Indexed OCR Text

Pages 1201-1220

کتاب الزكاة
٢٠٢
وتبيع من البقر لأن ما يجب فيه التبيع الثانى البقر فيه أكثر من الجواميس، فإن كان
الجنس الثانى نصابًا، وهو أكثر مما بقى من الجنس الأول بعد النصاب، وذلك مثل أن
يكون له مائة وعشرون من الضأن وأربعون من المعز، فهل تؤخذ الثانية من المعز أو
الضأن، قال ابن القاسم فى المدونة: تؤخذ الشاة الواحدة من الضأن، والثانية من المعز.
وقال سحنون: تؤخذ الشاتان من الضأن.
وجه قول ابن القاسم أن المعزى نصاب، فلا يجب إخلاؤها من أداء الزكاة منها مع
إمكان ذلك. ووجه قول سحنون أن الأربعين وجبت فيها شاة واحدة، وبقى من
الضأن ستون، ومن المعز أربعون، فكان الإخراج من الضأن أولى لكونها أكثر، وفى
هذا نظر على قول ابن القاسم فى أربعين من الجواميس مع عشرين من البقر فى المسألة
المتقدمة.
قَالَ مَالِك: وَكَذَلِكَ الإِبِلُّ الْعِرَابُ وَالْبُخْتُ يُحْمَعَانِ عَلَى رَّبِّهِمَا فِى الصَّدَقَةِ،
وَقَالَ: إِنَّمَا هِىَ إِلْ كُلُّهَا، فَإِنْ كَانَتِ الْعِرَابُ(١) هِىَ أَكْثَرَ مِنَ الْبَحْتِ وَلَمْ يَجِبْ
عَلَى رَبِّهَا إِلا بَعِيرٌ وَاحِدٌ، فَلْيَأْخُذْ مِنَ الْعِرَابِ صَدَقَتَهَا، فَإِنْ كَانَتِ الْبُعْتُ(٢) أَكْثَرَ
فَلْيَأْخُذْ مِنْهَا، فَإِنِ اسْتَوَتْ فَلْيَأْخُذْ مِنْ أَنَتِهِمَا شَاءَ.
الشرح: وهذا كما قال أن البخت والعراب من الإبل تجمع فنى الزكاة لأن فى
كتاب أبى بكر أنها فريضة النبى ! فى أربع وعشرين من الإبل الغنم، ولا يفرق بين
أن تكون كلها بحثًا أو بعضها بحثًا، وبعضها عرابًا فيجب أن تكون فى أربع وعشرين
مما يقع عليه اسم إبل أربع من الغنم.
ومن جهة المعنى أن المنفعة فيها مقاربة مع تشابهها فى الصورة كالضأن والماعز
فيؤخذ البعير الواحد من الإبل من أكثر النوعين كمثل ما ذكرنا فى الضأن والماعز، فإن
كانا متساويين خير الساعى، فيأخذ من أيها شاء، فإن لم يكن السن موجودًا عنده إلا"
من أحد الجنسین أخذ منه ما وجد عنده، ولم يكن للساعى أن يلزمه ذلك الجنس من
الجنس الآخر، فإن عدما عنده، فالساعى مخير فى أن يكلفه ذلك السن، من أى الجنسين
شاء.
(١) العراب: الجمال العربية.
(٢) البخت: جمال طويلة الأعناق.

٢٠٣
كتاب الزكاة .
قَالَ مَالِك: وَكَذَلِكَ الْبَقَرُ وَالْجَوَامِسُ تُجْمَعُ فِى الصَّدَقَّةِ عَلَى رَبِّهَا، وَقَالَ: إِنْمَا
هِىَ بَقَرَّ كُلُّهَا، فَإِنْ كَانَتِ الْبَقَرُ هِىَ أَكْثَرَ مِنَ الْحَوَامِيسِ، وَلا تَجِبُ عَلَى رَبِّهَا إِلا
بَقَرَةٌ وَاحِدَةٌ، فَلْيَخُذْ مِنَ الْبَقَرِ صَدَقَتَهُمَا، وَإِنْ كَانَتِ الْحَوَامِيسُ أَكْثَرَ فَلْيَأْخُذْ مِنْهَا،
فَإِنِ اسْتَوَتْ فَلْيَأْخُذْ مِنْ أَيَتِهِمَا شَاءَ، فَإِذَا وَحَبَتْ فِى ذَلِكَ الصَّدَقَةُ صُدِّقَ الصِّنْفَانِ
جَمِيعًا.
الشرح: وهذا كما قال أن البقر والجواميس يجمعان فى الزكاة لتقاربهما فى الجنس
والمنفعة، وحكمها إذا لم يجب فيها غير تبيع أو مسنة ما ذكرنا من الإبل والغنم.
وقوله: ((فإذا وجبت فى ذلك الصدقة الصنفان))، يحتمل أن يريد بذلك أنه إذا
وجبت فيها واحدة أخرجت على ما تقدم ذكره، وكان ذلك صدقة عن الصنفين،
ويحتمل أن يريد به أن وجبت فى كل صنف من ذلك الصدقة صدق.
قَالَ مَالِك: مَنْ أَفَادَ مَاشِيَةٌ مِنْ إِلٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ فَلا صَدَقَةٌ عَلَيْهِ فِيهَا حَتَّى
يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمَ أَفَادَهَا إِلاَ أَنْ يَكُوَّنَ لَهُ قَبْلَهَا نِصَابُ مَاشِيَةٍ، وَالنِّصَابُ
مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَّهُ إِمَّا خَمْسُ ذَوْدٍ مِنَ الإِلِ، وَإِمَّ ثَلاثُونَ بَقَرَةٌ، وَإِمَّا أَرْبَعُونَ شَاةٌ،
فَإِذَا كَانَ لِلرَّحُلِ خَمْسَُ ذَوْدٍ مِنَ الإِلِ أَوْ ثَلاثُونَ بَقْرَةً أَوْ أَرْبَعُونَ شَاةً ثُمَّ أَفَادَ إِلَيْهَا
إِلا أَوْ بَقَرًّا أَوْ غَنَمًا بِاشْتِرَاءِ أَوْ هِيَةٍ أَوْ مِيرَاثٍ، فَإِنَّهُ يُصَدِّقُهَا مَعَ مَا شِيَتِهِ حِينَ
يُصَدِّقُهَا، وَإِنْ لَمْ يَحُلْ عَلَى الْفَائِدَةِ الْحَوْلُ، وَإِنْ كَانَ مّا أَفَادَ مِنَ الْمَاشِيَةِ إِلَى
مَاشِيَتِهِ قَدْ صُلِّقَتْ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِيَوْمٍ وَاحِدٍ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَرِثَّهَا بِيُوْمٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ
يُصَدِّقُهَا مَعَ مَا شِيَتِهِ حِينَ يُصَدِّقُ مَاشِيَتَهُ.
الشرح: وهذا كما قال أن من أفاد ماشية بأى نوع أفادها، فإن لا يخلو أن يكون
عنده نصاب ماشية من جنسها أو من جنس ما يضاف إليها فى الزكاة أو لا يكون
عنده نصاب، فإن لم يكن عنده نصاب ماشية، فلا زكاة عليه، فيما أفاد حتى يحول
عليه الحول من يوم أفاده؛ لأن الزكاة لا تكون فى مال إلا بعد أن يحول عليه الحول،
وسنبینه بعد هذا إن شاء الله تعالی، وإن کان عنده نصاب.
وأصل النصاب فى كلام العرب الأصل إلا أنه يستعمل فى عرف الشرع فى أول ما
تجب فيه الزكاة من مقادير الأموال كأنه أصل الزكاة فى ذلك الجنس من المال، وهو

کتاب الزكاة
٢٠٤
فى الإبل خمس ذود، وفى البقرة ثلاثون بقرة، وفى الإبل أربعون شاة، وقد تقدم بيان
ذلك، فإن كان عند المفيد للماشية نصاب ماشية من جنسها كان حكم ما أفاد حكم
النصاب الذى كان عنده فى حول الزكاة، ولو أفادها قبل الحول بيوم واحد، خلافًا
للشافعى.
والدليل على ذلك أن الساعى لا يخرج فى العام إلا مرة واحدة، والفوائد تحدث في
جميع العام، فلو لم يؤخذ من المواشى فى عام إفادتها شىء لكان فى ذلك إضرار
بالمساكين؛ لأن ذلك يؤدى لأن لا يؤخذ من الماشية فى عامين غير زكاة واحدة.
وإن أخذ الساعى منها الزكاة فى العام الذى استفادها ربما أدى ذلك إلى أن يؤخذ
منه الزكاة بعد اشترائها بيوم فجر إلى أمر يكون سدادًا وعدلاً بين أرباب الأموال
والمساکین فی الفوائد، وذلك بأن من کان عنده نصاب اضیف إلیه فائدته، فز کاها،
ومن لم يكن عنده نصاب لم يزكها إلى الحول الثانى، وكان ذلك أولى لأن صاحب
النصاب له أصل فى الزكاة، فكان أولى بأن يجعل ما أفاد تبعًا له.
فصل: وقوله: ((وإن كان أفاد من الماشية إلى ماشیته قد صدقت قبل أن يشتريها
بيوم واحد أو قبل أن يرثها فإنه يصدقها مع ماشيته)) يريد أن المصدق قد أخذ صدقة
هذه الماشية عند ربها البائع لها أو الموروثة منه، ثم صارت بالبيع أو الميراث أو الهبة بعد
يوم إلى رجل آخر عنده نصابًا، فيأتيه المصدق بعد يوم، فإنه يحسبها عليه مع ماشيته،
ويأخذ صدقتها منه ثانية لأن الزكاة وجبت فيها على الرجلين بما قدمنا ذكره.
وهذا عدل بين أرباب الماشية والمساكين؛ لأن الرجل قد يبيع الماشية قبل أن يأتيه
المصدق بيوم، فيشتريها من ليس عنده نصاب، فلا يأخذ منها المصدق فى هذا العام
شيئًا، فإنما زكاة الماشية على هذا النوع من التعديل للضرورة التى تلحق بالساعى؛ لأنه
لا يخرج فى العام إلا مرة واحدة، وهذا بخلاف العين، فإن ربه يخرجه متی حال حوله.
قَالَ مَالِك: وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ الْوَرِقِ يُرَكِيهَا الرَّجُلُ ثُمَّ يَشْتَرِى بِهَا مِنْ رَجُلٍ
آخَرَ عَرْضًا، وَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِى عَرْضِهِ ذَلِكَ إِذَا بَاعَهُ الصَّدَقَّةُ، فَيُخْرِجُ الرَّجُلُ
الآخَرُ صَدَقْتَهَا هَذَا الْيَوْمَ، وَيَكُونُ الآخَرُ قَدْ صَدَّقَهَا مِنَ الْغَدِ.
الشرح: وهذا كما قال، وعلى ما انفصل به ممن أنكر فى الماشية أن يؤخذ منها
الزكاة فى عام واحد مرتين من مالكين، فانفصل عنه بأن الرجل قد يحول عليه الحول

........... ٢٠٥
كتاب الزكاة .
فى عينه ثم يزكيه اليوم يشترى به الغد سلعة من الرجل، قد حال عليها عنده الحول
للتجارة، فيدفع إليه العين الذى زكاة بالأمس فيزكيه هذا البائع اليوم.
فإذا جاز هذا فى العين مع أنه لا ضرورة فيه، فبأن يجوز ذلك فى الماشية مع ما
ذكرنا من ضرورة الساعى أولى وأحرى، فلا اعتبار بالمالك بدليل أن المال قد يقوم
أعوامًا عند مالك لا تجب عليه الزكاة، فلا تجب فيه الزكاة وتجرى فيه الزكاة فى عام
واحد مرتين لاختلاف المالك على شروط قد تقدم ذكرها.
قَالَ مَالِك فِى رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ غْنَمْ لا تَحِبُ فِيهَا الصَّدَقَةُ، فَاشْتَرَى إِلَيْهَا غَنَمًا
كَثِرَةٌ تَحِبُ فِى دُونِهَا الصَّدَقَّةُ أَوْ وَرِثَهَا: أَنَّهُ لا تَحِبُ عَلَيْهِ فِى الْغَنَمِ كُلِّهَا الصَّدَقَةُ
حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمَ أَفَادَهَا بِاشْتِرَاءِ أَوْ مِيرَاثٍ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ
عِنْدَ الرَّجُلِ مِنْ مَاشِيَةٍ لا تَجِبُ فِيهَا الصَّدَقَّهُ مِنْ إِلٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمِ، فَلَيْسَ يُعَدُّ ذَلِكَ
نِصَابَ مَالٍ حَتَّى يَكُونَ فِى كُلِّ صِنْفٍ مِنْهَا مَا تَحِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ، فَذَلِكَ النِّصَابُ
الَّذِى يُصَدِّقُ مَعَهُ مَا أَفَادَ إِلَيْهِ صَاحِبُهُ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ مِنَ الْمَاشِيَةِ.
الشرح: وهذا كما قال أن من كان عنده من الماشية دون النصاب، فأفاد إليه ماشية
من جنس ما يضم إليه فى الزكاة هى فى نفسها نصاب، فإنه لا يزكيها لحول ما كان
عنده من الماشية، وإنما يزكى ما كان عنده، وما أفاد لحول الفائدة أفادها وهكذا لو
كانت الفائدة ليست بتصاب فى نفسها، ولكنها مبلغ ما كان عنده من الماشية
النصاب، فإن كان عنده نصاب من الماشية، فأفاد قليلاً أو كثيراً مما يضاف إليه، فإنه
يزكى الفائدة، والنصاب لحول النصاب لما ذكرناه من التعديل بين أرباب الأموال
والمستحقين للزكاة لضرورة الساعى والحول.
قَالَ مَالِك: وَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ إِلٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ غَنَمٌ تَجِبُ فِى كُلِّ صِنْفٍ مِنْهَا
الصَّدَقَةُ ثُمَّ أَفَادَ إِلَيْهَا بَعِيرًا أَوْ بَقَرَّةً أَوْ شَاةً، صَدَّقَهَا مَعَ مَا شَِتِهِ حِينَ يُصَدِّقُهَا.
قَالَ مَالِكٍ: وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَىَّ فِى ذلك.
الشرح: وهذا كما قال أن زكاة الفائدة لحول النصاب الذي تقدم مالك، وفى
الماشية له أصح ما تقدم فى ذلك من الأقوال، وأحب إلى الناظر فيها لما قدمناه من
الدليل على صحة هذا القول.

٢٠٦.
.........
کتاب الزكاة
فصل: وقوله: ((هذا أحب ما سمعت إلىّ فى هذا)) يحتمل معنيين، أحدهما: أنه يحب
هذا القول دون غيره من الأقوال، وعلى هذا يقال زيد أحق بماله من غيره، وإن كان لا
حق للغير فيه، وعلى هذا المعنى بيت حسان:
أتهجوه ولست له بكفؤ فشركما لخير كما الفداء
فقال: فشركما ولا شر فى النبى ﴿3﴾، ويحتمل أن يريد أن سائر الأقوال لها عنده
وجه ودليل صحة، يقتضى محبته لها لأجل ذلك الدليل إلا أن دليل هذا القول أبين
وأرجح فتكون أفعل على بابها فى المشاركة.
قَالَ مَالِك فِى الْفَرِيضَةِ تَحِبُ عَلَى الرَّجُلِ فَلا تُوجَدُ عِنْدَهُ: أَنْهَا إِنْ كَانَتِ ابْنَةً
مَخَاضٍ فَلَمْ تُوحَدْ أُخِذَ مَكَانَهَا ابْنُ لَبُونٍ ذَكَّرٌ، وَإِنْ كَانَتْ بِنْتَ لَبُونٍ أَوْ حِقَةٌ أَوْ
حَذَعَةٌ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ كَانَ عَلَى رَبِّ الإِبِلِ أَنْ يَبْنَاعَهَا لَهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ بِهَا، وَلا أُحِبُّ
أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَتَهَا.
الشرح: وهذا كما قال أن من وجبت عليه بنت مخاض، فلم توجد عنده، ووجد
عنده ابن لبون، فإنه يؤخذ منه، وتجزى عنده، ولا خلاف فى ذلك. والأصل فيه
أحاديث الصدقة المتقدمة، وابن لبون فى هذا على البدل من بنت مخاص لا على القيمة
بدليل أن يجزى عنها، وإن كانت قيمتها أكثر من قيمة ابن اللبون الذى يؤخذ بدلا منها.
مسألة: فإن عدمت عنده ابنة مخاض وابن لبون لم يجزه إلا ابنة مخاض. وقال أبو
حنيفة والشافعی: هو مخیر بينهما.
والدليل على ما نقوله أن هذه حالة استوى فيها بنت مخاض وابن لبون، وكان
الفرض بنت مخاض، أصل ذلك إذا فقدتا عنده.
فصل: وقوله: ((فإن كانت بنت لبون أو حقة أو جذعة كان على رب المال أن
يبتاعها يأتى بها)) يريد أنها إن وجبت عليه حقة أو جذعة أو بنت لبون، ولم تكن
عنده، كان عليه أن يأتى بها، ولم يؤخذ منه قيمتها من الإبل، ولا من غيرها. هذا
المشهور من مذهب مالك أنه لا يجوز إخراج القيم فى الزكاة. وقال القاضى أبو محمد:
إنه يتخرج على المذهب أن إخراج القيم فى الزكاة جائز، وبه قال أبو حنيفة، وحكاه
ابن المواز عن ابن القاسم وأشهب.
والدليل على صحة القول الأول ما روى عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﴾ بعثه

٢٠٧
کتاب الزكاة
إلى اليمن فقال: ((خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقر من
البقر»().
ودليلنا من جهة القياس أن هذا حيوان يخرج على وجه الطهرة، فلم تجز فيه القيمة
کالرقبة.
مسألة: ومن أجبره الإمام على أخذ القيمة منه فى زكاته؟ قال ابن القاسم: إن كان
عدلاً يجزئه، وإن كان جائرًا لا يجزيه. قال أصبغ فى كتاب ابن المواز: والناس على
خلافه أنه يجزئ ما أخذوه فى العشور والمكوس بعد محلها کرها، وبذلك قال ابن
رهب، وسیأتی ذکره بعد هذا إن شاء الله تعالى.
مسألة: ومن كان له مال دين على رجل، وكان الذى عنده الدين ممن يجوز له أخذ
الزكاة، فأراد أن يتركه له ويحتسب به زكاة ماله. قال ابن القاسم: لا يجزئه. وحكى
ابن المواز عن أشهب: يجزئه إذا أعطاه منه قدر ما كان يعطيه لو لم يكن عليه شىء.
وجه قول ابن القاسم ما احتج به من أن الدين على الصغير تأولا قيمة له وما كان
على هذه الصفة لا يجوز الاحتساب به فى الزكاة. ووجه قول أشهب أن الفقير يحصل
له الانتفاع بما أسقط له بيراءة ذمته من الدين، فوجب أن يجزئه بمنزلة ما لو كان الدين
على غيره فأداه.
وقَالَ مَالِك فِى الإِبِلِ النّوَاضِحِ وَالْبَقَرِ السََّائِ وَبَقَرِ الْحَرْثِ: إِنِّى أَرَى أَنْ يُؤْخَذَ
مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إِذَا وَجَبَتْ فِيهِ الصَّدَقَّهُ.
الشرح: وهذا كما قال أن الإبل النواضح، وهى التى يستقى عليها الماء من الآبار
لسقى الأرض والنخل، والبقر السوانى وهى التى تسقى بالسانية لسقى الأرض، والنخل
وبقر الحرث، وتجمع هذه كلها العوامل، فإن الزكاة واجبة فيها كالسائمة، هذا قول
مالك، رحمه الله. وقال أبو حنيفة والشافعى: لا زكاة فى شىء من ذلك.
والدليل على صحة ما نقوله حديث أبى بكر رضى الله عنه المتقدم ((فى أربع
وعشرين من الإبل فما دونها الغنم فى كل خمس شاة)) وهذا عام فى السائمة والمعلوفة،
فیجب حمل ذلك علی عمومه إلا أن يخصه دلیل.
ودليلنا من جهة المعنى أن كثرة النفقات وقلتها إذا أثرت فى الزكاة، فإنها تؤثر فى
(*) أخرجه أبو داود حديث رقم ١٥٩٩. ابن ماجه حديث رقم ١٨١٤.

کتاب الزكاة
٢٠٨
تخفيفها وثتقيلها، ولا تؤثر فى إسقاطها ولا إثباتها كالخلطة والتفرقة، والسقى بالنضح
والسيح، ولا فرق بين السائمة والمعلوفة إلا فى تخفيف النفقة وتثقيلها، وأما التمكن من
الانتفاع بها، فعلى حد واحد لا يمنع علفها من الدر والنسل.
صدقة الخلطاء
قَالَ مَالِك فِى الْخَلِيطَيْنِ: إِذَا كَانَ الرَّاعِى وَاحِدًا وَالْفَحْلُ وَاحِدًا وَالْمُرَاحُ وَاحِدًا
وَالدَّلْوُ وَاحِدًا فَالرَّجُلانِ خَلِيطَانٍ، وَإِنْ عَرَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَالَهُ مِنْ مَالِ صَاحِبِهِ
قَالَ: وَالَّذِى لا يَعْرِفُ مَالَهُ مِنْ مَالٍ صَاحِبِهِ لَيْسَ بِخَلِيطٍ إِنَّمَا هُوَ شَرِيكٌ.
الشرح: وهذا كما قال، وذلك أن الخطاء اسم شرعى واقع على الرجلين
والجماعة، يكون لكل واحد منها ماشية تجب فيها الزكاة، فيجمعونها للرفق فى الراعى
وغير ذلك مما تحتاج إليه الماشية، ولابد لها منه، قلت أو كثرت، ويجزى منها الماشية
جميعهم ما يجزى ماشية أحدهم، فهؤلاء الذين يقال لهم الخلطاء.
وذهب أبو حنيفة إلى أن الخليط الشريك، وذكر مالك، رحمه الله، أن الخليط غير
الشريك، وأن الخليط هو الذى يعرف ماشيته، وأن الذى لا يعرف ماشيته، هو الشريك.
وحكم الخليطين عند مالك أن تصدق ماشيتهما كأنها على ملك رجل واحد، فإن
كان لثلاثة رجال أربعون أربعون، وهم خلطاء أخذ منهم شاة واحدة، فمن أخذت من
غنمه رجع على صاحبيه كل واحد منهما بثلث شاة، ولو لم يكونوا خلطاء لأخذ منهم
ثلاث شياه. وقال أبو حنيفة: لا يراعى الخلطة، ولا تأثير لها فى الزكاة.
والدليل على صحة ما نقوله ما روی أنس أن أبا بكر رضى الله عنه کتب له فى
* فى الزكاة، وما كان من خليطين، فإنهما يتراجعان
بينهما بالسوية.
الفريضة التى فرض رسول الله ـ
فوجه الدليل منه أنه قال: يتراجعان بينها بالسوية، ولا يصح ذلك إلا فى الخليطين
تؤخذ صدقة أحدهما من ماشية أحدهما، فيرجع الذى أخذت صدقة الماشية من غنمه
على صاحبه بقدر ما أدى عنه من ذلك، ولو كانا شريكين لما تصور بينهما ما يوجب
التراجع.
مسألة: والخلطة تصح فى الماشيتين إذا كانتا مما تضم إحداهما إلى الأخرى فى
الز کاة، وإن كانتا من جنسین، وذلك بأن يكون لأحدهما نصاب ضأن وللآخر نصاب

.............. ٢٠٩
کتاب الزكاة .
معز أو لأحدهما نصاب إبل عراب، وللآخر نصاب بخت، وكذلك البقر والجواميس،
فإن كانت الماشيتان مما لا يضم إحداهما إلى الأخرى كالإبل والغنم، فلا خلطة بينهما
لأن الارتفاق لا يقع فيهما لاختلاف مؤنتهما، والأعراض فيهما كالماشية والحب.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فالمعانى المعتبرة فى الخلطة خمسه: الراعى والفحل والمراح
والدلو والمبيت، فالراعى هو الذى يرعاها، فإن كان واحد يرعى جميع الغنم، فقد
حصلت الخلطة فيه، وإن كان لكل ماشية راع يأخذ أجرتها من مالكها، فإنهم لا يخلو
أن يتعاونوا بالنهار على جميعها أو لا يتعاونوا على ذلك، فإن كانوا يتعاونون بإذن
أربابها، فهى خلطة، لأن جميعهم رعاة لجميع الماشية، وإن كانوا لا يفعلون ذلك أو
يفعلونه بغير إذن أرباب الماشية، فليست بخلطة. هذا الذى أشار إليه أصحابنا.
ويجب أن يكون فى ذلك زيادة، وهو أن يكون إذن أرباب الأموال فى التعاون على
حفظها لأن الغنم من الكثرة بحيث يحتاج إلى ذلك فيها، وإن كانت من الغلة بحيث
يقوم راعى كل واحد منهم بماشيته دون غيره، فليس اجتماعهم على حفظها من
صفات الخلطة.
مسألة: وأما الفحل، فهو الفحل الذى يضرب الماشية، فإن كان واحدًا، فهو من
صفات الخلطة، وإن كان لكل ماشية فحلها، فلا يخلو أن يجمع لضرب المواشى كلها
أو لا يجمع لذلك، وإنما قصد كل إنسان منهم فحله على ماشيته إلا أنه ربما خرج عنها
إلى ماشية غيره، فإن كانوا جمعوا الماشية لضراب الفحولة كلها، فهى من صفات
الخلطة لا تفارقهم بكل واحد من الفحول، وإن قصر كل واحد منهم فحله على
ماشيته، فليس فى ذلك وجه من الخلطة لأن الارتفاق بذلك لم يقصد، والله أعلم.
مسألة: والمراح هو الموضع الذى تروح إليه الماشية، وتجتمع فيه للانصراف إلى
المبيت، وقيل هو الموضع الذى تقيل فيه، فإن كان المراح مشتركا بين أرباب الماشية
على الإشاعة بكراء أو ملك، فهو من صفات الخلطة، فإن كان لكل واحد منهم جزء
معين، فلا يخلو أن يكون ذلك الجزء يقوم بماشية صاحبه على الانفراد، دون مضرة ولا
ضيق، أو لا يقوم بذلك، فإن كان يقوم بماشية صاحبه فليس من صفات الخلطة لأن
الارتفاق لم يوجد بهذه الصفة، وإن كان لا يقوم بها فهى من صفات الخلطة لأن
الارتفاق قد حصل بها.
مسألة: وأما الدلو، فهو الدلو الذى تسقى به الماشية، فيشترك فيه الخلطاء لتخفف

کتاب الزكاة
...
٠٢١٠
....
مؤنته على جميعهم، هذا الذى يقتضيه لفظ الدلو. وقد خرج أصحابنا المسألة فى كتبهم
على المياه، وهو أن يكون لبعهضم مياه يسقون بها ويمنعون منها غيرهم من أرباب
الماشية، فلا يكون ذلك من صفات الخلطة، أو يكون الماء مشتركًا بين أرباب الماشية،
فيكون ذلك من صفات الخلطة، وذلك يكون موجودًا بين الأعراب، فيجتمع أرباب
المواشى، فيتعاونون على حفر بئر يملكه أرباب الماشية، فيكون لهم السقى منه، ويمنعون
غیرهم ماءه حتی تروی مواشيهم، فیرتفقون بالجمع فی حفره وحمایته، فیکون ذلك من
صفات الخلطة، ولعلهم يعبرون عنه تارة بالماء، وتارة بالدلو. وأما المبيت فحيث تبيت
الماشية، والكلام فيه كالكلام فى المراح.
مسألة: وإذا اعتبرت هذه الصفات فى الخلطة؛ لأنها هى الصفات التى تخفف المؤنة
ويحصل الارتفاق بالاختلاط بها فى تخفيف الزكاة وتثقيلها، والمعتبر فى ذلك هو ما
يخفف به النفقة ويثقل كالنضح والسيح.
فرع: وبماذا تحصل الخلطة من هذه الصفات اتفق أصحابنا على أنه ليس من شرطها
حصول جميعها. وقال الشافعى: من شرط الخلطة اجتماع جميع صفاتها.
والدليل على ما نقوله أن المراعى فى الخلطة إنما هو الارتفاق باجتماعها على ما
تحتاج إليه فى قليل الماشية وكثيرها، والارتفاق يحصل ببعض الصفات، فثبت به حكم
الخلطة.
فرع: إذا ثبت ذلك، فقد اختلف أصحابنا بماذا تحصل به الخلطة. فقال ابن حبيب:
المراعى فى ذلك الراعى وحده، حكاه عنه القاضى أبو محمد والذى لابن حبيب عنده
أنه قال: ولو لم يجمعها إلا فى الراعى والمرعى، وتفرقت فى البيوت والمراح، فإنه إذا
كان ذلك صار الفحل واحدًا، فضرب هذه فحل هذه، وهذه فحل هذه، وإذا لم يكن
له واحد لم يكونا خليطين، وهذا يدل من قول ابن حبيب على أنه لم يراع الرعى
بنفسه فقط، ولكنه راعاه لنفسه ولمعنى غيره. وقال أبو بكر الأبهرى: إن الاعتبار فى
ذلك بصنفين أى صنفين كان.
فوجه ما حكى ابن حبيب أن ما يعتبر حد الاجتماع والافتراق كان المعتبر بالذى
يحصل به الاجتماع، ويكون المجتمع تبعًا له كالإمام فى الصلاة.
ووجه ما قاله الشيخ أبو بكر أن بالصنفين فما زاد يقع الارتفاق المؤثر، وما قصر عن
ذلك، فشىء يسير لا يقع به الارتفاق، فلا يؤثر فى الخلطة.

٢١١
کتاب الزكاة
قَالَ مَالِك: وَلا تَجِبُ الصَّدَقَةُ عَلَى الْخَلِيطَيْنِ حَتَّى يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مّنا
تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ، وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنْهُ إِذَا كَانَ لأَحَدٍ الْخَلِطَيْنِ أَرْبَعُونَ شَاةٌ فَصَاعِدًا
وَِّلَآخَرٍ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعِينَ شَاءُ كَانَتِ الصَّدَقَةُ عَلَى الَّذِى لَهُ الأَرْبَعُونَ شَاةٌ، وَلَمْ تَكُنْ
عَلَى الَّذِى لَهُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ صَدَقَةٌ.
الشرح: وهذا كما قال لأنه إذا ثبت أن الخليطين بعرف الشرع هو ما تقدم وصفنا
له، فإنه لا تجب الصدقة عليهما حتى يكون لكل واحد منهما نصاب ماشيته، وذلك لا
يخلو أن یکون واحد منهما أقل من نصاب، أر یکون لأحدهما نصاب وللآخر دونه،
أو یکون لكل واحد منهما نصاب، فإن كان لكل واحد أقل من نصاب، فلا زكاة
عليهما، وإن كان فى ماشيتهما نصاب خلافًا للشافعى فى قوله: إذا بلغت ماشيتهما
النصاب، فالزكاة عليهما.
والدليل على ما نقوله ما روى أن رسول الله ﴿ قال: ((ليس فيما دون خمس ذود
من الإبل صدقة)».
ودليلنا من جهة القياس أن كل ما لا تحب فيه الصدقة إذا كان منفردًا، فإنه لا تحب
عليه الصدقة إذا خالط غيره. أصله إذا كان ذميًا.
مسألة: فإن كان رجل خالط رجلاً ببعض ماشيته دون بعض، فإن كانت غنمًا
خالط منها بأربعين صاحب أربعين، وله أربعون بغير خلطة، فقد قال مالك وابن
القاسم وأشهب: يكون خليطه بالثمانين، فتحب عليهما شاة عليه ثلثاها، وعلى
صاحب الأربعين ثلثها. قال ابن الماجشون وسحنون: لا يكون خليطه إلا بما خالطه به
يزكى المختلطة على حكم الخلطة، فيكون على صاحب الأربعين نصف شاة؛ لأنه لم
يخالطه إلا بها، ويكون على صاحب الثمانين ثلثا شاة.
وجه القول الأول أن المالك للثمانين لما اعتبر فى حقه ومخالطته بالتماس، فكذلك
صاحب الأربعين. وهذا الجواب الذى جاوب به مالك على قوله: إن فى الوقاص
الزكاة، وعلى قوله: إنه ليس فى الأوقاص شىء، فعلى كل واحد منهما نصف شاة
لأنه لو انفرد كل لوجب عليه مثل ما يجب على الآخر.
ووجه القول الثانى أن صاحب الأربعين لم يخالط من مال صناحب الثمانين إلا
بأربعين، فلا تأثير لغيرها فى حكمه. هذا الذى قاله عبدالملك، وأن صاحب الثمانين لم

کتاب الزكاة
.
٢١٢
يخالط صاحب الأربعين من ماشيته إلا بأربعين، فكان يجب أن لا تؤثر خلطته له فى
غيرها.
فرع: فإذا قلنا بقول عبدالملك، فإن سحنونًا قال: لو لم يخالطه صاحب الثمانين من
غنمه لثبت حكم الخلطة لأن الزكاة واجبة عليه فى جميع ماله.
مسألة: فإن خالط ببعض غنمه رجلاً، وخالط ببعضها رجلاً آخر، وفى كل جزء
منها نصاب، فقد قال ابن المواز: من له ثمانون خالط بأربعين منها رجلاً، وبأربعين
رجلاً آخر، فإنه خليط لكل واحد منهما بثمانين، فعلى صاحب الثمانين شاة، وعلى
كل واحد من صاحبيه ثلث شاة، وحكى ذلك عن ابن عبدالحكم، وأصبغ.
مسألة: وهذا حکم خلیطین لكل واحد منهما نصاب، فإن كان لأحدهما نصاب،
وللآخر أقل من نصاب، كان ماشية الذى له نصاب تؤخذ منه الصدقة دون ماشية
الذى لا نصاب له. وحكمه فى زكاته حكم المنفرد، وعلى الساعى أن يأخذ الزكاة من
ماشيته خاصة، فإن أخذها من ماشية الذى لا نصاب له، فلا يخلو أن يدخل بماشيته
مضرة على صاحب النصاب، أو لا يدخل عليه مضرة، فإن لم يدخل عليه مضرة، فقد
قال أصحابنا: إنه يرجع بالشاة على الذى له النصاب، والشاة عليه، دون الذى لا
نصاب له، سواء أخذت منه أو من صاحبه.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: ويحتمل عندى أن يقال إن الساعى إذا أعلم
وبين أنه إنما يأخذ الشاة منهما أن يتحاصا فيها لأنه حكم حاكم بقول قائل من أهل
العلم، فلا يرد حکمه ولا ينقض.
مسألة: وإن كان الذى لا نصاب له أدخل على صاحب النصاب مضرة مثل أن
يكون لرجل مائة شاة ويكون لآخر أحد وعشرون شاة، فأخذ المصدق منها ثمانين،
فاختلف أصحابنا فى ذلك، فاختار ابن المواز أن يتراجعها فى الثمانين على قدر ما
شيتهما، وقاله ابن القاسم. وقال ابن عبدالحكم: تكون الشاة الواحدة على رب المائة،
ويتراجعان فى الشاة الثانية بجميع مواشيهما.
وجه قول ابن المواز ما احتج به من أن هذا مذهب بعض العلماء، وقد حكم به هذا
الساعى، وجعل الشاتین فی المالین، فيجب أن ينفذ الحكم على ما حكم به. ووجه قول
ابن عبدالحكم أن الشاة الواحدة وجبت على رب النصاب، والشاة الثانية لم تجب على
واحد منهما، وقد أخذها آخذ بتأويل، فيجب أن يتراجعا فيهما.

٠٠٠ ٢١٣
کتاب الزكاة .
قَالَ مَالِكِ: فَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا تَحِبُ فِيهِ الصَّدَقَّةُ جُمِعَا فِى الصَّدَقَةِ،
وَوَجَبَتِ الصَّلَقَةُ عَلَيْهِمَا حَمِيعًا، فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا أَلْفُ شَاةٍ أَوْ أَقَلُّ مِنْ ذَلِك.
مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَّةُ، وَلِلَآخَرٍ أَرْبَعُونَ شَاةً أَوْ أَكْثُرُ فَهُمَا خَلِطَانِ يَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ
بَيْنَهُمَا بِالسَّرِيَّةِ عَلَى قَدْرٍ عَدَدٍ أَمْوَالِهِمَا عَلَى الأَلْفِ بِحِصَّتِهَا وَعَلَى الأَرْبَعِينَ
بِحِصِِّهَا.
الشرح: وهذا كما قال أنه إن كان لكل واحد منهما ما تجب فيه الصدقة، لزمه
الصدقة على سنة الخلطة، فحسبت ماشيتهما كأنها ماشية رجل واحد، وأخذ منهما ما
كان يؤخذ منها أن لو كانت لمالك واحد لأن هذا تأثير الخلطة، فإن كانت لرجل ألف
شاة، ولآخر أربعون شاة أخذ منها عشر شياه، ثم يتراجعان بينهما، وكذلك إن كانت
لأحدهما تسعمائة شاة، وللآخر أربعون أخذ منها تسع شیاہ کما کان یؤخذ لو كانا
لرجل، ثم يتراجعان على السوية.
مسألة: فإن كانت ماشية أحدهما ضأنًا، وماشية الآخر معزًا، ووجبت عليهما شاة
واحدة، وأخذ المصدق من أكثرهما الشاة لأنهما بمنزلة مالك واحد، فإن أخذ من
المعزى، رجع صاحب المعزى على صاحب الضأن بقدر حصته من المعزى.
واختلف أصحابنا فيما يأخذ الساعى من ماشية أحد الخليطين عن ماشية الآخر،
فالذى يجىء على مذهب ابن القاسم أنه بمعنى الاستهلاك، فالواجب به القيمة خاصة
دون العين، والذى يجىء على مذهب أشهب أنه بمعنى السلف.
وجه القول الأول أنه غير موقوف على اختيار من أخذ منه، فإذا وجبت عليهما ما
عزة، وكانت فى غنم أحدهما أخذها منه، ولم يكن له الامتناع من ذلك، ويكون له
الرجوع بقيمتها على صاحبه؛ لأن كل ما ثبت فى الذمم من الحيوان بغير اختيار من
ثبت له، فإن الواجب به القيمة دون العين كالاستهلاك.
ووجه القول الثانى أن هذه الشاة إنما تؤخذ ممن كانت عنده من ماشية الآخر، فصار
ذلك سلفًا عليه. ولا يجوز أن يكلف إخراج شاة عما وجب على خليطه، ولا يكون له
عليه العين لوجهين، أحدهما: أن القيمة لا تجب فى الزكاة، وإنما تجب فى العين ولا
خلاف فى ذلك لأن من جواز إخراج الغنم فى الزكاة إنما يوجب العين.
والوجه الثانى أنهما يجب أن يتساويا، وإذا أخذ من أحدهما عين ومن الآخر قيمة،
لم یتساویا.

٢١٤
کتاب الزكاة
....
مسألة: فإن كانا إنما أخرجا عن الماشيتين شاة واحدة يجىء على قول من قال: إنه
يجب عليه قيمة نصف الشاة. وقال أشهب أيضًا: يجب عليه قيمة نصف الشاة.
فأما على قول ابن القاسم، فهو مراد مذهبه. وأما على قول أشهب، فكان عليه أن
يأتى بنصف شاة، لكنه لو أحضر الشاة، لكان له أن يأخذ حصته منها بالبيع، وذلك
يرجع إلى الثمن وهو القيمة، فلما كان مرجعه إلى القيمة لم يكلف المستسلف غير
القيمة لأنه يقول: ليس علىَّ أن أحضر غير حصتك من الشاة، وأما حصتى، فلا يلزمنى
إحضارها، فلذلك رجع الأمر إلى القيمة، وإن كان أدى عنه شاة، فقال أشهب: يلزمه
دفع شاة إليه، ويجىء على قول ابن القاسم أن عليه قيمة الشاة.
فرع: ومتى تعتبر القيمة فى نصف الشاة؟ قال ابن القاسم: فيها القيمة يوم أخذها
المصدق. وقال الشيخ أبو محمد بأثر قول أشهب: ولا تكون القيمة على هذا إلا قيمة
نصف الشاة يوم أداء القيمة، وذلك مبنى على كلا القولين.
قَالَ مَالِك: وَالْخَلِيطَانِ فِى الإِلِ بِمَنْزِلَةِ الْخَلِيطَيْنِ فِى الْغَنَمِ يَجْتَمِعَانِ فِى الصَّدَقّةِ
جَمِيعًا إِذَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا تَحِبُ فِيهِ الصَّدَقَّةُ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ◌ِ﴾
قَالَ: (لَّيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ)) وقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فِى
سَائِمَةِ الْغَنَمِ إِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ شَاةٌ شَاةٌ.
قَالَ مَالِك: وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَىَّ فِى ذَلِكَ.
الشرح: وهذا كما قال أن الخلطة حكمها فى الإبل كحكمها، ويعتبر فيها ما يعتبر
فى الغنم من النصاب وغير ذلك من الشروط، ومنها البخت والعراب كالضأن والماعز،
وكذلك حكم البقر والجواميس فى ذلك، فإذا لم يكن عند صاحب الماشية من ذلك
نصاب لم تعتبر مخالطته فى الزكاة.
وقد استدل على ذلك مالك بقوله :﴿19: ((ليس فيما دون خمس ذود من الإبل
صدقة)) فحمل ذلك على عمومه فى الخلطة وغيرها، وهذا استدلال صحيح، وقد تقدم
الكلام فيه واستدل فى الغنم بقول عمر بن الخطاب رضى الله عنه: وفى سائمة الغنم
إذا بلغت أربعين شاة.
وهذا يحتمل وجهين، أحدهما: أن يذهب إلى ثبوت الخلطة فى النصاب الكامل
وينفيها فيما دون النصاب، واستدل على انتفاء الزكاة فيما دون النصاب بقول النبى

٢١٥
....
كتاب الزكاة .
٤: ((فى الإبل)) واستدل على ثبوتها بعد كمال النصاب بقول عمر بن الخطاب رضى
الله عنه، فثبت الحكمان بالدلیلین.
والوجه الثانى أن يريد بذلك نفى الزكاة فيما دون الأربعين على حسب نفيها فى
الإبل فيما دون الخمس، وذلك لا يكون إلا من باب دليل الخطاب، وفى الشرط الثانى
إنما قال: وفى سائمة الغنم إذا بلغت أربعين شاة، ولم يذكر حكمها إذا لم تبلغ إلا لمن
يرى التعلق بدليل الخطاب فى الشرط، والله أعلم.
قَالَ مَالِكَ: وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لا يُحْمَعُ بَيْنَ مُفْرِقٍ وَلا يُغَرَّقُ بَيْنَ مُخْتَمِعٍ
خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ أَنْهُ إِنَّمَا يَعْنِى بِذَلِكَ أَصْحَابَ الْمَوَاشِى.
قَالَ مَالِك: وَتَفْسِيرُ ((لا يُحْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ)) أَنْ يَكُونَ النّفَرُ الثَّلاثَةُ الَّذِينَ يَكُونُ
لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَرْبَعُونَ شَاةً قَدْ وَجَبَتْ عَلَّى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِى غَنَمِهِ الصَّدَقَّةُ،
فَإِذَا أَظَلُّهُمُ الْمُصَدِّقُ حَمَعُوهَا لِفَلَا يَكُونَ عَلَيْهِمْ فِيهَا إِلاَ شَةٌ وَاحِدَةٌ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ
وَتَفْسِيرُ قُوْلِهِ: وَلا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُخْتَمِعٍ، أَنَّ الْخَلِطَيْنِ يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةُ
شَاةٍ وَشَاءٌ، فَيَكُونُ عَلَيْهِمَا فِيهَا ثَلاثُ شِيَاءٍ، فَإِذَا أَظْلُهُمَا الْمُصَدِّقُ فَرَّقَا غَنَ هُمَا، فَلَمْ
يَكُنْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّهُمَا إِلاَ شَاءٌ وَاحِدَةٌ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ لا يُجْمَعُ بَيْنَ
مُفْتَرِقٍ وَلا يُغَرَّقُ بَيْنَ مُخْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَّةِ.
قَالَ مَالِك: فَهَذَا الَّذِى سَمِعْتُ فِى ذَلِكَ.
الشرح: وهذا كما قال أن معنى الحديث الوارد ما ذهب إليه؛ لأن الخلطة لم كا
كان لها تأثير فى الزكاة تارة بتخفيف وتارة بتثقيل على وجه العدل بين أرباب الماشية
ومستحق الزكاة كان ذلك حكمًا لازمًا للخلطة، ولم يكن لأرباب الأموال التخفيف
دون التثقيل كما لم يكن لمستحقي الزكاة عليهم التثقيل دون التخفيف، فكما ليس
للساعى إذا كانت التفرقة أفضل للزكاة أن يفرق الماشية المجتمعة، وإذا كان الجمع
أفضل له أن يجمع الماشية المتفرقة، فكذلك ليس لأرباب الأموال أن يفعلوا من ذلك ما
هو الأرجح لهم والأخف عليهم وليتركوا الماشية على حسب ما كانت عليه قبل أوان
الصدقة يجرى فيها حكم الزكاة على ذلك من تخفيف أو تثقيل.
مسألة: فإن تعدى أرباب الماشية، فجمعوا المتفرقة أو فرقوا الماشية المجتمعة لم ينفذ

كتاب الزكاة
٢١٦
لهم ذلك، وأخذت الزكاة منهما على حسب ما كانت عليه قبل ذلك من الاجتماع
أو الافتراق؛ لأنه الذى قد وجب فيها ولزمها، فلا يجوز لهم تغيير حكمها وإسقاط ما
وجب فیھا.
والأصل فى ذلك حديث أبى بكر الصديق رضى الله عنه الذى كتب فريضة النبى
ـ﴾ فى صدقة الماشية، وفيه: ((لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة))
وحديث عمر المتقدم فى ذلك.
فرع: وهذا إذا تیقن ذلك، ولکن خاف الساعى أن يكون قصد ذلك أو يكون ستر
عنه بعض ماشيته لينقص عن النصاب، فوجب أن يحمل الأمر على الظاهر من المصدق
لأن قوله: ((لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع، خشية الصدقة)) يقتضى أنه لم
يتناول نهيه ما كان من ذلك على غير خشية الصدقة، فلا ينتقل إلى خلاف ذلك إلا
بأمارة تقوى بها التهمة.
فرع: فإن أراد استخلافه نظر، فإن كان صاحب الماشية على ظاهر الأمانة والديانة
والصدق، فليس له استحلافه؛ لأن ظاهر حاله ينفى التهمة عنه، وإن كان المعروف منه
خلاف ذلك من قلة مراعاة الدين ومحبة توفير المال من وجهه وغير وجهه، وترك
الإنصاف فى معاملة الناس، فإنه يستحلفه لأن فى ذلك توصلا إلى استيفاء حقوق
الفقراء. قال ذلك كله القاضى أبو محمد فى معونته.
مسألة: وليس من شرط الخلطة أن تكون الماشية فى جميع الحول على ذلك خلافًا
للشافعى.
والدليل على ذلك كتاب أبى بكر رضى الله عنه فى فمرض النبى ﴿﴾ الزكاة، وفيه:
((وما كان من خليطين، فإنما يتراجعان بينهما بالسوية)) ولم يفرق بين أن يكونا خليطين
من أول الحول أو من بعضه، فيحمل على عمومه إلا ما خصه الدليل ..
من جهة المعنى أن هذا معنى يؤثر فى تخفيف الزكاة وتكثيرها، فلم يشترط فى تأثيره
وجود فى جميع العام كالسقى بالنضح والسيح.
مسألة: وكم أقل المدة التى يثبت بها حكم الخلطة أو الافتراق؟ قال ابن حبيب: لا
يكون أقل من عام. وقال ابن المواز: يكون أقل من الشهر. وحكى عن ابن القاسم: ما
لم يقرب جدًا أو يهرب بذلك من الزكاة.
-

٢١٧٠٠
...
كتاب الزكاة
مسألة: ومن حكم الخليطين أن يكون حولهما واحدًا، فإن حال حول أحدهما قبل
أن يحول حول الآخر؟ فقد روى عيسى عن ابن القاسم: لا تزكى غنم الذى لم يحل
الحول على ماشیته، ویز کی غيرها.
ووجه ذلك أن الأصل فى الزكاة الحول والنصاب، فإذا لم يعتبر نصاب أحدهما
بنصاب الآخر، فكذلك لا يعتبر حوله بحوله، ولو كان أحد الخليطين عبدًا أو ذميًا لم
يثبت لهما ولا لأحدهما حكم الخلطة لزكيت ماشية الحر المسلم زكاة المنفرد، والله
أعلم وأحكم.
مسألة: ومن هذا الباب الفرار عن الزكاة ببيع الماشية، فمن فعل ذلك فالزكاة عليه
واجبة. والأصل فى ذلك الحديث المتقدم ((ولا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع،
خشية الصدقة)) وإنما قصد بذلك النهى عن أن يفر من الصدقة بالتفريق.
ومن جهة المعنى أن هذه زكاة، فلا يصح الفرار عنها بعد تعلق وجوبها.
أصل ذلك الفرار بالجمع والتفريق، وإنما هذا إذا عرف أنه باعها للفرار، فإن باعها
بعد الحول لغير ذلك أو جهل، وكان فى بلد لا سعاة فيه زكى زكاة الماشية لأن الزكاة
قد وجبت عليه فى رقابها، وإن كان فى بلد فيه سعاة، فهو بمنزلة من باعها قبل الحول؛
لأن تمام الحول مجىء الساعى، فإن باعها بجنسها مما يجمع إليها فى الزكاة، فالأظهر من
المذهب أن الزكاة واجبة عليه بحول الماشية الأولى.
قال ابن المواز: لا خلاف فى ذلك إذا باعها بجنسها، وإنما الخلاف إذا باعها بغير
جنسها. وفى كتاب ابن سحنون عن مالك: من بدل ماشيته بجنسها، فلا زكاة عليه إلا
لحول الثانية.
وقال أبو حنيفة: إن أبدل ماشيته بجنسها، فلا زكاة عليه، حتى يحول حول الثانية.
ووافقنا فى الذهب والفضة أنه إذا أبدله بغيره، فعليه الزكاة لحول الأولى. وقال
الشافعى: لا زكاة عليه فى شىء من ذلك حتى يحول حول الثانية.
والدليل على ذلك قوله 18: ((وفى الرقة ربع العشر)).
ودليلنا من جهة المعنى أن الزكاة إنما تجب فى الأموال المرصدة للنماء، ولا سبيل إلى
تنمية الذهب والورق إلا بالتصرف فى البيع والشراء، وإذا وجبت الزكاة فى تصرفه
بشراء العروض فبأن تجب فى تصرفه فى بيع بعضها ببعض أولى وأحرى.

کتاب الزكاة
٢١٨
ودليلنا على أبى حنيفة أن هذا مال تجب فى عينه الزكاة، فإذا أبدل مثله وجبت فيه
الزكاة. أصل ذلك العين.
مسألة: فإن باعها بغير جنسها مما لا يجمع إليها فى الزكاة، فقد اختلف قول مالك
فيه، فقال: عليه الزكاة حول الأولى، واختاره ابن وهب وابن الماجشون. وروى عنه أنه
يزكيها لحول الثانية، واختاره ابن القاسم وأشهب.
وجه القول الأول أن هاتين ماشيتان يجب فى كل واحدة منهما الزكاة، فإذا أبدل
أحداهما بالأخرى لم يبطل حول الأولى، وزكيت هذه لحولها كالضأن والماعز. ووجه
الرواية الثانية أن هذين مالان لا يجمعان فى الزكاة، فإذا أبدل أحدهما بالآخر بطل
حول الأولى. أصل ذلك إذا أبدل الدراهم بالماشية أو الماشية بالحب.
مسألة: فإن باع الماشية بالدنانير، ثم اشترى بالدنانير ماشية، يزكى البدل لحول
الأولى. وهل يبطل ذلك حول الماشية الأولى أم لا؟ روى مطرف وابن الماجشون أن
الثانية تزكى لحول الأولى. وروى ابن القاسم وأشهب عن مالك: يأتنف بالثانية حول
الأولى.
وجه الرواية الأولى أن من أبدل ماشيته بغيرها إنما أوجبنا عليه الزكاة لحول الأولى
بما غلب على الظن، وقدر به من الفرار عن الزكاة. وهذا المعنى موجود فى مسألتنا.
ووجه الرواية الثانية أن العين الأولى قد استحالت فى يده إلى صفة لا تضاف إلى الماشية
الأولى وصار بيده الثمن تجرى فيه زكاة الأثمان، فوجب أن يصير ذلك حكم زكاة
الماشية.
ما جاء فيما يعتد به من السخل فى الصدقة
٦٦٧ - مَالِكِ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدِ الدِّيلِىِّ، عَنِ ابْنٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ النَّقَفِىِّ،
عَنْ جَدِّهِ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَعَثُّهُ مُصَدِّقًا (١) فَكَانَ يَعُدُّ عَلَّى
النّاسِ بِالسَّْلِ فَقَالُوا: أَتَعُدُّ عَلَيْنَا بِالسَّخْلِ وَلا تَأْخُذُ مِنْهُ شَيْئًا، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ
ابْنِ الْخَّطَابِ ذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ عُمَرُ: نَعَمْ تَعُدُّ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْلَةِ يَحْمِلُهَا الرَّعِى،
٦٦٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٦٠.
(١) المصُدقّ: عامل الزكاة.

٠٠ ٢١٩
.....
کتاب الزكاة
وَلا تَأْخُذُهَا، وَلا تَأْخُذُ الأَكُولَةَ وَلا الرُّبَى وَلا الْمَاخِضَ وَلا فَحْلَ الْغَنَمِ، وَتَأْخُذُ
الْجَذَعَةَ وَالنِّيَّةَ وَذَلِكَ عَدْلٌ بَيْنَ غِذَاءٍ(٢) الْغَنَمِ وَخِيَارِهِ.
الشرح: قوله رضى الله عنه: ((تعد على الناس بالسخلة)) يحتمل أن يفعل هذا الأمر
عمر له، ويحتمل أن يفعله لأنه اعتقد وجوب ذلك.
وقوله له: (أتعد علینا بالسخل ولا تأخذ منه)) يحتمل أن یکون ذلك قاله له من لا
يعتد بخلافه ممن لا علم عنده، ويحتمل أن يقوله له من لا يرى ذلك. فلما قدم على عمر
أخبره أنه كان فعله بأمر عمر ليعرفه بما اعترض الناس به فى أمره ليرى عمر فى
اعتراضهم رأيه، وإن كان فعل ذلك برأيه واعتقاده وجوبه، فإنه أخبر عمر به ليعلمه
باتعراض الناس فيما رآه، فأمضى عمر فى ذلك ما اعتقده هو أو رأى فيه رأى من
اعترض عليه، فيمنعه منه، فوافق قول عمر ضى الله عنه ما فعله سفيان أولا، فلزم ذلك
الناس لأن الأحكام العامة التى هى مصروفة إلى الأئمة لا يمضى فيها إلا ما يراه الإمام
ويؤديه إليه اجتهاده، دون رأى المحكوم عليه، ويجزى ذلك المحكوم عليه إن كان
أخف مما يعتقد وجوبه عليه، ويلزمه الانقياد له إن كان أقل مما يعتقد وجوبه عليه، ثم
احتج عمر رضى الله عنه على ما صوبه من ذلك، وبين وجه الصواب فيه، وهو نحو ما
قدمناه من أن الزكاة مبنية على المساواة بين أرباب الأموال، ومستحقى الزكاة
والنصاب، لا يخلو فى الغالب من الجيد، والردىء، والوسط، فلو كلف رب الماشية أن
يدفع من أفضلها لأضر ذلك به، ولو أخذ منه من أردئها لم ينتفع مستحقو الزكاة بما
يدفع إليهم منها، ولا يصح أن يؤخذ من كل شاة بعضها، فعدل بين الفريقين بأن
يؤخذ من وسط الماشية، ولذلك بين عمر ما ترك لهم من جيد الماشية، ولا يأخذ منها
كالأكولة والربى والماخض، ومحل الغنم فى جنب الردىء الذى لا يأخذ منه من
السخلة، وذات العوار، فكما يحسب الجيد، ولا يأخذ منه كذلك يحسب الردىء، ولا
يأخذ منه، ويأخذ الوسط من ذلك، ولا خلاف فيه بين الفقهاء إذا كانت الأمهات
نصابًا إلا ما يروى عمن لا يعتد بخلافه إذ لا يحسب السخال.
والدليل على ذلك قول عمر رضى الله عنه هذا بحضرة الصحابة والعلماء وأخذ به
صدقة الناس، ولا يعلم أحد قال بخلافه.
فإن قيل فإن الذى أنكر على سفيان بن عبدالله فعله قد خالفه؟.
(٢) غِذاء: جمع غذى، وهى السلخة من الغنم.

٢٢٠
کتاب الزكاة
فالجواب أنه يحتمل أن يكون ممن لا يعتد بقوله، ولذلك لم يتبعه عليه غيره، ولو
سلمنا أن يكون ممن يعتبر بقوله، فإنه لم ينكر أن بعد السخال، وإنما أنكر أن تعد، ولا
يؤخذ منها، فلا يجعل ذلك اعتراضًا فى عد السخال خاصة، ولو سلمنا لكم الآخر
على ما قلتم فإن عمر رضى الله عنه لما احتج بما أبرزه من الدليل من جهة القياس لم
يراجعه أحد فى دليله، فثبت أنه إجماع على صحة الدليل، ولما ثبت صحة الدليل ثبت
صحة الحكم.
ودليلنا من جهة القياس أن هذا نماء من أصل ما تجب فى عينه الزكاة، فوجبت فيه
الزكاة التى تجزى فى أصله كنماء العين.
مسألة: وإذا قصرت الماشية عن النصاب، وكملت نصابًا بالسخال عدت السخال،
وأخذت الزكاة، وقال أبو حنيفة والشافعى: يستأنف بها حولاً من يوم كمل النصاب،
وإنما يحتسب بالسخال مع الأمهات إذا كانت الأمهات نصابًا.
والدليل على ما نقوله الحديث الذى تقدم فى كتاب أبى بكر فى سائمة الغنم
الزكاة، وقول عمر المتفق عليه: نعم تعد عليهم بالسخلة يحملها الراعى، ولا تأخذها
منهم.
ودليلنا من جهة المعنى أن هذا إنماء حادث من عين مال تجب فى عينه الزكاة، فجاز
أن يكمل به النصاب. أصل ذلك نماء العين.
مسألة: فإن كانت إبله فصلانًا كلها أو بقره عجاجيل أو غنمة سخالاً، فإنه يكلف
أن يأتى بالسن الواجبة عليه أن لو كانت كبارًا. وقال أبو حنيفة والشافعي: يخرج منها.
والدليل على ما نقوله ما فى كتاب أبى بكر عن فريضة رسول الله ﴾: ((فإذا بلغت
خمسًا وعشرين، ففيها ابنة مخاض إلى خمس وثلاثين، فإن لم توجد ابنة مخاض فابن لبون
ذكر))(١) ولم يفرق بين الصغار من الإبل والكبار.
ودليلنا من جهة المعنى أن هذه ستون من الإبل، فوجب فيها حقة كما لو كانت
بزلا كلها.
مسألة: والواجب أن يؤخذ فى الزكاة من الماشية الإناث من الضأن والمعز، ولا
(١) أخرجه النسائى فى الصغرى حديث رقم ٢٤٥٥. أبو داود حديث رقم ١٥٦٧، ١٥٦٨.
أحمد فى المسند حديث رقم ٧٣.

... ٠ ٢٢١
کتاب الزكاة
يأخذ الذكران إلا أن يرى ذلك المصدق، وبه قال الشافعى. وقال ابن حبيب: يؤخذ
الذكر من الضأن جذعًا كان أو ثنيًا، ولا يؤخذ الذكر من المعز لأنه تيس، وقال أبو
حنيفة: يؤخذ الذكر والأنثى من الجذع والثنية.
والدليل على ما نقوله أن هذا من جنس الغنم لا يصلح للدر ولا للنسل، فلم يؤخذ
فی ز کاتها کما دون الجذع.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فما نقص عن الواجب فى الزكاة على ضربين، أحدهما:
يجوز إن أجازه الساعى. والثانى: لا يجوز أصلاً، فأما ما يجوز بإجازة الساعى، فهو ما
يبلغ السن الواجبة فى الزكاة، ويكون به عيب مرض أو عور أو جرب أو غير ذلك،
فإن رأى الساعى، أنه أفضل من السالم وأسمن أخذه، وإن رأى فيه نقصًا عن حقه
تركه، والضرب الثانى: ما قصر عن السن الواجبة، فلا يجوز وإن أجازه الساعى إلا
على قول من رأى إخراج الغنم فى الزكاة لأن الدر والنسل المقصودين فى الماشية
معدومان فيه.
فرع: والسن المأخوذة من الغنم الثنى والجذع، قال ابن القاسم وأشهب فى
المجموعة: لا يؤخذ ما فوق الثنى، ولا ما دون الجذع إلا أن يطوع رب المال بالأفضل
والسنان سواء فى الصدقة جائزان فى الضأن والمعز، وكذلك ما يؤدى منهما من الإبل.
ذهب ابن حبيب إلى أنه يؤخذ الجذع من الضأن والثنى من المعز كالضحايا.
فصل: وقوله: ((وذلك عدل بين غذاء الغنم وخياره)) غذاء الغنم صغارها المراد أن لا
يأخذ الساعى خيار المال ولا رديئه، وإنما يأخذ الوسط.
قَالَ مَالِك: وَالسَّخْلَةُ الصَّغِيرَةُ حِينَ تُنْتَجُ، وَالرُّبِّى الَّتِى قَدْ وَضّعَتْ فَهِىَ تُرَّبِّى
وَلَدَهَا، وَالْمَاخِضُ هِىَ الْحَامِلُ، وَالأَكُولَةُ هِىَ شَاةُ اللَّحْمِ الّتِى تُسَمَّنُ لِتُؤْكَلَ.
الشرح: وهذا على ما قال فى تفسير هذه الصفات، وأما الفحل، فهو فحل الغنم
الذى يضربها، وغذاء الغنم هو دونها، فإن كانت الغنم كلها مواخض أو ربى أو أكولة
أو فحولاً لم يؤخذ منها، وكان لرب الماشية أن يأتى بالسن الوسط مما ذكرناه من
التعديل بين أرباب الأموال والفقراء على ما قاله عمر رضى الله عنه.
والدليل عليه قوله ﴿! فى حديث معاذ: ((وتوق كرائم أموال الناس))(٢).
(٢) أخرجه البخارى حديث رقم ١٤٥٨، ٧٣٧٢. مسلم حديث رقم ١٩, الترمذى حديث=