرفة ويحتمل أن يكون ذلك ليخبر أن صومها
منهى عنه، وأنها من حملة أيام العيد التى شرع الفطر فيها، وإن لم يبلغ المنع من الصوم
فيها منعه فی أيام العيد لأن يوم العيد ليس بمحل للصوم بوجه.
٨٢٨ - مَالِك، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ يَحْتَى بْنِ حَبَّنَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً أَنَّ
رَسُولَ اللّهِ ﴿ نَهَى عَنْ صِيَامٍ يَوْمَّيْنِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ الأَضْحَى.
الشرح: نهيه 58 عن صيام يوم الفطر ويوم الأضحى، نهى تحريم، وقد ورد نهيه
عن ذلك من طرق جمة صحيحة، ومعنى ذلك أنها أيام عيد، وأيام العيد مخصوصة
بالفطر، ممنوعة من الصوم.
٨٢٩ - مَالِك، عَنْ يَزِيدَ بْنٍ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الْهَادِى، عَنْ أَبِى مُرَّةً مَوْلَى أُمِّ هَانِيْ
أُخْتٍ عَقِيلٍ بْنِ أَبِى طَالِبٍ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنْهُ أَخْبَرَهُ أَنْهُ دَخَلَ
عَلَى أَبِيهِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَوَجَدَهُ يَأْكُلُ قَالَ: فَدَعَانِى، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّى صَائِمٌ،
فَقَالَ: هَذِهِ الْآَيَّامُ الَّتِى نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿ عَنْ صِيَامِهِنَّ وَأَمَرَنَا بِفِطْرِمِنَّ.
قَالَ مَالِك: هِىَّ أَيُّمُ الّشْرِيقِ.
الشرح: قوله ((إنه دخل على أبيه عمرو فوجده يأكل فدعاه)) يريد أنه دعاه على
معنى استعمال حسن الأدب مع الولد، وبذل الطعام والسخاوة والمشار کة فیه، وهو مما
كانت العرب تتمدح به، وتفخر بالإيثار فيه. وقد ورد بذلك الشرع، قال تعالى:
٨٢٨ - أخرجه مسلم ٧٩٩/٢ كتاب الصيام، باب ٢٢ رقم ١٣٩ عن أبى هريرة. وابن ماجه برقم
١٧٢١، ٥٤٩/١ كتاب الصيام، باب ٣٦ عن أبى سعيد الخدرى. والترمذى برقم ٧٧٢،
١٣٣/٣ كتاب الصوم، باب ٥٨ عن أبى سعيد الخدرى. وأحمد ٥١١/٢ عن أبى هريرة. وابن
أبى شيبة ١٠٤/٣ عن أبى سعيد الخدرى. والبيهقى فى الكبرى ٢٩٧/٤ عن أبى هريرة.
٨٢٩ - أخرجه أبو داود ٣٣٢/٢ كتاب الصوم باب صيام أيام التشريق برقم ٢٤١٨ عن عمرو ابن
العاص.
كتاب الحج
.......
٥٤٠ ٠٠
﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ [الحشر: ٩] روى أنها نزلت فى
رجل من الأنصار آثر ضيفه بطعامه.
وروى [عبدالله بن عمرو](*) ((أن رجلاً سأل النبى 1: أى الإسلام أفضل؟ فقال:
أن تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم يعرف))(١).
فصل: وقوله: ((إنى صائم)) على إظهار عذره المانع له من طاعة أبيه، وبما دعاه إليه؛
لأن إجابته بما دعاه إليه ليست بمعصية، بل هى مشروعة مأمور بها، وظن عبدالله أن
أباه لم يدعه إلى طعامه إلا أنه لم يعلم بصومه، فوجد عنده معنى آخر، وهو أن الأيام
◌َّ عن صيامها، وأمر بفطرها، وأن ما ابتدأه
التی کان فیھا، هی التی نھی رسول الله
عبدالله فيها من الصوم ممنوع يلزمه قطعه.
قال مالك: وهى أيام التشريق، يريد أن تلك الأيام التى أخبر عنها هى أيام التشريق،
وإن لم يكن فى الحديث ذكرها ولا تعيينها، غير أن ليس فى الأيام أيام يمكن أن يشار
إليها بالمنع من الصوم فيها غيرها؛ لأن يوم الفطر إنما هو يوم، وكذلك يوم النحر
لانفراد كل واحد منهما عما يضاف إليه من جنسه، وأيام التشريق كلها متصلة، والله
أعلم، فيحتمل أن يكون مالك، رحمه الله، اعتقد أنها أيام التشريق لما ذكرناه، ويحتمل
أن یکون اعتقد ذلك خبر بلغه، وبالله تعالی التوفيق.
*
ما يجوز من الهدى
٨٣٠ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ
(*) ما بين المعقوفتين ورد فى الأصل: ((عبد الله بن عمر)). والصحيح كما فى الصحيحين
والسنن عبد الله بن عمرو.
(١) أخرجه البخارى فى صحيحه حديث رقم (١٢، ٢٨). مسلم حديث رقم (٣٩). النسائى
فى الصغرى حديث رقم (٥٠٠٠). أبو داود حديث رقم (٥١٩٤). ابن ماجه حديث رقم
(٣٢٥٣). أحمد فى المسند حديث رقم (٦٥٤٥) جمیعهما من حديث عبد الله بن عمرو.
٨٣٠ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨١٠. وأخرجه أبو داود حديث رقم ١٧٤٩.
الحاكم فى المستدرك ٤٦٧/١ عن ابن عباس.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣٠/٦: وقع عندنا وعند غيرنا فى كتاب يحيى فى الموطأ فى هذا
الحديث: مالك عن نافع، عن عبدالله بن أبى بكر، وهذا من الغلط البين، ولا أدرى ما وجهه،
ولم يختلف الرواة للموطأ عن مالك، فيما علمت قديمًا وحديثًا أن هذا الحديث فى الموطأ-
·· كتاب الحج
٠٠٠ ٥٤١
....
حَزْمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ أَهْدَى جَمَلًا كَانَ لأَبِى جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ فِى حَجِّ أَوْ عُمْرَةٍ.
الشرح: قوله: ((أن رسول الله ﴿﴿ أهدى جملاً)) نص فى أن الهدى قد يكون فى
ذكور الإبل، وهو مذهب مالك، رحمه الله، وبه قال جماعة من الصحابة. وقال
الشافعى: لا يهدى إلا الإناث.
والدليل على ما ذهب إليه مالك، هذا الحديث، وهو نص فى موضع الخلاف.
ودليلنا من جهة القياس أن الهدى جهة من جهات القرب، فلم تختص بإناث الحيوان
دون نكوره كالضحايا والزكاة والعتق فى الكفارات.
٨٣١ - مَالِك، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لِ﴾
رَأَى رَجُلا يَسُوقُ بَدَنَّةً فَقَالَ: ارْكَبْهَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا بَدَنَةٌ؟ فَقَالَ: ارْكَبْهَا
وَيْلَكَ فِى الْثّانِيَةِ أَوِ الْثّلِفَةِ».
الشرح: قوله: ((أن رسول الله { رأى رجلاً يسوق بدنة، فقال: اركبها)) ليس فيه
ذكر لحال الرجل، يحتمل أن يكون ذلك الرجل قد اضطر إلى ركوبها، وكان مع كثرة
-لمالك، عن عبدالله بن أبى بكر، وليس لنافع فيه ذكر، ولا وجه لذكر نافع فيه، ولم يرو نافع
عن عبدالله بن أبى بكر قط شيئًا، بل عبدالله بن أبى بكر ممن يصلح أن يروى عن نافع، وقد
روى عن نافع من هو أحلُّ منه، وهذا الحديث فى الموطأ عند جماعة رواته لمالك عن عبدالله بن
أبی یکر، ورواه سوید ین سعید عن مالك، عن الزهرى، عن أنس، عن أبى بكر، أن رسول الله
35 أهدى جملا لأبى جهل، وهذا من خطأ سويد وغلطه، وهذا الحديث يستند من حديث ابن
عباس.
٨٣١ - أخرجه البخارى ٣٢٣/٢ كتاب الحج باب ركوب البدن عن أبى هريرة. ومسلم ٩٦٠/٢
كتاب الحج باب ٦٥ رقم ٣٧١ عن أبى هريرة. وأبو داود فى كتاب المناسك باب ١٨،
١٥٢/٢ باب فى ركوب البدنة. والترمذى برقم ٩١١، كتاب الحج باب ما جاء إذ عطب
الهدى عن أنس. والنسائى ١٧٦/٥ كتاب مناسك الحج باب ركوب البدنة عن أبى هريرة.
وابن ماجه برقم ٣١٠٣ كتاب المناسك باب ركوب البدنة عن أبى هريرة. وأحمد ٢٥٤/٢ عن
أبى هريرة. والبيهقى فى الكبرى ٢٣٦/٥ عن أبى هريرة. والدارمى ٦٦/٢ عن أنس. والبغوى
بشرح السنة ١٩٥/٧ عن أبى هريرة.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣٢/٦: هكذا يرويه أكثر الرواة عن مالك فى الموطأ فى الثانية أو
فى الثالثة، وممن قال ذلك: عتيق بن يعقوب الزبيدى وقتيبة؛ وقال فيه ابن عبدالحكم: فى الثالثة
أو فى الرابعة.