Indexed OCR Text

Pages 1281-1300

کتاب الزكاة
..
٢٨٢
قَالَ مَالِك: مَضَتِ السُّنَّهُ أَنْ لا حِزْيَةَ عَلَى نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلا عَلَى
صِيَائِهِمْ، وَأَنَّ الْجِزْيَةَ لا تُؤْخَذُ إِلا مِنَ الرِّجَالِ الَّذِينَ قَدْ بَلَغُوا الْحُلُمَ.
الشرح: وهذا كما قال أن الجزية لا تؤخذ من النساء جملة.
والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا
يحرمون﴾، إلى قوله: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ [التوبة: ٢٩]، فوجه
ذلك على ذلك أن الجزية إنما توجه أخذها على من وجبت مقاتلته، والنساء لا يقتلن
إذا ظهر عليهن بالمحاربة، وإنما تجب الجزية على الرجال لرفع السيف عنهم.
مسألة: وكذلك الصبيان لا تؤخذ منهم الجزية؛ لأن كل من لا يقتل إذا ظهر عليه
بالمحاربة، فإنه لا جزية عليه كالنساء.
مسألة: ولا جزية على العبيد؛ لأنهم نوع من المال كالخيل والإبل، فإن أعتق العبد
النصرانى، فلا يخلو أن يكون معتقه مسلمًا أو ذميًا، فإن كان مسلمًا فلا جزية عليه،
وإن أعتقه ذمی، فقد توقف مالك فى وجوب الجزیة علیه.
وقال أشهب: لا جزية عليه، ووجهه أنه قد كان له المقام ببلاد المسلمين على
التأبيد، فلم تلزمه جزية بالعتق كما لو أعتقه مسلم.
مسألة: ولا جزية على الرهبان، وبه قال أبو حنيفة. وهو أحد قولى الشافعى،
وللشافعى قول آخر أن عليهم الجزية، وهذا مبنى على أصلين، أحدهما: أن لا جزية
على الفقير والراهب إنما ترك له من المال اليسير، فهو من جملة الفداء، والثانى: أن
الراهب لا يقتل، وهو محقون الدم من غير عقد كالمرأة.
مسألة: ومتى تؤخذ الجزية من أهل الذمة؟ قال أبو حنيفة: تؤخذ فى أول الحول
حين تعقد لهم الذمة، ثم بعد ذلك عند أول كل حول، وقال الشافعى: تؤخذ آخر
الحول، ولم أر لأصحابنا فى ذلك نصًا، والذى يظهر من مقاصدهم أنها تؤخذ فى آخر
الحول، وهو الصحيح إن شاء الله ذلك.
والدليل على ذلك أنه حق يتعلق وجوبه بالحول، فوجب أن يؤخذ فى آخر الحول
کالز کاة.
مسألة: إذا اجتمعت على الذمى جزية سنتين أو أكثر لم تتداخل فى قول الشافعى،
وتتداخل فى قول أبى حنيفة، وتجب عليه جزية سنة واحدة، والظاهر من مذهب مالك

کتاب الزكاة
٢٨٣٠
.....
أنه إن كان فر منها أخذ منه السنين الماضية، وإن كان ذلك لعشر لم تتداخل، ولم يبق
فى ذمته ما يعجز عنه من السنين، ورأيت هذا للقاضى أبى الحسن، وهذا القول مبنى
على أن الفقير لا جزية عليه، ولا تبقى فى ذمته، والله أعلم وأحكم.
قال مالك: وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ الذّمَّةِ وَلا عَلَى الْمَحُوسِ فِى نَخِيلِهِمْ وَلا كُرُومِهِمْ
وَلَا زُرُوعِهِمْ وَلا مَوَاشِيهِمْ صَدَقَةٌ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ إِنَّمَا وُضِعَتْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ تَطْهِيرًا
لَهُمْ وَرَدَّا عَلَى فُقَرَائِهِمْ، وَوُضِعَتِ الْحِزْيَةُ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ صَغَارًا لَهُمْ، فَهُمْ مَا
كَانُوا بِبَلَدِهِمِ الّذِينَ صَالَحُوا عَلَيْهِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ شَىْءٌ سِوَى الْحِزْيَةِ فِى شَىْءٍ مِنْ
أَمْوَالِهِمْ إِلا أَنْ يَتْحِرُوا فِى بِلادِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَخْتَلِفُوا فِيهَا فَيُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْعُشْرُ فِيمَا
يُدِيِرُونَ مِنَ التِّجَارَاتِ، وَذَلِكَ أَنْهُمْ إِنّمَا وُضِعَتْ عَلَيْهِمُ الْجِزْبَةُ، وَصَالَحُوا عَلَيْهَا
عَلَى أَنْ يُقَرُّوا بِلادِهِمْ وَيُقَاتَلُ عَنْهُمْ عَلُوَّهُمْ، فَمَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ مِنْ بِلادِهِ إِلَى غَيْرِهَا
يَتْحُرُ إِلَيْهَا، فَعَلَيْهِ الْعُشْرُ مَنْ تَجَرَ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ وَمِنْ أَهْلِ الشَّامِ إِلَى
الْعِرَاقِ وَمِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ إِلَى الْمَدِينَةِ أَوِ الْيَمَنِ أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا مِنَ الْبِلادِ فَعَلَيْهِ الْعُشْرُ.
الشرح: وهذا كما قال أنه لا صدقة على أهل الذمة بحوسًا كانوا أو غيرهم فى
شىء من الأموال التى تؤخذ منها الصدقة، وهى العين والحرث والماشية.
والدليل على ذلك ما احتج به مالك، رحمه الله، من أن الزكاة طهرة للمسلمين،
وأهل الكفر ليسوا ممن يطهر وأيضًا، فإن الزكاة تؤخذ من أغنياء المسلمين، فترد على
فقرائهم، وهذا سنة الزكاة، ولو أخذت من أغنياء أهل الذمة لم ترد على فقرائهم؛
لأنهم ليسوا بمحل للزكاة، وليست الجزية كذلك، فإنها إنما تؤخذ من أهل الكفر على
وجه الصغار، لقوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾، فليس فيها
تطهير من أخذت منه، وإنما هى إذلال وصغار له؛ ولأنه ليس من شرطها أن ترد على
فقراء من أخذت منه، بل من شرطها أن تدفع إلى من أصغر من أخذت منه.
فلما فارقت الزكاة هذه الأوصاف كلها فارقتها فى محل وجوبها، وكانت الجزية
على أهل الذمة، فليس عليهم شىء غيرها؛ لأنهم بها أحرزوا أموالهم ودماءهم
وأهليهم ما كانوا فى بلد عقد ذمتهم وموضع استيطانهم. "
١
مسألة: ولا يمنعون من التقلب فى التجارات والتعرض للمكاسب بالعمل والتجارة
والسائمة وغير ذلك من أنواع المكاسب؛ لأنه لم تعقد لهم الذمة إلا على التصرف

كتاب الزكاة
٢٨٤
والتكسب ولا عشر عليهم ولا غيره ما كانوا فى البلدان التى أقروا على المقام فيها،
وما كان فى حكمه من البلاد؛ لأنهم لم يعاهدوا إلا على أخذ الجزية فقط، فلا يزاد
عليها.
مسألة: والمراعاة فى ذلك بالآفاق، فمن كان من أهل الشام، فتصرف فى مدن
الشام، فلا شىء عليه، وإن تصرف إلى غيرها من الآفاق كالحجاز ومصر والعراق،
فعليه العشر إذا خرج عنها بيده من المال ببيع أو شراء أو صرف دراهم بذهب، أو
ذهب بدراهم، فعليه عشر ذلك.
والأصل فى ذلك فعل عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، بحضرة الصحابة وموافقتهم
ولم يخالف عليه أحد فثبت أنه إجماع؛ ولأن عقد الذمة إنما يوجب لهم التصرف
والتكسب فى بلاد إقامتهم، ولم يجب لهم تنمية أموالهم فى سائر آفاق المسلمين؛ لأنه
ليس لهم فيها حق ثابت، وإنما يجب لهم فيها بعد الذمة تصرف مخصوص، فإذا نموا
أموالهم بغير بلد ذمتهم أخذ منهم العشر كما يؤخذ ممن ورد علينا بأمان.
مسألة: فإن لم يغيروا ما بأيديهم ببيع ولا شراء، فقد قال ابن القاسم: لا شىء
عليهم. وقال ابن حبيب: يؤخذ منهم عشر ما وصلوا به، وإن لم يبيعوا ولم يشتروا.
وجه قول ابن القاسم أنهم إذا لم يبيعوا ولم يشتروا لم يحصل لهم أكثر من الأمان،
وذلك ثابت لهم بعقد الذمة، فلا شىء عليهم. ووجه قول ابن حبيب أن التصرف قد
حصل لهم فى بلاد المسلمين وغير آفاقهم بالسفر وطلب النماء، وذلك يوجب عليهم
أخذ عشر ما وصلوا به كما لو باعوا فخسروا، وإنما يثبت لهم بعقد الذمة الأمان فى
آفاقهم، فأما طلب الربح والتصرف فى غيرها، فلا إلا بأداء العشر.
مسألة: فإن أكرى شيئًا من إبله إلى المدينة وراجعًا إلى الشام، فقال ابن القاسم:
يؤخذ منه عشر ما أكرى به من المدينة إلى الشام، ولا يؤخذ منه شىء مما أكرى به من
الشام إلى المدينة، وقال أشهب وابن نافع: لا يؤخذ منه شىء من ذلك.
وجه قول ابن القاسم أن هذا وجه من التنمية على وجه المعاوضة حصلت له بغير
أفقه، فكان عليه عشره كالمعاوضة بالبيع. ووجه قول أشهب أن العقد إنما وقع بالشام،
وإنما دخل المدينة لإيفاء حقه واستيفائه. ووجه آخر وهو أن هذا غلة، فلم يجب عليهم
عشرها کما لو أکری نفسه فى الخدمة.
فرع: اختلف المغاربة من أصحابنا فيما يؤخذ من أهل الذمة إذا باعوا واشتروا بغير

٢٨٥
کتاب الزكاة
بلادهم، فقال بعضهم: إن كان ما صار إليهم ينقسم أخذ منهم عشره، وإن كان لا
ينقسم أخذ منهم ثمن عشره، وقال بعضهم: يؤخذ منه القيمة على كل حال، وإن
کان مما ينقسم أو مما يكال أو يوزن.
وجه القول الأول أن العشر إذا انقسم أخذ من العين كعشر الزرع. ووجه القول
الثانى أن الأسواق تحول وتختلف، فيجب أن يأخذ ما لا تحيله الأسواق؛ ولأنه عشر
فوجب أن تؤخذ فيه القمية، أصل ذلك ما لا ينقسم.
وَلَا صَدَقَةَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمَجُوسِ فِى شَىْءٍ مِنْ مَوَاشِهِمْ وَلَا ثِمَارِهِمْ
وَلا زُرُوعِهِمْ مَضَتْ بِذَلِكَ السِّةُ، وَيُقَرُّونَ عَلَّى دِينِهِمْ، وَيَكُونُونَ عَلَى مَا كَانُوا
عَلَيْهِ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِى الْعَامِ الْوَاحِدِ مِرَارًا فِى بِلادِ الْمُسْلِمِينَ فَعَلَيْهِمْ كُلِّمَا اخْتَفُوا
الْعُشْرُ لأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمَّ صَالَحُوا عَلَيْهِ، وَلا مِمَّا شُرِطَ لَهُمْ، وَهَذَا الْذِى أَدْرَكْتُ
عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا.
الشرح: وهذا كما قال أن أهل الذمة يقرون على دينهم، ويكونون من دينهم على
ما كانوا عليه لا يمنعون من شىء منه فى باطن أمرهم، وإنما يمنعون من إظهاره فى
المحافل والأسواق.
فصل: وقوله: ((اختلفوا فى عام واحد مرارًا إلى بلاد المسلمين فعليهم كلما اختلفوا
العشر))، يريد أن عليهم فى كل سفرة سافروها فباعوا واشتروا، على مذهب ابن
القاسم، أو وصلوا بمال، على مذهب ابن حبيب، أن يؤخذ منهم عشر ذلك.
وقال الشافعى وأبو حنيفة: لا يؤخذ منهم فى العام إلا مرة واحدة.
والدليل على ما نقوله أن الغرض قد حصل فى السفرة الثانية كما حصل فى الأولى،
فإذا وجب عليهم فى الأولى، فكذلك فى الثانية.
عشر أهل الذمة
٦٨٦ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ
٦٨٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٨١. عبد الرزاق فى المصنف ٣٣٥/١٠.

كتاب الزكاة
٢٨٦
الْخَطَّابِ كَانَ يَأْخُذُ مِنَ النِبَطِ (١) مِنَ الْحِنْطَةِ وَالزَّيْتِ نِصْفَ الْعُشْرِ، يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ
يَكْثُرَ الْحَمْلُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَيَأْخُذُ مِنَ الْقِطْنَّةِ الْعُشْرَ.
الشرح: قوله: ((كان يأخذ من النبط))، وهم كفار أهل الشام، عقد لهم عقد الذمة
إذا استحقت، فكانوا يختلفون إلى المدينة بالحنطة والزبيب وغير ذلك من أقوات أهل
الشام، فكان عمر بن الخطاب يخفف عنهم فى الحنطة والزيت، فيأخذ منهم نصف
العشر، فيكثر حملهم لهما إلى المدينة، فترخص بذلك الحنطة والزيت بالمدينة لأنهما
معظم القوت، وكان يأخذ منهم من القطنية العشر كاملاً؛ لأن غلاء القطانى لا يكاد
یضر بالناس کثیر ضرر.
٦٨٧ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنْهُ قَالَ: كُنْتُ غُلامًا
عَامِلا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَلَى سُوقِ الْمَدِينَةِ فِى زَمَانِ عُمَرَ بْنٍ
الْخَطَّابِ فَكُّنَا نَأْخُذُ مِنَ النَّبَطِ الْعُشْرَ.
الشرح: هكذا رواه يحيى ((غلامًا))، يريد بذلك شابًا. ورواه مطرف، وأبو مصعب
((كنت عاملاً))، يريد أنه كان عاملاً على أخذ العشر من أهل الذمة القادمين من سائر
الآفاق، فأخبر عما كان يأخذ هو وعبدالله بن عتبة بن مسعود من النبط، وهو العشر،
وأضاف ذلك إلى زمن عمر بن الخطاب؛ لأن ما كان يفعل فيه كان بإجماع الصحابة
لمشورتهم، فإذا لم يثبت فيه خلاف ولا ظهر فهو إجماع، وحجة يجب المصير إليها
والعمل بها.
٦٨٨ - مَالِكِ أَنّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَلَى أَىِّ وَجْهٍ كَانَ يَأْخُذُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ
مِنَّ النّبَطِ الْعُشْرَ؟ فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: كَانَ ذَلِكَ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِى الْحَاهِلِيَّةِ فَأَلْرَمَهُمْ
ذَلِكَ عُمَرُ.
الشرح: قوله: ((على أى وجه كان يأخذ عمر من النبط العشر))، سؤال عن وجه
ذلك وحجته ودليل جوازه، فقال ابن شهاب: إن ذلك كان يقبضه منهم فى الجاهلية،
فألزمهم ذلك عمر، وليس فى هذا أكثر من الإخبار بالسبب.
(١) الأنباط: فلاحو العجم.
٦٨٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٨٢. المحلى ١١٥/٦.
٦٨٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٨٣.

٢٨٧٠
كتاب الزكاة .
وليس هذا إخبارًا عن الحجة الموجبة، والحجة فى ذلك ما تقدم ذكره أنهم إنما
عوهدوا على التجارة وتنمية أموالهم بآفاقهم التى استوطنوها، فإذا طلبوا تنمية أموالهم
بالتجارة إلى غير ذلك من آفاق المسلمين كان عليهم فى ذلك حق غير الجزية التى
صولحوا عليها، فهذا إن شاء الله الوجه الذى له فعل هذا عمر لكنه إذا فعله عمر
بحضرة الصحابة، ولم يخالفه فى ذلك أحد ثبت أنه إجماع، وكان ذلك حجة قاطعة
على صحة هذا الحكم، وإن لم يعلم وجهه وكما اجتمعت الصحابة على صحة هذا
الحكم كذلك اجتمعت على صحة تقرير ما يؤخذ منهم بالعشر، وبالله التوفيق.
*
اشتراء الصدقة والعود فيها
٦٨٩ - مَالِك، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ،
وَهُوَ يَقُولُ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ عَتِيقٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، وَكَانَ الرَّحُلُ الَّذِى هُوَ عِنْدَهُ قَدْ
أَضَاعَهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ مِنْهُ وَظَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ
اللَّهِ ﴿ فَقَالَ: ((لا تَشْتَرِهِ وَإِنْ أَعْطَاكُهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِى صَدَقَتْهِ
كَالْكَلْبِ یَعُودُ فِی قَيْئِهِ».
الشرح: قوله: ((حملت على فرس عتيق))(١)، واحد العتاق من الخيل، وهى الكرام
السابقة منها، والحمل عليها فى سبيل الله على وجهين، أحدهما: أن يعلم من فيه
النجدة والفروسية، فيهبه له، ويملكه إياه لما يعلم من نجدته ونكايته للعدو، فهذا يملكه
الموهوب له ويتصرف فيه بما شاء من بيع وغيره. والوجه الثانى: وهو الأظهر، أن يكون
٦٨٩ - أخرجه البخارى فى كتاب الزكاة حديث رقم ١٣٩٥، وكتاب الهبة حديث رقم ٢٤٣٠،
٢٤٤٢، وكتاب الجهاد والسير حديث رقم ٢٧٤٨. ومسلم فى كتاب الهبات حديث رقم
٣٠٤٤، ٣٠٤٥، ٣٠٤٦، ٣٠٤٧. والترمذى فى كتاب الزكاة حديث رقم ٦٠٤. والنسائى
فى كتاب الزكاة حديث رقم ٢٥٦٦، ٢٥٦٧. وابن ماجه فى كتاب الأحكام حديث رقم
٢٣٨١، ٢٣٨٣. وأحمد فى المسند حديث رقم ١٦١، ٢٦٨، ٣٦١.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٧٠/٥: روى هذا الحديث ابن عيينة عن زيد بن أسلم، عن أبيه،
عن عمر، مثله، وقال فيه: لا تشتره، ولا شيئا من نتاجه، ذكره الشافعى، والحميدى، عن ابن
عيينة.
(١) عتيق: قال ابن عبد البر: الفرس العتيق هو الفاره عندنا، وقال صاحب العين: عتقت الفرس
تعتق إذا سبقت، وفرس عتيق رائع.

. کتاب الزكاة
٢٨٨
دفعه إلى من يعلم من حاله مواظبة الجهاد فى سبيل الله على سبيل التحبيس له فى هذا
الوجه، فهذا ليس للموهوب له أن يبيعه؛ لأنه موقوف فى هذا الوجه، فليس له إزالته
عنه مع السلامة.
وهذا مثل ما روى عن النبى ﴿﴿ فى الخبر المتقدم أن خالدًا احتبس أدراعه وأعتده فى
سبيل الله تعالى، وسيأتى هذا فى كتاب الأوقاف والحبس إن شاء الله تعالى.
فصل: وقوله: ((وكان الرجل الذى هو عنده قد أضاعه))، يحتمل أمرين، أحدهما: أنه
أضاعه من الإضاعة، بأن لم يحسن القيام عليه، ويبعد مثل هذا فى أصحاب النبى ﴿ إِ
أن يوجب هذا عذر، ويحتمل أن يريد به صيره ضائعًا من الهزال لفرط مباشرة الجهاد به
ولإتعابه له فى سبيل الله تعالى.
فصل: وقوله: ((فأردت أن أشتريه منه وظننت أنه بائعه برخص)) يحتمل ثلاثة أوجه،
أحدهما: لأنه كان وهبه إياه، فأراد أن يشتريه به، وأن يسترخصه لضياعه، ويحتمل أيضًا
أُن یکون حیسًا، فظن أن شراءه جائز، وبيع الذی کان فى يده له مباح حتى منعه من
ذلك النبى ﴿﴾، ويحتمل أنه بلغ من الضياع مبلغًا يعدم الانتفاع به فى الوجه الذى
حبسه فیه، فرأى أن ذلك يبيح له شراءه.
فرع: وضياع الخيل الموقفة على وجهين، أحدهما: أن يرجى صلاحه والانتفاع به
فى الجهاد كالضعف والمرض المرجو برؤه، فهذا لا خلاف أن يستباح له بيعه. الثانى:
الکلب والهرم والمرض الذی لا ترجی إفاقته.
فهذا اختلف أصحابنا فيه، فقال ابن القاسم: إذا عدم الانتفاع به فى الوجه الذى
وقف له، ولم يرج برؤه جاز بيعه ووضع ثمنه فى ذلك الوجه، وقال ابن الماجشون: لا
يجوز بيعه، وسیأتی بیان ذلك فى موضعه إن شاء الله تعالى.
وجه قول مالك أنه لما عدم الانتفاع بعينه، وأمكن الانتفاع بثمنه نقل إليه؛ لأنه لا
بدل منه. ووجه قول ابن الماجشون أنه مخرج على سبيل الحبس، فلم يجز بيعه کالأصول
الثابتة.
فصل: وقوله 18: ((فإن العائد فى صدقته كالكلب يعود فى قينه))، يريد أنه من
القبح والكراهية بمنزلة العائد فى أكل ما قد قاء بعد أن قبح وتغير عن حال الطعام إلى
حال القىء، وكذلك المتصدق قد أخرج فى صدقته أوساخ ماله وما يدنسه، فلا يرتجعه
إلى ملكه بعد أن تغير بصدقته وبغيرها فى ماله لمعنى الفساد فيه، فإن ذلك من أفعال
الكلب وأخلاقه التى ينفرد بها، ويكره من أجلها.

٢٨٩٠
......
کتاب الزكاة
وفى هذا خمسة أبواب، الباب الأول: فى وجه العطية. والباب الثانى: فى صفة
العطية فى نفسها. والباب الثالث: فى صفة المعطى. والباب الرابع: فى صفة الارتجاع.
والباب الخامس: فى حكم الارتجاع.
الباب الأول فى وجه العطية
أما وجه العطية، فهو أن يعطى على وجه الصدقة الواجبة أو التطوع، فهذا لا يجوز
◌َّ أنه قال: ((العائد فى صدقته كالكلب يعود
له استرجاع صدقته، لما روی عن النبی
فى قيته(٢)). وأما إن كانت عطية على غير وجه الصدقة، ففى الموازية فى الذى يحمل
على الفرس لا للسبيل ولا للمسكنة: لا بأس أن يشتريه.
ووجه ذلك أنها عطية لم يقصد بها القربة، فجاز له أن يتملكها فى المستقبل كما
يجوز اعتصار ما وهب لغير القربة، وما روى عن النبى ﴿﴿ أنه قال: ((العائد فى صدقته
كالكلب يعود فى قيته))، فمحمول على العود إلى ملك ما وهب على وجه القربة،
ومعنى الصدقة محمول على ارتجاع ما وهب الأجنبى بغير عوض بدليل ما قدمناه.
الباب الثانى فى صفة العملية
أما صفة العطية، فإنها إن كانت عينًا بتلها مثل أن يتصدق بفرس أو عبد أو أصل أو
ورق أو ما أشبه ذلك، فإنه لا يجوز له الرجوع فيه، وفى العتبية فى امرأة جعلت
خلخالها فى السبيل إن شفاها الله، فلما برأت أرادت أن تخرج قيمتها وتحبسها، فكره
ذلك. قال سحنون: لأنه من وجه الرجوع فى الصدقة.
مسألة: وأما إن أعطى غلة أو منفعة، فقد قال ابن المواز، فى الذى يتصدق بغلة
الأصل سنين أو حياة المحبس، عليه: لا بأس أن يشترى ذلك المتصدق لم يختلف فى
ـّ عن الرجوع فى
هذا مالك وأصحابه إلا عبدالملك، فإنه أباه واحتج بنهى النبى
الصدقة، وأجاز ذلك لورثته.
وجه القول الأول ما احتج به ابن المواز من أن رسول اللـه ◌َ نهى عمر أن يعود
(*) أخرجه البخارى حديث رقم ١٤٩٠، ٢٦٢٣. مسلم حديث رقم ١٦٢٠. النسائى فى
الصغری حدیث رقم ٢٦١٥.

کتاب الزكاة
٢٩٠
فى صدقته وأرخص لصاحب العربية أن يشتريها بخرصها وهى صدقة.
فرع: ومن أسكنته أو أخدمته، فقد قال مالك: لا بأس أن يبدل له ذلك بغيره، إن
رضيه، ما لم تفسد عطيته، ومن أعطى فرسه فى السبيل لم يكن له أن يبدله، ووجه
ذلك ما تقدم.
الباب الثالث فى صفة المعطى
أما صفة المعطى، فإن كان أجنبيًا، فلا يرجع المتصدق عليه فیما تصدق به علیه، قال
مالك فى العتبية والموازية: فلا يركبه، ولو كان أمرًا قريبًا، وقد ركب ابن عمر ناقة،
وهبها فصرع عنها، فقال: ما كنت لأفعل مثل هذا كأنه اعتقد أنه عوقب فى ذلك، قال
القاضى أبو محمد: لا بأس أن يركب الفرس الذى جعلت فى سبيل الله، وأن يشرب من
ألبان الغنم اليسير، وما أشبه ذلك مما يقل قدره.
وجه قول مالك أنه من الرجوع فى الصدقة. ووجه القول الثانى أن اليسير معفو
عنه، وغير مقصود بالارتجاع، ولذلك عفى عن اليسير فى ترك حيازته من الصدقة إذا
حيز الأكثر.
مسألة: وإن كان المعطى ابنًا، فقد قال فى المدونة فى الرجل يتصدق على ابنه الصغير
فى حجره بجارية، فتتبعها نفسه: له أن يشتريها، ولا يجوز ذلك إذا تصدق بها على
أجنبى، قال عيسى عن ابن القاسم: إنما أرخص فيها لمكان الابن من الأب، ولو كان
أجنبیًا، لم يحل له أن یشتری صدقته.
وقال مالك: من تصدق على ابنه بغنم لا بأس أن يأكل من لحمها، ويشرب من
لبنها، ويكتسى من صوفها، وإن تصدق عليه بحائط، جاز أن يأكل من ثمره بخلاف
الأجنبی.
وفى الموازية من رواية أشهب عن مالك: لا يكتسى من صوف الغنم، ولا يشرب
من لبنها.
ووجه ذلك أن هذه صدقة بغیر مال، فلم يكن له تملكها کصدقته علی الأجنبی.
فرع: إذا قلنا برواية ابن القاسم، ففى الموازية أن الأم فى ذلك بمنزلة الأب، وقد تقدم
من رواية ابن القاسم أن ذلك فى الابن الصغير، وفى الموازية عن مالك إنما ذلك فى
الابن الکبیر دون الصغير.

٢٩١٠٠
......
کتاب الزكاة
وجه الرواية الأولى أن للتصرف تأثيرًا فى الإباحة، ولذلك أبيح للوصى من مال
الصغير ما لم يبح له من مال غيره. ووجه الرواية الثانية أن الصغير لا يصح منه الأذن،
وأما الكبير، فإنه يصح منه أن يأذن فى ذلك.
الباب الرابع فى صفة الارتجاع
وأما صفة الارتجاع، فإن عمدة المذهب أن كل ارتجاع يكون باختياره، فإنه
ممنوع منه كالابتياع لما روى عن النبى ﴿﴿ أنه قال: ((لا تشتره وإن أعطاكه
بدرهم»
ومن جهة المعنى أن المنع إنما يتعلق بما يكون باختيار الممنوع، فأما ما يقع بغير
اختياره، فلا يصح النهى عنه، وكذلك الصدقة ممن تصدق عليه بما تصدق به، فلا تقبله
ولا ترتجعه بهبة ولا إجارة ولا عارية.
مسألة: وأما الميراث، فلا بأس لمن عادت إليه صدقته بالميراث أن يستديم ملكها،
قال القاضى أبو محمد وغيره. قال أبو محمد: ليس براجع فى صدقته ولا يتهم فى ذلك.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: ومعناه عندى أنه لم يتملكها، وإنما الشرع
قضى له وعليه بذلك، ولو أراد الامتناع من قبضها لأجبره على ذلك.
مسألة: ولو تصدق غاز على رجل بدراهم ثم ترافقا، فأخرج المتصدق عليه نفقة من
تلك الدراهم، فقد قال مالك: ليس هذا مما يبقى، وقد قال النبى ﴿ فى لحم بريرة:
((هو عليها صدقة ولنا هدية)).
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: ومعنى ذلك عندى أن كل واحد من
المترافقين لم يبع شيئًا من نفقته بنفقة الآخر، وإنما تشاركا على أن بقى كل واحد منهما
على حصته، ثم يميز كل واحد منهما حقه يأكله، ولم يكن هذا حكم بريرة مع النبى
، وإنما كان اللحم مما تصدق به على بريرة، ثم لما أباحته هى للنبى 48 كان ذلك
هدية منها إليه.
(*) أخرجه البخارى حديث رقم ٢٦٢٣. النسائى فى الصغرى حديث رقم ٢٦١٥.

٢٩٢
.............
كتاب الزكاة
الباب الخامس فى حكم الارتجاع
أما حكم الارتجاع إذا وقع، ففى الموازية قد أجاز بعض العلماء شراء الرجل صدقته
وكرهه بعضهم، فإن نزل عندنا لم نفسخه، وبهذا قال القاضى أبو محمد، وهو قول
أبى حنيفة والشافعي، وقال الشيخ أبو إسحاق: يفسخ الشراء لنهى النبى ﴿﴾ عن ذلك.
والقولان يتخرجان من المذهب، فقد حكى ابن المواز فى المدير أو غير المدير: يخرج
فى زكاته عرضًا لا يجزيه، عند ابن القاسم، ويجزئه عند أشهب، إذا لم يحاب عن
نفسه، وبئس ما صنع.
وجه القول الأول معارضة المزكى بزكاته لا تنافى صحة الملك، أصل ذلك إذا
أخرج ورقًا عن ذهب. ووجه القول الثانى نهيه ﴿﴿ عمر بن الخطاب أن يشترى
صدقته، والنھی يقتضى فساد المنھی عنه.
ومن جهة القياس أن النهى عن البيع إذا كان لحق الله اقتضى فساده كالبيع وقت
صلاة الجمعة.
٦٩٠ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حَمَلَ عَلَى
فَرَسٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَأَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَهُ، فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ فَقَالَ: ((لا تَبْتَعْهُ
وَلا تُعُدْ فِى صَدَقَتِكَ».
الشرح: قوله: ((لا تبتعه ولا تعد فى صدقتك))، سمى الابتياع عودًا، إما لأنه يحبس،
٦٩٠ - أخرجه البخارى فى كتاب الزكاة حديث رقم ١٣٩٥، وكتاب الجهاد والسير حديث رقم
٢٧٤٩. ومسلم فى كتاب الهبات حديث رقم ٣٠٤٧. والنسائى فى كتاب الزكاة حديث رقم
٢٥٦٨. وأبو داود فى كتاب الزكاة حديث رقم ١٣٥٨. وأحمد فى المسند حديث رقم
٤٩٣٠، ٠٥٥٣٤
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٧٣/٥: هكذا روى مالك هذا الحديث وعن نافع، عن ابن عمر، أن
عمره، فهو فى روايته من مسند ابن عمر، كذلك هو عند جمهور رواة الموطأ، إلا معن بن
عيسى، فإنه رواه عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، أنه حمل على فرس - فذكر
الحديث وجعله من مسند عمر، وكذلك رواه ابن نمير عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن
عمر - مثل رواية معن؛ ورواه القطان، وعلى بن عاصم، عن عبيدالله، عن نافع، عن ابن عمر،
أن عمر كما فى الموطآت؛ وكذلك رواه الزهرى، عن سالم، عن ابن عمر، أن عمر كما فى
الموطأ عند جمهور الرواة غير معن. وروى هذا الحديث يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر،
فقال فيه: لا تشتره ولا شيئًا من نتاجه، ولا تعد فى صدقتك.

٢٩٣
کتاب الزكاة
فرأى أن ابتياعه نقض لتحبيسه، فهو عوده فيه، وإما لأنه تصدق به على وجه التمليك
لمن تصدق به عليه، فسمى الابتياع عودًا؛ لأنه أزال ملكه عنه لله تعالى ثم يعيده إلى
ملكه، وهذا ممنوع؛ لأن من زال ملكه عن شىء لله تعالى على وجه الصدقة، فإنه يجب
أن لا يعود إلى ملكه؛ لأنه من باب العود فى الصدقة.
سُئِلَ مَالِك عَنْ رَجُلٍ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَوَ حَدَهَا مَعَ غَيْرِ الَّذِى تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ تُبَاعُ
أَيَشْتَرِيِهَا فَقَالَ: تَرْكُهَا أَحَبُّ إِلَىَّ.
الشرح: وهذا كما قال، وذلك أن من تصدق بصدقة على رجل ثم وجدها بيد
غيره، فابتياعه إياها مكروه؛ لأنه قد كان أزال ملكه عنها لله تعالى، وهو مضارع
للرجوع فى الصدقة من هذا الوجه، وبهذا قال ابن القاسم فى المدونة وغيرها.
وفى المدنية من رواية ابن دينار عن مالك: من تصدق بصدقة تطوع على آخر، ثم
وجدها عند غيره، فإن له أن يشتريها. زاد فى الموازية: ولا يشتريها من المتصدق علبه،
ولا یدس من یشتریھا منه.
وجه القول الأول ما تقدم. ووجه القول الثانى أن المتصدق عليه ربما سامحه فى
بعض الثمن لما تقدم من صدقته عليه، والأجنبى لا يتوقع ذلك منه غالبًا ولو وجد ذلك
منه لما كان فى معنى الرجوع فى الصدقة.
مسألة: وإنما يمنع من الرجوع فيما تصدق بها، فأما غيره من الناس، فلا بأس أن
يشتريها ويقبلها ممن أهداها إليه. وفى العتبية عن سحنون: يجوز للرجل أن يشترى
كسرًا لسؤال قيل له، وقد جاء الحديث: ((إنما هى أوساخ الناس))(١)، فقال: ألا ترى إلى
حديث النبى ﴿﴿، قال: ((هو صدقة على بريرة وهو لنا منها هدية))(٢).
ومعنى هذا أن الرجوع فيها لا يتصور إلا من المتصدق، فلذلك اختص المنع به، وأما
غيره فليس براجع فيها، فلذلك لم يمنع منها.
(١) أخرجه مسلم فى صحيحه حديث رقم (١٠٧٢). النسائى فى الصغرى حديث رقم
(٢٦٠٩). أبو داود حديث رقم (٢٩٨٥). أحمد فى المسند حديث رقم (١٧٠٦٤) جميعهما من
حديث ربيعة بن الحارث.
(٢) أخرجه البخارى فى صحيحه حديث رقم (١٤٩٣) مسلم فى صحيحه حديث رقم
(١٠٧٥). الدارمى حديث رقم (٢٢٩٠) من حديث عائشة.

٢٩٤
کتاب الزكاة
من تجب عليه زكاة الفطر
٦٩١ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ
غِلْمَانِهِ الَّذِينَ بِوَادِى الْقُرَى وَبِخَيْرَ.
الشرح: قوله: ((كان يخرج زكاة الفطر عن غلمانه))، يريد أنه كان يخرج عنهم
زكاة الفطر؛ لأنهم فى ملكه، ونفقتهم واجبة عليه، فالزكاة واجبة عليه عنهم. والأصل
فى ذلك حديث أبى سعيد الخدرى: كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله ﴿ زكاة عن
كل صغير وكبير، حر أو مملوك، صاعًا من طعام، الحديث.
مسألة: وإذا كان العبد لواحد، فلا خلاف فى ذلك، فإن كان لجماعة، فزكاة الفطر
فيه واجبة، وبه قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: لا تجب فيه زكاة الفطر، وكذلك إذا
کان لاثنین عبدان مشتر کان.
والدليل على صحة ما ذهبنا إليه حديث أبى سعيد الخدرى المتقدم، وهو: كنا نخرج
إذ كان فينا رسول الله ﴿﴿ زكاة الفطر عن كل صغير وكبير، حر أو مملوك، صاعًا من
طعام. وهذا عام فى المشترك وغيره، فيحمل على عمومه.
ودليلنا من جهة القياس أن هذا من أهل الطهرة، ومن هو له من أهل الفطرة واجد
لها، فوجب أن تكون زكاة فطره واجبة. أصله إذا كان لواحد.
فرع: وكيف يخرج عنه زكاة الفطر مالکاه؟ عن مالك فى ذلك روایتان. روى ابن
القاسم أنه يخرج كل واحد منهما عنه بقدر ملكه فيه. وروى عنه ابن الماجشون: يخرج
کل واحد منهما عنه فطرة كاملة.
وجه رواية ابن القاسم أن الفطرة تابعة للنفقة، فلما كانت النفقة بينهما، فكذلك
الفطرة. ووجه رواية ابن الماجشون أن العبد محبوس فی حق كل واحد منهما، بدليل أنه
محبوس بسببه فى أحكام الرق إذا انفرد ملكه لحقه منه، فكانت عليه فطرة كاملة كما
لو ملك جميعه.
مسألة: وإذا ابتاع العامل العبيد عمال القراض، فاختلف أصحابنا فى إخراج زكاة
الفطر عنهم، فروى ابن القاسم وابن وهب عن مالك أن زكاة الفطر عنهم على رب
٦٩١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٨٦. البيهقى فى السنن الكبرى ١٦١/٤. عبد
الرزاق فى المصنف ٣٢٨/٣.

٢٩٥
کتاب الزكاة
المال يخرجها من ماله. وقال أشهب وأصبغ: يزكى عنهم من مال القراض، ويكون ما
بقی هو رأس المال، روى ذلك عنهما ابن حبيب.
وقد روى أشهب عن مالك، ورواه ابن المواز وسحنون عن أشهب أن زكاة الفطر
عنهم تخرج من مال العامل، ثم تكون مراعاة، فإن كان فى المال ربح كان للعامل منها
قدر حصته. وقال ابن حبيب: زكاة الفطر كالنفقة من الجملة، وهو القياس؛ لأن زكاة
الفطر عندنا تابعة للنفقة.
وجه رواية ابن القاسم أن رب المال يجب أن يخرج مما بيده الزكاة؛ لأن مال القراض
له، فكانت عليه الزكاة، ولا يملك العامل نصيبه من الربح إلا بالقسمة. ووجه رواية ابن
حبيب عن أشهب أن ذلك لا يجوز؛ لأن زكوات الأموال ونفقاتها إنما حكمها أن
تكون منها، فهى وإن كانت تلزم رب المال، فوجب أن تخرج مما بيد العامل؛ لأن رب
المال إذا أخرجها، فھی زیادة فى القراض بعد العمل فيه، وذلك غير جائز.
ووجه رواية ابن المواز أن الزكاة واجبة على المال، فإذا كان للعامل فيه حصة عليه
من الزكاة بقدر ذلك، وهذا مبنى على أن العامل يملك حصته من الربح بالظهور.
مسألة: فإن کان نصف العبد حرًا، فعن مالك فى ذلك ثلاث روايات، روى ابن
القاسم عنه أن على مالك النصف نصف الفطرة ولا شىء على العبد فى الباقی. وروى
عنه أن على العبد من الفطرة بقدر ما عتق. عليه، وبه قال محمد بن مسلمة.
وروى عنه مطرف وابن الماجشون أن على من فيه بقية الرق جميع الفطرة.
وجه رواية ابن القاسم أن الفطرة زكاة، والزكاة غير واجبة على من فيه بقية رق،
فعلى من ملك منه بقدر حصته، وتسقط عن حصة الحرز زكاة الفطر لما ذكره.
ووجه ما قاله محمد بن مسلمة أن الفطرة تابعة للنفقة، فلما قسطت النفقة على
الجزية والملك، فكذلك الفطرة.
ووجه رواية مطرف أنه محبوس فى حق من له فيه ملك بأحكام الرق كلها، وهذا
من جملتها، فوجب أن يلزمه جميع الصاع.
فصل: وقوله: ((عن غلمانه الذين كانوا بوادى القرى وبخيير))، يريد أنه كان يخرج
عنهم زكاة الفطر، وإن كانوا غيبًا عن موضع استيطانهم بالمدينة، وأن مغيبهم عنه لا
يسقط عنه فيهم زكاة الفطر.

٠٠٢٩٦
كتاب الزكاة
مَالِك أَنَّ أَحْسَنَ مَا سَمِعْتُ فِيمَا يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ مِنْ زَكَاةِ الْفِطْرِ أَنَّ الرَّحُلَ
يُؤَدِّى ذَلِكَ عَنْ كُلِّ مَنْ يَضْمَنُ نَفَقْتَهُ وَلا بُدَّلَهُ مِنْ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ وَالرَّجُلُ يُؤَدِّى عَنْ
مُكَتَبِهِ وَمُدَِّهِ وَرَقِيقِهِ كُلِّهِمْ، غَائِهِمْ وَشَاهِدِهِمْ، مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُسْلِمًا وَمَنْ كَانَ
مِنْهُمْ لِتِجَارَةٍ أَوْ لِغَيْرِ تِجَارَةٍ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ مُسْلِمًا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ.
الشرح: وهذا كما قال أن أحسن ما سمع فى وجوب زكاة الفطر ما ذهب إليه،
وهو الذى قام الدليل عليه أن تجب عليه زكاة الفطر عن كل من تجب عليه نفقته،
وذلك على ضربين نفقة ثابتة بالشرع، ونفقة ثابتة بالعقد.
فأما النفقة الثابتة بالشرع، فمن لزمته نفقته لزمته زكاة الفطر عنه، ونحن نبين حكم
النفقة ليتبين حكم الزكاة فيها، فتجب على الرجل نفقة الولد الصغير المعسر، ونفقة
أبويه المعسرين، وعلى الزوج نفقة زوجته، وعلى السيد نفقة رقيقه.
فأما الأولاد، فلا يخلو أن يكونوا صغارًا أو كبارًا، فإن كان الولد صغيرًا، فلا يخلو
أن یکون موسرًا أو معسرًا، فإن كان موسرًا، فنفقته فى ماله وكذلك فطرته. وقال
محمد ابن الحسين: نفقته فى ماله وفطرته فى مال أبيه.
ودليلنا أن كل من لا يلزم الأب الإنفاق عليه، فإنه لا تلزمه الفطرة عنه كالكبير.
مسألة: وإن كان معسرًا، فالنفقة فى مال أبيه وكذلك الفطرة، وإن كان بالغًا، فلا
يخلو أن يكون موسرًا أو معسرًا، فإن كان موسرًا، فنفقته فى ماله وكذلك فطرته، وإن
كان معسرًا، فلا يخلو أن يكون صحيحًا أو زمنًا.
فإن كان صحيحًا، فنفقته عليه وكذلك فطرته، وإن كان زَمْنًا، فلا يخلو أن تكون
الزمانة طرأت عليه بعد البلوغ أو قبل البلوغ، فإن كانت بعد البلوغ، فالنفقة عليه،
وكذلك الفطرة، وإن كان بلغ زمنًا فنفقته على أبيه، وكذلك فطرته؛ لأن النفقة لم
تسقط عنه بالبلوغ؛ لأن الزمانة تمنع الاكتساب كالصغر، وهذا أحد قولى الشافعى.
وقال أبو حنيفة: يجب على الأب نفقة ولده الصغير، ولا تجب عليه زكاة عن ولده
البالغ زمنًا.
والدليل على ما نقوله أن هذا حق يجب فيه عن الصغير من ولده، فجاز أن يحمله
عن الكبير منهم كالنفقة.

٢٩٧
كتاب الزكاة .
مسألة: وأما نفقة الوالدين المعسرين، فإنها تلزم الولد، وإن كانا قويين على العمل،
وهذا إذا كانا زوجين، فإن كان للأب زوج غير الأم، فقال جمهور أصحابنا ورووه
عن مالك: أن على الابن الغنى النفقة على الأب وعلى زوجه، وإن كانت غير أمه.
وقال المخزومى: لا ينفق على زوجة أبيه إلا أن تكون أمه.
وقال ابن القاسم: لا ينفق من نساء أبيه إلا على امرأة واحدة، ومن خدمها إلا على
خادم واحدة، وأما الأم، فإن تزوجها غير أبيه، فنفقتها على الزوج، فإن أبى الزوج أن
يمسكها إلا بغير نفقة، ورضيت الأم بذلك لزم الابن الإنفاق عليها؛ لأنه إذا طلقها
لزمته النفقة، فلا فائدة له بذلك إلا الإضرار بها، والعضل لها، وزكاة الفطر فى ذلك
كله تابعة للنفقة. وقال أبو حنيفة: ليس على الابن أن يخرج زكاة الفطر.
والدليل على ما نقوله أن هذا من أهل الطهرة يمونه من هو من أهل الفطرة ممن
يجدها، فكان عليه أن يؤديها عنه كالابن الصغير المعسر مع الأب الغنى.
مسألة: وأما الزوجة، فإنه يجب على الزوج الإنفاق عليها، وزكاة الفطر عنها، وبه
قال الشافعى. وقال أبو حنيفة والثورى: لا يخرج زكاة الفظّر عنها، وذلك فى مالها.
ودليلنا أنها من أهل الطهرة يمونها بالشرع من هو من أهل الفطرة واجد لها، فلزمه
إخراجها عنها. أصله الأمة.
مسألة: وعلى الزوج أن ينفق على خادمها، وذلك أن المرأة لا تخلو أن تكون ممن
يخدم نفسها أو ممن لا تخدم نفسها، فإن كانت ممن يخدم نفسها فليس عليه إخدامها،
وإن كان لها خادم فنفقتها عليها، وكذلك فكرتها، وإن كانت ممن لا تخدم نفسها،
فهو مخير بين ثلاثة أحوال، أن يكرى لها من يخدمها، أو يشترى لها خادمها يشغلها
بخدمتها، أو ينفق على خادمها.
وقيل: أنه مخير بين أربعة أشياء، ثلاثة تقدمت، والرابع: أن يخدمها بنفسه، فإن اختار
على خادمها كان عليه أن يؤدى عنها زكاة الفطر؛ لأنها تابعة للنفقة بالشرع، وكذلك
إن كانت ممن يخدم بأكثر من خادم واحدة.
مسألة: وأما الرقيق، فلا يخلو أن يكون ملكه تامًا وتصرفه فيه ماضيًا نافذًا، أو يكون
قد عقد فيهم عقدًا یمنع ذلك، فإن لم يتقدم له فیهم عقد فقد تقدم کلامنا فيه بما یغنی،
وإن كان له فيهم عقد يمنع ذلك، فأحكامهم على ما تقتضيه تلك العقود، والعقود فى
ذلك الرهن، والاجارة، والتدبير، والاستيلاد والعتق إلى أجل، والكتابة، والإخدام، فأما

. كتاب الزكاة
٢٩٨
الرهن، فإن زكاة الفطر فيه على مالكه الراهن له؛ لأنه تلزمه نفقته، وكذلك الإجارة.
مسألة: وأما التدبير والاستيلاد والعتق إلى أجل [ .......... ] (١).
مسألة: وأما الكتابة، فعن مالك فى ذلك روايتان، إحداهما: أن الزكاة على السيد،
والثانية: لا ز کاة علیه.
وجه الرواية الأولى أن ملكه ثابت عليه، وإنما تزول يده بالكتابة، وذلك لا يسقط
عنه زكاة الفطر كالعبد الآبق. ووجه الرواية الثانية أن هذا عقد يسقط النفقة عن
السيد، فوجب أن تسقط زكاة الفطر عنه كالعتق البتل.
مسألة: وأما الإخدام، فعلى ضربين، أحدهما: أن يكون مرجع الرقبة بعد الخدمة إلى
ملك، والثانى: أن يرجع إلى حرية، فإن كان رجوعها إلى رق، فاختلف أصحابنا فى
ذلك، فقال ابن القاسم وابن عبدالحكم: النفقة وزكاة الفطر على من له الخدمة. وقال
أشهب، ورجع إليه ابن القاسم: النفقة على من له الخدمة، والزكاة على من له الرقبة.
وقال ابن الماجشون: إن كانت الخدمة تطول، فالنفقة والفطرة على من له الخدمة،
وإن كانت قصيرة كالوجائب أو الإجارة، فالنفقة والفطرة على من له الرقبة. وقال
سحنون: طالت مدة الخدمة أو قصرت، النفقة على من له مرجع الرقبة.
وجه القول الأول أن المنفعة خالصة للذى له الخدمة، فلذلك كانت عليه النفقة لأننا
لا تتحقق رجوعها إلى غيره، والزكاة مانعة للنفقة الثابتة بالشرع.
ووجه قول أشهب أن النفقة إنما تجب على من له الخدمة بسبب الخدمة؛ لأنه لا حق
له فى الرقبة، وذلك لا يوجب زكاة الفطر كما لو أخذها منه، واشترط النفقة.
ووجه قول ابن الماجشون أن الخدمة اليسيرة الغالب منها السلامة ورجوعها إلى من
له الرقبة، فكانت النفقة والفطرة عليه؛ لأن النفقة إنما تجب على من له الرقبة، وإن
كانت الخدمة طويلة الأعوام الكثيرة، فإنها لا يغلب على الظن سلامتها، ورجوعها
إليه، فكانت النفقة على من يتعجل منفعتها؛ لأن الظاهر أن الرقبة لا تزول عنه والفطرة
تابعة للنفقة.
ووجه قول سحنون أن النفقة إنما تجب على من له الرقبة بدليل أن من ابتاع رقبة
كانت نفقتها عليه، ومن ابتاع منفعتها لم يجب عليه ذلك، فالنفقة تجب على من له
(١) ما بين المعقوفتين بياض فى الأصل.

........ ٢٩٩
کتاب الزكاة
الرقبة، والزكاة تبع لها، فإن يئس من رجوعها، فليزل ملكه عنها بالعتق لتسقط عنه
النفقة والزكاة.
مسألة: وإن كان العبد يرجع إلى حرية، فقد قال مالك: نفقته وفطرته على من له
الخدمة. ووجه ذلك أنه محبوس فى الرق بسببه دون غيره، فأشبه العبد الذى يملك رقبته.
فصل: وقوله: ((ومن كان منهم لتجارة))، يريد أن العبد، وإن كان للتجارة ولزمه فى
قيمته زكاة العين، فإن زكاة الفطر ثابتة فى رقبته، وبهذا قال الشافعى.
فصل: وقوله: ((ومن لم يكن منهم مسلمًا فلا زكاة عليه فيه))، يريد أن من كان من
عبيده أو ممن تلزمه نفقته غير مؤمن، فإنه لا فطرة عليه بسببه، وبهذا قال الشافعى.
وقال أبو حنيفة: يلزمه إخراج الفطرة عن عبيده الكفار.
ودليلنا أن هذا ليس من أهل الطهرة، فلم يجب إخراج زكاة الفطر عنه. أصله الأب
الذمى الكافر الفقير، فإنه ينفق عليه، ولا يؤدى عنه الفطر.
قَالَ مَالِك فِى الْعَبْدِ الآبِقِ(١): إِنَّ سَيِّدَهُ إِنْ عَلِمَ مَكَانَهُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ وَكَانَتْ غَيْتُهُ
قَرِيبَةٌ وَهُوَ يَرْجُو حَيَاتَهُ وَرَجْعَتَهُ، فَإِى أَرَى أَنْ يُزَكِّىَ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ إِبَاتُهُ قَدْ طَالَ
وَسَ مِنْهُ، فَلا أَرَى أَنْ يُزَكِّىَ عَنْهُ.
الشرح: وهذا كما قال أن العبد الآبق على ضربين، منهم من ترجى أوبته، ومنهم
من لا ترجی، فمن رجیت أوبته، فعليه أن یز کی عنه ومن يئس من أوبته، فلا شىء
عليه؛ لأنه لا فائدة له فى علمه بحياته، وبه قال عطاء والثورى وأبو حنيفة والشافعى فى
أحد قوليه. وقال الأوزاعى: إن كانت غيبته فى بلاد الإسلام لزمته عنه الفطرة.
دليلنا أن هذا قد يتس منه، فلم يلزم عنه زكاة الفطر كالذى صار فى بلاد الحرب.
قَالَ مَالِك: تَحِبُ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى أَهْلِ الْبَادِيَةِ كَمَا تَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى،
وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَّ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النّاسِ عَلَى كُلٌّ حُرِّ أَوْ
عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أَنْتَى، مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
الشرح: وهذا كما قال أن زكاة الفطر تجب على أهل البادية وأهل الحاضرة، وهم
أهل القرى وجوبًا، سواء لما احتج به مالك من أن رسول الله مؤلّه فرضها على كل حر
(١) أَبَقَ العبد: إذا هرب.

کتاب الزكاة
٣٠٠ ٠
أو عبد، ولم يخص أهل حاضرة من غيرهم، فوجب حمله على عمومه. وهذا نص من
مالك، رحمه الله، على قوله بصحة العموم، واعتقاده الاحتجاج به، وما ذكره من
وجوب الزكاة، هو قول جميع الفقهاء إلا ما يحكى عن الأصم وابن علية أنهما قالا:
ليست بواجبة.
والدليل على ما نقوله، قوله تعالى: ﴿أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [البقرة: ٤٣]،
وقال مالك: إن زكاة الفطر داخلة فيها، وما قاله صحيح؛ لأن اللفظ يصح بتأوله لها،
وهو من ألفاظ العموم، فيجب أن يحمل على هذه الزكاة وغيرها إلا ما خصه الدليل.
*
مكيلة زكاة الفطر
٦٩٢ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ فَرَضَ زَكَاةَ
الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النّاسِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرِّ أَوْ عَبْدٍ
ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ(١).
٦٩٢ - أخرجه البخارى فى كتاب الزكاة حديث رقم ١٤٠٧. ومسلم حديث رقم ١٦٣٨.
والترمذى فى كتاب الزكاة حديث رقم ٦١١، ٦١٢. والنسائى فى كتاب الزكاة حديث رقم
٢٤٥١، ٢٤٥٢، ٢٤٥٣، ٢٤٥٤، ٢٤٥٥، ٢٤٥٦، ٢٤٦٧. وأبو داود فى كتاب الزكاة
حديث رقم ١٣٧٣، ١٣٧٤، ١٣٧٥. وابن ماجه فى كتاب الزكاة حديث رقم ١٨١٦. وأحمد
فى المسند حديث رقم ٤٢٥٦، ٤٩٢٧، ٥٠٥١، ٥٠٨٧، ٥٥٢٠، ٥٦٧٢، ٠٥٩٣٧ والدارمى
فى كتاب الزكاة حديث رقم ١٦٠٢، ١٦٠٣. والبغوى بشرح السنة ٧١/٦ عن ابن عمر.
(١) قال ابن عبد البر فى التمهيد ٧٥/٥: لم يختلف عن مالك فى إسناد هذا الحديث ولا فى
متنه، ولا فى قوله فيه: (من المسلمين)) إلا قتيبة بن سعيد وحده؛ فإنه روى هذا الحديث عن
مالك، ولم يقل فيه: (من المسلمين)) وسائر الرواة عن مالك قالوا عنه فيه: (من المسلمين))؛
وكذلك هو فى الموطأ عند جميعهم فيما علمت. وقد زعم بعض الناس أنه لا يقول فيه أحد: ((من
المسلمين)) غير مالك، وذكره أيضًا أحمد بن خالد عن ابن وضاح، وليس كما ظن الظان؛ وقد
قاله غير مالك جماعة، ولو انفرد به مالك، لكان حجة يوجب حكمًا عند أهل العلم، فكيف ولم
ينفرد به؟! وقد رواه إسماعيل بن جعفر، عن عمر بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر. ورواه سعيد
ابن عبدالرحمن الجمحى، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر. ورواه كثير بن فرقد، عن
نافع، عن ابن عمر، ويونس بن يزيد، عن نافع، عن ابن عمر، كلهم قالوا فيه: (من المسلمين)).
انتھی.
=

٣٠١٠٠
کتاب الزكاة
الشرح: قوله: ((أن رسول الله (48 فرض زكاة الفطر على الناس))، يدل على
وجوب هذه الزكاة، خلافًا لما حكى عن ابن علية والأصم؛ لأن معنى فرض: ألزم،
فصدقة الفطر فريضة واجبة. وقال أبو حنيفة: هى واجبة، وليست بفريضة؛ لأن الفرض
عندنا ما لا خلاف فيه، والواجب فيه خلاف.
قال القاضى أبو الحسن: وهذا خلاف فى عبارة، ومع هذا الذى قاله أبو الحسن، فإن
أبا حنيفة قد خالف أصله، فجعل زكاة الخيل وزكاة التجارة فريضة، والخلاف فيها
أظهر من الخلاف فى هذه المسألة.
وقوله: ((على الناس))، يقتضى الوجوب واللزوم، فإن قيل معنى فرض زكاة الفطر،
قدرها، فالجواب أن ((فرض)) فى هذا الحديث لا يصح أن يراد به إلا أوجب؛ لأن ((على))
تقتضى الإيجاب واللزوم، ولا يجوز أن يكون بمعنى ((عن))؛ لأن الموجب عليه غير
الموجب عنهم، على أنه قد ورد من طريق صحيح ((أمر رسول الله ﴿)، وهذا يدل
على أنه لا يراد به قدر. على أنا لو سلمنا ذلك، وكان اللفظ يحتمل المعنيين لوجب أن
يحمل عليهما إذ لا تنافى بينهما.
وقد اختلف قول مالك فى زكاة الفطر، ففى كتاب ابن سحنون من رواية ابن نافع
عن مالك فى قوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾ [البقرة: ٤٣]، أنها زكاة العين والحرث
والماشية وزكاة الفطر.
وروى عنه ابن نافع أيضًا أنه سئل عن ذلك، فقال: فى زكاة الأموال، قيل له: فزكاة
· وفرض، وبه قال ابن كنانة، فهى فرض على
الفطر؟ فقال: هى مما سن رسول الله ـ
الوجهين، وذلك يقتضى أن ما أوجبه ﴿﴿ يتطلق عليه لفظ الفرض.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن هذا حكم الغنى، فأما الفقير، فإن كان عنده ما يخرج منه
زكاة الفطر دون مضرة تلحقه لزمه إخراجه، وبه قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: لا
يلزمه إخراجه، حتی یکون له نصاب مال مائتا درهم.
والدليل على ما نقوله الحديث المذكور، فرض رسول الله 4 زكاة الفطر على
الناس، وهذا عام. ودليلنا من جهة القياس أن هذا حق فى المال، لا يزداد بزيادة، فلم
يفتقر إلى نصاب كالكفارة.
= وقال النووى: قال الترمذى: وعسيره لفظة ((من المسلمين، انفرد بها مالك دون سائر أصحاب
نافع. قال: وليس كذلك بل وافقة فيها ثقتان الضحاك بن عثمان عند مسلم وعمر بن نافع عند
البخارى.