Indexed OCR Text
Pages 1381-1400
كتاب الحج ٣٨٢ ٠ الشرح: قوله: ((اعتمر ثلاثًا))، هو الصحيح على مذهب مالك، ومن قال: إن النبى ﴿َّ قرن الحج، يقول: اعتمر أربع عمر، وكذلك يقول أنس، وقد تقدم. فصل: وقوله: ((عمرة الحديبية))، فعدها عمرة، يقتضى أنها عنده تامة، وإن كان صد عن البيت ومنع منه، فلا قضاء على من صد عن البيت بعد. وقال أبو حنيفة: عليه القضاء. والدليل على ذلك إجماع الصحابة على الاعتداد بعمرة الحديبية، فلو كانت عمرة غير تامة، وكانت عمرة القضية قضاء لها لما عدت، ولو كانت عمرة القضية قضاء لها لما أعدت عمرة الحديبية إلا أن تعد مع عمرة القضية عمرة واحدة. فصل: وقوله: ((وعام القضية))، يريد التى قاضى النبى ﴿﴿ كفار قريش عليها، وكانت فى ذى القعدة، ولذلك جعل مالك، رحمه الله، ترجمة الباب العمرة فى أشهر لحج. وقوله: ((وعمرة الجعرانة))، يريد التى اعتمر من الجعرانة منصرفه من حنين. ٧٥٠ - مَالِك، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ لَمْ يَعْتَمِرْ إِلا ثَلاثًا، إِحْدَاهُنَّ فِى شَوَّالٍ، وَانْتَيْنِ فِى ذِى الْقَعْدَةِ. الشرح: قوله: ((لم يعتمر إلا ثلاثًا))، إنكار لقول عبدالله بن عمر، وقول أنس: اعتمر أربعًا، فأما عبدالله بن عمر، فإنه أضاف إلى الثلاثة المذكورة، عمرة فى رجب، وأنكرت ذلك عائشة، وقالت: لم يعتمر رسول الله ﴿﴿ قط فى رجب. وأما أنس، فإنه أضاف إلى الثلاثة المذكورة عمرة زعم أنه قرنها بحجة. فصل: وقولها: ((إحداهن فى شوال، واثنتان فى ذى القعدة)) تنبيه على أوقات عمر النبى ﴾، ويتعلق بذلك أن العمرة فى أشهر الحج جائزة، وقد كان الناس فى الجاهلية ينكرون ذلك حتى بين النبى ﴿﴿ جوازه. ٧٥١ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ الأَسْلَمِىِّ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ سَعِيدٌ بْنَ الْمُسَّيَّبِ أَأَعْتَمِرُ قَبْلَ أَنْ أَحُجَّ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: نَعَمْ، قَدِ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَ قَبْلَ أَنْ یحُجّ. ٧٥٠ - أخرجه البخارى مرفوعًا فى كتاب العمرة، باب من اعتمر قبل الحج عن ابن عمر. ٧٥١ - أخرجه أبو داود برقم ١٩٨٦ عن ابن عمر. ٣٨٣ كتاب الحج . الشرح: سؤال السائل عن تقديم العمرة على الحج، لما علم بكون الحج مقدمًا فى الرتبة للاتفاق على وجوبه، ولعله اعتقد أن العمرة لما كانت تدخل فى عمل الحج أنها تابعه له، ومؤخرة فى الرتبة، فأخبره سعيد أن النبى ﴿ قد اعتمر قبل أن يحج، وذلك أن النبى 5 إنما حج بعد أن نزل فرض الحج، حجة الوداع، وقد اعتمر قبل ذلك الثلاث العمر المذكورة. ٧٥٢ - مَالِك عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِى سَلَمَةَ اسْتَأْذَنَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنْ يَعْتَمِرَ فِى شَوَّالٍ، فَأَذِنَ لَهُ فَاعْتَمَرَ ثُمَّ قَفَلَ(١) إِلَى أَهْلِهِ وَلَمْ يَحُمَّ. الشرح: استئذان عمر بن أبى سلمة، عمر بن الخطاب فى عمرة فى شوال، يحتمل أن يكون بمعنى السؤال والاستفتاء، وأذن عمر له، بمعنى الفتيا، ويحتمل أن يكون فى أمر لعمر ابن الخطاب أن يكون فى أمر لعمر بن الخطاب أو للمسلمين بتقديم عمر، فلا يمكنه الإخلال به، ولا الترك له إلا بإذن عمر. فصل: وقوله: ((ثم قفل إلى أهله ولم يحج))، يحتمل أنه لم يحج فى ذلك العام، ويحتمل أن يكون لم يحج فى سفره ذلك، وإن كان حج فى عامه بعد العودة إلى أهله، فيسقط عنه بذلك دم المتعة. قطع التلبية فى العمرة ٧٥٣ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقْطَعُ التِّيَةَ فِى الْعُمْرَةِ إِذَا دَخَلَ الْحَرَمَ. الشرح: قوله: ((أنه كان يقطع التلبية فى العمرة إذا دخل الحرم))، على حسب ما تقدمت الرواية عن عبدالله بن عمر من قطعه التلبية فى العمرة إذا دخل الحرم، وذلك أن المعتمر إنما يقصد من الحل إلى الحرم، وإليه دعى فإذا وصل إليه من البعد، فقد انقضت تلبيته وكمل مقصده، فأما الحاج، فليس ذلك بنهاية مقصده وإنما نهاية مقصده عرفة. ٧٥٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٣٠. (١) القفول: الرجوع. ٧٥٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٣١. کتاب الحج ٣٨٤ قَالَ مَالِكِ فِيمَنْ أَعْتَمَرَ مِنَ الْتّعِيمِ: إِنَّهُ يَقْطَعُ الَِّيَّةَ حِينَ يَرَى الْبَيْتَ. وسُئِلَ مَالِك عَنِ الرَّجُلِ يَعْتَمِرُ مِنْ بَعْضِ الْمَوَاقِيتِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ مَتَّى يَقْطَعُ التّلِيَةَ؟ فَقَالَ: أَمَّا الْمُهِلُّ مِنَ الْمَوَاقِيتِ، فَإِنَّهُ يَقْطَعُ الْتِّيَةَ إِذَا انْتَهَى إِلَى الْحَرَمِ. قَالَ: وَبَلَغَنِى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَّ عُمَرَ كَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ. الشرح: وهذا كما قال، وذلك أن من اعتمر من التنعيم، وهو أدنى الحل إلى المسجد، فإنه يستديم التلبية حتى يرى البيت لأنه ليس من التنعيم إلى الحرم كبير مسافة فلو قطع التلبية بدخول الحرم لما لبى إلا مرة أو مرتين، ثم يدخل الحرم، فيقطع التلبية التى هى شعار المعتمر، واستحب له استدامة التلبية إلى نهاية المقصود لتطول مدتها، ولا يعرى معظم النسك منها. وأما الذى يهل من المواقيت، فقد استدام التلبية أيامًا، وكثر شعاره لها، واقترن أكثر نسكه بها، فاستحب له قطعها عند دخول الحرم؛ لأنه فى الجملة مقصوده، ولأن من حكم النسك أن يعرى بعضه من التلبية کالحج. وقد روى فى المختصر: من أحرم من الميقات قطع التلبية، إذا دخل الحرم، وإن أحرم من الجعرانة، قطع التلبية حين دخول مكة، ومن أحرم من التنعيم، قطع التلبية عند رؤية البيت، وهذا لما ذكرناه من طول مدة التلبية وقصرها، وأنه يراعى أن يقرن التلبية بمعظم مدة العبادة ويعرى منها بعضها، وأن المقصود بالعمرة الحرم، وأن المقصود من الحرم البيت، فهذه مقاصد صحيحة ووجوه استحباب. فصل: وقوله بعد هذا: ((وقد بلغنى أن عبدالله بن عمر كان يصنع ذلك))، وقد تقدمت روايته لذلك عنه من طريق نافع على حسب ما يفعل كثيرًا من إرساله الخبر مع روايته له عن أوثق الناس، وكذلك كان يفعل التابعون رضى الله عنهم. * ما جاء فى التمتع(١) ٧٥٤ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْقَلٍ (١) التمتع: فصل بين الحج والعمرة بإحلال فى أشهر الحج. ٧٥٤ - أخرجه البخارى ٣٣٤/٢ كتاب الحج، باب الذبح قبل الحلق عن أبى موسى. ومسلم ٨٩٥/٢ كتاب الحج، باب ٢٢ رقم ١٥٤ عن أبى موسى. والترمذى فى كتاب الحج حديث= كتاب الحج ٠ ٣٨٥ ...... ابْنِ عَبْدِ الْمُطَِّبِ أَنَّهُ حَدَّتَهُ أَنْهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِى وَقَّاصٍ وَالضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ عَامَ حَجَّ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِى سُفْيَانَ، وَهُمَا يَذْكُرَانِ التَّمَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَقَالَ الضَّخَّاكُ ابْنُ قَيْسٍ: لا يَفْعَلُ ذَلِكَ إِلا مَنْ جَهِلَ أَمْرَ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ سَعْدٌ: بِنْسَ مَا قُلْتَ يَا ابْنَ أَخِى، فَقَالَ الضَّحَّكُ: فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ، فَقَّالَ سَعْدٌ: قَدْ صَنَّعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿ وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ. الشرح: قول الضحاك فى التمتع بالعمرة إلى الحج: ((لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله تعالى))، على سبيل الإنكار للمتعة. وقد روى ذلك عن جماعة من السلف، أبى بکر وعمر وعثمان وابن الزبير ومعاوية بن أبى سفيان، وقد فسر ذلك عبدالله بن عمر، وذلك أنه سئل عن متعة الحج، فأمر بها، قيل له: إنك تخالف أباك؟ فقال: إن عمر لم يقل الذى تقولون، وإنما قال: أفردوا الحج من العمرة، فإنه أتم العمرة لأن العمرة لا تتم فى شهور الحج إلا أن يهدى، وأراد أن يزار البيت فى غير أشهر الحج، فجعلتموها أنتم حرامًا وعاقبتم الناس عليها، وقد أحلها الله، وعمل بها رسول الله ﴿ فإذا أكثروا عليه، قال: كتاب الله أحق أن تتبعوا أم عمر؟. وهذا الذى ذهب إليه عبدالله بن عمر هو الصحيح أن عمر بن الخطاب لم ينه عنها على وجه التحريم، وإنما نهى عنها لأنه رأى الإفراد أفضل منها: وما روى عنه أنه أنكر النهى، وأنه قال: أنا أفعلها، دليل على ذلك. وقد روى مالك فى الموطأ ما یأتی بعد هذا أنه قال: افصلوا بین حجكم وعمرتكم، فإنه أتم لحج أحدكم ولعمرته أن يعتمر فى غير أشهر الحج، وكان عمر يعتقد أن الإفراد أفضل، ويأمر به على سبيل الاستحباب، ولعله كان يرى أن اعتقاد تفضيل المتعة خطأ، فكان ينهى عن ذلك، ويعاقب عليه لا على إباحة المتعة. وقد روى عنه أنه قال للصبى معبد وقد أخبره، أنه تمتع، وأنكر ذلك عليه: هديت لسنة نبيك. فصل: وقول سعد: ((بئس ما قلت يا ابن أخى))، لما سمع إنكار الضحاك للمتعة، = رقم ٧٥٣. والنسائى فى كتاب مناسك الحج حديث رقم ٢٦٨٢. وأحمد فى المسند حديث رقم ١٤٢١، ١٤٨٥. والدارمى فى كتاب المناسك حديث رقم ١٧٤٥. قال ابن عبد ابر فى التمهيد ٣٧٨/٥: لم يختلف الرواة، عن مالك فى إسناد هذا الحديث ومتنه، بمعنى واحد، فيما علمت، وكذلك رواه معمر، عن الزهرى، بإسناد مالك ومعناه، ولم يقمه ابن عيينة. .. كتاب الحج ٠٣٨٦ وحمل أمرها على المنع، فأنكر عليه، إن لم يحمل أمرها على ما حمل عليه عمر بن الخطاب من تفضيل الإفراد عليها. وقول الضحاك بن قيس: ((فإن عمر بن الخطاب نهى عنها))، تعلق منه بالحجة عنده فى ذلك، ومنتهى علمه فيه لأنه لم يقله عن نص عن النبى ﴿3﴾، ولا عن نظر أداه إليه، إنما قاله لما رأى من نهى عمر بن الخطاب عنه، ولم يعلم معنى منعه المتعة، ولا حمله على وجهه، فقال له سعد: ((قد صنعها رسول الله ﴿، وصنعناها معه)). وهذا يحتمل أمرين، أحدهما: أن يكون سعد قد علم أن عمر بن الخطاب إنما نهى عن المتعة على حسب ما ذكرناه، ولم ينه عنها على وجه التحريم، فبين وجه قول عمر ابن الخطاب بما ذكر فى ذلك عن النبى 98 لعلم السامع أن عمر لا يشرع شريعة، ولا يخالف ما شرع النبى ل! فأعلمه بذلك أن عمر بن الخطاب لم يرد النهى على وجه التحريم والمنع، ولا يصح هذا الوجه إلا بأن يعتقد سعد فى عمر أنه من علم أمر النبى ◌َّ فى ذلك ما علم. والثاني: أن يكون اعتقد سعد فى نهى عمر تحريم المتعة جملة أو جوز ذلك عليه، فرد ذلك عليه بما كان عنده فى ذلك عن النبى ﴿، وأعلم به الناس ليعلموا به وليتركوا نهى عمر، والتأويل الأول أظهر. فصل: وقوله: ((قد صنعها رسول الله ﴿﴿ وصنعناها معه))، يحتمل أن يريد أمر بها أو أباحها كما يقال نادى الأمير بكذا، وإنما أمر من ينادى، وقتل الأمير فلانًا وإنما أمر من يقتله، فهذا اللفظ، وإن كان ظاهره مباشرة الفعل إلا أنه يحمل على هذا الذى يحتمله لما قدمناه من الأدلة أن النبى ﴿! كان مفردًا بالحج. وقول سعد: ((وصنعناها معه))، يحتمل أن يكون هو متمتعًا مع النبى 18 ويحتمل أن يكون مفردًا، ويخير عن غيره ممن كان متمتعًا، ويضيف ذلك إلى جملة جامعة هو منهم. ٧٥٥ - مَالِكِ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنْهُ قَالَ: وَاللَّهِ لأَنْ أَغْتَمِرَ قَبْلَ الْحَجِّ وَأُهْدِىَ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ أَعْتَمِرَ بَعْدَ الْحَجِّ فِى ذِى الْحِيَّةِ. الشرح: قوله: ((لأن اعتمر قبل الحج))، یرید فی أشهر الحج ثم یهدی لأنه لا يكون متمتعًا، فذلك أحب إليه، وأفضل عنده من أن يعتمر بعد الحج فى ذى الحجة. ٧٥٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٣٤. ٣٨٧ كتاب الحج . قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: ووجه ذلك عنده أنه كان يرى أن ترك العمرة فى أشهر الحج أفضل وأن النقص يدخل على الحجة والعمرة بفعل العمرة فى أشهر الحج، إلا أنه إن فعلها الحج جبر ذلك بدم المتعة، فكان فعله إياها قبل الحج أفضل عنده للجبر أن المشروع فيه، وهذا يدل على أن جميع ذى الحجة عنده من أشهر الحج، وقد روی نحو هذا التأويل عن نافع عن ابن عمر. ٧٥٦ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَنِ اعْتَمَرَ فِى أَشْهُرِ الْحَجِّ فِى شَوَّالِ أَوْ ذِى الْقَعْدَةِ أَوْ فِى ذِى الْحِجَّةِ قَبْلَ الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ بِمَكّةَ حَتَّى يُدْرِكَهُ الْحَجُّ، فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ إِنْ حَجَّ، وَعَلَيْهِ مَا اسْتَيْسَرٌ مِنَ الْهَدْىِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَّةِ أَيَّامٍ فِى الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ. قَالَ مَالِك: وَذَلِكَ إِذَا أَقَامَ حَتَّى الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ. الشرح: قوله: ((من اعتمر فى أشهر الحج شوال أو فى ذى الحجة قبل الحج)»، يحتمل معنيين، أحدهما: أن يريد أن جميع ذى الحجة من أشهر الحج من عامه، ثم خص قبل الحج دون ما بعده بحكم التمتع، وإن کان جمیع الشهر حکمه واحد فى أنه من أشهر الحج. والثانى: أن يريد أن ما قبل الحج من أشهره دون ما بعده، فقال: أو ذى الحجة قبل الحج، وأراد به بيان أن ذلك من أشهر الحج دون ما بعده. وقد اختلف الفقهاء فى ذلك، واختلف فيه قول مالك، فروى أشهب عن مالك فى المجموعة: أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة. وروى بن حبيب عن مالك: أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذى الحجة، وعشر ليال، وليس يوم النحر عنده من أشهر الحج وإن كانت ليلته منها. والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ [البقرة: ١٩٧] فأتى بلفظ الجمع ولا يخلو أن يكون اثنان أو ثلاثة ولا خلاف أنه لم يرد هاهنا شهرين، فلم يبق إلا أن يريد ثلاثة. ووجه آخر من الآية أنه قال تعالى: ﴿فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال فى الحج﴾ [البقرة: ١٩٧]. والرفث الجماع، وأنه معلوم وممنوع يوم النحر، فوجب أن يكون من أشهر الحج. ٧٥٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٣٣. البيهقى فى السنن الكبرى ٢٤/٥. وانظر: الجصاص فى أحكام القرآن ٢٩٨/١. القرطبى فى تفسيره ٤٠١/٢. المحلى ١٦٠/٧. كتاب الحج ٣٨٨ فرع: فإن قلنا إن جميع ذى الحجة من أشهر الحج، ففائدة ذلك أن تأخير طواف الإفاضة إلى آخره لا يلزم به الدم. وقال القاضى أبو الحسن: وهذا اختاره من قول مالك، وإن قلنا إن عشر ذي الحجة من أشهر الحج، فإن فائدة ذلك أن يوم النحر يحصل بانقضائه التحلل، ألا ترى أنه لو لم يرم جمرة العقبة حتى غابت الشمس، ولم يطف للإفاضة، حل له بغروب الشمس ما لم يحل لمن رمى، ولا يكون ذلك فيما قبل غروب الشمس لما کاذ من شهور اخج. فصل: وقوله: ((ثم أقام بمكة حتى يدركه الحج، فهو متمتع إن حج))، يقتضى أن ذلك شرط فى كونه متمتعا، وللتمتع ستة شروط لا يكون متمتعًا إلا باجتماعها، فمتى انخرم منها شرط لم يكن متمتعًا، أحدها: أن يجمع بين العمرة والحج فى سفر واحد، والثانى: أن يكون ذلك فى عام واحد، والثالث: أن يفعل العمرة أو شيئًا منها فى أشهر الحج، والرابع: أن يقدم العمرة على الحج، والخامس: أن يحل من العمرة قبل الإحرام بالحج، والسادس، أن يكون غير مكی. الباب الأول فى الجمع بين العمرة والحج فى السفر واحد فأما الشرط الأول، وهو أن يأتى بالحج والعمرة فى سفر واحد، فلأنه المعنى الذى يتمتع به، وهو أنه ترك أحد السفرين لأن كل نسك منهما كان من حكمه أن ينفرد يسفره، فترخص بترك أحد السفرين لما جمعهما فى سفر واحد، وسيأتى بعد هذا وصف السفر المخرج عن حكم المتعة، إن شاء الله. * الباب الثانى أن يكون هذا الجمع فى عام واحد وأما الشرط الثانى، وهو أن يكون ذلك فى عام واحد، فإنه لو اعتمر فى أشهر الحج ثم أقام إلى عام ثان فحج لم يكن متمتعا لأن المراد بذلك أن يعتمر فى أشهر حجه، فحينئذ يكون متمتعًا. فرع: فإن اعتمر فى أشهر الحج، يريد الحج من عامه، ففاته الحج، فلم يحج من عامه ذلك لم يكن متمتعًا، وكذلك لو أحرم بالحج بعد أن اعتمر فى أشهر الحج، ففاته الحج ولو أكمل حجه لكان متمتعًا لأنه قد أتى بالحج فى أشهر عمرته. ٣٨٩ كتاب الحج الباب الثالث فى فعل العمرة أو شىء منها فى أشهر الحج وأما الشرط الثالث، وهو أن يعتمر فى أشهر الحج، فإن معنى ذلك أن أشهر الحج أحق بالحج لمن أراده، وسائر الأشهر أحق بالعمرة، وهذا معنى اختصاص هذه الأشهر بهذا الوصف لأنه لا تطول به مدة الإحرام، ولا تشق على المحرم فى الغالب، ولكنه يكمل سعيه، فإذا لم يرد الحج فالعمرة فيها مطلقة لأن الأشهر لا تختص بالحج اختصاص منع من غيرها، وإنما تختص بها اختصاص كمال وفضيلة، فمن أراد الترفه والاستمتاع بمكة كانت رخصة فى أن يحل بعمرة، ثم يبقى حلالاً إلى الحج. فرع: وليس من شرط هذه العمرة أن يحرم بها فى أشهر الحج، ولو أحرم بها فى رمضان أو شعبان، فاستدام ذلك وأتى ببعض أفعالها فى أشهر الحج، قال ابن حبيب عن مالك: ولو بشوط واحد من السعى فى أشهر الحج، كان متمتعًا. وبهذا قال أبو حنيفة والنخعى وعطاء والحسن وجماعة الناس. وقال الشافعى فى أحد قوليه: لا يكون متمتعًا حتى يحرم بالعمرة فى أشهر الحج. والدليل على ما نقوله أن السعى والطواف ركن من أركان العمرة، فإذا أتى به فى أشهر الحج كان متمتعًا كالإحرام. فرع: فإن لم يبق عليه غير الحلاق، فليس بمتمتع لأن الحلاق تحلل من النسك، وليس من أفعال العمرة، قاله ابن حبيب وغيره من أصحابنا عن مالك. واحتج ابن حبيب لذلك لأنه لو لبس الثياب أو مس الطيب أو النساء قبل أن يحلق أو يقصر، لم یکن علیه شیء. * الباب الرابع فى تقديم العمرة على الحج وأما الشرط الرابع، وهو أن يقدم العمرة على الحج، فلقوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾ [البقرة: ١٩٦]. فيجب أن يكون ما بعدها متأخرًا، عما قبلها إذا کان غایة له. ومن جهة المعنى أن التمتع إنما هو ما ذكرناه ممن يريد الحج، فيدخل فى أول أشهر الحج، فيأتى بالعمرة، وإن كان الإتيان بالحج أولى ليترفه بالعمرة إلى أن يرد زمن الحج فيحرم به، وهو إذا قدم الحج على العمرة، فقد عرى عن هذا العموم، وأتى بالحج فى أشهره، ولعله قد أحرم به فى أول أشهره، فلم يتمتع بشىء البتة، ولا ترخص بتحلل كتاب الحج ٠٣٩٠ من نسك من شهوره، وهذا إذا قلنا إن جميع شهر ذى الحجة من أشهر الحج، وإن قلنا إن العشرين الباقية منه ليست من أشهر الحج فالأمر أظهر لأنه لم يعتمر فى أشهر الحج. * الباب الخامس فى الإهلال من العمرة قبل الإحرام بالحج وأما الشرط الخامس، وهو أن يحل من العمرة قبل الإحرام بالحج ويفوت حكم الإرداف فلا يكون قارنا لأنه إذا أردف الحج على العمرة فى وقت يصح له ذلك كان قارنا ولم یکن متمتعًا. الباب السادس فى كونه غير مكى وأما الشرط السادس، وهو أن لا يكون مكيًا، فالأصل فيه قوله تعالى: ﴿لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٩٦]، فخص به غير أهل المسجد الحرام. ومن جهة المعنى أن المكى لا يلزمه سفر لحج ولا لعمرة، فيترخص لترك أحدهما، ولأن غير المكى، قد قلنا إنه إذا رجع إلى أفقه أو إلى مثل أفقه، فليس بمتمتع وهذا حكم المكى موضعه. فرع: وحاضرو المسجد الحرام، هم أهل مكة. وقال ابن حبيب عن مالك وأصحابه: إن من كان من مكة على مسافة لا تقصر فى مثلها الصلاة، فهو من حاضرى المسجد الحرام، هذا قول مالك وأصحابه. وقد أشار إليه الشيخ أبو إسحاق، وقال أكثر شيوخنا: ليس هذا مذهب مالك إنما هو قول الشافعى، وله قول ثان: أنهم أهل الحرم. وقال أبو حنيفة: هم دون الميقات. والدليل على ما نقوله أن قوله تعالى: ﴿حاضري المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٩٦]، يقتضى من كان أهله مقيمًا بالمسجد الحرام، وموجودًا عنده، وهذا القسم يفهم من قولهم فلان من حاضرى موضع كذا، ومن حاضرة فلانة، ولا يقال لمن كان دون ذى الخليفة، وبينه وبين مكة مسيرة عشرة أيام، أنه من حاضرى المسجد الحرام، وأنه ممن يحضر أهله المسجد الحرام. فرع: وحكم أهل ذى طوى، فى ذلك حكم أهل مكة فى القران والتمتع لأنهم من حاضرى المسجد الحرام. ووجه ذلك اتصال البيوت المجاورة والمراعى فى ذلك أن ٣٩١ .. کتاب الحج يكون من أهل مكة حين الإحرام بالعمرة، وبعد ذلك، وبالله التوفيق. فصل: وقوله: ((فهو متمتع إن حج))، على ما بيناه من أن من شرط المتمتع أن يحج من عامه الذی اعتمر فی أشهر حجه. وقوله: «وعليه ما استيسر من الهدى، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع))، يريد إن لم يكن مكيا، على ما قدمناه. فرع: وهذا حكم الحر، فأما العبد، فإنه لا يهدى إلا أن يأذن له سيده، وليصم وإن كان واجدًا للهدى، قاله مالك. ووجه ذلك أنه غير كامل الملك ممنوع من التصرف فى ماله لحق غيره، فإذا لم يأذن له سيده لم يكن واجدًا لهدى يملك أن يهديه. مسأله: وهذا الهدى عما دخل العبادة من النقص، ولا يجوز أن ينحره قبل يوم النحر، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعى: يجوز به نحره منذ يحرم بالحج. والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله﴾ [البقرة: ١٩٦]، قبل يوم النحر؛ لجاز الحلاق قبل يوم النحر، لاسيما على قول من قال بدليل الخطاب، ولا خلاف بينهم فى القول به إذا علق بالغاية، وهو قول القاضى أبى بکر وأکثر شيوخنا. ومما يدل على ذلك حديث حفصة الذى يأتى بعد هذا، وهو قولها: يا رسول الله، ما بال الناس حلوا من عمرتهم، ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: ((إنى لبدت رأسى، وقلدت هديى، فلا أحل حتى أنحر)) وهذا يفيد أنه تعذر النحر عليه، فوجب لامتناعه من الحلاق، ولو كان النحر مباحًا له لعلل امتناع الإحلال بغير تأخير النحر، ولما صح اعتلاله به. ومن جهة المعنى أن هذا هدى يجب إراقة دمه فى الحج، فلم يجز تحره قبل يوم النحر. أصل ذلك إذا نذر هديًا، ولا يلزم على هذا فدية الأذى؛ لأنها ليست بهدى، فإن أهداها كان هذا حكمها، والله أعلم. فصل: وقوله: ((فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع))، وهذا يقتضى أن يصام فى الحج بعد الإحرام به، ولا يصام قبل ذلك؛ لأنه لا يكون صائمًا للثلاثة الأيام فى الحج، وبه قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: يجوز أن يصومها عقيب إحرامه بالعمرة، وقبل الإحرام بالحج. کتاب الحج ٣٩٢ والدليل على ما نقوله قوله: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فى الحج﴾ [البقرة: ١٩٦]. وهذا نص فى وجوب صيامها فى الحج، وما لم يحرم، فليس صيامه فيه. واستدلال آخر من الآية قوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى﴾ [البقرة: ١٩٦] ومن لم يحرم بالحج فليس بمتمتع بالحج. واستدلال ثالث، وهو أنه قال تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فى الحج﴾ [البقرة: ١٩٦] فعلق جواز الصيام بعد الهدى، ولا نعلم عدمه قبل الحج لأنه قد ييسر عند وجوب الهدى إذا أحرم بالحج. ودليلنا من جهة المعنى أن هذا صوم واجب، فلم يجز أداؤه قبل وجوبه. أصل ذلك صوم رمضان. فرع: ووقت هذا الصوم من حين يحرم بالحج إلى آخر أيام التشريق، والاختيار تقديمه فى أول الإحرام، رواه الشيخ أبو القاسم. ووجه ذلك قوله تعالى: ﴿فصيام ثلاثة أيام فى الحج﴾، وهو الوقت الذى ذكرناه من وقت الإحرام إلى حين الفراغ من عمله، وإنما قلنا إن الاختيار تقديمه لمعنيين، أحدهما: تعجيل إبراء الذمة، والثانى: أنه وقت متفق على جواز الصوم فيه، فكان أولى من الصوم فى وقت مختلف فى إجزائه فيه، والله أعلم. فرع: فإن فاته صوم الثلاثة الأيام قبل يوم النحر، صام أيام منى، فإن لم يصم أيتام منى صام بعدها، وبهذا قال الشافعى، وهو قول عائشة وابن عمر. قال أبو الحسن: وهو مذهب على وابن عباس. وقال أبو حنيفة: لا يصوم بعد يوم عرفة، ويستقر الهدى فى ذمته. والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فى الحج﴾ وهذا قد صام ثلاثة أيام فى الحج، فوجب أن يجزئه ما استديم العجز عن الحيوان مع القدرة على الصوم كالصوم للظهار. مسألة: فإن شرع فى الصوم، فصام يوما أو يومين استحسنا له أن يهدى، ولم يجب ذلك عليه، وإن تمادى على صومه أجزاه، وبه قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: يبطل صوم الثلاثة الأيام، ويجب عليه الرجوع إلى الهدى فى أيام الذبح قبل أن يحل، فإن حل، وانقضت أيام الذبح لم ينتقض صومه بوجود الهدى وكذلك إذا دخل فى السبعة الأيام، ثم وجد الهدى لم يلزمه الانتقال إليه. ٠٠٠ ٣٩٣ .... كتاب الحج . والدليل على ما نقوله أن هذا صوم تلبس به عند عدم الهدى، فلم يبطل بوجوده کتلبسه بصوم سبعة أيام. مسألة: إذا رجع من منى جاز أن يصوم السبعة الأيام قبل الرجوع إلى أهله. وبه قال أبو حنيفة والشافعى فى أحد قوليه، وقال الشافعى فى قوله الآخر: لا يصومها حتى يرجع. والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿فصيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجعتم﴾. ووجه الاستدلال من الآية أنه تعالى ذكر الحج، فقال: ﴿فصيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجعتم﴾ ولا بد أن يكون الرجوع من منى، ولم يتقدم إلا ذكر الحج، فوجب أن يكون الرجوع منه كما يقال انصرف فلان من صلاته ورجع من عمله، یرید فرغ منه وانقضی تلبسه به. ووجه ثان، وهو أنه يحتمل أن يريد به الرجوع من الحج، وهو الأظهر لما قدمناه، ويحتمل أن يريد به الرجوع إلى أهله على ما فى ذلك من تعسف التأويل لأنه لم يجئ لأهله ولا لبلده ذكر، وإذا احتمل الأمرين، وجب أن يتعلق ذلك بأولها وجودًا كما قلنا فى الشفق أنه لما وقع هذا اللفظ على الحمرة والبياض يجب أن يتعلق بأولهما وجودًا وهو مغيب الحمرة. ودليلنا من جهة المعنى أن هذا متمتع عدم الهدى، وفرغ من أفعال الحج، فجاز له صوم السبعة الأيام، أصله إذا استوطن مكة أو أراد المقام بها إلى عام آخر. فرع: إذا ثبت ذلك، فإن تأخير الصوم إلى أن يرجع إلى أهله أفضل إلا أن يقيم بمكة، قاله مالك. ووجه ذلك أن تأدى العبادة على الوجه المتفق عليه أفضل من أدائها على الوجه المختلف فيه. قَالَ مَالِك فِى رَجُلٍ مِنْ أَهْلٍ مَكْةَ انْقَطَعَ إِلَى غَيْرِهَا وَسَكَنَ سِوَاهَا، ثُمَّ قَدِمَ مُعْتَمِرًا فِى أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى أَنْشَأَ الْحَجَّ مِنْهَا: إِنَّهُ مُتَمَفِّعٌ يَجِبُ عَلَيْهِ الْهَدْىُ أَوِ الصِّيَامُ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، وَأَنَّهُ لا يَكُونُ مِثْلَ أَهْلٍ مَكّةً. الشرح: وهذا كما قال أن من كان من أهل مكة ثم انقطع عنها إلى غيرها وسكنها مستوطنًا، فقد انتقل حكمه إلى حكم سائر أهل الآفاق، وكملت فيه شروط المتعة، فعليه ما على المتمتع الهدى أو الصيام إن لم يجده، وإنما يراعى من أهل مكة أو غيرها کتاب الحج ٠٣٩٤ أن يوجد منه الاستيطان بمكة أو غيرها حين الإحرام، فيحمل على ذلك، وبالله التوفيق. وسُئِلَ مَالِك عَنْ رَجُلٍ مِنْ غَيْرِ أَهْلٍ مَكّةَ دَخَلَ مَكّةَ بِعُمْرَةٍ فِى أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَهُوَ يُرِيدُ الإِقَامَةَ بِمَكَّةَ حَتَّى يُنْشِئَ الْحَجَّ أَمُتَّمَنْعٌ هُوَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ هُوَ مُتَمَنْعٌ، وَلَيْسَ هُوَ مِثَلَ أَهْلٍ مَكَّةً وَإِنْ أَرَادَ الإِقَامَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا، وَإِنَّمَا الْهَدْىُ أَوِ الصِّيَامُ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلٍ مَكّةَ، وَأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ يُرِيدُ الإِقَامَةَ وَلا يَدْرِى مَا يَبْدُولَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلٍ مَكّةً. الشرح: وهذا كما قال أن من كان من غير أهل مكة، ودخلها فى أشهر الحج ينوى الإقامة بها والاستيطان، فإن حكمه فى القران والتمتع حكم أهل الآفاق لأن الاستيطان لم يوجد منه بعد، فقد أتى ببعض أفعال التمتع، وهو العمرة، قبل الاستيطان، وإنما لا يكون متمتعًا من كمل استيطانه قبل أن يحرم بالعمرة، مثل أن يدخل معتمرًا فى رمضان، فيحل فى رمضان من عمرته، ثم يستوطن مكة ثم يعتمر فى أشهر الحج ويحج من عامه، فإنه لا يكون متمتعًا، قاله أشهب ومحمد، وهو معنى قول مالك أنه دخل مكة، وليس من أهلها، يريد أنه حين دخل معتمرًا فى أشهر الحج، ولم يكن هو من أهلها، وإنما كان يريد الاستيطان، وذلك يمنع حكم التمتع. فرع: فإن كان له أهل مكة وأهل بغيرها من الآفاق، فقد روى عن مالك فى المدونة أنه قال: هذا من مشبهات الأمور وأحب إلىّ الاحتياط، قال ابن القاسم: كأنه رأى أن يهرق دمًا لمتعته، وذلك رأيى. وفى غير المدونة عن مالك أنه لا يرى عليه الهدى، وشأنه يسير والاحتياط أولى. وقال محمد: قال أشهب: إن كان إنما يأتى أهله الذين بمكة منتابًا، فالهدی علیه، وإن كان يستوطن مكة، وإنما يأتى أهله بالآفاق منتابًا، فلا هدى عليه. فوجه قول مالك ما قاله أن هذه من مشكلات الأمور لأن له شبهة تقتضى إسقاط الهدى لاسيتطانه بمكة، وشبهة تقتضى إيجابه لاستيطانه غير مكة، فيؤثر الاحيتاط بإخراج الهدى، وما قاله أشهب إخراج المسألة إلى البيان، ويلزمه ما قال مالك إذا استوى استيطانه بمكة وغيرها، ولم يأتى إحداهما إلا كما يأتى الأخرى، والله أعلم. ٧٥٧ - مَالِك، عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: مَنِ ٧٥٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٣٥. ٣٩٥ كتاب الحج .. اغْتَمَرَ فِى شَوَّالِ أَوْ ذِى الْقِعْدَةِ أَوْ فِى ذِى الْجِحَّةِ ثُمَّ أَقَامَ بِمَكّْةً حَتَّى يُدْرِكَهُ الْحَجُّ فَهُوَ مُتَّمَتِّعٌ إِنْ حَجَّ عَلَيْهِ وَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَّةِ أَيَّامٍ فِى الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ. الشرح: هذا علی نحو ما تقدم من حديث ابن عمر. وقوله: ((أو ذى الحجة))، يريد قبل الحج، بدليل قوله: ((ثم أقام بمكة حتى يدركه الحج))، وقد ورد ذلك فى حديث عبدالله بن عمر، وإنما قصد بذلك غير المكى، ولذلك قال: ثم أقام مکة حتی یدر که الحج، یرید نحج. فصل: وقوله: ((وعليه ما استيسر من الهدى))، اختلف فى ذلك أهل العلم، والذى اختاره مالك أنها شاة، وسیأتی ذکره بعد هذا إن شاء الله. مسألة: ولا يجزئ فى الهدى إلا الشاة بعينها، لا يجزئ إخراج قيمتها، ولا يخرج شىء غيرها، قاله مالك. ووجه ذلك قوله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدى﴾ [البقرة: ١٩٦] والهدى لا يكون إلا من بهيمة الأنعام دون غيرها من العين والعروض، ثم قال تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام﴾ فنقل عند عدم تلك العين إلى الصوم. ومن جهة القياس أن هذا حيوان يخرج على وجه القربة، فلم يجز عنه القيمة كالأضحية. فصل: وقوله: ((فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع))، عدمه يكون على ضربين، أحدهما: أن يعدم عينه جملة، وهذا لا يكاد يقع، والثانى: أن يتعذر عليه ثمنه، وهذا يكثر وجوده فى الناس، فى كلا الوجهين يجوز له الانتقال إلى الصوم لأنه إذا عدم ثمنه فقد عدم ملك عينه، والله أعلم. ما لا يجب فيه التمتع قَالَ مَالِك: مَنِ اعْتَمَرَ فِى شَوَّالِ أَوْ ذِى الْقَعْدَةِ أَوْ ذِى الْحِجَّةِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ هَذَى إِنَّمَا الْهَدْىُ عَلَى مَنِ اعْتَمَرَ فِى أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ خَتِى الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ. الشرح: وهذا كما قال لأنه من رجع إلى أهله لم يترخص بترك سفر أحد النسکین، وقد أنشأ لكل واحد منهما سفرًا كاملاً، فليس بمتمتع ولا هدى عليه، إنما هدى التمتع كتاب الحج ٣٩٦ .......... على ما قال، على من اعتمر فى أشهر الحج ثم أقام حتى الحج ثم حج، لأنه ترك أحد السفرين، وجمعهما فى سفر واحد. ولهذا المعنى ذكر سالم أنه كره المتعة عمر رضى الله عنه. والأصل فى ذلك قوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى﴾ [البقرة: ١٩٦] ومعنى تمتعه بها أن يمكن من فعل محظورات الإحرام بها إلى أن يحرم بالحج، وهذا لا يكون إلا للمعتمر من أهل الآفاق لأنه هو الممنوع من المقام بمكة على هذا الوجه إذا دخل فى وقت شرع له فيه الإهلال بالحج. وأما المسافر الذى يعود إلى وطنه فما يتمتع بالعمرة، وإنما يتمتع برجوعه إلى بلده وخروجه عن مكة لأنه لا خلاف بين المسلمين أنه يجوز لمن اعتمر ورجع إلى بلده أن يستبيح محظورات الإحرام لأنه لم يشرع عليه الامتناع منها على هذا الوجه. مسألة: فإن اعتمر فى أشهر الحج فلا يكره الرجوع إلى أفقه، إلا ما يروى عن سعيد ابن جبير وعطاء ومجاهد وطاووس، فإنه روی عنهم المنع من ذلك. والدليل على إباحته أن عمر النبى ﴿﴾ أكثرها كانت فى ذى الحجة، ولم يحج مع شىء منها. ومن جهة المعنى أن ما يصح أن يكون مقصود سفره، قد كمل له بتمام نسكه، فلا يمنع من الانصراف قبل الإتيان بنسك الحج كما لو لم ينو الحج ولم يرده. فرع: إذا ثبت أن ذلك مباح، فمن اعتمر فى أشهر الحج ثم رجع إلى أفقه أو إلى مثله فى البعد ثم حج من عامه، فليس بمتمتع لأنه أفرد كل نسك بسفره، ولم يتمتع بترك سفر واحد منهما، ولا نعلم فى ذلك خلافًا إلا ما يروى عن الحسن البصرى وعطاء: أنه متمتع وإن رجع إلى أفقه، والدليل عليه ما تقدم. فرع: فإن خرج إلى أفق أقرب من أفقه مثل أن يرجع المصرى أو الشامى أو العراقى إلى الميقات، فإنه يكون متمتعًا عند مالك، خلافًا للشافعى فى قوله: ((إن خرج إلى الميقات))، فليس بمتمتع. والدليل على ذلك ما قدمناه من أن معنى التمتع الترخص بترك أحد السفرین، ومعلوم أنه من كان من أهل خراسان أو المغرب، ثم خرج إلى الجحفة أو المدينة، ثم أحرم بالحج فلم يزل عنه الترخص والترفه بترك أحد السفرين، وأن ما سقط عنه من السفرين من بلده أكثر مما أتى له، فلم يزل عنه حكم التمتع بالعمرة إلى الحج ولا معناه. ٣٩٧٠ كتاب الحج وقال المغيرة فى المدنية: إن خرج من مكة إلى موضع تقصر فيه الصلاة، فليس بمتمتع، وإن خرج إلى موضع لا تقصر فيه الصلاة، فلا يخرج عن حكم التمتع. ووجه قوله أنه قد وجد ما يقع عليه اسم حائلاً بين عمرته وحجه، فلم يكن متمتعًا كما لو رجع إلى الشام. فرع: فإذا قلنا بالمشهور من المذهب، ورجع الشامى إلى المدينة، فقد روى عيسى عن ابن القاسم: أنه يكون متمتعًا. وقال ابن كنانة: يخرج عن حكم المتمتع، وهذا الشامى والمصرى والعراقى. وأما من كان من أهل المدينة وخرج إليها أو إلى ما يقرب منها، فقد اتفقوا على أنه يخرج من حكم التمتع، فتقرر أن المخرج من ذلك على رأى ابن القاسم الرجوع إلى مثل أفقه أو ما يقرب منه، أو ما هو فى حكمها مما تلحق فيه مشقة تقارب مشقة سفر بلده. وعن ابن كنانة الرجوع إلى مثل أفقه إن كان قريبًا أو إلى سفر تلحق فيه المشقة بالبعد إن كان بعيدًا والله أعلم. فصل: وقوله: ((ثم حج))، يريد أنه حج من عامه ذلك؛ لأنه إن أقام حتى الحج، ثم لم يحج، فلم يخل بسفر الحج لأنه لم يكن ثم حج، فيخل به، والله أعلم. قال مالك: وَكُلُّ مَنِ انْقَطَعَ إِلَى مَكَّةَ مِنْ أَهْلِ الآفَاقِ وَسَكَّنَهَا ثُمَّ اعْتَمَرَ فِى أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَنْشَأَ الْحَجَّ مِنْهَا، فَيْسَّ بِمُتَمَتْعٍ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ هَدْى وَلا صِيَامٌ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةٍ أَهْلٍ مَكَّةَ إِذَا كَانَ مِنْ سَاكِنِيهَا. الشرح: وهذا كما قال لأنه إذا انقطع إلى مكة رجل من أهل الآفاق وسكنها فإنه يكون له حكم أهل مكة، ولا تكمل فيه شروط التمتع، فلا هدى عليه ولا صيام لأنه إذا اعتمر فی أشهر الحج، ثم حج من عامه، فلم یترخص بترك سفر لأحد نسکیه؛ لأنه إنما يلزمه السفر لكل واحد منهما من موضع استيطانه، فهو بمنزلة من اعتمر من أهل الآفاق فى أشهر الحج، ثم رجع إلى أفقه رجع من عامه، فإنه ليس بمتمتع، فكذلك المكى لأنه إنما حصل منه بعد عمرته التحلل، والمقام فى موضع استيطانه، وكذلك المكى إذا انقطع إلى غير مكة واستوطنها، ثبت له حكم أهل الآفاق، وتكمل له شروط المتعة، ويجب عليه الهدى أو الصوم، وإنما يراعى فى ذلك، وقت فعله النسكين وابتدائه بهما، فإن كان فى ذلك الوقتين مستوطنًا مكة، فحكمه حكم أهل مكة، وإن كان مستوطنًا سائرًا الآفاق، فحكمه حكم أهل الآفاق. .. كتاب الحج ٣٩٨ سُئِلَ مَالِك عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ خَرَجَ إِلَى الرَّبَاطِ أَوْ إِلَى سَفَرٍ مِنَ الأَسْغَارِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكّةَ، وَهُوَ يُرِيدُ الإِقَامَةَ بِهَا كَانَ لَهُ أَهْلٌ بِمَكّةَ أَوْ لَا أَهْلَ لُّهُ بِهَا، فَدَخَلَهَا بِعُمْرَةٍ فِى أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَنْشَأَ الْحَجَّ، وَكَانَتْ عُمْرَتُهُ الْتِى دَخَلَ بِهَا مِنْ مِيقَاتٍ النّبِىِّ ﴿ أَوْ دُونَهُ، أَمْتَّمَتِّعٌ مَنْ كَانَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ؟. فَقَالَ مَالِك: لَيْسَ عَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُتَّمَتِّعِ مِنَ الْهَدْىِ أَوِ الصِّيَامِ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِى كِتَابِهِ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. الشرح: وهذا كما قال أن من كان مستوطنًا بمكة ثم خرج إلى غيرها، ونيته العودة إليها أن حكمه حكم أهل مكة، سواء كان له بها أهل أو لم يكن له بها أهل، ولو خرج عنها بنية الانتقال عنها والاستيطان بغيرها، ثم رجع إليها مسافرًا، لم يكن حكمه حكم أهلها، ألا ترى أن المسافر إذا مر بموضع استيطانه يكون حضریا بدخوله إياه، نوى ذلك أو لم ينوه، وإذا مر بوطن لغيره، ولم يرد المقام به، لم يكن حضريًا، وكان حکمه حکم المسافر، فكذلك مسألتنا مثله. مسألة: وإنما ساوى مالك بين أن يكون له بها أهل، وبين أن لا يكون له بها أهل؛ لأن حكم الاستيطان يثبت لمن استوطن موضعًا، وإن لم يكن له أهل، فإذا ثبت له حكم الاستيطان لم يخرج عنه لسفر من الأسفار إلى رباط أو غيره كما لو كان له به أهل وقد ثبت لبقى على حكم استيطانه حتى ينتقل عنها بالنية والفعل. مسألة: وساوى مالك أن تكون عمرته من الميقات أو من غير الميقات لأن من ليس من أهل مكة إذا أحرم من مكة بالعمرة فى أشهر الحج وحج من عامه قبل أن يعود إلى أهله فهو متمتع، ومن كان من أهل مكة، فاعتمر من الميقات فی اُشهر الحج، فليس بمتمتع، وإن حج من عامه لأنه ليس من شرط التمتع الإحرام من الميقات، ولا من غيره شروطه ما قدمنا ذكرها. فصل: وقول مالك: ((وذلك أن الله تبارك وتعالى يقول فى كتابه: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾)) [البقرة: ١٩٦] أحتجاج بالآية على إسقاط الهدى عن هذا المكى القادم، وذلك أن الله تعالى ذكر حكم المتمتع، وما يلزم فيه من الهدى أو الصيام، ثم قال ذلك: ﴿لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ فخصهم بهذا ٣٩٩ کتاب الحج الحكم، فيحتمل أن يتعلق مالك فى ذلك بالحضر، ويحتمل أن يتعلق بدليل الخطاب. والأولى فى ذلك عندى أن يتعلق ببراءة الذمة، واستصحاب حال العقل وطريق اشتغال الذمة بالشرع، ومقدار ما شغل الشرع منها ذمة من لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام، فبقى سائرهم على سائر الأصل ولعل مالكًا، رحمه الله، قد تعلق بهذا الوجه، وذهب إليه فإن قوله: ((فحل)) محتمل، والله أعلم. جامع ما جاء فى العمرة ٧٥٨ - مَالِكِ، عَنْ سُمَى مَوْلَى أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ :﴿ قَالَ: ((الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الْحَنَّةُ)). الشرح: قوله ﴿5: ((العمرة إلى العمرة)) يحتمل أن يكون ((إلى)) هاهنا بمعنى ((مع))، كقوله: ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾ [النساء: ٢] ويكون تقدير الكلام العمرة مع العمرة تكفير لما بينهما، و((ما)) من ألفاظ العموم، فيقتضى من جهة اللفظ تكفير جميع ما يقع بينهما إلا ما خصه الدليل. فصل: وقوله 18: ((الحج المبرور))(١) على مثال مفعول من البر، يحتمل أن يريد أن صاحبه أوقعه على وجه البر، وأصله أن لا يتعدى بغير حرف جر إلا أن يريد بمبرور، وصف المصدر، فيتعدى حينئذ لأن كل ما يتعدى من الأفعال، فإنه يتعدى إلى المصدر، ٧٥٨ - أخرجه البخارى فى كتاب الحج حديث رقم ١٦٥٠. ومسلم فى كتاب الحج حديث رقم ٢٤٠٣. والترمذى فى كتاب الحج حديث رقم ٨٥٥. والنسائى فى كتاب مناسك الحج حديث رقم ٢٥٧٣، ٢٥٧٤، ٢٥٨٠. وابن ماجه فى كتاب المناسك حديث رقم ٢٨٧٩. وأحمد فى المسند حديث رقم ٧٠٥٠، ٩٥٦٢. والدارمى حديث رقم ١٧٢٧. والبيهقى فى الكبرى ٢٦١/٥ عن أبى هريرة. وابن خزيمة برقم ٢٥١٣، ١٣١/٤ عن أبى هريرة. وذكره بنحوه الهيثمى فى المجمع ٢٧٨/٣ وعزاه للطبرانى عن ابن عباس. قال ابن عبد البر فی التمهيد ٣٨٩/٥: هذا حديث انفرد به سمى ليس يرويه غيره واحتاج الناس إليه فیه سمی، عن أبيه أبى صالح. (١) قال السیوطی: هو الذی لا رياء فيه ولا سمعة ولا رفث ولا فسوق ويكون بمال حلال، انتهى. انظر: تنوير الحوالك ٢٥٢. کتاب الحج ٤٠٠ فذكر ﴿﴿ ووعد أنه ليس له جزاء إلا الجنة، وأن ما دون الجنة ليس بجزائه، وإن كانت العمرة وغيرها من أفعال البر جزاؤها تكفير الذنوب وحط الخطايا، لما يقتصر لصاحبه من الجزاء على تكفير بعض ذنوبه، ولابد أن يبلغ به إدخاله الجنة، والله أعلم. ٧٥٩ - مَالِك، عَنْ سُمَى مَوْلَى أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنْهُ سَمِعَ أَبَا بَكْرِ ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللّهِ ﴿ فَقَالَتْ: إِنِى قَدْ كُمْتُ تَحَهَّرْتُ لِلْحَجِّ، فَاعْتَرَضَ لِى (١). فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿ه:((اعْتَمِرِى فِى رَمَضَانَ فَإِنَّ عُمْرَةً فِیهِ کَحِجَةٍ». الشرح: قولها: ((إنى كنت تجهزت للحج))، تريد أنها كانت أعدت ما تحتاج إليه فى سفرها، ((فاعترض لها))، يعنى أنه منعها من مرادها مانع، ولعله ما ذكر فى حديث ابن عباس أن الجمل الذى أرادت أن تحج عليه اضطر أهلها إلى السقى به، فأمرها رسول الله ﴿﴿ أن تعتمر فى رمضان، وأخبرها أن العمرة فى رمضان كحجة، ويحتمل أن يكون ذلك لبركة رمضان، وأن الحسنات تضاعف فيه حتى يوازى ثواب العمرة فيه ثواب حجة فی غیره، والله يضاعف لمن يشاء. ٧٦٠ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: افْصِلُوا بَيْنَ حَجَّكُمْ وَعُمْرَتِّكُمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَثَمُّ لِحَجِّ أَحَدِكُمْ وَأَتَمُّ لِعُمْرَتِهِ أَنْ يَعْتَمِرَ فِى غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ. الشرح: قوله: ((افصلوا بين حجكم وعمرتكم))، يحتمل من جهة اللفظ الفصل بينهما فى الإحرام إلا أنه قد بين فى آخر الحديث أنه إنما أراد الفصل بينهما فى وقت الإحرام، ٧٥٩ - أخرجه أبو داود فى كتاب المناسك حديث رقم ١٦٩٧. وأحمد ١٧٧/٤ عن هرم بن خنيش. والدارمى ٥١/٢ عن ابن عباس. والبيهقى فى الكبرى ٢٧٤/٦ عن أم معقل. والطبرانى فی الکبیر ٥٦/١٢ عن ابن عباس. قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣٩٠/٥: هكذا روى هذا الحديث جماعة الرواة، للموطأ وهو مرسل فى ظاهره، إلا أنه قد صح أن أبا بكر سمعه من تلك المرأة، فصار مسندا بذلك، والحديث صحیح مشهور من رواية أبی بکر وغيره. (١) فى بعض طرقه: فأصابتنا هذه القرحة الحصبة أو الجدرى. قاله السيوطى، تنوير الحوالك ٢٥٢. ٧٦٠ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٣٩. المحلى ٦٧/٧. ........ ٤٠١ کتاب الحج . فتفرد أشهر الحج للإحرام بالحج ويحرم بالعمرة فى سائر الشهور، ومن أحرم بالعمرة فى غير أشهر الحج، واستدام إلى أشهر الحج فلم يفصل بينهما فى زمن الإحرام، فهذا الحديث يدل على أن عمر رضى الله عنه لم يكن نهيه عن المتعة على وجه التحريم لها على الإطلاق، وإنما كان إما على وجه الكراهية لتفضيلها على الإفراد، الذى هو أفضل أو للاجتزاء بالدون، وإيثار التمتع بالنساء إلى وقت الوقوف، وأما على التحريم لمن أراد فسخ الحج فى عمرة ليتمتع بها إلى الحج على حسب ما تقدم قبل هذا ولو أراد تحريم المتعة على الإطلاق لما قال: إنه أتم لعمرتكم، بل كان يقول: إنه لا يجوز الاعتمار فى أشهر الحج لمن أراد الحج. ٧٦١ - مَالِك ◌َنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَ إِذَا اعْتَمَرَ رُّبَّمَا لَمْ يَخْطُطْ عَنْ رَاحِلَتِهِ حَتَّى يَرْجِعَ. الشرح: قوله: ((أن عثمان كان إذا اعتمر ربما لم يخطط عن راحلته حتى يرجع»، يحتمل أن يكون إسراعًا إلى المدينة لحبه إياها بدعوة النبى ﴿﴾، ويحتمل أن يكون يريد الإسراع للنظر فى أمور المسلمين التى قد قرن النظر فيها بالمدينة مع الصحابة، ويحتمل أن يكون يكره المقام بمكة لما منعه المهاجرون من الإقامة بمكة واستيطانها، وإنما أبيح لهم مقام ثلاثة أيام لأنها مدة لا يكون المقيم بها مقيمًا. ولما روى العلاء بن الحضرمى أن رسول الله ) قال: ((للمهاجرين ثلاث بعد الصدر))(١). ولما روى عن عروة ((أقام رسول الله ﴿ عشرًا))(٢). ويروى عن ابن عباس أنه قال: أقام بها بضع عشرة، فإنه محمول على أنه ﴿﴿ أقام بها هذه المدة، وبنية الرحيل كل يوم، فيطرأ ما يمنعه، وهذا مقام ليس له حكم المقام، ولذلك تقصر فيه الصلاة، وإنما المقام الذى له حكم أن ينوى مقام أربعة أيام فما زاد، ولذلك لا تقصر فيه الصلاة على أنه قد سكن مكة بعد النبى ؤه من المهاجرين عبدالله ابن الزبير وغيره، فيحتمل أن يروا فى ذلك غير رأى عثمان، وتأولوا فيما روى عن ٧٦١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٤٠. (١) أخرجه البخارى فى صحيحه حديث رقم (٣٩٣٣). مسلم حديث رقم (١٣٥٢). أبو داود حديث رقم (٢٠٢٢). ابن ماجه حديث رقم (١٠٧٣). أحمد فى المسند حديث رقم (٢٠٠٠٣). الدارمى حديث رقم (١٥١٢). (٢) أخرجه مسلم فى صحيحه حديث رقم (٢٣٥١). الترمذى حديث رقم (٥٤٨). أحمد فى المسند حدیث رقم (٣٤١٩).