Indexed OCR Text
Pages 1481-1500
کتاب الحج ٤٨٢ أَنْهُ قَالَ: مَنْ حُبِسَ دُونَ الْبَيْتِ بِمَرَضٍ، فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. ٧٩٥ - مَالِك، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ مَعْبَدَ بْنَ حُزَابَةً الْمَخْزُومِيَّ صُرِعَ بِبَعْضٍ طَرِيقِ مَكَّةَ، وَهُوَ مُحْرٌِ، فَسَأَلَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِى كَانَ عَلَيْهِ عَنِ الْعُلَمَاءِ، فَوَجَدَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَعَبْدَ اللّهِ بْنَ الزُّبِيْرِ وَمَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ، فَذَكَرَ لَهُمِ الَّذِى عَرَضَ لَهُ، فَكُلُهُمْ أَمَرَهُ أَنْ يَتَدَاوَى بِمَا لا بُدَّلَّهُ مِنْهُ، وَيَفْتَدِىَ فَإِذَا صَحّ اعْتَمَرَ فَحَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ ثُمَّ عَلَيْهِ حَجُّ قَابِلٍ، وَيُهْدِى مَا اسْتَيْسَرٌ مِنَ الْهَدْى. الشرح: قوله: (أن معبد بن حزابة صرع ببعض طريق مكة وهو محرم))، ليس فيه ما يدل على أن إحرامه كان بحج أو عمرة إلا أن قول المفتين له: ((ثم عليه حج قابل))، يقتضى أن إحرامه كان بالحج، وأنه قد بين ذلك لهم فى سؤاله، وعرفوا ذلك من حاله، ولو كان محرمًا بعمرة لم يكن عليه قضاء حج فى المستقبل، ولو لم يعرفوا صفة إحرامه لما أفتوه حتى سألوه عن مقتضاه، والله أعلم. فصل: وقوله: ((فسأل على الماء الذى كان عليه عن العلماء))، يريد أنه سأل عمن يستفتيه فى أمره من الحالين، على الماء إن كان يحضر موضعه منهم أحد، فوجد به عبدالله بن عمر وعبدالله بن الزبير ومروان بن الحكم، وهذا يدل على أن مروان كان من الفقهاء، وأنه كان ممن يستفتى ويؤخذ بقوله. ويدل أيضا على أن المفتى إذا كان من أهل العلم والاجتهاد، جاز أن يفتى بموضع فيه من هو أعلم منه لأنه لا خلاف أن عبدالله بن عمر وعبدالله بن الزبير مقدمان عليه فى العلم والاجتهاد، جاز أن يفتى بموضع فيه من هو أعلم منه لأنه لا خلاف أن عبدالله بن عمرو عبدالله بن الزبير مقدمان عليه فى العلم والدين والفضل بدرجات كثيرة. فصل: وقوله: ((فكلهم أمره أن يتداوى بما لابد منه))، يريد أنهم أباحوا له التداوى لما يحتاج إليه لمرضه ذلك، ولكسره من طبيب أو غيره، ويفتدى إن فعل من ذلك ما يمنع الإحرام، وكذلك إن احتاج أن يربط على موضع الكسر خرقة، فإنه يربطها ويلزمه الفدية. ٧٩٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٩٤/١٢. كتاب الحج .. ٤٨٣ فصل: وقوله: ((إذا صح اعتمر)، يريد أنه يحل بعمرة، ومعنى ذلك أن يكون مرضه يدوم به حتى يفوته الحج، وهو لا يحل حتى يصل إلى البيت، فإذا كان ممنوعًا من تمام الحج لفوات ركن من أركانه، وهو الوقوف بعرفة، وفوات كثير من سببه، وهو المبيت بمزدلفة والوقوف بها، والمبيت بمنى ورمى الجمار بها، لزمه أن يأتى بنسك يتحلل به لا يتعلق بوقت معين، وهو العمرة. مسألة: وإذا أفاق من مرضه، فلا يخلو أن يقيم بموضعه أو يدخل مكة، فإن أراد المقام بموضعه، فذلك له لأنه ليس فى تقدمه إلى مكة بعد فوات الحج معنى يوجب عليه التعجل، فكان له الارتفاق مقامه فى موضعه. وقد روى ابن نافع عن مالك أن له أن يرجع إلى أهله، إن كانوا قريبًا منه، فيقيم عندهم حرامًا حتى يقوى على العمرة، وإذا كانوا بعيدًا، فليقم بموضعه. ووجه ذلك أن المحرم له أن يستديم طريقه، فيما قرب من حوائجه وتصرفاته وليس له ذلك فيما بعد من الأسفار. مسألة: فإن أبى المقام فى موضعه، فله البقاء على إحرامه إلى العام المقبل فيحج، لأن التحلل إنما هو رخصة لمشقة البقاء على الإحرام، فإن أبى وسهل عليه، جاز له استصحاب الإحرام. فرع: فإن بقى على إحرامه فى العام المقبل، فأتم حجه، هل عليه هدى أم لا؟ روى ابن القاسم عن مالك: لا هدی علیه. وروى عنه أشھب یهدی احتیاطًا. وجه قول ابن القاسم أن الهدى إنما هو للتحلل الذى قبل إكمال النسك الذى دخل فيه، فإذا لم يتحلل وبقى على إحرامه حتى يتمه، فلا هدى عليه. ووجه رواية أشهب أنه تيقن أن يكون حمله على الصبر لأداء الإجرام عامًا كاملاً ليدفع عن نفسه الهدى، فأحب أن يكون ذلك إذا أهدى خالصًا لإتمام العبادة. مسألة: فإن أراد البقاء على إحرامه، ثم بدا له أن يحل، فذلك له ما لم تدخل أشهر الحج من العام المقبل، فليس له ذلك، قاله مالك. ووجه ذلك أنه لم يحرم بالحج للبقاء إلى هذا العام، وإنما أحرم له للعام الأول، فلما فاته كان التحلل، وهو على ذلك إلى أن تدخل أشهر الحج من العام الثانى، وإذا دخلت لم يكن له التحلل لأنه قد لزمه الحج بدخول أشهر الحج، واختصاص الحج بها، فلما کتاب الحج ٤٨٤ بقى على إحرامه إليها كان ملتزمًا للحج فى هذا العام، فكان بمنزلة من أحرم به الآن، فإذا وجب عليه فى هذا العام، فلا فائدة فى تحلله لأنه عائد إلى الإحرام. ووجه آخر، وهو أن الإحرام بالحج فى غير أشهر الحج مكروه، فلذلك استحب لمن فاته الحج أن يحل بعمرة، ولا يستديم فيها الإحرام بالحج إذ الإحرام به فيها مكروه، وقد أبيح له التحلل، فإذا استدام الإحرام إلى أشهر الحج، فقد خرج عن مدة كراهية الإحرام بالحج، ودخل فى مدة تختص بالإحرام بالحج مع قرب وقت الحج، فلم يكن له التحلل قبل الحج. ووجه ثالث، وهو أن التحلل لمشقة استصحاب الإحرام، فإذا دخلت أشهر الحج، فقد زالت المشقة لأنه لم يبق له من المدة إلا بمقدار ما يشرع وقتًا للإحرام. مسألة: فإن بقى حرامًا حتى يحج، فذلك يجزئه عن فرضه، فإن تحلل بعمرة فى أشهر الحج، فبئس ما صنع. قال ابن القاسم مرة: فسخه باطل. وقال مرة: إن جهل، ففعل صح تحلله، وبئس ما صنع، وقاله أصبغ. وجه القول الأول أنه ممنوع من التحلل، فلم يصح. أصل ذلك لو تحلل قبل فوات الحج. وأصله من أحرم فى هذا العام. ووجه القول الثاني: أنه قد فاته الحج فصح تحلله. أصل ذلك إذا تحلل قبل أشهر الحج. فرع: فإن قلنا بصحة تحلله، فحج من عامه ذلك، فهل يكون متمتعًا أم لا؟ اختلف فى ذلك قول ابن القاسم، فقال مرة: يكون متمتعًا. وقال مرة أخرى: لا يكون متمتعًا. وجه القول الأول أنه قد وجد منه عمرة فى أشهر الحج ثم حج فى ذلك العام ترخص فيهما بترك السفرين، فكان متمتعًا. أصل ذلك إذا أحرم بهما فى عام واحد. ووجه القول الثانى ما احتج به من أنها لم تكن عمرة، وإنما تحلل بها من حجة، فلم يكن لذلك حكم التمتع؛ لأن التمتع لا يكون إلا بعمرة صحيحة مقصودة. فصل: وإن أراد التقدم إلى البيت قبل أشهر الحج، كان له ذلك، فإن دخل مكة قبل أشهر الحج لزمه التحلل بعمرة، ولم يكن له البقاء على إحرامه. رؤاه ابن المواز عن مالك. ووجه ذلك ما قدمناه من كراهية استدامة الإحرام بالحج فى غير أشهر الحج، فإن بقى على إحرامه إلى أشهر الحج، لم يكن له التحلل حتى يحج على ما قدمناه. .... ٤٨٥ کتاب الحج فصل: وقوله: ((عليه حج قابل))، يريد أن من حل بعمرة، فعليه أن يحج من قابل قضاء عن حجته التى أحرم بها، ومنع من إتمامها، ويجزئ ذلك من فرض ونفل لأنه قضی ما دخل فيه، فوجب أن ینوب عما كان أحرم به. قَالَ مَالِك: وَعَلَى هَذَا الأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ أُخْصِرَ بِغَيْرٍ عَدُوِّ، وَقَدْ أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَبَا أَيُّوبَ الأنْصَارِىَّ وَهَّارَ بْنَ الأَسْوَدِ حِينَ فَاتَهُمَا الْحَجُّ وَأَتًَّا يَوْمَ النّحْرِ أَنْ يَجِلا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ يَرْجِعَا حَلالا ثُمَّ يَحُجَّانِ عَامًّا قَابِلًا، وَيُّهْدِيَانِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةٍ أَيَّامٍ فِى الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ(١). الشرح: احتج مالك، رحمه الله، على ما تقدم من قول الصحابة، واختياره هو فى المحصر بمرض ما أمر به عمر بن الخطاب أبا أيوب وهبار بن الأسود حين فاتهما الحج؛ لأن ذلك حكم متفق عليه وكان أبو أيوب الأنصارى قد أضل رواحله، ففاته الحج، وكان هبار بن الأسود قد أخطأ العدة، فقدم يوم النحر، وهو يراه يوم عرفة، فأمرهما عمر بن الخطاب أن يحلا بعمرة ثم يقضيا الحج عامًا قابلاً ويهديا، فرأى مالك، رحمه الله، أن حكم المحصر بمرض حكمهما؛ لأن كل واحد منهما ممنوع عن إتمام نسك دون ید غالبة ولا منع من ذلك. قَالَ مَالِك: وَكُلُّ مَنْ حُبِسَ عَنِ الْحَجِّ بَعْدَ مَا يُحْرِمُ إِمَّ بِمَرَضٍ أَوْ بِغَيْرِهِ أَوْ بِخَطَاً مِنَ الْعَدَدِ أَوْ خَفِىَ عَلَيْهِ الْهِلالُ، فَهُوَ مُحْصَرٌ، عَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُحْصِّرِ(١). الشرح: وهذا كما قال أن من حبس عن تمام حجه بعد أن أحرم به، وكان حبسه ذلك بمرض أو بغيره، يريد مما حكمه حكم المرض فى الأعذار الخاصة التى لا تمنع الطريق، ولا هى من حقوق المالكين، وأما الذى يخطأ العدد مثل أن يظن يوم النحر يوم عرفة، أو يخفى عليه الهلال، فهو وإن كان يدخل فى خطأ العدد، فإن خطأ العدد، قد يكون بغير خفاء الهلال مثل أن يخطئ، فيظن يوم السبت يوم الجمعة، فيفوته بذلك الحج، فإن، هذا محصر عليه ما على المحصر، يريد من التمادى إلى البيت، وأنه لا يحل دونه، وأن عليه القضاء والهدى، والمحصر عنده هو الذى لم يمنع وإنما ثبت له سبب المنع، وأما الممنوع، فهو محصور على ما قدمناه. (١) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٩٥/١٢. (١) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٩٥/١٠٢. .... ٤٨٦ کتاب الحج سُئِلَ مَالِك عَمَّنْ أَهَلَّ مِنْ أَهْلِ مَكّةَ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَصَابَهُ كَسْرٌ أَوْ بَطْنٌّ مُتَحَرِّقٌ أَوِ امْرَأَةٌ تُطْلَقُ، قَالَ: مَنْ أَصَابَهُ هَذَا مِنْهُمْ فَهُوَ مُحْصَرٌ يَكُونُ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا عَلَى أَهْلٍ الآفَاقِ إِذَا هُمْ أُحْصِرُوا(١). الشرح: وهذا كما قال أن من أهل من أهل مكة بالحج فعليه إتمامه، فإن منعه من ذلك سبب مانع مثل أن يكون المحرم يصيبه كسر أو انطلاق بطن أو تكون امرأة حامل تطلق، يريد يصيبها وجع النفاس، فيأتى من ذلك ما لا يستطاع معه التوجه إلى عرفة، فإن حكم هذا المكى الذى أصابه هذا، حكم أهل الآفاق إذا أحصروا عن الخروج إلى عرفة، وقد تقدم بيانه. وهذا الذى ذهب إليه مالك وعليه أكثر أصحابه. وقال أشهب: لا إحصار على المكى، وإن نعش نعشًا. قال محمد: يريد وإن حمل على النعش إلى عرفة وغيرهما. وجه قول مالك أن هذا عاجز عن إتمام نسكه، وفعل ما لا يتم إلا به بمرض، فكان محصرًا. أصل ذلك غير المكى. ووجه قول أشهب قرب المسافة والتمكن فى غالب الحال عنده من إتمام الحج وبلوغ المناسك، وإن تكلف فى ذلك المؤن الخارجة عن العادة، وقول مالك أظهر، والله أعلم؛ لأن هذه حال أهل الآفاق إذا أصابهم ذلك بمكة. فصل: وقوله: ((يكون عليه ما على أهل الآفاق إذا أحصروا))، يريد والله أعلم، من القضاء والهدى. وقد روى داود بن سعيد ذلك عن مالك، قال: فقيل لمالك: فإن الله تعالى يقول: ﴿لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٩٦] فطرح عنهم هدى التمتع، قال مالك: فإن الله يقول: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى﴾ [البقرة: ١٩٦] فالمکی وغيره سواء، والله أعلم. قَالَ مَالِك فِى رَجُلٍ قَدِمَ مُعْتَمِرًا فِى أَشْهُرِ الْحَجِّ خَتَّى إِذَا قَضَى عُمْرَتَهُ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ ثُمَّ كُمِرَ أَوْ أَصَابَهُ أَمْرٌ لا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَحْضُرَّ مَعَ النّاسِ الْمَوْقِفَ. قَالَ مَالِك: أَرَى أَنْ يُقِيمٌ حَتَّى إِذَا بَرَأْ خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مَكَّةً فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يَحِلُّ ثُمَّ عَلَيْهِ حَجُّ قَابِلٍ وَالْهَدْىُ. (١) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٩٥/١٢. ٤٨٧ کتاب الحج . الشرح: وهذا كما قال أن من قدم مكة معتمرا فى أشهر الحج، فقضى عمرته وحل منها، ثم عزم على التمتع، فأهل بالحج من مكة، ثم أحصر عن الوقوف بعرفة مع الناس، يريد وقت الوقوف بها بكسر أو أمر يمنعه، فإن مالكًا، رحمه الله، قال: ((أرى أن يقيم))، يريد على إحرامه الذى أحرم به من مكة حتى إذا قوى واستطاع الخروج إلى الحل خرج إليه، وذلك أن الحج قد فاته، وله التحلل منه بعمرة. ومن شرطها الجمع بين الحل والحرم، وهو قد أحرم بالحج الذى فاته من الحرم، وجمع أفعال العمرة فى الحرم، فلابد له من الخروج إلى الحل ليأتى بشرط العمرة الذى هو الجمع بين الحل والحرم، ثم يرجع إلى مكة للإتيان بأفعال عمرته التى يتحلل بها، وهى الطواف بالبيت والسعى بين الصفا والمروة ثم يحل من الإحرام الذى أحرم به من مكة، ثم عليه حج قابل قضاء عن الحج الذى فاته، وعليه الهدى لما فاته من الحج بعد التلبس به، وهل يكون متمتعًا بالإحرام بالحج فى أشهر الحج بعد أن اعتمر فيها أم لا؟ يكون متمتعًا؛ لأن ذلك الحج لم يتم. قَالَ مَالِك فِيمَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنْ مَكّةً ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ مَرِضَ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَحْضُرَ مَعَ النَّاسِ الْمَوْقِفَ. قَالَ مَالِك: إِذَا فَاتَهُ الْحَجُّ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ فَدَخَلَ بِعُمْرَةٍ، فَطَافَ بِالْبَيْتٍ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لأَنَّ الطّوَافَ الأَوَّلَ لَمْ يَكُنْ نَوَاهُ لِلْعُمْرَةِ، فَلِذَلِكَ يَعْمَلُ بِهَذَا وَعَلَيْهِ حَجُّ قَابِلٍ وَالْهَدْىُ. الشرح: قوله: ((فيمن أهل بالحج من مكة ثم طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة))، يريد أنه فعل ذلك وإن لم يكن من حكمه أن يفعله لأن من حج من مكة، فليس عليه طواف، ورود لأنه ليس بوارد، وله أن يتطوع بما شاء من الطواف، ولا يسعى بين الصفا والمروة لأن السعى بينهما لا يتنقل به لأنه عمل من أعمال الحج لا تعلق له بالبيت، فلم يكن قربة فى نفسه منفردًا كالوقوف بعرفة. مسألة: ولا يتتغل به بأثر طواف تنفل؛ لأن من حكم السعى بين الصفا والمروة أن يكون بأثر طواف فى حج أو عمرة، ولا طواف فى الحج إلا طواف الورود أو طواف الإفاضة، فإذا سقط عن الحاج من مكة طواف الورود، لم يبق عليه إلا طواف الإفاضة فليزمه تأخير السعى يأتى به بعد طواف الإفاضة هذا مذهب مالك، رحمه الله. وقال ٤٨٨ کتاب الحج أبو حنيفة والشافعى: ومن أحرم من مكة بالحج، فله أن يقدم الطواف والسعى. والدليل على ما نقوله أن هذا نسك يشتمل على طواف وسعى، فكان حكمه الإتيان بهما بعد الجمع بين الحل والحرم كالعمرة. فرع: ومن أهل من مكة بالحج، فقدم الطواف والسعى، فقد أتى بالسعى بأثر طواف لم يشرع للحج بل هو طواف منهى عنه إذا فعله للحج فلم يأت بالسعى على الوجه المأمور به، فكان عليه بدله بعد طواف الإفاضة ليأتى به على الوجه المشروع. فرع: فإن لم يعد السعى حتى يرجع إلى بلده أو تباعد من مكة أجراه لأنه قد أتى به عقيب طواف، فوجد فيه شرط الإجزاء، وعليه دم للنقص الذى دخل عليه بإتيانه عقيب طواف غير مشروع للحج. فصل: وقوله: ((إذا فاته الحج، فإنه إن استطاع خرج إلى الحل فدخل بعمرة))، يريد إن تمادى به عذره حتى يفوته الحج، فإنه إذا استطاع بعد ذلك الخروج إلى الحل ولم تخترمه منية قبل الاستطاعة، فإن حكمه أن يخرج إلى الحل، فقد حل منه بعمرة تنبيها على إحرامه الأول بالحج، وينوى أن يتحلل منه بعمرة، فلذلك خرج إلى الحل ليجمع فى نسكه بين الحل والحرم، ولو كان إحرامه لحجه من الحل لما احتاج الآن إلى الخروج إلى الحل لأنه قد وجد منه الإحرام فى الحل والحرم. فصل: وقوله: ((فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة))، يريد يستأنف الطواف والسعى لعمرة التحلل لأن الطواف والسعى الذى أتى بهما للحج قبل أن يحصر لا يجزئانه لعمرة والتحلل، ثم قال: وعليه حج قابل والهدى على ما تقدم من قضاء الحج الذى فاته والهدى الواجب بفواته. قال مالك: فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلٍ مَكَّةَ فَأَصَابَهُ مَرَضٌ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَجِّ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَلَّ بِعُمْرَةٍ وَطَافَ بِالْبَيْتِ طَوَافًا آخَرَ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؛ لأنَّ طَوَاقَهُ الأوَّلَ وَسَعْيَهُ إِنَّمَا كَانَ نَوَاهُ لِلْحَجِّ، وَعَلَيْهِ حَجُ قَابِلٍ وَالْهَدْىُ. الشرح: قوله: ((وإن كان من غير أهل مكة))، يريد أن يهل بالحج من غيرها، فيكون عليه طواف الورود، فيطوف له ويسعى بأثره، وذلك أن المحرم بالحج من غير أهل مكة، لا يخلو أن يحرم به من الحرم، أو من الحل، فإن أحرم به من الحرم، فحكمه ٠ ٤٨٩ کتاب الحج حكم من أحرم من مكة فى تأخير الطواف والسعى؛ لأنه ليس بوارد على الحرم، فيكون له طواف الورود، وإن أحرم به من الحل، فسواء كان من أهل الحرم أو غيرهم، عليه تقديم الطواف والسعى؛ لأنه وارد على الحرم من الحل، فعليه طواف الورود، وهو واجب للنسك الذى دخل به، فيتعقب السعى. وقد تقدم ذكره، وهذا الظاهر من المذهب، وهو معنى ما رواه ابن عبدالحكم عن مالك غير التعليل. وحكى القاضى أبو محمد أن طواف القدوم إنما هو لمن قدم إلى مكة دون من كان بها، وهذا اللفظ يقتضى أن من قدم إليها من أهل الحرم، أن عليه طواف الورود. ووجه ذلك أن هذا حكم يختص بأهل مكة، فوجب أن يختص بهم دون أهل الحرم. أصل ذلك أن لا دم عليهم للقران. فصل: وإنما كرر مالك، رحمه الله، هذا الفصل أن من تحلل بعمزة بعد أن طاف لما فاته الحج وسعى، فلابد له أن يستأنف لعمرته الطواف والسعى؛ لأن الفصل الذى قبل هذا طاف الذى فاته الحج طوافًا وسعى وسعيًا غير مشروعين. وفى مسألتنا طوافه وسعيه مشروعان، فبين أن ذلك سواء فى وجوب استئناف الطواف والسعى للعمرة، والله أعلم، وبين ذلك بقوله: لأن الطواف والسعى لم يكن أتى بهما جميعًا لعمرته، وإنما أتى بهما لحجته، فلا يجزئانه لعمرته، والله أعلم وأحكم. * * * ما جاء فى بناء الكعبة ٧٩٦ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ ابْنِ أَبِى بَكْرِ الصِّدِّيقِ أَخْبُرَ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عُمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النّبِىَّ ﴿ قَالَ: ((أَلَمْ تَرَىْ أَنَّ قَوْمَكِ حِينَ بَنَوُا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: لَوْلا حِدْثَانُ ٧٩٦ - أخرجه البخارى ٤٧/٦ كتاب التفسير سورة البقرة باب قوله تعالى: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت﴾ عن عائشة. ومسلم ٢٦٩/٢ كتاب الحج، باب ٦٩، حديث رقم ٣٩٩ عن عائشة. والنسائى ٢١٤/٥ كتاب الحج باب بناء الكعبة عن عائشة. وأحمد ١١٣/٦ عن عائشة. والبيهقى فى الكبرى ٨٩/٥ عن عائشة. والبغوى بشرح السنة ١٠٧/٧ عن عائشة. وابن خزيمة برقم ٣٠١٩، ٣٣٥/٤ عن عائشة. کتاب الحج ٤٩٠ ٠٠ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ)). قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ مَا أُرَى رَسُولَ اللَّهِ ﴿ تَرَكَ اسْتِلامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَّيْنِ يَلِيَانِ الْحِخْرَ إِلا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدٍ إِبْرَاهِيمَ. الشرح: قوله: ((ألم ترى أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم))، يريد أنهم بنوا البيت على بعض قواعد إبراهيم، وهى قواعد البيت الذى أسسه بها إبراهيم عليه السلام، فلم تستوعب قريش حين بنوا البيت البينان الذى كان بها حين بعث الله نبيه ﴾، وهذا البناء المذكور شهده النبى ﴾، ونقل الحجارة فيه ووضعت قريش الحجر الأسود فى حائطه بحكمه ﴿4 بينهم، فذلك البنيان الذى اقتصرت فيه قريش عن بعض قواعد إبراهيم، وتركت شيئًا منها خارجًا عن بنيانها، وقد روى أن الذى منعها من استيعاب القواعد بالبناء قصور النفقة. فصل: وقول عائشة: ((يا رسول الله ألا تردها على قواعد إبراهيم؟)) تريد أن ينقض البنيان الذى بنيت عليه القواعد ويبينيها بنيانًا يستوعب القواعد. فصل: وقوله (48: ((لولا حدثان قومك بالكفر)) يريد والله أعلم قرب العهد بالجاهلية فربما أنكرت نفوسهم خراب الكعبة، فيوسوس لهم الشيطان بذلك ما يقتضى إدخال الداخلة عليهم فى دينهم، والنبى 8 كان يريد استئلافهم، ويروم تثبيتهم على أمر الإسلام والدين، يخاف أن تنفر قلوبهم بتخريب الكعبة، ورأى أن يترك ذلك، وأمر الناس باستيعاب البيت بالطواف أقرب إلى سلامة أحوال الناس وإصلاح أديانهم مع أن استيعابه بالبنيان لم يكن من الفروض، ولا من أركان الشريعة التى لا تقوم إلا به، وإنما يجب استيعابه بالطواف خاصة، وهذا يمكن مع بقائه على حاله. فصل: وقول عبدالله بن عمر: ((لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله )) يريد إن كان عبدالله بن محمد قد سلم من السهو والخطأ فيما نقله عن عائشة، وكانت عائشة قد سمعت هذا من رسول الله ﴾، ((فما أرى رسول الله ترك الركعنين اللذين يليان الحجر إلا لأن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم))، فأخبر عبدالله بن عمر أن رسول الله ﴿ ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر، وهذا يقتضى قصد تركهما، وإلا فلا يسمى تاركًا لعرف الاستعمال من أراد الشىء فمنعه منه مانع، فعلم عبدالله بن عمر بترك النبى ﴿﴿ استلام الركتين المذكورين، ولم يعلم علة ذلك، وهو أنهما ليسا بركنين للبيت، لأن البيت لم يتم على قواعدد إبراهيم، بل أخرج منه بعض الحجر، فلم يبلغ به رکنی البيت من تلك الجهة. ٤٩١ .... كتاب الحج . فالركنان اللذان هما اليوم للبيت من تلك الجهة ليسا بركنين للبيت الذى أسس قواعده إبراهيم عليه السلام، وإنما هما من وسط الجدار، فلم يشرع استلامهما، كما لم يشرع استلام سائر الجدار لأن الاستلام حكم يختص بالأركان. وقد روى عن عروة بن الزبير أنه كان يستلم الأرکان کلها، ويقول: «ليس من البیت شیء مهجور))(١). والدليل على صحة ما عليه الجمهور قول عبدالله بن عمر: ما أرى رسول الله ﴾ ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم. ٧٩٧ - مَالِك، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ أَنَّ عَائِشَةً أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: مَا أَبَالِى أَصَلَيْتُ فِى الْحِجْرِ أَمْ فِى الْبَيْتِ. الشرح: قولها: ((ما أبالى أصليت فى الحجر أم فى البيت))، تريد البيت المبنى الآن، فقالت: لا أبالى أصليت فيه أم فى الحجر؛ لأن حكمهما واحد؛ لأن البيت الأول الذى أسسه إبراهيم عليه السلام يشتمل عليهما، فالصلاة فى الحجر صلاة فى البيت. وهذا يحتمل معنيين، أحدهما: وهو الأظهر أن يكون تقرر من رأيها منع الصلاة فى البيت، فنقول: إن الصلاة فى الحجر بمنزلتها فى المنع، إما على وجه الكراهية، وإما على وجه عدم الصحة، ولو كانت مباحة فى البيت لما خصت الحجر به؛ لأن ذلك حكم سائر المواضع. والوجه الثانى: أن تكون قالت ذلك على سبيل إباحة الأمرين جوابًا لمنكر ذلك فى البيت، فقالت: إن الصلاة فى الحجر والبيت عندى سواء .. مسألة: والصلاة فرض، ونفل، فأما الفرض، فقد روى ابن المواز عن أصبغ: من صلى فى البيت أعاد أبدًا. وقال ابن المواز: لا إعادة عليه. وقال أشهب: من صلى على ظهر البيت أعاد أبدًا. وجه قول أصبغ أن القبلة تمر على جميع البيت، ويستقبل المستقبل لها جانبين من البيت ومن صلى فيه، تعذر ذلك عليه، فهو مصل إلى غير القبلة من غير عذر. ووجه قول ابن المواز أنه موضع يجوز أن تصلى فيه النافلة لغير عذر، فجاز أن تصلى فيه الفريضة كخارج البيت. (١) أخرجه الترمذى حديث رقم (٨٥٨). أحمد فى المسند حديث رقم (٢٢١١، ٣٥٢٢). ٧٩٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٧٧. ٤٩٢ کتاب الحج مسألة: وأما النفل، فلا بأس به فى الحجر والبيت، قاله ابن حبيب ومنع أبو حنيفة، وسيأتى ذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى. وأما الصلاة على ظهر البيت، فقال ابن حبيب: لا تصلى النافلة على ظهر البيت وهو كمصل إلى غير القبلة، ويصلى داخل البيت. وقد قال ابن المواز فى الفريضة: من صلاها فوق البيت أجزأه، وإذا جوز ذلك فى الفريضة، فبأن يجوز ذلك فى النافلة أولى، وقوله أظهر، والله أعلم. ٧٩٨ - مَالِكِ أَنّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ بَعْضَ عُلَّمَائِنَا يَقُولُ: مَا حُجِرَ الْحِجْرُ فَطَافَ النّاسُ مِنْ وَرَائِهِ إِلا إِرَادَةً أَنْ يَسْتَوْعِبَ النّاسُ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ کُلِّهِ. الشرح: قوله: ((ما حُجرَ الحجر)) يريد ما حجر بالجدار الذى حجر به عليه، يريد منع به من المشى فيه إلا لمن قصده من بابه، فإنما أريد تحجير الحجر أن يستوعب الناس الطواف بالبيت، إذا كان واجبًا، والحجر من البيت، فالطواف به لازم كالطواف بالبيت، فلو لم يحجر لأوشك أن يمر به طائف، فلا يستوعب الطواف بالبيت، فإجماع الناس على تحجيره، دليل على أن استيعاب الطواف لجميع البيت لازم، متفق عليه، ولو كان الطواف ببعض البيت بجزئًا لما احتيج إلى تحجير البيت ليستوعب الطواف جميعه، ومن طاف ببعض البيت لم يجزه، وبه قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: من طاف بالحجر طوافًا واجبًا فى حج أو عمرة، فإن كان بمكة أعاد طوافه، وإن تباعد ورجع إلى بلده جبر ذلك بالدم وأجزاه. والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج: ٢٩] وهذا يقتضى الطواف بجميعه، ومن طاف بالحجر، فإنما يطوف ببعضه لما قدمناه. * الرمل فى الطواف ٧٩٩ - مَالِك، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ حَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنْهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ ثَلاثَةَ أَطْوَافٍ. ٧٩٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٧٨. ٧٩٩ - أخرجه مسلم ٩٢١/٢ كتاب الحج باب ٣٩ رقم ٢٣٥ عن جابر. الترمذى حديث رقم ٨٥٧. ابن ماجه حدیث رقم ٢٩٥١. ٤٩٣ ... کتاب الحج قَالَ مَالِك: وَذَلِكَ الأَمْرُ الَّذِى لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِلَدِنَا. الشرح: قوله: ((رمل من الحجر الأسود)) يريد ابتدأ رمله من الحجر الأسود، وهو افتتاح الطواف، ثم جعل البيت على يساره، وطاف بالبيت من الحجر الأسود حتى انتهى إليه مرة، فيكون معه طواف واحد، ولا يجوز أن ينكس الطائف بالبيت، وهو أن يجعل البيت عن يمينه ويطوف به، فمن فعل ذلك لم يجزه، وبه قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: ذلك ممنوع، فإن فعله حاج أو معتمر أعاد ما کان مكة، فإن رجع إلى بلده جبره بدم وأجزاه. والدليل على ما نقوله ما روى عن جابر أنه قال: لما قدم رسول الله ﴿ مكة دخل المسجد، فاستلم الحجر، ثم مضى على يمينه فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا، وهذا يقتضى أن البيت على يساره، وأفعال النبى ﴿﴿ على الوجوب لاسيما وقد قال: ((خذوا عنى مناسککم)». فصل: وإذا ثبت ذلك، فإن الرمل فى الطواف والسعى، هو الإسراع فيه بالخبب، لا يحسر عن منكبيه ولا يحركهما. وقال أبو القاسم الجوهرى: الرمل أن يثب فى مشيه وثبًا خفيفًا يهز منكبيه، وليس بالوثب الشديد، فإن كان معنى ذلك أن قدر وثبه بتحرك جسده، ولا يقصد إلى إفرادهما بالتحريك، فهو حسن والله أعلم، وذلك من حکم طواف الورود. الأصل فى ذلك ما رواه عبدالله بن عمر أن رسول الله 18 كان إذا طاف فى الحج أو العمرة أول ما يقدم سعى ثلاثة أطواف، ومشى أربعًا، ثم سجد سجدتين، ثم طاف بين الصفا والمروة(١) . وقد روى أن سبب الرمل فى الطواف إنما كان لإظهار الجلد للمشركين. وروى عن ابن عباس أنه قال: قدم رسول الله ﴿ وأصحابه فقال المشركون؛ إنه يقدم عليكم وقد وهنتهم حمى يثرب، فأمرهم النبى ﴿﴿ أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشوط كلها إلا الإبقاء عليهم(٢). وقد أراد عمر بن الخطاب أن يترك الرمل، ثم استدامه، فقال: ما لنا وللرمل، إنما (١) تقدم تخريجه. (٢) ذكره ابن عبد البر فى التمهيد ٤٨٩/٥. ٤٩٤ کتاب الحج .. كنا راءينا به المشركين، وقد أهلكهم الله، ثم قال: شىء صنعه رسول الله ﴿لَ﴾ فلا نحب أن نتركه، وقد فعله النبى ﴿﴾ بعد الفتح، وبعد أن ثبت الإسلام مكة، وزالت عنه المرآة بذلك للمشركين، رواه جابر بن عبدالله لحديث حجة الوداع. وقد روى ابن عباس أن رسول الله ﴾ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا بالبيت ثلاثًا ومشوا أربعًا (٤). فصل: وقوله: ((رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف)) يقتضى أن الطواف كان بين الركنين اليمانى والأسود، وقد تقدم من حديث ابن عباس أن النبى ﴿َّ أمر أصحابه أن يمشوا بين الركنين، وتأول أنه إنما أمرهم بذلك لأنهم كانوا يراءون المشركين بالجلد، وكان المشركون على قعيقعان، فكان المسلمون إذا ظهروا لهم رملوا ليروهم الجلد والقوة، وإذا استروا بالبيت فكانوا بين الركنين اليمنانيين مشوا إبقاء لقوتهم. والذى اختاره مالك أن يرمل الطائف من الحجر الأسود حتى ينتهى إليه ثلاث مرات. والأصل فى ذلك حديث جابر بن عبدالله المتقدم، وإنما حكى فعله فى حجة الوداع، وهو آخر ما فعل. وذكر عبدالله بن عباس فعله فى عمرة القضية، والآخر أولى أن يتبع من فعل النبى ﴿4﴾ مع أن جابر بن عبدالله عاين ما حكاه فى عام حجة الوداع، واهتبل ذلك اهتبالاً أورد جميع فعله منذ خرج من المدينة إلى أن عاد إليها، وتحفظ ذلك. وابن عباس إنما روى عن غيره، فإنه لم يشاهد عام القضية لصغره مع أنه يحتمل أن يكون النبى ﴿﴾ ترك الرمل ما بين الركنين، وإن كان مشروعًا لحاجته إلى الإبقاء على أصحابه، فلما ارتفعت هذه العلة لزم استدامة الرمل المشروع. ٨٠٠ - مَالِك، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَرْمُلُ مِنَ الْحَجْرِ الأَسْوَدِ إِلَى الْحَجَرِ الأَسْوَدِ ثَلاثَةَ أَطْوَافٍ، وَيَمْشِى أَرْبَعَةً أَطْوَافٍ إلى الحَجَرِ الإسود. الشرح: قوله: ((يرمل من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود ثلاثة أطواف)) يريد أنه كان يفعل ذلك فى طواف الورود فى الحج أو العمرة، ((ويمشى أربعة))، يريد بعد (٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٠٣/١٤ بنحوه عن عروة بن الزبير. ٨٠٠ - أخرجه مسلم حديث رقم ٢٩٩٨، ٢٩٩. وذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٨٠. کتاب الحج ............ ٤٩٥ الثلاثة التى رمل فيها ليكمل بذلك أسبوعه، ونص على أنه كان يستوعب الطواف بالرمل من الحجر الأسود حتی ینتھی إلیه ثلاث مرات. وقد روى عبيدالله بن عمر قال: قلت لنافع: أكان ابن عمر يمشى بين الركنين؟ قال: كان يمشى ليكون أيسر لاستلامه، وهذا ليس بترك للرمل بين الركنين، وإنما هو رفق فيه عند ازدحام الناس على الحجر ليكون أيسر لاستلامه. ٨٠١ - مَالِك، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ سعَى الأشْوَاطَ الثَّلاثَةَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَا وَأَنْتَ تُخْبِى بَعْدَ مَا أَمًَّا يَخْفِضُ صَوْنَهُ بِذَلِكَ. الشرح: قوله: ((إن أباه)) يريد عروة بن الزبير ((كان إذا طاف بالبيت سعى الأشواط الثلاثة: يريد الأولى من الطواف وسماها أشواطًا. وقد روى مثل ذلك فى حديث عبدالله بن عباس المتقدم، وقد كره مجاهد أن يقال شوط ودور، ويقال طوف ولعله أراد أن لا يستعمل فى الطواف غير هذا الاسم ليغلب عليه من أجل وروده فى القرآن قال الله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج: ٢٩] كأنه رآه اسمًا شرعيًا، فكره أن يستعمل فيه غيره، والأول أظهر. فصل: وقوله: ((لا إله إلا أنتا وأنت تحيى ما أمتا)) كان على حسب ما يتخيره الإنسان من الذكر أو الدعاء لا على أن هذا اللفظ مخصوص بالطواف ومسنون فيه. روى ابن حبيب عن مالك أنه قال: ليس العمل على قول عروة هذا، وإنما أراد أنه ليس بذكر معين للطواف حتى لا يجزئ غيره، وحتى لا يكون من سببه بل لمن شاء أن يذكر الله تعالى بهذا الذكر، ويترك ذلك إن شاء على حسب ما يؤثره. فصل: وقوله: ((يخفض بها صوته)) هذا حكم الذكر فى الطواف والسعى وعلى الصفا والمروة، وفى كل موضع مجمع ينفرد كل أحد بالذكر والدعاء، لو رفع كل إنسان صوته لآذى بعضهم بعضًا، وليس كذلك التلبية، فإنها شعار الحج، فلذلك شرع فيها الإعلان. ٨٠١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٨١. ٤٩٦ كتاب الحج ٨٠٢ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ أَنْهُ رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْرَمَ بِعُمْرَةٍ مِنَ التّعِيمِ، قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُهُ سعَى حَوْلَ الْبَيْتِ الأشْوَاطَ الثَّلاثَةُ. الشرح: قوله: ((إن عبدالله بن الزبير أحرم بعمرة من التنعيم ثم سعى فى الأشواط الثلاثة)) يريد الأول، وأمكن تعريفها بالألف واللام؛ لأنها المعروفة بالرمل، وإنما رمل فى طوافه، وإن كان إحرامه من التنعيم؛ لأن الرمل إنما شرع فى طواف من قدم من الحل على وجه يتعقب طوافه السعى. ولما كان المحرم بعمرة من التنعيم قادمًا من الحل كان حكمه الرمل. وقد قال مالك فى المختصر: يرمل المعتمر مكى وغيره. ووجه ذلك ما قدمناه أنه داخل من الحل على وجه يتعقب طوافه السعی. فرع: ومن كان عليه أن يرمل من الرجال، فلم يفعل، فقد اختلفت الرواية عن مالك فى ذلك، واختلفت أقوالهم وذلك مبنى على أصلين، أحدهما: هل هى من الهيئات التى يسوغ فعلها وتركها كاستلام الحجر أو هى من الأمور اللازمة التى تلزم الطواف کر کعتي الطواف. والأصل الثانى هل يصح رفض الطواف أو لا يصح؟ فمن قال: إنها من الهيئات الحسنة، فإنه لا يصح رفض الطواف عنده، فلا يعيد من ترك الرمل، ولا شىء عليه، وهى رواية ابن القاسم وابن وهب لأنه قد فاته موضع الرمل، فلا يصح أن يعيده؛ لأن ما تقدم من طوافه لا يصح رفضه، وإنما يفعل ما يأتى به من الطواف نفلاً، ولم يشرع فيه رمل، ولا دم عليه؛ لأنه من الهيئات التى لا تلزم الطواف كاستلام الحجر بل استلام الحجر أكد منه، وألزم للطواف لأنه قد نوى به فى كل طواف وهو عبادة تنفرد بنفسها. ومن قال: إنه من الهيئات ويصح رفض الطواف، قال: يعيد ما دام بمكة، فإنه فاته ذلك فلا شيء عليه. وقد روى عن مالك فى المدونة، قال ابن القاسم: ثم رجع عنه ووجه إعادته أنه لما لم يأت بالطواف على أكمل صفاته رفضه، وأتى بطواف آخر على الهيئة المستحبة فإن فاته ذلك فلا دم عليه لما قدمنا أنه من الهيئات، ويصح منع هذا إن أراد أنه يتمم فضيلة ذلك الطواف، وإن لم يرفضه كما يتم فضيلة من صلى وحده بإعادة تلك الصلاة فى جماعة، وهذا أبين على قول من قال: إنه يعيد ما دام بمكة لأن ذلك يقتضى أن يعيد بعد التحلل من ذلك النسك. ٨٠٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٨٢. ٤٩٧ كتاب الحج . وأما على قولنا بصحة الرفض، فإنما يجب أن يعيد ما لم يتحلل من نسكه ذلك ومن قال: إنه من أحكام الطواف اللازمة كلزوم ركعتى الطواف، ولم ير صحة رفض الطواف، قال: لا يعيد وعليه دم، وهو قول ابن الماجشون. ومن قال: يلزم الرمل، ورأى صحة الرفض أو إتمام الفريضة، قال: لا يعيد، فإن فاته ذلك فعليه الدم، وهو قول أشهب. ٨٠٣ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا أَخْرَمَ مِنْ مَكَّةَ لَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتٍ وَلا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ مِنِّى، وَكَانَ لا يَرْمُلُ إِذَا طَافَ حَوْلَ الْبَيْتِ إِذَا أَحْرَمٌ مِنْ مَكَّةَ. الشرح: قوله: ((كان إذا أحرم من مكة لم يطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة حتى يرجع من منى)) لما ذكرناه قبل هذا من أن السعى لا يكون إلا عقيب طواف واجب فى حج أو عمرة، وأن الطواف الواجب لا يكون إلا على من ورد من الحل، وأما من كان مقيمًا بالحرم، فلا يجب عليه طواف أصلاً فكان ابن عمر رضى الله عنه يؤخر طوافه حتى يرجع من منى منصرفه من عرفة، فيطوف للإفاضة، فيسعى عقيب طوافه ذلك لأنه طواف واجب لوارد من حل. فصل: وقوله: ((وكان لا يرمل إذا طاف حول البيت إذا أحرم من مكة)) يحتمل أن يريد طواف التطوع الذى كان يطوفه قبل الخروج إلى عرفة، وأما طواف الإفاضة، فإنه يتعقب قدومه من الحل فسنته الرمل، وهو الذى اختاره مالك، ورواه عنه فى المدنية ابن كنانة وابن نافع: مكيًا كان إذا أحرم من مكة أو غير مكى. وقد تأول ابن المواز أن ابن عمر كان لا يرمل لطواف الإفاضة إذا أحرم بالحج من مكة. قال: والرمل أحب إلينا، فإن كان الأمر على ما تأوله، فهو خلاف مذهب مالك. ووجه قول مالك ما قدمناه وإن كان الأمر على ما قدمناه فلا خلاف بينهما. وفى المختصر عن مالك: ومن أخر الطواف حتى صدر، فليرمل، ومن ترك الرمل، فلا شىء عليه، ومن أهدى فحسن، وهذا يحتمل أن يكون على ما قدمناه أن حكم الرمل لمن ورد من عرفة لازم، وأنه إن تركه، فلا شىء عليه، على رواية ابن القاسم وابن وهب، فيمن تركه فى طواف الورود، ويحتمل أن يكون حكم هذا الطواف أخف لأنه وإن ٨٠٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٨٣. کتاب الحج ٤٩٨ كان واردًا من الحل، فإنه طواف تحلل لا طواف تلبس بالعبادة، ولذلك لا يلزمه الرمل، وإنما شرع فيه الرمل إذا كان بعده سعى. الاستلام فى الطواف ٨٠٤ - مَالِكِ أَنّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﴿ كَانَ إِذَا قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ وَرَكَعَ الرَّكْغَيْنِ، وَأَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ. الشرح: قوله: ((كان إذا قضى طوافه بالبيت وركع الركعتين)) يريد الطواف الذى يتعقبه السعى، فإنه كان إذا أكمله وأكمل الركعتين بعده وصل بذلك الخروج إلى الصفا، فكان إذا أراد فراق البيت، عاد إلى الركن، فاستلمه وذلك أنه يستحب أن يصلى هاتين الركعتين فى الطواف الواجب خلف المقام، ومن فعل ذلك فأراد أن يخرج إلى الصفا فإن طريقه على الحجر الأسود، وكان ﴿﴿ فى خروجه ذلك إلى الصفا، ويحتمل أن يكون شرع ذلك من أجل أن الركعتين من توابع الطواف، فاستحب أن ينفصل عنهما باستلام الحجر كالطواف. مسألة: وأما استلام الركن ابتداء فى غير طواف، فقد قال مالك: ليس من شأن الناس، وما بذلك من بأس، ومعنى ذلك أنه لم يكن من فعل الناس فى ذلك الوقت، ولكن لم ير به بأسًا لأنه عبادة متعلقة بالبيت، وليس من شرط استلامه طواف ولا ركوع ولا غيره، بل يصح أن يفرد ذلك كالدعاء الذى قد يفعل فى جملة العبادات ممن يصح أن يفرد. مسألة: ومن سنة استلام الركن الطهارة، قال مالك فى المختصر: ولا يستلم الركن إلا طاهرًا. ووجه ذلك أنه جزء من الطواف والطواف من شرطه الطهارة. ٨٠٥ - مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ لِعَبْدِ ٨٠٤ - أخرجه مسلم ٨٨٧/٢ كتاب الحج، باب ١٩ رقم ١٤ عن جابر. قال ابن عبد البر فى التمهيد ٤٩١/٥، ٤٩٢: هكذا هذا الحديث عند رواة الموطأ، عن مالك، ورواه الوليد بن مسلم، عن مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، وهو محفوظ من حديث جابر من طرق صحاح من رواية مالك وغيره. ٨٠٥ - أخرجه عبدالرزاق فى المصنف برقم ٨٩٠١، ٣٤/٥ عن عبدالرحمن بن عوف. وأبو نعيم فى الحلية ١٤٠/٧ عن عبدالرحمن بن عوف. والحاكم فى المستدرك ٣٠٦/٣ عن عروة بن الزبير .= ٠٠٠ ٤٩٩ ... کتاب الحج الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: ((كَيْفَ صَنَعْتَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ فِى اسْتِلامِ الرُّكْنِ؟)). فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: اسْتَلَمْتُ وَتَرَكْتُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: (أَصَبْتَ). الشرح: قوله 18: ((كيف صنعت يا أبا محمد فى استلام الركن؟) اختبار منه قا لأصحابه، وأهل العلم منهم ليعلم بذلك مقدار علمهم، وحملهم أقواله وأفعاله على وجهها، وإن كان ◌َّ قد وكل الأمر قبل ذلك إلى اجتهادهم لما كان يجوز لهم فيه الاجتهاد، فقال عبد الرحمن: ((استلمت وتركت))، يريد أنه قد فعل الأمرين، فإنه استلم مرة، وترك الاستلام أخرى، وهذا يقتضى أنه لم يعتقد فى الاستلام أنه شرط فى صحة النسك، وإنما اعتقده من الفضائل التى يؤجر من فعلها، ولا يأثم من تركها مع اعتقاده أنها من القرب، وأنه يجزى فعلها فى بعض المواضع دون بعض. فصل: وقوله: ﴿: ((أصبت)) تصويب لفعله، ولما رآه من ذلك، وقد قال جميع الفقهاء: من ترك استلام الحجر لا شىء عليه، وأن استلامه أفضل. ٨٠٦ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ يَسْتَلِمُ الأَرْكَانَ كُلُّهَا، وَكَانَ لا يَدَعُ الْيَمَانِىَ إِلا أَنْ يُغْلَبَ عَلَيْهِ. الشرح: قوله: ((كان يستلم الأركان كلها)) على ما تقدم من الرواية عنه أنه كان يستلم الأركان كلها، ويقول: ((ليس شىء من البيت مهجورًا)). وقد تقدم الكلام فيه. وقوله: ((وكان لا يدع الركن اليمانى إلا أن يغلب عليه)» يقتضى أن مراعاته كانت أكثر، ومحافظته على استلامه كانت أشد، فكان لا يدع استلامًا إلا أن يغلب عليه، وإن ترك استلام غيره من دون أن يغلب عليه، ولعل ذلك إنما كان لما علم من الاتفاق على استلامه ومخالفة الناس له فى استلام الركنين الأخيرين، والله أعلم. = والطبرانى فى الكبير ٨٧/١ عن عبدالرحمن بن عوف. قال ابن عبد البر فى التمهيد ٤٩٤/٥: كان ابن وضاح يقول فى موطأ يحيى: إنما الحديث: كيف صنعت يا أبا محمد فى استلام الركن الأسود؟، وزعم أن يحيى سقط له من كتابه ((الأسود»، وأمر ابن وضاح یاحاق (الأسود» فی کتاب یحیی، ولم یرو یحیی «الأسود»، ولکنه رواه ابن القاسم، وابن وهب، والقعنبى، وجماعة، وقد روى أبو مصعب وغيره كما روى يحيى، لم يذكروا ((الأسود))، وكذلك رواه ابن عيينة، وغيره، عن هشام بن عروة، عن أبيه، لم يذكروا «الأسود»، كما روى یحیی، وهو أمر محتمل جائز فى الوجهين جميعًا. ٨٠٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٨٦. ٥٠٠ ٠٫ .. كتاب الحج تقبيل الركن الأسود فى الطواف ٨٠٧ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ لِلرُّكْنِ الأَسْوَدِ: إِنْمَا أَنْتَ حَجَرٌ، وَلَوْلا أَنّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ قَبَّلَكَ مَا قَلْتُكَ ثُمَّ قَبَلَهُ(١). الشرح: قول عمر: ((إنما أنت حجر)) يريد أن ينفى عنه ظن من يظن أن تعظيم النبى ◌ّ الحجر وأمته إنما كان على حسب تعظيم الجاهلية الأوثان لاعتقادهم أنها آلهة، وأنها تضر وتنفع، فأراد عمر أن يعلم الناس أن تعظيمه لحجر إنما كان لتعظيم النبى ـى، طاعة لله، وإفرادًا له بالعبادة على حسب ما أمرنا بتعظيم البيت، وعلى حسب ما أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم عبادة لله لا على أن آدم معبود بذلك، وأنه يضر وينفع فقال: ((إنى لأعلم أنك حجر)) يريد من سائر أجناس الحجارة التى لا تقبل، وفى بعض الروايات أنه قال: لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع. فصل: وقوله: ((ولولا أنى رأيت رسول اللـه (99% يقبلك ما قبلتك)) بأن تقبيله وتعظيمه ليس لذاته ولا معنى فيه، وإنما هو لأن النبى 198 شرع ذلك طاعة لله تعالى. مسألة: وهذا يقتضى أن استلام الحجر وتقبيله لمن أمكنه ذلك، ووجد إليه سبيلاً اقتداء بالنبى ﴾ فى تقبيله إياه، فإن لم يستطع لزحام أو غيره استكلمه بيده ثم وضعها على فيه من غير تقبيل. قَالَ مَالِك: سَمِعْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّ إِذَا رَفَعَ الَّذِى يَطُوفُ بِالْبَيْتِ يَدَهُ عَنِ الرُّكْنِ الْيَمَانِى أَنْ يَضَعَهَا عَلَى فِيهِ. وقد روى سالم عن أبيه أنه قال: لم أر رسول الله 8 يمسح من البيت إلا الركنين ٨٠٧ - أخرجه البخارى ٢٩٢/٢ كتاب الحج، باب ما ذكر فى الحجر الأسود عن عمر. ومسلم ٩٢٥/٢ كتاب الحج، باب ٤١، حديث رقم ٢٤٨ عن عمر. قال ابن عبد البر فى التمهيد ٤٩٨/٥: هذا الحديث مرسل فى الموطأ هكذا لم يختلف فيه، وهو يستند من وجوه صحاح ثابتة. (١) قال ابن عبد البر: لا يختلفون أن تقبيل الحجر الأسود فى الطواف من سنن الحج لمن قدر على ذلك، ومن لم يقدر على تقبيله وضع يده عليه ورفعها إلى فيه، فإن لم يقدر على ذلك أيضًا للزحام كبر إذا قابله، فمن لم يفعل فلا حرج عليه، ولا ينبغى لمن قدر على ذلك أن يتركه تأسيًا برسول الله (، وأصحابه بعده. ٥٠١٠٠٠ کتاب الحج اليمانيين(٢)، وظاهر المسح باليد الوضع على الممسوح. وكان مالك ومن روى عنه يستحب أن يضعها على فيه لأن معنى الاستلام عائد إلى الفم، فلما روى المسح فى الركنين ولم يروا التقبيل إلا فى الحجر الأسود، استحب فى اليمانى أن يضع يده على فيه بعد المسح. وروى فى كتاب ابن المواز عن مالك أنه كان يرى تقبيل اليد بعد مسح الركن اليمانى. وقال محمد: ليس بشىء، وقال: لم ير مالك تقبيل اليد فيه، ولا فى الأسود. فإن قلنا بالرواية الأولى، فإن اليد بدل من الركن إذا امتنع تقبيله، فكان عليه تقبيلها. وإن قلنا بالرواية الثانية، فإن المسح بدل من التقبيل، وإنما يوضع على الفم لما كانت بدلا منه، ولعله قد قال أولا التقبیل، ثم رجع عنه أو رجع إليه محمد. * ركعتا الطواف ٨٠٨ - مَالِكِ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنْهُ كَانَ لا يَحْمَعُ بَيْنَ السُّبْعَيْنِ لا يُصَلِّى بَيْنَهُمَا، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُصَلِّى بَعْدَ كُلِّ سُبْعٍ رَكْعَتَيْنٍ، فَرْبَّمَا صَلَّى عِنْدَ الْمَقَامِ أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ. الشرح: قوله: ((كان لا يجمع بين السبعين لا يصلى بينهما) يريد أنه كان لا يعرى کل سبع من أن یر کی بعده ر کیتین، وإن كان لا يفرق بين سبعين ثم يؤخر الركوع لهما، فيأتى بركعتى السبعين بعدهما، ولكن كان يصلى بعد كل سبع ركعتيه المشروعتين له اللتين هما من تمامه، ولا يجوز إعراؤه منهما، فإن كان الطواف فى حج أو غيره فهما واجبتان، خلافًا لأبى حنيفة والشافعى فى قولهما: إنهما مستحبان. والأصل فى ذلك ما روى جابر بن عبدالله أن رسول الله ﴿ طاف سبعًا، رمل ثلاثًا ومشى أربعًا، ثم قرأ: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ [البقرة: ١٢٥] فصلى سجدتين خلف المقام بينه وبين الكعبة، ثم استلم الركن ثم خرج، فقال: ﴿إِن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة: ١٥٨] فبدأ بما بدأ الله به. (٢) أخرجه مسلم فى صحيحه حديث رقم (١٢٦٧). النسائى فى الصغرى حديث رقم (٢٩٤٩). أبو داود حديث رقم (١٨٧٤). أحمد فى المسند حديث رقم (٥٩٨١). ٨٠٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٨٨.