Indexed OCR Text

Pages 1461-1480

کتاب الحج
٤٦٢
ووجه ذلك أنه من إماطة الأذى المعتاد وإلقاء التفث، وذلك محظور على المحرم
کحلق الرأس.
مسألة: ومن قلم ظفر یدیه افتدى.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: وذلك عندى من قلم أظفاز رجليه.
قال ابن القاسم: ومن قلم ظفر يد واحدة فعليه الفدية، وكذلك قال مالك فيمن
قص ظفرين وإن قص ظفرًا من كل افتدى، قاله أشهب. وإن قلم ظفرًا واحدًا، ففى
المدونة: إن أماط به عنه الأذى فليفتد، وإلا فليطعم شيئًا من طعام.
ومعنى إماطة الأذى يريد أن ينتفع بتقليمه المنفعة المعتادة فى تقليم الأظفار وإماطة
الأذى فى تقليم الأظفار على ثلاثة أضرب، أحدها أن يزيل عن نفسه خشونة طول
أظفاره أو أكثرها. والثانى أن يقلق من طول ظفر فيقلمه، فهذا أماط عنه به أذى
معتادًا. والثالث أن يريد مداواة قروح بأصابعه أو ببعضها ولا يتمكن من ذلك إلا بقص
أظفاره، فهذا قد أماط به أذى لا يختص بأظفاره.
وسُئِلَ مَالِك: عَنِ الرَّجُلِ يَشْكِى أُذُنَهُ، أَيَقْطُرُ فِى أُذُنِهِ مِنَ الْبَانِ الَّذِى لَمْ يُطَيَّبْ
وَهُوَ مُخْرِمٌ؟ فَقَالَ: لا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا، وَلَوْ جَعَلَهُ فِى فِيهِ لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا(١).
الشرح: وهذا كما قال، وذلك أن استعمال الدهن الذى ليس بمطيب يكون فى
ثلاثة مواضع، أحدها أن يستعمله فى باطن جسده، بأن لا يظهر منه كتقطيره فى الأذن
والاستسعاط به والمضمضة، فإن هذا كله جائز للمحرم أن يفعله ولا شىء عليه فيه لأنه
بمنزلة أكله إياه، وهو الذی ذ کره مالك، رحمه الله.
والثانى أن يستعمله فى ظاهر جسده غير باطن يديه وقدميه، فإن فعل فهذا ممنوع،
فعليه الفدية، عند مالك وجميع أصحابه. قال ابن حبيب: وقد روى إباحة ذلك، وبه
أخذ الليث.
وجه قول مالك أنه إزالة شعث لأنه مما يفعل للجمال والتنظف كالتنظف فى الحمام.
مسألة: ولو دهن به عضوًا من جسده، وجب عليه الفدية، وإن لم يعم جميع
جسده، إذا كان الذى دهنه من جسده موضعًا له بال، فإن لم يكن إلا شيئًا يسيرًا إلا
بال له، فلا شيء عليه؛ لأن التجمل والتنظف وإزالة الشعث لا يحصل بذلك.
(١) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٤٩/١٢.

٠٠ ٤٦٣
....
كتاب الحج
مسألة: وإن دهن بطون قدميه أو يديه لشقوق بهما، فلا بأس بذلك، وإن فعل ذلك
لغير علة، فعليه الفدية.
ووجه ذلك أنهما ظاهران ظهور سائر الأعضاء، فإذا لم يقصد بدهنهما دفع مضرة،
فلا عرض فى ذلك غير تحسين ظاهر الجسد، وإزالة الشعث، فوجبت بذلك الجزية،
وإن قصد بذلك دفع المضرة أو القوة على العمل، وبذلك فارقا سائر الأعضاء من
الجسد، والله أعلم.
قَالَ مَالِك: وَلا بَأْسَ أَنْ يَبُطُ الْمُحْرِمُ خُرَاجَهُ، وَيَفْقَأَ دُمَّلَهُ، وَيَقْطَعَ عِرْقَهُ إِذَا
احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ(١).
الشرح: وهذا على ما قال لأن الإحرام لا يتعلق بقطع شىء من جلد جسده، وإنما
ذلك ممنوع لغير حرمة الإنسان وهو مباح للضرورة كالحجامة وقد احتجم النبى
وهو محرم بلحيى جمل(٢)، ومن هذا المعنى بط جراحه وفقء دمله، وقطع عرقه لحاجته
إلى ذلك، وقد شرط مالك، رحمه الله، لحاجة إلى ذلك.
الحج عمن يحج عنه
٧٨٨ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ
(١) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٤٩/١٢.
(٢) أخرجه البخارى حديث رقم ١٨٣٦، ٥٧٠١. مسلم حديث رقم ١٢٠٣. النسائى فى
الصغری حديث رقم ٢٨٥٠. ابن ماجه حديث رقم ٣٤٨١. أحمد فى المسند حديث رقم
٢٣٥١.
٧٨٨ - أخرجه البخارى ٢٦٢/٢ كتاب الحج، باب وجوب الحج وفضله عن ابن عباس. ومسلم
٩٧٣/٢ كتاب الحج، باب ٧١ رقم ٤٠٧ عن ابن عباس. وأبو داود برقم ١٨٠٩، ١٦٧/٢
كتاب المناسك، باب الرجل يحج عن غيره عن ابن عباس. والنسائى ١١٨/٥ كتاب الحج، باب
تشبيه قضاء الحج عن ابن الزبير. والبيهقى ٣٢٨/٤ عن ابن عباس.
قال ابن عبد البر فی التمهيد ٤٣٥/٥: هذا حدیث صحیح ثابت، لم يختلف فى إسناده، وقد
سمعه سليمان بن يسار من ابن عباس، كذلك قال الأوزاعى، عن الزهرى، عن سليمان بن
يسار، أن عبدالله بن عباس أخبره ((أن امرأة من خثعم استفتت رسول الله ﴿ فى حجة الوداع،
والفضل بن غياس رديف رسول الله ، فقالت: يا رسول الله، إن فريضة الله، فذكر الحديث.

كتاب الحج
٤٦٤
قَالَ: كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَّاسِ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ خَتْعَمَ تَسْتَفْتِيهِ
فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ
إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِى الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِى شَيْئًا
كَبِيرًا لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: ((نَعَمْ) وَذَلِكَ فِى حَجَّةٍ
الْوَدَاعِ.
الشرح: قوله: ((كان الفضل رديف النبى (48))، يريد من المزدلفة غداة النحر،
وذلك أن النبى ﴿ أردف أسامة من عرفة إلى المزدلفة ليلة النحر، ثم أردف الفضل من
المزدلفة، غداة يوم النحر، ((فجاءته امرأة تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها))، يحتمل أن
تكون قد سدلت على وجهها ثوبًا، فإن المحرمة يجوز لها ذلك لمعنى الستر إلا أنه كان
يبدو من وجهها ما ينظر إليه الفضل.
فصل: وقولها: ((فجعل رسول الله ﴿﴿ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر))، يريد
بذلك منعه من النظر إليها لما رأى من قصده إلى ذلك، ولم ينقل أنه نهى المرأة عن
النظر إلى الفضل ولا صرف وجهها إلى الشق الآخر، وإن كانت المرأة ممنوعة من النظر
إلى الرجل، بمعنى تأمل محاسنه والنظر إلى جماله، وقد قال تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا
من أبصارهم ويحفظوا فروجهم﴾ [النور: ٣٠] وقال تعالى: ﴿وقل للمؤمنات يغضضن
من أبصارهن ويحفظن فروجهن﴾ [النور: ٣١].
ويحتمل أن يكون ﴿ ترك ذلك لما احتمل نظرها إلى جهته، أنه لم يكن إلا لسؤالها
عن مسألتها إذا كانت من النبى 8 فى جهة يتضمنها نظرها، فكان إلى تلك الجهة
مقصدًا جائزًا، فترك الإنكار عليها لذلك، والفضل لم يكن لنظره إلى جهتها مقصد
جائز ظاهر غير تأملها.
ويحتمل أن يكون ﴿﴿ اجتزأ بصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر لأن ذلك يمنع نظر
المرأة إلى شىء من وجه الفضل، فكان فى ذلك منعًا للفضل من النظر إليها، ومنعًا لها
من النظر إليه.
ويحتمل أن يكون رسول الله 88 اجتزاً بمنع الفضل من النظر إليها، لما رأى أنها
تعلم بذلك منع نظرها إليه لأن حكمها فى ذلك حكمه، ولعلها لما صرف وجه
الفضل، فهمت ذلك فصرفت وجهها أو بصرها عن النظر إليه.

كتاب الحج
فصل: وقولها: «یا رسول الله إن فريضة الله فى الحج أدركت أبی شیخًا کبیرًا))،
يقتضى أن الحج من الفروض التى فرض الله على عباده. والأصل فى ذلك قوله تعالى:
﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧].
والحج فى كلام العرب القصد، يقال حج يحج حجًا، بفتح الحاء، والحج بكسرها هو
الاسم إلا أن الشرع قد ورد بتخصيص هذه اللفظة واستعمالها فى قصد مخصوص إلى
موضع مخصوص، فى وقت مخصوص، على شرائط مخصوصة. وإنما يجب مرة فى العمر،
ولا خلاف فى ذلك.
واختلف أصحابنا فى وجوبه على الفور أو التراخى، فذهب القاضى أبو محمد إلى أنه
على الفور. وبه قال أبو حنيفة. وقال القاضى أبو بكر: هو على التراخى، وهو مذهب
الشافعى.
قال القاضى أبو الوليد، رضی الله عنه: وهو الأظهر عندى.
وقال ابن خويز منداد: إنه مذهب المغاربة من أصحابنا. ولنا فى المسألة طريقان،
أحدهما: أن يدل على أن الأوامر على التراخى. والثانى: أن يدل على المسألة نفسها.
فأما الدليل على أن الأوامر على التراخى، فهو أن لفظة افعل ليست بمقتضية للزمان
إلا بمعنى أن الفعل لا يقع إلا فى زمان، وذلك لاقتضائها للحال والمكان، ثم ثبت وتقرر
أن له أن يأتى بالمأمور به فى أى مكان شاء، وعلى أى حال شاء، فكذلك: له أن يفعله،
فی أی زمان شاء.
وأما الدليل على نفس المسألة فيما روى أن ضمام بن ثعلبة حين ورد على النبى
قال: ((الله أمرك أن تحج هذا البيت؟ قال: نعم)). وإنما ورد فى سنة خمس، ثم أخر النبى
ـظ إلى سنة عشر.
ودليلنا من جهة القياس أن كل وقت لا يكون بتأخير الإحرام إليه قاضيًا فإنه لا
يكون بتأخير الإحرام إليه عاصيًا، كالتأخير إلى الثمان من عشر ذى الحجة.
فرع: إذا قلنا إنه على التراخى، فإن القائلين بذلك اختلفوا فظاهر قول القاضى أبى
بكر أنه يجب على ظنه، إذا غلب للفوات، فإن أخره عن ذلك عصى وإن اخترمته المنية
فجأة قبل أن يغلب على ظنه الفرات، فليس بعاص.
وقال بعض أصحاب الشافعى: إنه إنما يجوز له التأخير بشرط السلامة، فإن مان
قبل الأداء تبين أن العصيان قد وقع بتأخيره.

كتاب الحج
٤٦٦
وإذا قلنا إنه على الفور، فاختلف أصحابنا، فقال القاضى أبو الحسن: أنه إذا أخره
عن أول عام، فهو قاض لا مؤد. وقال غيره: لا يكون قاضيًا ما دام حيًا، وإنما يكون
القضاء عنه بعد موته إن حج عنه أحد.
فصل: وقولها: ((إن فريضة الله فى الحج أدركت أبى شيخًا كبيرًا، ولا يستطيع أن
يثبت على الراحلة))، إلى أن أذن لها فى الحج عنه، دليل على اعتبار الاستطاعة فى
وجوب أداء الحج أوفى الحج، وله شروط وجوب وشروط أداء.
فأما شروط وجوبه فهى البلوغ والعقل والحرية والاستطاعة. وأما شروط الأداء
فهى الاستطاعة، ولإجزائه شروط أربعة، وهى البلوغ والعقل والحرية والإسلام. فأما
الحرية والبلوغ، فإنه لا يجب الحج مع تمام أحدهما، ولا يصح فرضه، ولكنه يصح نفله
مع عدمها.
وأما العقل، فلا يجب مع عدمه ولا يصح نفله ولا فرضه. وأما الإسلام، فإنه يجب
معه على قول جماعة أصحابنا غير محمد بن خويز منداد، فإنه قال: لا يجب مع عدمه
نفله ولا فرضه.
فصل: إذا ثبت ذلك، فإن الاستطاعة هى الاستطاعة على الوصول إلى البيت من
غير خروج عن عادة، وذلك يختلف باختلاف أحوال الناس فمن كانت عادته السفر
ماشيًا، واستطاع أن يتوصل إلى الحج بذلك لزمه الحج، وإن لم يجد راحلة، ومن كانت
عادته سؤال الناس وتكففهم، وأمكنه التوصل به لزمه الحج، وإن لم يجد زادًا، ومن
كانت عادته الركوب والغنى عن الناس، وتعذر عليه فى التوصل إلى الحج، [ففيه
وجهان](١) أحدهما: لم يلزمه الحج، خلافًا لأبى حنيفة والشافعى فى قولهما: إن
الاستطاعة الزاد والراحلة، دون غيرهما.
وقد رواه ابن عبدوس فى مجموعته عن سحنون، وهو الظاهر من قول ابن حبيب.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ [آل
عمران: ٩٧] ولم يخص زادًا ولا راحلة، فإن قيل فإنه ﴿ قد فسر ذلك بقوله، فى
الزاد والراحلة.
فالجواب أنا لا نسلم أن الاستطاعة غير مفسرة، فتحتاج إلى تفسير، وإنما هى عامة،
(١) إضافة ليست فى الأصل لاستقامة المعنى.

٤٦٧٠
...
کتاب الحج
فربما دخلها التخصيص، ولو كان ما ذكرتموه من الحديث صحيحًا؛ لكان بعض ما
تختص به الآية، وأن يكون بعض ما يستطاع به فى حق بعض الناس دون بعض
كالصحة فى المريض، ولذلك قال المخالف فى هذه المسألة: إن المريض ليس بمستطيع
وإن وجد الزاد والراحلة.
ولذلك قالت الختمعية: إن أباها لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، فجعلت من
الاستطاعة الشباب والقوة على الثبوت على الراحلة. ولم ينكر ذلك عليها النبى
فثبت أن للاستطاعة معانى غير الزاد والرحلة من الصحة والقوة، والسن الذى لا
يستطاع معه الثبوت على الراحلة، وغير ذلك من أمان الطريق.
ولذلك قال المخالف لنا فى هذه المسألة: إن أهل الحرم وأهل المواقيت لا يعتبر فى
حكمهم الزاد والراحلة. ودليلنا من جهة القياس أن هذا مستطيع للحج من غير خروج
عن عادة، فلزمه الحج كالواجد للزاد والراحلة.
فصل: والذى لا يستطيع أن يثبت على الراحلة لا يخلو أن يكون ذلك لأمر عارض
أو لأمر ثابت، فإن كان لأمر عارض يرجو برآه وزواله كالأمراض المعتادة، فإن هذا
ينتظر البرء ويؤدى الحج، فأما إن كان لأمر ثابت عنه كالهرم والزمانة، فهو الذى سمى
المعضوب ولا يلزمه عندنا الحج، وإن وجد المال، وأمكنه أن يحمل من يحج عنه.
وقال أبو حنيفة والشافعي: هو مستطيع يلزمه أن يخرج غيره يؤدى عنه الحج، فإن
معسرًا، فإن أبا حنيفة يقول: لا يلزمه الحج. وقال الشافعى: إن وجد من يبذل له الطاعة
من ولد أو أخ أو عبد أعتقه، فإنه يلزمه الحج ببذل هذه الطاعة.
والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه
سبيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧] فالآية وردت مقيدة لمن يستطيع السبيل إلى البيت، فمن لم
يستطع السبيل إليه لم تتناوله الآية والاستطاعة صفة موجودة بالمستطيع كالعلم والحياة،
وإذا لم توجد به استطاعة، فليس مستطیع فلم يجب عليه حج.
ودليلنا من جهة القياس أن هذا مكلف لم يجب عليه أن يحج غيره عن نفسه بأصل
الشرع. أصل ذلك الصحيح. أما هم، فاحتج من نص قولهم بقول الختعمية بالحديث
المروى: إن فريضة الله فى الحج أدركت أبى شيخًا كبيرًا، أخبرت أن الحج افترض على
أبيها فى حال كبره وعجزه عن أن يثبت على الراحلة وأقرها النبى ﴿ على ذلك، وإذا
ثبت بهذا الحديث وجوب الحج عليه، وصح أنه لا يمكنه أن يباشره بنفسه علمنا أن
الواجب عليه بذلك استنابة غيره.

كتاب الحج
..
٤٦٨
والجواب أنا لا نسلم أنها أرادت بذلك أن فرض الحج تعلق بأبيها، وإنما أرادت أن
فرض الحج على المستطيعين، نزل وأبوها شيخ كبير لا يستطيع أن يثبت على الراحلة.
وكذلك رواه سفيان بن عيينة عن الزهرى، فقال: إن فريضة الله فى الحج على
عباده أدركت أبى شيخًا كبيرًا لا يستمسك على الراحلة، فبين بذلك أن المراد توجه
فرض الحج على الناس. وقد شرط فيه الاستطاعة، وهذا غير مستطيع، فلم يتوجه إليه،
واستدلوا بما رواه عبدالعزيز بن أبى سلمة فى هذا الحديث أنها قالت: هل يقضى عنه
أن أحج عنه؟ قال لق﴾: ((نعم)).
وقد قال لها: ((نعم)) ومعناه أنه
قالوا: فوجه الدليل من هذا الحديث أن النبى
يقضى عنه حجها، ولو لم يكن عليه حج لما قضت عنه شيئًا، كما لا تقضى عنه ما لا
يجب عليه من صلاة ولا صوم.
والجواب أنا لا نسلم أن القضاء لا يكون إلا فى الواجب، فيحتمل أن يقضى عنه ما
وجب مثله على غيره، فيلحقه ذلك بحالة من قد وجب عليه الفرض، فأداه لأن حالته
أكمل من حالة من لم يجب عليه ولم يؤده.
ولذلك روى ابن عباس أن رجلا قال: يا نبى الله إن أبی مات ولم يحج، أفأحج
عنه؟ قال: أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه، قال: نعم، قال: ((فدين الله
أحق أن یقضی»(٢).
ولا خلاف أنه من لم يكن معه ما يقضى به دينه أنه لا يجب ذلك عليه، ولا يجب
على ابنه أن يؤديه عنه إلا أن الابن إذا أراد إلحاق أبيه بحال من أدى دينه، كان ذلك
أفضل.
فرع: إذا ثبت أنه لا يلزمه أن يحج عن نفسه، فإنه يكره أن يستأجر من يحج عنه،
فإن فعل ذلك لم يفسخ، قاله الشيخ أبو القاسم فى تفريعه. وقال القاضى أبو الحسن:
يجوز ذلك فى الميت دون المعضوب. وقال ابن حبيب: قد جاءت الرخصة فى ذلك عن
الكبير الذى لا ينهض، ولم يحج، وعن الميت أنه جائز لابنه أن يحج عنه، وإن لم يوص
ويجزئه إن شاء الله تعالى.
مسألة: الأعمى الذى يحد من يهديه السبيل، ويقدر على الوصول إلى البيت يجب
(٢) أخرجه النسائى فى الصغرى حديث رقم (٢٦٣٩).

....... ٤٦٩
كتاب الحج .
عليه الحج، وبه قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: له أن يحج غيره، عنه إذا كان له مال،
وإلا لم يجب عليه كالمغضوب.
والدليل على ما نقوله، قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه
سبيلا﴾ [آل عمران: ٩٧]. وهذا قد استطاع السبيل، فوجب عليه الحج.
ودليلنا من جهة القياس أن هذا قادر على أن يحج بنفسه من غير مشقة، فلم يجز له
أن يستنیب فيه غيره کالبصير.
مسألة: وأما الحج فى البحر، فالظاهر من المذهب أن الحج واجب على من لا سبيل
له غيره، وبه قال أبو حنيفة، وهو أحد قولى الشافعى. وله قول ثان: أنه لا حج عليه.
وقال القاضى أبو الحسن: إن كان بحرًا مأمونًا يكثر سلوكه للتجارات وغيرها، فإنه
لا يسقط فرض الحج، وإن كان بحرًا مخوفًا تندر فيه السلامة، ولا یکثر ركوب الناس
له، فإن ذلك يسقط فرض الحج.
وقد روى ابن القاسم عن مالك فى المجموعة: أنه كره الحج فى البحر إلا لمثل أهل
الأندلس الذين لا يجدون له طريقًا غيره، واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿وأذن فى
الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق﴾ [الحج: ٢٧]. ولم
يذكر البحر.
قال سحنون فى غير المجموعة: ولا يلحق الناس فيه من العجز ما يعجز عن كثير
من أحكام الصلاة.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: وهذا عندى فيه نظر؛ لأن الجهاد فى البحر
لا خلاف فى إباحته. وقد وردت فى ذلك أحاديث ذكرناها فى كتاب الجهاد، قال
الله تعالى: ﴿وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله﴾ [النحل: ١٤] فامتن علينا
بذلك. وهذا يدل على إباحته على ما فيه من منع كثير من أحكام الصلاة. وإذا جاز
ذلك فى التجارات، فبأن يجوز فى أداء الفرض مع ذلك أولى وأحرى.
وقد أبيح لنا السفر فى البر، ومواضع يعدم فيها الماء، وإن كان يتعذر فيها كثير من
أحكام الطهارة التى مقصودها الصلاة.
فصل: وقولها: ((أفأحج عنه؟)) سؤال منها عن صحة النيابة فى الحج، فقال
((نعم)) وذلك يقتضى صحة النيابة فى الحج.

کتاب الحج
٤٧
والعبادات على ثلاثة أضرب، عبادة مختصة بالمال كالزكاة، فلا خلاف فى صحة
النيابة فيها، وعبادة مختصة بالجسد كالصوم والصلاة، فلا خلاف فى أنه لا تصح النيابة
فیھا.
ولا خلاف فى ذلك نعلمه إلا ما يروى عن داود أنه قال: من مات وعليه صوم
يصوم عنه وليه. وعبادة لها تعلق بالبدن والمال كالجهاد والحج، فقد أطلق القاضى أبو
محمد أنه تصح النيابة فيها.
وقد كره ذلك مالك، رحمه الله، قال: ولا يحج أحد عن أحد ولا يصلى أحد عن
أحدد، ورأى أن الصدقة على الميت أفضل من استئجار من يحج عنه إلا أنه إن أوصى
بذلك نفذت و صیته.
وقال القاضى أبو الحسن: لا تصح النيابة وإنما للميت المحجوج عنه نفقته إن أوصى
أن يستأجر من ماله على ذلك، وإن تطوع عنه بذلك أحد، فله أجر الدعاء وفضله.
وهذا وجه انتفاع الميت بالحج.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: والذى عندى أن المسألة فى المذهب على
قولين، غير أن القول بصحة النيابة أظنه مما يدل عليه أن مالكًا قال فيمن أوصى أن يحج
عنه بعد موته: ينفذ ذلك، ولا يستأجر إلا من قد حج عن نفسه.
وقال أيضًا: لا يحج عنه ضرورة، ولا عبد، ولا مكاتب، ولا معتق بعضه، ولا مدبر،
ولا أم ولد، فلولا أن الحج على وجه النيابة عن الموصى لما اعتبرت صفة المباشر للحج.
وأما ما يدل على قول القاضى أبى الحسن يمنع النيابة فيما روى عن مالك، وقد
سئل مالك عن الحج عن الميت، فقال: أما الصيام والصلاة والحج عنه، فلا نرى ذلك،
ففرق بينه وبين الصلاة والصوم.
وقال فى المدونة: يتطوع عنه بغير هذا أحب إلىّ يهدى عنه أو يتصدق عنه أو يعتق
عنه، ففاضل بينها وبين النفقات.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فقد جوز مالك الاستئجار على الحج، وجوزه الشافعى،
ومنع منه أبو حنيفة.
والدليل على صحة ما نقوله أن هذه عبادة لها تعلق بالمال، فصحت النيابة فيها
بالإجارة كالزكاة.

٠ ٤٧١
كتاب الحج
فرع: إذا ثبت ذلك، فعلى أى وجه تكون النيابة، قال القاضى أبو محمد: لسنا نعنى
النيابة أن الفرض يسقط عنه بحجة الغير، وإنما نريد بذلك التطوع، فذهب إلى أنه تصح
النيابة فى نفله دون فرضه، وهذا فيه نظر لأنه قد قال مالك: لا يستأجر للحج عبد ولا
مكاتب ولا مدبر، والنفل يصح من هؤلاءء كما يصح من الحر.
فرع: فإن قلنا إن الاستنابة غير مكروهة على ما ذهب إليه ابن حبيب، فوجه
الحديث بين، وإن قلنا إن الاستنابة مكروهة، فيحتمل أن يكون أبوها توفى عن وصيته
بذلك، وإن لم يكن فى الحديث ما يدل عليه إلا أنه قد ورد فى حديث موسى بن
سلمة عن ابن عباس أن السؤال كان عن ميت.
ما جاء فيمن أحصر بعدو
قَالَ مَالِك: مَنْ حُبْسَ بِعَدُوٌّ فَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ
وَيَنْحَرُ هَدْيَهُ، وَيَحْلِقُ رَأْسَهُ حَيْثُ حُبِسَ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ (١).
الشرح: وهذا كما قال أنه من حبس بعدو عن أن يصل إلى البيت، وذلك مما يكون
فى الحج بأحد وجهين، أحدهما: أن يتيقن بقاءه واستيطانه لقوته وكثرته، واليأس من
إزالته، فإن ذلك يكون حبسًا، ويحل حيث حبس، وإن كان بينه وبين وقت الحج مقدار
ما يهم أنه لو زال العدو لأدرك الحج.
والوجه الثانى: أن يكون العدو مما يرجى زواله، فهذا لا يكون محصورًا حتى يبقى
بینه وبین الحج مقدار ما یعلم أنه إن زال العدو لا يدرك فيه الحج، فیخل حينئذ عند ابن
القاسم وابن الماجشون.
وقال أشهب: لا يحل من أحصر عن الحج بعدو حتى يوم النحر، ولا يقطع التلبية
حتى يروح الناس إلى عرفة.
و جه قول ابن القاسم أن هذا وقت يأس من إكمال حجه بعدو غالب، فجاز له أن
يحل فيه. أصل ذلك يوم عرفة. ووجه قول أشهب أن عليه أن يأتى من حكم الإحرام
بما يمكنه والتزامه له إلى يوم النحر، الوقت الذى يجوز للحاج التحلل بما يمكنه الإتيان
به، فكان ذلك عليه. والقول الأول عندى أظهر.
(١) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٧٠.

٤٧٢
كتاب الحج
مسألة: وأما فى العمرة، فقال ابن الماجشون: يقيم ويتربص ما رجا زوال العدو،
وما لم يضر انتظار به، فإن لم يرج زوال العدو إلا فى مدة يلحقه بمثلها الضرر حل،
وهو مثل الحج.
وقول ابن الماجشون هذا فى العدو الذى يرجى زواله، وأما العدو الذى لا يرجى
زواله کالمستوطن ونحوه، فإن كان ترجى إباحته للطريق، فإن التوقف فى ذلك ومحاولته
يجرى عندى مجرى رجاء زواله، محاولته ذلك، وإن لم زواله ولا إباخته الطريق، جاز
الإحلال بنفس ظهوره وتغلبه ومنعه، والله أعلم.
فصل: وقوله: ((فحال بينه وبين البيت الإحصار))، لا يكون إلا عما لا يتم النسك
إلا به، وهو فى العمرة البيت والسعى بين الصفا والمروة، وفى الحج مع ذلك عرفة، فإن
أحصر بعد الوقوف بعرفة عن مكة، فإنه يأتى بالمناسك كلها، وينتظر أيامًا، فإن زال
العدو، وأمكنه الوصول إلى البيت طاف، وإلا حل وانصرف لأن عليه أن يأتى من
نسکه بما يمكنه، وما حصر عنه تحلل، وجاز له تركه، كما يجوز له ترك جميع النسك.
فإن دخل مكة، فأحصر عن الوقوف بعرفة، فقد قال ابن الماجشون: ليس له أن يحل
دون أن يطوف بالبيت ويسعى ويؤخر الحلاق.
فإن يئس من زوال العدو أو طال انتظاره بمقدار ما يدركه به الضرر حلق وحل لأن
التحلل له متى ما حصر، فترك ما منع منه جائز، وعليه أن يأتى من النسك بما قدر عليه
لأنه قد لزمه بالإحرام له، وله إذا تحلل حكم الحاج لاحكم المعتمر، قاله ابن الماجشون.
ووجه ذلك أن النبى ۶﴾ لما أحصر بالحديبية، نحر هديه وحلق، وكذلك فعل سائر
من كان معه هدى، نحره، وحلق ومن لم يكن معه هدى، حلق، فأتى كل واحد منهم
من النسك بما أمكنه.
ومن جهة المعنى أنه أحرم بالحج ولم يفته، وإنما عمل عمله للعمرة، وإنما عمله
للحج، وقد کان یحکم له بتمام حجه دون أن يطوف ويسعى، وقد طاف وسعى.
مسألة: ومن أهل من مكة بالحج، فحال العدو بينه وبين عرفة فليحل وينصرف،
وليس عليه طواف ولا سعى؛ لأن طواف الورود ساقط عنه وطواف الإفاضة لا يكون
إلا بعد الوقوف بعرفة، وإنما عليه أن يأتى من العمل بما منع منه بالحصر.
مسألة: ولو أحصر بعد الإحرام، وقبل الوصول إلى البيت عن الوصول إلى شىء من

٤٧٣
کتاب الحج
المناسك، وهو قادر على التقدم إلى قرب مكة وممنوع منها ومن سائر المناسك، فله
عندى أن يحل بموضعه، فإن كان العدو منع الطريق، فقد روى القاضى أبو الحسن عن
ابن الماجشون: ليس عليه أن يأخذ طريقًا أخرى، فيسلك حيث لا تسلك ويمر بالأثقال
حيث لا يمر بها، ولا يركب المخاوف، فإن لم يجد إلا هذا، فهو محصور، وإن كان
وجد سبيلا آمنة مسلوكة، وإن كانت أبعد من طريقه المعتاد، فليس محصور، إن بقى
من المدة ما يصل فيه على مثل تلك الطريق.
مسألة: ومن علم بالحصر قبل الإحرام فلا يحرم، فإن فعل، فليس له حكم المحصور،
قاله ابن المواز عن مالك.
ووجه ذلك أنه علم بالمنع وأحرم فقد ألزمه نفسه، فلم يكن له التجلل لذلك.
فصل: وقوله: ((فإنه يحل من كل شىء وينحر هديه))، هذا مذهب مالك فى جواز
التحلل، ولا خلاف نعلمه فيه. وقد فعل ذلك النبى :﴿3﴾ حين صده المشركون عن
البيت فى عمرته، فتحلل بالحديبية، قال عبدالله بن عمر: خرجنا مع رسول الله
معتمرين، فحال كفار قريش دون البيت، فنحر رسول الله ﴿﴿ هديه، وحلق رأسه،
وعلة ذلك والله أعلم أنه ممنوع بيد ظالمة غالبة.
وقد قال ابن القاسم فى الموازية، فيمن حبس فى دين أو غيره: ليس محصور. قال
ابن القاسم: ولقد كنت عند مالك فى نفر محرمين اتهموا فى دم، فيما بين الأبواء
والجحفة، فردوا إلى المدينة وحبسوا فسئل مالك، وأخبر أن الأمر قد اشتد عليهم، فقال
مالك: لا يحلهم إلا البيت، فأما الحبس فى الدين والتهمة، فإنه يحتمل أن يكون ذلك
لأنه محبوس، بحق لا يستديم المنع، وإنما يريد اقتضاء حق يترقب فى كل وقت أداؤه
والتخلص منه، وأهل التهم مترقب فى كل وقت ظهور براءتهم منها أو إقرارهم بالحق،
فیقتص منهم مع أن الحابس بيد حق.
وأما المرأة تحرم فى تطوع بغير إذن زوجها والعبد يحرم بغير إذن سيده، فإن للزوج
والسيد أن يحلهما لأن المنع بوجه حق ممن يستحق استدامة المنع. وأما المسجون فى دين
أو تهمة، فإن الحابس لا يستحق استدامة المنع، وإنما يستحق استيفاء حقه، ثم لا يجوز
له بعد ذلك منعه، فعلى هذا تكون علة جواز المحصر غير علة جواز تحلل العبد
والزوجة.
وقد تجمعهم علة، وهو أن يقال أنه ممنوع بيد غالبة تقصد استدامة المنع، فكان له

.. كتاب الحج
٤٧٤
التحلل، ويصح أن يقال فيه أن المنع إذا كان بسبب عام، فله حكم المحصر، وإذا كان
بسبب خاص كالمسجون فى حق أو الذى مرض أو ضل الطريق أو أخطأ العدد، فهذا
سببه خاص، فلا يحله إلا البيت.
ويصح أن يقال فيه أن ما يتخلص بالتحلل من سبب الحصر، فإنه يبيح التحلل، وما
كان لا يتخلص بالتحلل من سببه، فإنه لا يبيح التحلل کالمرض وما أشبهه.
فصل: وقوله: ((وينحر هديه))، معناه أن ينحر هديًا، إن كان معه قد ساقه، وأما
تحلله للحصر، فلا يوجب هديًا عند مالك، وبه قال ابن القاسم. وقال أشهب: عليه
الهدى، وبه قال أبو حنيفة والشافعى.
ودليلنا من جهة القیاس ما استدل به القاضى أبو الحسن والقاضی أبو محمد أنه تحلل
مأذون فيه عار من التفريط، وإدخال النقص، فلم يجب به هدى. أصل ذلك إذا أكمل
حجه.
ودليل ثان يختص بالشافعى أن هذه عبادة لها تحرم وتحلل، فإذا سقط قضاؤها
بالفوات، وجب أن يسقط جبرانها كالصلاة، إذا سقط قضاؤها لفوات الإتيان بها
بالحيض والإغماء سقط جبران الفوائت، وكذلك الحج.
واحتج أشهب ومن تابعه بقوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى﴾
[البقرة: ١٩٦] قال: وهذا ممن أحصر بعدو، وقد خالف سائر أصحابنا أشهب فى
هذا، وقالوا: الإحصار إنما إحصار المرض. وأما العدو فإنما يقال فيه حصر حصرًا فهو
محصور.
فإن قيل فقد، قال الفراء: إن العرب تقول أحصره المرض، وأحصره العدو، ولا يقال
حصره إلا فى العدو وحده، فإذا كان لفظ الإحصار يستعمل فى المعنيين حمل عليهما.
فالجواب أن أبا عبيد حكى عن الكسائى أنه قال: ما كان من مرض، فإنه يقال فيه
احصر الرجل، فهو محصور وما کان من سجن أو حبس قيل فيه حصر، فهو محصور.
وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: ما كان من مرض أو ذهاب نفقة، فإنه يقال فيه
أحصر، فهو محصر، وما كان من حبس، قيل فيه حصر، فهو محصور، وهذا مثل
قولهم: قبر الرجل، إذا دفن، وأقبر الرجل، جعل له قبرًا، وما حكاه الفراء أنه يقال فى
العدو أحصر، يحتمل أن يكون على معنى المجاز.

..... ٤٧٥
كتاب الحج .
وقد قال ابن عباس: لا حصر إلاحصر العدو، وهو من أهل اللغة واللسان مع التقدم
والعلم. وجواب آخر، وهو أن فى الآية ما يدل على أن المراد المرض دون العدو لقوله
تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى ولا تحلقوا
رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أو نسك﴾ وذلك من وجهين،
أحدهما: أنه قال: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله﴾ والمحصور بعدو یحلق
رأسه قبل أن يبلغ الهدی محله. والوجه الثانی أنه قال تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا
أو به أذى من رأسه فقدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ [البقرة: ١٩٦] معناه فحلق،
ففدية من صيام أو صدقة أو نسك، وإذا كان هذا واردا فى المرض، فلا خلاف كان
الظاهر أن أول الآية فيمن ورد فيه وسطها وآخرها لاتساق الكلام بعضه على بعض،
وانتظام بعضه ببعض ورجوع الإضمار فى أجزاء الآية إلى من خوطب فى أولها فيجب
حمل ذلك على ظاهره حتى يدل الدليل على العدول عنه.
فصل: وقوله: ((ويحلق رأسه حيث حبس))، يريد انتهى سفره، سواء كان فى الحل
أو فى الحرم، ومعنى ذلك أنه ينحر قبل تحلله وحلق رأسه، وإذا كان تجلله وحلق رأسه
فى الحل، فكذلك نحر هديه أنه مقدم فى الرتبة على الحلاق.
فصل: وقوله: ((ولا قضاء عليه))، يريد أنه ليس عليه أن يقضى عمرته أو حجته التى
تحلل منها لأن تحلله منهما إذا حصر عن بلوغ الغاية منهما مسقط لما وجب منها
بالدخول فیها عند مالك أو أکثر أصحابه.
وأما عبدالملك بن الماجشون، فإن ذلك عنده بمنزلة إتمامها على وجهها، فتجزيه عن
حجة الإسلام إن كان أرادها بها، ووافقنا الشافعى فى أنه لا قضاء عليه. وقال أبو
حنيفة: عليه القضاء.
واستدل القاضى أبو محمد فى ذلك بأن هذا ممنوع بيد غالبة، فلم يكن عليه القضاء
أصله العبد يحرم بغير إذن سيده والمرأة تحرم بغير إذن زوجها على الصحيح من المذهب
ويلزمه على هذا المحبوس فى الدين لأنه لا يتحلل وقد تقدم الكلام فى تحرير هذا
المعنى، والله أعلم.
٧٨٩ - مَالِكِ أَنْهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ حَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحُدَِّيَةِ، فَنَحَرُوا
الْهَدْىَ وَحَلَقُوا رُءُوسَهُمْ، وَحُلُّوا مِنْ كُلِّ شَىْءٍ قَبْلَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ، وَقَبْلَ أَنْ
٧٨٩ - ذكره ابن عبد البر فى التمهيد ٤٥٤/٥. وفى الاستذكار ٧٦/١٢.

کتاب الحج
٤٧٦
يَصِلَ إِلَيْهِ الْهَدْىُ ثُمَّ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ أَمَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلا مِمَّنْ
كَانَ مَعَهُ أَنْ يَقْضُوا شَيْئًا وَلا يَعُودُوا لِشَىْءٍ.
الشرح: قوله: ((إن رسول الله ﴿4 حلق هو وأصحابه بالحديبية))، يريد أنه تحلل
بذلك من عمرته التى أحرم وصده المشركون عنها، فنحر النبى ﴿143 هديه ثم حلق بها
رأسه على حسب ما كان يفعل، لو وصل إلى البيت، وأمر أصحابه ففعلوا مثل ذلك.
فصل: وقوله: ((وحلوا من كل شىء))، يريد أنهم لم يبقوا من الإحرام شيئًا على
حسب ما يفعله ما يحتاج إلى إماطة الأذى، ولبس المخيط وغير ذلك، فإنه يستبيح هذه
الأشياء، ويبقى على إحرامه، ويثبت على الامتناع مما لا يحتاج إليه من موانع الإحرام.
وأما أصحاب النبى ﴿3﴾ فإنهم حلوا الحل كله وخرجوا عن جميع أحكامه إلى حكم
التحلل المطلق.
فصل: وقوله: ((إن ذلك كان قبل أن يطوف بالبيت وقبل أن يصل الهدى))، يريد
إحلالهم كان قبل وصول الهدى محله، وهو موضع نحره، وقبل أن يفعلوا شيئًا من
أفعال النسك من طواف أو سعى، يريد بذلك تبيين موضع الحاجة، وأن تحلله ﴿® كان
ولم يصل إلى البيت، فيأتى بشىء من أفعال العمرة من طواف أو سعى، ولم يرد به أنه
بعد التحلل وصل إلى البيت لأن الصد إنما كان عن دخول مكة، وهو موضع الطواف
والسعى، ولو وصل إلى ذلك لما کان محصورًا، ولکان نسكه قد کمل علی وجهه.
فصل: وقوله: «ثم لم نعلم أن رسول الله ﴿! أمر أحدًا من أصحابه، ولا ممن كان
معه أن يقضوا شيئًا، ولا يعودوا لشىء))، يريد مالك أن يستدل بذلك على أن
القضاء غير واجب لأن النبى ﴾ قد أصابه هو وأصحابه مثل هذا فى محفل عظيم،
وعدد كثير، ومشهد مشهور، كان أصحاب النبى ﴿﴿ فيه ألفًا وأربعمائة، ولا يجب
شىء إلا بإيجاب النبى ﴿، ومحال أن يجب ذلك عليهم، ولا يأمرهم به، ومحال أن
یأمرهم به، ولا يبلغنا مع كثرة عددهم، وتواتر جمعھم، وتحدثهم بما جرى لهم فيه من
الأحكام والأحوال لشهرة المشهد، وسؤال التابعين لهم عنه، وقد أورد من حال ذلك
المشهد ما لا تبلغ الحاجة إليه مبلغها إلى هذا من صفة مسيرهم، ولقاء من لقوه، وما
لقى به النبى ﴿19 من صفة المنع، وأسماء الواردين عن قريش، ونص ألفاظهم
ومراجعتهم، وجواب النبى ﴿﴿ عن ذلك، وقول أصحابه فيه، وعدة أصحاب النبى
** ، ومن كان معه من نسائه، فكيف بهذا الحكم مع عظيم شأنه وشمول الحاجة إلى

٤٧١
كتاب الحج .
بقاء حكمه وامتثاله ما بقيت الدنيا، فهذا كان أولى بالنقل، فإذا لم ينقل مع ما علم من
اهتبال أصحاب النبى ◌ّ بنقل أحكامه، واهتمام التابعين بسؤالهم عنها، ونقلهم لها،
ثبت أنه لم يأمرهم بقضاء، وإذا لم يأمرهم به صح وتقرر أنه لم يجب عليهم.
ووجه ثان، وهو أن أصحاب النبى 18 كانوا معه فى تلك العمرة العدد الذى تقدم
ذكره، ولو لزم القضاء للزم جميعهم، ولوجب أن يلقيه النبى و﴿لَّه إلى جميعهم إلقاءً
شائعًا يعمهم علمه، ولو كان ذلك لوجب فى مستقر العادة أن ينقل إلينا إما بطريق
تواتر أو طريق آحاد، ولو جاز أن يخفى علينا هذا من أمره مع ما يلزم من شموله
وعمومه، لجاز أن يخفى علينا أكثر غزواته ومشاهده ومقاماته لأن من كان معه فى
أكثرها لم يبلغوا هذا العدد الذى لزمهم معرفة هذه القضية ونحن نعلم أنه قد وصل إلينا
من أقواله وأوامره فى هذا اليوم ما لعله لم يسمعه إلا ناقله خاصة أو سمعه معه العدد
اليسير، ولم يكن فيه حكم يتعلق بأحد منهم، فكيف لا ينقل إلينا ما شمل جميعهم
علمه ووجب عليهم حکمه.
٧٩٠ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنْهُ قَالَ حِينَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ
مُعْتَمِرًا فِى الْفِتْنَةِ: إِنْ صُدِدْتُ عَنِ الْبَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ فَأَهَلَّ
بِعُمْرَةٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الْحُدَِّيَةِ، ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ نَظَرَ فِى
أَمْرِهِ، فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلا وَاحِدٌ، ثُمَّ الَّفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلا
وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنّى قَدْ أَوْحَبْتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ نَفَذَّ خَتَّى جَاءَ الْبَيْتَ، فَطَافَ
طَوَافًا وَاحِدًا، وَرَأَى ذَلِكَ مُحْزِيًا عَنْهُ وَأَهْدَى(١).
قَالَ مَالِك: فَهَذَا الأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ أُخْصِرَ بِعَدُوٌّ كَمَا أُحْصِرَ النَّبِىُّ :﴿ وَأَصْحَابُهُ،
فَأَمَّا مَنْ أُخْصِرَ بِغَيْرِ عَدُوِّ، فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ دُوْنَ الْبَيْتِ.
الشرح: قوله: ((إن عبدالله بن عمر حين خرج إلى مكة معتمرًا فى حال الفتنة»،
٧٩٠ - أخرجه البخارى ٢٦٨/٥ كتاب المغازى، باب غزوة الحديبية عن ابن عمر. ومسلم ٩٠٣/٢
کتاب الحج، باب ٢٦ رقم ١٨٠ عن ابن عمر.
(١) قال ابن عبد البر فى التمهيد ٤٥١/٥: إلى هنا انتهت رواية يحيى، وعلى ذلك أكثر رواة
الموطأ وفى رواية على بن عبدالعزيز، عن القعنبى، عن مالك، فى هذا الحديث: ((وأهدى شاة»،
فزاد ذكر الشاة، وهو غير محفوظ عن ابن عمر، ولم يذكر القعنبى أيضًا فى هذا الحديث قوله من
أجل أن رسول الله قد أهل بعمرة يوم الحديبية.

كتاب الحج
٤٧٨
يريد فتنة الحجاج ونزوله على عبدالله بن الزبير بمكة، فقال ابن عمر: ((إن صددت عن
))، يريد أنه يحل دون البيت ويرجع ويرى
البيت صنعنا كما صنعنا مع رسول الله ﴿
أنه قد أجزا عنه نسکه، ولو لم يكن مجزئًا لما دخل فيه لأنه بمنزلة من يتعرض لفوات
النسك وإبطاله، ويحتمل أن يكون عبدالله بن عمر لم يتيقن نزول الجيش بابن الزبير
حين أحرم، وإنما كان شىء يتقيه ويخاف أن يكون، وإن کان تيقن نزوله، فإنه لم يتقن
صدهم له لما كان عليه من اعتزال الطوائف، وترك التلبس بالفتنة.
وقد بين ذلك بقوله: إن صددت عن البيت صنعنا كما صنعنا مع رسول الله
ولو تيقن العدو المانع لما جاز أن يحرم لأن ذلك تلبس بعبادة يتيقن أنها لا تتم فيكون
كالقاصد لغير البيت بنسكه أو ملتزمًا لتمام النسك ومطرحًا للإحلال بالحصر، وعلى
من فعل ذلك إتمام نسكه، ولا يحل دون البيت، قاله ابن الماجشون.
ومما يبين ذلك أن النبى ﴾ لم يتيقن أن يصد عام الحديبية لأنه لم يأتهم محاربًا، وإنما
قصد العمرة، ولم تكن قريش تمنع من قصد الحج أو العمرة.
فصل: وقوله: ((فأهل عبدالله بن عمر بعمرة من أجل أن رسول اللـه ﴿﴿ أهلّ
بعمرة عام الحديبية))، يريد أنه امتثل نسك رسول الله ﴿19 ليأتى من التحلل دون البيت
إن صد عنه بما أتى به النبى ﴿﴾، ويكون له من ذلك ما كان له ولم يحرم بالحج لما
خاف أن يكون أكد من العمرة فى ذلك، وألا يكون للمحرم بالحج من الرخصة
بالتحلل ما للمحرم بالعمرة.
فصل: وقوله: ((ثم إن عبدالله بن عمر نظر فى أمره، فقال: ما أمرهما إلا واحد))،
يريد أنه تأمل ما أحرم به من العمرة، وما كان يريده من الحج ويسر حالهما، فرأى أن
حكمهما فى ذلك واحد لأنهما نسكان متعلقان بالبيت، فإذا كان له الترخص بالتحلل
فى أحدهما كان له فى الآخر مثل ذلك، ولأنه إذا كان له التحلل فى العمرة، وليست
متعلقة بوقت معين، فبأن يكون له ذلك فى الحج وهو يفوت بفوات الوقت أولى.
فقال عبدالله بن عمر: ((إن أمرهما واحد))، وهذا حكم بالقياس، ولا نعلم أحدًا
أنكر عليه ذلك ثم إن عبدالله بن عمر التفت إلى أصحابه، فقال: ما أمرهما إلا واحدًا،
علمهم ما ظهر إليه من أن أمر الحج والعمرة فى ذلك واحد، لينبههم بذلك على حكم
القضية، ثم قال لهم: ((أشهدكم أنى قد أوجبت الحج مع العمرة)) ليقتدى به فى ذلك
من يلزمه تقليده، وينبه على مواضع النظر والاستدلال من يصح منه ذلك، فأردف

كتاب الحج ..
٤٧٩
عبدالله الحج على العمرة، وذلك قبل التلبس بشىء من أفعال العمرة، فصار قارنًا،
وذلك جائز على ما قدمناه.
فصل: وقوله: ((فنفذ عبدالله حتى جاء البيت فطاف طوافًا واحدًا، ورأى ذلك مجزئًا
عنه))، يريد أنه رأى الطواف الواحد أجزاء عن عمرته وحجه، إذا كان قد قرن بينهما،
وهذا مذهب مالك والشافعى. وأما أبو حنيفة فيقول: لا تجزئه، ولابد له من طوافين
وسعیین، وسیأتی بعد هذا إن شاء الله تعالى.
فصل: وقول مالك، رحمه الله: ((فهذا الأمر عندنا فيمن أحصر بعدو، وكما أحصر
النبى ﴿﴿ وأصحابه))، يريد أن حكمه مثل حكم ما روى عن عبدالله بن عمر أنه يجوز
له من ذلك ما جاز للنبى ﴿3﴾ وأصحابه يوم الحديبية.
وقد قال مالك: أحصر فى العدو، فإن صحت هذه الرواية ولم تغيرها الرواة، فإنها
على قول القاضى أبى الحسن أن لفظة أحصر، تستعمل فى العدو والمرض وحصر لا
يقال إلا فى العدو على ما روى عن الفراء فى ذلك.
فصل: وقوله: ((وأما من أحصر بغير عدو، فإنه لا يحل دون البيت))، يريد بذلك من
ملك نفسه، وأما من ملكه غيره كالعبد والمرأة، فإنهما يحلان بعد الإحرام، إذا منعهما
من له المنع، وإن لم يكن عدوا لأن المانع لتمامه استدامة المنع، والأذن فى الإحرام وقد
تقدم ذكره.
ما جاء فيمن أحصر بغير عدو
٧٩١ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ عُمَرَ
أَنْهُ قَالَ: الْمُحْصَرُ بِمَرَضٍ لا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ،
فَإِذَا اضْطُرَّ إِلَى لُبْسٍ شَىْءٍ مِنَ النِّيَابِ الّتِى لِأُبْدَّلَهُ مِنْهَا أَوِ الدَّوَاءِ صَنَعَ ذَلِكَ،
وَاقْتَدَى.
الشرح: قوله: ((إن المحصر بمرض لا يحل حتى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا
والمروة))، وهو مذهب عبدالله بن عمر وإليه ذهب مالك والشافعى، وقال: أبو حنيفة:
له التحلل حیث احصر.
٧٩١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٧٢. القرطبى فى تفسيره ٣٧١/٢. المجموع
٢٦٧/٨. المغنى ٣٦٣/٣.

، كتاب الحج
٤٨٠ ............
والدليل على ما نقوله، قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [الحج: ١٩٦]
والأمر يقتضى الوجوب.
ودليلنا من جهة المعنى أن هذا تلبس بالحج، لم يصد عنه بيد غالبة، فلم يكن له
التحلل دون البيت كمخطئ الوقت أو مخطئ الطريق، والاستدلال فى المسألة، وهو أن
التحلل إنما وضع للتخلص مما هو سبب للتحلل كالعدو المانع، فشرع التحلل للسلامة
منه، والرجوع عنه، والمريض لا يتخلص بتحلله من مرضه، فلم يشرع له التحلل
کالمسجون.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فسواء شرط عند إحرامه التحلل للمرض أو لم يشترط. وقال
الشافعى: إن شرط التحلل عند إحرامه بأن له ذلك للشرط الذى شرطه.
والدليل على ما نقوله أن كل ما لا يجوز الخروج به من العبادة بغير شرط، فإنه لا
يجوز الخروج به من العبادة لأجل الشرط.
أصل ذلك أن يشترط إلا أن يبدو لى، وتعلق من ذهب إلى جواز الاشتراط بما رواه
أن ضباعة بنت الزبير بن عبدالمطلب أتت النبى ﴿٤﴾، فقالت: يا رسول الله، إنى أريد أن
أحج، فكيف أقول؟ فقال: ((قولى لبيك اللهم لبيك ومحلى من الأرض حيث تحبسنى،
فإن لك على ربك ما استثنيت))(١) فإنه يحتمل أن يريد بقولها: ومحلى حيث تحبسنى:
الموت، ولا خلاف أن الميت ليس عليه إتمام نسكه، ويحتمل أن تريد حيث تحبسنى
بعدو، ويحتمل أن تريد بقولها: محلى، أى مكان مقامى حيث تحبسنى عن التوجه إلى
البيت بمرض، فإذا زال المرض توجهت إليه، وأكملت نسكی.
ويدل على صحة هذا التأويل قولها: ومحلى من الأرض حيث تحبسنى فهذا ظاهره
المكان، والله أعلم، فيكون معنى ذلك الدعاء بالعون والاعتراف بالعجز مع بذل الجهد
فى بلوغ الغرض من إتمام العبادة؛ لما يخاف من عوائق المرض، تريد إنى يا رب خارجة
رجاء عونك على البلوغ إلى قضاء نسكى، فإن حبستنى دون ذلك، فإنى إنما أمسك
عن التمادى حيث حبستنى، وسلبتنى القوة عن السعى إلى قضاء نسكى، وهذا غير
خارج عن صفة البانى على إحرامه إذا أحصر بمرض، والله أعلم.
فصل: وقوله: ((فإنه لا يحل حتى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة))، يريد
استدامة إحرامه حتى يصل إلى البيت، فإن كان فى وقت لم يفته فيه الحج كان طوافه
(١) أخرجه النسائى فى الصغرى حديث رقم ٢٧٦٦. الدارمى حديث رقم ١٨١١.

٤٨١٠
....
کتاب الحج
بالبيت وسعيه بين الصفا والمروة بحجة، وإن كان قد فاته الحج، و کان إحرامه بالحج،
فإنه يتحلل بعمرة يطوف بها ويسعى ثم يتحلل وعليه الهدى لما فاته من الحج، وعليه
حج من عام قابل، وإن كان إحرامه أولا بعمرة، فمتى وصل إلى البيت طاف لها وسعى
وتحلل منها.
فرع: ولو أحصر بمرض بعدما طاف لحجه وسعى، ففى كتاب ابن حبيب، وغيره:
يطوف ويسعى للعمرة التى يحل بها.
ووجه ذلك أنه لا يتحلل من الإحرام بعد المرض إلا بنسك كامل، وأقل النسكين
العمرة، ولما كانت لا تتعلق بوقت معين، ولم يدخلها الفوات كان تحلل من فاته الحج
بها لما كان حكم الإحرام لازمًا لا يصح الخروج عنه إلا بتمام نسك، وكان الحج يتعلق
بوقت يفوت بفواته لم يصح الخروج من الإحرام إلا بعمرة ولما كان طواف هذا المحصر
وسعيه لحجه الذى فاته لزمه استقبال طواف وسعى للعمرة التى تحلل بها، ولم ينب
طواف الحج عن طواف العمرة لاختلاف أحكامهما.
٧٩٢ - مَالِك، عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ أَنْهُ بَلَغَهُ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النّبِىِّ ◌َّ أَنْهَا
كَانَتْ تَقُولُ: الْمُحْرِمُ لا يُحِلُّهُ إِلاَ الْبَيْتُ.
٧٩٣ - مَالِك، عَنْ أَيُوبَ بْنٍ أَبِى تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانِىِّ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ
الْبَصْرَةِ(١) كَانَ قَدِمًا أَنْهُ قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى مَكْةَ خَتَّى إِذَا كُنْتُ بِبَعْضِ الطّرِيقِ
كُسِرَتْ فَخِذِى، فَأَرْسَلْتُ إِلَى مَكَّةَ، وَبِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ
وَالنَّاسُ، فَلَمْ يُرَخّصْ لِى أَحَدٌ أَنْ أَحِلَّ فَأَقَمْتُ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ سَبْعَةً أَشْهُرٍ حَتَّى
أَخْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ.
٧٩٤ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ
٧٩٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٧٣.
٧٩٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٧٤. الطبرى فى تفسيره ١٣١/٢. البيهقى فى
السنن الكبرى ٢١٩/٥.
(١) قال فى الاستذكار ٩٢/١٢: هذا الرجل الذى ذكر مالك أنه من أهل البصرة هو أبو قلابة
ابن زيد الجرمی شیخ أيوب السختيانی ومعلمه.
٧٩٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٧٥. القرطبى فى تفسيره ٣٧١/٢. المغنى
٦٣٦/٣. المجموع ٢٦٧/٨.