Indexed OCR Text

Pages 1121-1140

کتاب الزكاة
١٢٢
وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةٍ أَوْسُقٍ (١) صَدَقَة).
٦٤٥ - مَالِكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى صَعْصَعَةً
الأنْصَارِىِّ ثُمَّ الْمَازِيِّ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىُّ أَنَّ رَسُوْلَ اللَّهِ ﴿ قَالَ:
(َيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةٍ أَوْسُقٍ مِنَ الَّمْرِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقِىَّ مِنَ
الْوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَلَّيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ ذَوْدٍ(١) مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ).
الشرح: الذود، واقع فى كلام العرب عند ابن حبيب على الثلاثة إلى التسعة، قال
ابن يزيد عن عيسى بن دينار: الذود واقع على الواحد من الإبل، وعلى الجماعة منها،
وهو هاهنا واقع على الجماعة لأن العدد إلى العشرة لا يضاف إلا إلى الجماعة من
المعدود فكأنه قال: خمسة جمال أو خمس نوق. ولما أمر النبى ﴿3﴾ بالزكاة من الإبل،
فقال: ((فى: أربع وعشرين، فما دونها من الغنم فى كل خمس شاة)) اقتضى ذلك
! فى هذا الحديث أن لا زكاة فى أقل
وجوب الزكاة فی قلیل الإبل و کثیرها فبین
(١) الذود: ما بين الثلاثة إلى العشرة من الإبل. والأوقية: أربعون درهمًا من فضة. والوسق: ما
قدره ستون صاعًا من تمر أو نحوه.
٦٤٥ - أخرجه البخارى فى كتاب الزكاة حديث رقم ١٣١٧، ١٣٥٥، ١٣٦٦، ١٣٨٩. ومسلم
حديث رقم ١٦٢٥، ١٦٢٦، ١٦٢٧، ١٦٢٨. والترمذى فى كتاب الزكاة حديث رقم ٥٦٨،
وكتاب الصوم حديث رقم ٦٢٦. والنسائى فى كتاب الزكاة حديث رقم ٢٤٠٠، ٢٤٠١،
٢٤٢٦، ٢٤٢٧، ٢٤٢٨، ٢٤٢٩، ٢٤٣٥، ٢٤٣٦، ٢٤٣٧، ٢٤٣٨، ٢٤٣٩، ٢٤٤٥،
٢٤٤٦، ٢٤٧٣، ٢٤٧٤، ٢٤٧٥، ٢٤٧٦، ٢٤٨٣، ٢٤٨٤، ٢٤٨٥، ٢٤٨٦، ٠٢٤٨٧ وأبو
داود فى كتاب الزكاة ١٣٣٢، ١٣٣٣، وكتاب المناسك حديث رقم ١٥٥٨، ١٥٥٩. وابن
ماجه فى كتاب الزكاة حديث رقم ١٧٨٣، ١٧٩٣، ١٧٩٩. وأحمد فى المسند حديث رقم
١٠٦٠٦، ١٠٨٢٣، ١٠٩٧٧، ١١١٣٨، ١١٢٧٢، ١١٣٢٣، ١١٣٨٦، ٠١١٤٩٤
والدارمى فى كتاب الزكاة حديث رقم ١٥٧٧، ١٥٧٨، وكتاب الصوم حديث رقم ١٦٣٢،
١٦٣٤. والبيهقى فى الكبرى ٨٤/٤ عن أبى سعيد الخدرى. وابن خزيمة برقم ٢٢٩٩، ٤/ ٣٤
عن جابر بن عبدالله.
(١) قال النووی: الرواية المشهورة بإضافة خمس إلى ذود، وروی بتنونین خمس، ویکون ذود بلاد
منه. شرح صحيح مسلم للنووى كتاب الزكاة.
وقال أهل اللغة: الذود من الثلاثة إلى العشرة لا واحد له من لفظه إنما يقال فى الواحد بعير. قالوا
وقولهم خمس ذود كقولهم خمسة أبعرة. قال سيبويه: تقول ثلاث ذود لأن الذود مؤنث. تنوير
الحوالك ١٨٨. وانظر: الاستذكار ١٢/٩ - ١٣.

کتاب الزكاة
١٢٣
....
من خمس من الإبل، فخص بذلك اللفظ العام، وبقى الخمسة فما فوقها من اللفظ العام
تعلق به الز کاة، فصارت الخمسة نصاب الزكاة فی الإبل.
فصل: وقوله (18: ((ليس فيما دون خمس أواق صدقة)) روى أشهب عن مالك:
ليس لأوقية الذهب وزن معلوم وأوقية الفضة أربعون درهما، والنش نصف أوقية، وهو
عشرون درهمًا، ووزن النواة خمسة دراهم، وهذه كلها بالدرهم الشرعى، ووزن عشرة
دراهم منها سبعة دنانير والخمس الأواقى مائنا درهم، فصار المائتنا الدرهم نصاب الورق
فى الزكاة، وذلك أن لفظ الزكاة، ورد فيها عامًا لما رواه ابن عباس أن النبى ﴿له بعث
· معاذًا إلى اليمن، فقال: ((ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنی رسول الله، فإن هم
أطاعوا لك بذلك، فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات فى كل يوم وليلة،
فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة فى أموالهم، تؤخذ
من أغنيائهم وترد على فقرائهم)) فظاهر هذا يقتضى فرض الزكاة فى كل ما يقع عليه
اسم مال بحق عموم هذا الخبر، ثم خص النبى 88 ذلك بقوله: ((وليس فيما دون
خمس أواق من الورق صدقة)) فثبت فرض الزكاة فى الخمس الأواقى، فما فوقها، فكان
ذلك نصاب الورق فى الزكاة، ومعنى النصاب فى كلام العرب الأصل، واستعمل فى
الشرع فى عرف الفقهاء فى أقل ما يجب فيه الزكاة، فنصاب الورق مائنا درهم من
الدراهم التى ذكرناها، فإن كانت بوزن الأندلس، وذلك ثلثا درهم من الدراهم
المذكورة، فإنه لا زكاة فيها لأنها ليست بخمس أواق.
فصل: وقوله: ((ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة)) بين فى أن الحبوب لها نصاب
زكاة تجب فيما بعده، ولا تجب فيما دونه كالورق الإبل، وذلك النصاب خمسة أوسق،
والوسق ستون صاعًا، والصاع أربعة أمداد، والمد رطل وثلث، وسيأتى بيانه بعد هذا
إن شاء الله تعالى.
وقد ذهب إلى ما ذكرناه من نصاب الحبوب مالك والشافعى وأبو يوسف ومحمد
ابن الحسن، وقال أبو حنيفة: إن ما يجب فيه العشر أو نصف العشر من الحبوب أو
الثمار، فإنه يخرج من قليل ذلك وكثيره العشر أو نصف العشر، وإن كان وسقًا واحدًا.
والدليل على ما نقوله الحديث المتقدم، وهو نص فى مسألة الخلاف. ودليلنا من
جهة القياس أن هذا مال تجب من عينه الزكاة، فوجب أن يكون فيه نصاب الزكاة
كالعين والماشية.

کتاب الزكاة
١٢٤
٦٤٦ - مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ عَلَى دِمَشْقَ فِى
الصَّدَقَّةِ إِنْمَا الصَّدَقَةُ فِى الْحَرْثِ وَالْعَيْنِ (١) وَالْمَاشِيَةِ.
قَالَ يَحْتِى: قَالَ مَالِك: وَلا تَكُونُ الصَّدَقَّةُ إِلَا فِى ثَلاثَةٍ أَشْيَاءَ فِى الْحَرْثِ وَالْعَيْنِ
وَالْمَاشِيَةِ.
الشرح: قوله: ((إنما الصدقة فى العين والحرث والماشية)) إخبار بمنع الصدقة فيما
عدا هذه الأصناف الثلاثة لأن ((إنما) حرف موضوع للحصر، ولذلك قال : ((إنما
الولاء لمن أعتق))(٢) وإنما أراد ◌َلَّ نفى الولاء عمن يعتق، والصدقة هاهنا الزكاة، وإن
جاز أن يقع اسم الصدقة على التطوع.
فصل: وقوله: ((فى الحرث والعين والماشية)) يحتمل معنيين، أحدهما: أن يريد به نفى
الصدقة عما عدا هذه الثلاثة الأصناف، وإن جاز أن يكون من هذه الثلاثة الأصناف ما
لا زكاة فيه، لكنه لم يقصد إلى بيانه هاهنا، وإنما قصد إلى بيان ما لا زكاة فيه من
غيرها. والثانى: أن يريد بذلك أن الذى تجب فيه الزكاة إنما هو من المحروث والماشية
والعين، وأوقع على ما يجب فيه الزكاة هذه الأسماء لأن معظم كل جنس منها فيما
تجب فيه الزكاة، فأطلق الاسم العام، والمراد معظم ما يتناوله كقوله : ((جعلت إلى
الأرض مسجدًا وترابها طهورًا))(٣) فعبر عن الأرض باسم التراب، لما كان أعم أجزائها
والحرث هاهنا كل ما لا ينمو، ولا يزكو إلا بالحرث والعمل، كالثمار والزرع،
وسيأتى تمييز ما تجب فيه الزكاة منها مما لا زكاة فيه إن شاء الله تعالى.
٦٤٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٣٨.
(١) العين: الذهب والفضة.
(٢) أخرجه البخارى حديث رقم ٤٥٦، ١٤٩٣، ٢١٥٥، ٢١٥٦. مسلم حديث رقم
١٥٠٤، ١٥٠٥. الترمذى حديث رقم ٢١١٢، ٢١٢٤. النسائى فى الصغرى حديث رقم
٢٦١٤، ٣٤٤٧، ٣٤٤٨، ٣٤٥٠. أبو داود حديث رقم ٢٩١٥، ٣٩٢٩. ابن ماجه حديث
رقم ٢٠٧٦، ٢٥٢١. أحمد فى المسند حديث رقم ٢٥٣٨، ٣٣٩٥، ٤٨٠٢.
(٣) أخرجه البخارى حديث رقم ٤٣٨. الترمذى حديث رقم ٣١٧، ١٥٥٣. النسائى فى
الصغرى حديث رقم ٤٣٢، ٧٣٦. ابن ماجه حديث رقم ٥٦٧. أحمد فى المسند حديث رقم
٢٧٣٧،٢٢٥٦، ٧٢٢٥.

........... ١٢٥
......
كتاب الزكاة
الزكاة فى العين من الذهب والورق
٦٤٧ - مَالِك، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عُقْبَةَ مَوْلَى الزُّبَيْرِ أَنْهُ سَأَلَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ
مُكَاتَبٍ لَهُ فَأَقْطَعَهُ (١) بِمَالٍ عَظِيمٍ، هَلْ عَلَيْهِ فِيهِ زَكَّةٌ، فَقَالَ الْقَاسِمُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ
الصِّدِّيقَ لَمْ يَكُنْ يَأْخُذُّ مِنْ مَالٍ زَّكَاةً حَتّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ.
قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: وَكَانَ أَبُو بَكْرِ إِذَا أَعْطَى النَّاسَ أَعْطِيَاتِهِمْ يَسْأَلُ الرَّجُلَ
هَلْ عِنْدَكَ مِنْ مَالِ وَحَبَتْ عَلَيْكَ فِيهِ الزَّكَاةُ؟ فَإِذَا قَالَ: نَعَمْ، أَخَذَ مِنْ عَطَائِهِ زَكَاةً
ذَلِكَ الْعَالِ، وَإِنْ قَالَ: لَا، أَسْلَمَ إِلَيْهِ عَطَاءَهُ، وَلَّمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا.
٦٤٨ - مَالِكِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَائِشَةً بِنْتِ قُدَامَةَ، عَنْ أَبِهَا أَنَّهُ قَالَ:
كُنْتُ إِذَا جِئْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَقْبِضُ عَطَائِى، سَأَلَنِى هَلْ عِنْدَكَ مِنْ مَالِ وَجَبَتْ
عَلَيْكَ فِيهِ الزَّكَاةُ، قَالَ: فَإِنْ قُلْتُ: نَعَمْ، أَخَذَ مِنْ عَطَائِى زَكَاةَ ذَلِكَ الْمَّالِ، وَإِنْ
قُلْتُ: لا، دَفَعَ إِلَىَّ عَطَائِی.
الشرح: سؤاله هل تجب الزكاة فى مال عظيم قاطع به مكاتبة؟، يحتمل أن يكون
سؤالاً عن هذا النوع من هذا المال، هل تجب فيه الزكاة، إلا أن جواب القاسم بن
محمد، يقتضى أن سؤاله إنما كان عن وجوب الزكاة فيه فى وقت دون وقت، ولذلك
أجابه أن أبا بكر لم يكن يأخذ من مال زكاة حتى يحول عليه الحول، ووصف له المال
بالعظم ليدخل فى حيز ما تجب فيه الزكاة، ويحتمل المساواة.
وقول القاسم بن محمد: ((أن أبا بكر لم يكن يأخذ من مال زكاة حتى يحول عليه
الحول))، احتجاج بفعل أبى بكر وأخذ بالمراسيل، وإنما احتج بفعل أبى بكر فى ذلك
لأنه كان الخليفة، وهو الذى كان يتولى أخذ الصدقات من مال الصحابة، وأهل العلم،
ولم ينكر أحد منهم فعله فى ذلك مع اجتهاده فى طلب الصدقات وقتاله المانعين
٦٤٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٣٩. الشافعى فى الأم ١٧/٢. عبد الرزاق فى
المصنف ٧٦/٤. البيهقى فى السنن الكبرى ١٠٩/٤. كشف الغمة ١٨٥/١. البيهقى فى معرفة
السنن والآثار ٨٠٤٩/٦.
(١) المكاتبة: تعهد العبد بدفع مال لسيده مقابل عتقه. أما مقاطعة المكاتب: أخذ مال معجل منه
دون ما كوتب عليه ليعجل به عتقه، وهى فائدة لا زكاة على مستفدها حتى يحول الحول عليها.
٦٤٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٤٠.

کتاب الزكاة
...
١٢٦
للزكاة، فثبت أنه إجماع، ولا خلاف بين المسلمين أنه لا يجب فى مالك زكاة حتى
يحول عليه الحول.
واختلفوا فى جواز إخراجها قبل الحول، فذهب مالك إلى أن ذلك غير جائز، حكاه
ابن عبدالحكم عنه. وقال أشهب فى العتبية: من أخرج زكاته قبل الحول أعاد. وقال
أبو حنيفة والشافعى: ذلك جائز.
والدليل على ما نقوله أن الحول شرط من شروط وجوب الزكاة، فلم يجز تقديمها
قبل وجوبه. أصله النصاب. قال ابن المواز: واحتج مالك والليث فى ذلك بالصلاة.
قال ابن وهب: لو أخذه الساعى منه جبزا لم يجزه. وروى ابن عبدالحكم عن مالك أنه
سئل عن ذلك، فقال: إنما السبيل على الذين يظلمون الناس.
فرع: إذا ثبت ذلك، فمن أصحابنا من قال: يجوز إخراجها قرب الحول، فروى
عيسى عن ابن القاسم: يجوز تقديمها على الحول بالشهر ونحوه. وقال ابن المواز وأبو
الفرج: باليوم واليومين. قال محمد بن على: تكره. وقال ابن حبيب: قال من لقيته من
أصحاب مالك: لا تجزئه إلا فيما قرب خمسة أيام أو عشرة. وقال أشهب: لا تجزئه.
وجه ذلك أن وقت الوجوب هو الحول فلقربه تأثير فى الاستحقاق كمرض المورث
له تأثير فى منعه من التصرف فى ماله لحق الورثة. ووجه آخر أن الحول لا يعتبر فيه
بالساعة التى أفيد فيها المال ولا بمقدار ما مضى منها، وإنما يعتبر بما قرب من ذلك،
فكذلك اليوم لا يعتبر به، وما قرب منه فهو فى حكمه فى الحول، والله أعلم.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فما أخذه من كتابة وقطاعة فلا زكاة فيه حتى يحول عليه
الحول من يوم يقبضه، وإنما ضرب الحول من يوم قبضه المال أو قبض وكيله لأنه من
حينئذ يتمكن من تنميته، وإنما ضرب الحول للتنمية، فيجب أن يكون الاعتبار بوقت
التمكن من التنمية، وهو وقت القبض.
فصل: وقوله: ((وكان أبو بكر إذا أعطى الناس أعطياتهم سأل الرجل هل عندك من
مال وجبت عليك فيه الزكاة؟ فإن قال: نعم، أخذ من عطائه زكاة ذلك المال))
الأعطيات فى اللغة اسم لما يعطيه الإنسان غيره على أى وجه كان إلا أنه فى الشرع
واقع على ما يعطيه الإمام الناس من بيت المال على سبيل الأرزاق.
ولذلك كانوا يتبايعون إلى العطاء، فكان أبو بكر رضى الله عنه إذا أراد أن يعطى
أحدًا منهم عطاءه، سأله إن كان عنده مال قد وجبت فيه الزكاة، يريد أن يجب عليه

١٢٧
كتاب الزكاة ..
بالحول، فإن قال: نعم، أخذ الزكاة من ذلك العطاء، ودفعها هو إلى أهل الزكاة.
وفى هذا بابان، أحدهما أن للإنسان أن يعطى زكاة ماله من غيره ولا يلزمه أن
يخرجها من عينه، والثانى أنه يجوز أن ينوب عنه غيره فى ذلك، فيؤديها فى مواضعها.
باب فى إخراج زكاة المال عن غيره
فأما إخراج زكاة مال من غيره، فلا خلاف فى جوازه إذا كان ما يخرج من جنس
المال. والأصل فى ذلك فعل أبى بكر رضى الله عنه، ولا مخالف له فيه، فثبت أنه
إجماع، وأما أن يخرج عن المال من غير جنسه، فإنه على وجهين، أحدهما: أن يكون
هو الواجب كالغنم فى جنس الإبل، والثانى أن يخرج على وجه البدل مما يجب فيه من
جنسه مثل إخراج الورق من الذهب، فيجوز عند مالك إخراج الفضة عن الذهب،
وإخراج الذهب عن الفضة، قاله مالك فى المختصر الكبير، وبه قال أبو حنيفة.
وقال ابن كنانة من أصحابنا: يخرج الفضة عن الذهب، ولا يخرج الذهب عن
الفضة. وقال سحنون: إخراج الفضة عن الذهب أجوز من إخراج الذهب عن الفضة.
وقال الشافعى: لا يخرج أحدهما عن الآخر على وجه البدل.
والدليل على ما نقوله أنهما مالان، عما أصول الأثمان، وقيم المتلفات، فجاز إخراج
أحدهما عن الآخر على وجه البدل على وجه القيمة كالذهبين. ووجه قول ابن كنانة
أن الفضة تخرج عن الذهب ليتوصل بذلك إلى قيمته، وهذا المعنى معدوم فى إخراج
الذهب عن الفضة.
فرع: إذا جاز إخراج الفضة عن الذهب، فكيف يكون ذلك، اختلف أصحابنا فيه،
فقال ابن المواز: يخرج بمقدار القيمة، بالغة ما بلغت، وقاله فى المدنية ابن القاسم وابن
نافع.
وقال ابن حبيب: إذا زادت القيمة على عدة دراهم بدينار، وأخرجت الزيادة وإن
قصرت عن عشرة دراهم لم يجز أن يخرج أقل من عشرة دراهم. وقال الشيخ أبو بكر:
لا يخرج إلا عشرة دراهم، زادت القيمة أو نقصت.
وجه ما قاله ابن المواز أن فى إخراج أقل من القيمة ظلمًا للمساكين، وفى إخراج ما
زاد عليها ظلمًا لرب المال، وهو أمر ينصرف له، فإذا رأى النقص على المساكين أنفذه،
وإذا رأى النقص عليه امتنع منه، فيؤدى ذلك إلى ظلم المساكين أبدًا.

کتاب الزكاة
١٢٨
ووجه ما قاله ابن حبيب مراعاة أحوال المساكين لكون الأمر مصروفًا إلى أرباب
الأموال. ووجه ما قاله أبو بكر الأبهرى أن هذا حكم البدل عنده.
فرع: إذا ثبت أنه يخرج عن الذهب ورقًا، ففى الموازية: لا يخرج عن القيمة إلا
جيدًا، ولا يجزئه أن يخرج قيمة الفضة الرديئة دراهم جيادًا، يريد لما امتنع من التفاضل
بین جیدها وردیٹھا.
باب أخذ الإمام الزكاة من المزكى
فأما الباب الثانى، فإن الإمام إذا كان عدلاً، فيستحب لمن وجبت عليه الزكاة أن
يدفعها إليه، إن كانت من الأموال التى يغلب عليها، وهو العين الذهب والفضة، لأن
الإمام يكفيه الاجتهاد فى أدائها، ولأن الإمام هو المسئول والمطلوب بنوائب المسلمين،
فيدفع إليه الزكاة ليستعين بها على من يجب له أخذ الزكاة، فإن أخرجها، ولم يدفعها
إلى الإمام أجزأه ذلك، وبه قال أبو حنيفة والشافعى.
ووجه ذلك أن هذه أموال باطنة موكلة إلى أمانات أربابها، وكذلك كان أبو بكر
رضى الله عنه يسأل كل إنسان عما عنده ويكل ذلك إلى أمانته، وهذا عمل الأئمة
المتصل، ويجوز للرجل أن يستنيب فى أداء زكاته غيره، لأن العبادات المتعلقة بالأموال
تجوز النيابة فيها، ولذلك يجوز أن ينوب فيها الإمام.
مسألة: وأما الأموال الظاهرة، وهى الماشية والثمار والزرع، فإنه إن كان الإمام
جائرًا، وأمكنه إخفاؤها ووضعها فى مواضعها أجزأه ذلك، فإن لم يمكنه إخفاؤها
وأداها إليه، فإنها تجزئه سواء وضعها الإمام موضعها أو غير موضعها؛ لأنه لا يجوز له
مجاهرة الإمام بالمخالفة؛ لأنه من باب شق العصا والخروج عليه، وذلك ممنوع فإذا
وجب عليه دفعها إلیه، وجب أن يجزئه.
مسألة: وإن كان الإمام عدلاً، وجب دفعها إليه، ولم يجزه إخراجها دونه، وبه قال
أبو حنيفة والشافعی فی احد قولیه، وله قول آخر: أن ذلك يجزئه.
والدليل على صحة ما نقوله قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم
بها﴾ [التوبة: ١٠٣] وهذا أمر بأخذ الصدقة والأمر يقتضى الوجوب.
ومن جهة السنة ما روى ابن عباس ((أن رسول الله ﴿ قال لمعاذ بن جبل، حين

١٢٩٠
کتاب الز کاة
بعثه إلى اليمن: إنك ستأتى قومًا ما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى شهادة أن لا
إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوك بذلك، فأعلمهم أن الله قد فرض
عليهم خمس صلوات فى كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك بذلك، فأخبرهم أن الله قد
فرض عليهم صدقة، توخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم))(١).
ودليلنا من جهة القياس أن هذا مال للإمام فيه حق الولاية، فوجب دفعه إليه. أصله
دفع مالك الیتیم إلى الوصى.
فصل: وقوله: ((وإن قال: لا أسلم إليه عطاءه ولم يأخذ منه شيئًا)) يقتضى تصديق
الناس فى الأموال الباطنة، وهى التى سأل الإمام عنها أربابها، إذا كان عدلاً. قال
مالك وابن القاسم فى الموازية: ويقبل الإمام العدل قول الرجل الصالح: قد أخرجتها.
مسألة: والناس فى ذلك على ثلاثة أضرب، ضرب يعرف بالخير والمبادرة إلى أداء
الزكاة، فهذا يقبل قوله على ما تقدم. وضرب يعرف بمنعها، ففى المجموعة عن مالك:
إذا علم الإمام أنه لا يزكى، فليأخذه بالزكاة، فإن ظهر له مال أخذ الزكاة منه، وأداها
عنه، خلافًا لأبى حنيفة فى قوله: يلجئه إلى الأداء ويحبسه، ولا يأخذها منه.
والدليل على ما نقوله ما روى عن النبى ﴿﴿ أنه قال: ((أمرت أن آخذ الصدقة من
أغنیائکم واردها على فقرائكم))(٢).
ومن جهة المعنى أنه حق من حقوق المال المحض تصح النيابة فيه مع العجز والقدرة،
فوجب أن یوخذ جبرًا عند الامتناع کدیون الناس فیه.
فرع: وتقوم فى ذلك نية الإمام مقام نية من أخذت منه خلافًا لمن قال: لا تجزئه.
والدليل على ما نقوله أن هذه زكاة، فجاز أن تنوب فيها نية من يتولى إخراجها عن
نية من يخرج عنه كالأب فى مال ابنه الصغير والكبير المجنون.
فرع: فإن لم يوجد له مال، فقد قال الشيخ أبو إسحاق: إن عرف بمنع الزكاة
سجن.
(١) البخارى حديث رقم ١٤٩٦. مسلم حديث رقم ١٩. الترمذى حديث رقم ٦٢٥. النسائى
فى الصغری حدیث رقم ٢٤٣٥. أبو داود حديث رقم ١٥٨٤. ابن ماجه حديث رقم ١٧٨٣.
أحمد فى المسند حديث رقم ٢٠٧٢. الدارمى حديث رقم ١٦١٤.
(٢) أخرجه أحمد فى المسند حديث رقم ٢٢٦١٧.

كتاب الزكاة
١٣٠
وو جه ذلك أنه حق من حقوق الآدمیین، فجاز أن یسجن فی أدائه کالدیون.
مسألة: وأما الضرب الثالث، وهو من لا يعرف حاله ويتهم بمنع الزكاة، فإن قال:
قد أخرجتها، ففى الموازية عن مالك وابن القاسم: لا يقبل قوله إن كان الإمام عدلاً
کعمر بن عبدالعزيز.
ومعنى قوله: إنه لا يقبل منه، أنه إن عرف منه منع الزكاة أخذت منه، وإن لم
يعرف حاله واتهم، استحلف و دین.
فرع: وإنما شرط إذا كان الإمام عدلاً لا غير لأن غير العدل لا يضعها عند أهلها،
فتركها عند صاحبها من هذا المعنى، فلا وجه لمطالبته بها.
٦٤٩ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقولُ: ((لا تَحِبُ فِى مَالٍ
زَكَةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ».
الشرح: قوله: ((لا تجب فى مال زكاة حتى يحول عليه الحول)) يريد بذلك الماشية
والعين، فأما الزرع والثمار وما يخرج من المعدن، فإن الزكاة فيه ساعة يحصل منه
النصاب، ولا يراعى فى شىء من ذلك الحول، والفرق بينهما أن الحول إنما ضرب فى
العين والماشية لتكامل النماء فيهما، فإذا مرت مدة لتكامل النماء فيها وجبت الزكاة،
وأما الزرع والمعدن وما أشبهما، فإن تكامل نمائه عند حصاد الحب وخروج العين من
المعدن، ولا نماء بعد ذلك من جنس النماء الأول، وإنما له بعد ذلك نماء من جنس آخر،
وهو تصريف الزكاة التى يعتبر فيها الحول، فلذلك وجبت الزكاة فى الحب يوم
الحصاد، قال الله تعالى: ﴿وَآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١].
٦٥٠ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ أَخَذَ مِنَ الأَعْطِيَةِ الزَّكَاةَ
مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِى سُفْيَانَ.
٦٤٩ - رواه مالك موقوفا، وقال الدارقطنى: والصحيح وقفه كما فى الموطأ. وقال ابن عبد البر:
ورواه مالك عن نافع عن ابن عمر موقوفًا، والناس عليه. وأخرجه أبو داود ١٠٣/٢ کتاب
الزكاة، باب فى زكاة السائمة عن على بن أبى طالب. والبيهقى فى الكبرى ٩٥/٤ عن عائشة.
وذكره الزبيدى فى الإتحاف ١٦/٤ عن عائشة. ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٤١.
٦٥٠ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٤٢. الشافعى فى الأم ١٧/٢. البيهقى فى السنن
الكبرى ١٠٩/٤. البيهقى فى معرفة السنن والآثار ٨٠٥٣/٦.

کتاب الزكاة
١٣١
...
الشرح: قوله: ((أول من أخذ من الأعطية الزكاة معاوية)) يريد أنه كان يأخذ من
نفس الأعطية الزكاة، ويعتقد أن الزكاة فيها واجبة على من خرجت إليه لأنها كانت
لهم قبل دفعها إليهم، فجرت عنده مجرى الأموال المشتركة يجرى فيها الحول فى حال
اشترا کھا.
وأما أبو بكر وعمر وعثمان فلم يكونوا يأخذون منها الزكاة؛ لأنها لم يتحقق ملك
من أعطيها لها إلا بعد الإعطاء والقبض؛ لأن للإمام أن يصرفها إلى غيرهم، إذا أداه
اجتهاده إلى ذلك، فوجب أن يراعى الحول فيها من وققبضهم لها، وصحة ملكهم
إياها، وعلى هذا فقهاء الأمصار. ونحو هذا ذكر ابن حبيب فى أخذ أبى بكر وعثمان
الزكاة من الأعطية، وفى أخذ معاوية زكاة الأعطية، والله أعلم.
قَالَ مَالِك: السُّنَّةُ الْتِى لا اخْتِلافَ فِيهَا عِنْدَنَا أَنَّ الرَّكَاةَ تَجِبُ فِى عِشْرِينَ دِينَارًا
عَّنًا كَمَا تَجِبُ فِى مِائَتَىْ دِرْهَمٍ (١).
الشرح: وهذا كما قال أن نصاب الذهب عشرون دينارًا من الدنانير الشرعية، وهو
كل عشرة دراهم سبعة دنانير، ولا خلاف فى ذلك بين فقهاء الأمصار إلا ما روى عن
الحسن البصرى أنه قال: لا زكاة فى الذهب حتى يبلغ أربعين دينارًا، فيكون فيها دينار.
والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور أن الإجماع انعقد بعد الحسن على خلافه،
وهذا من أقوى الأدلة على أن الحق فى خلافه.
ودليلنا من جهة السنة ما روى عاصم بن ضمرة والحارث الأعور عن على عن النبى
﴿) أنه قال: ((فإذا كانت لك مائتا درهم، ففيها خمسة دراهم وليس عليك شىء يعنى
فى الذهب حتى يكون لك عشرون دينارًا))(2)، وحال عليها الحول، ففيها نصف دينار،
وهذا الحديث ليس إسناده هناك غير أن اتفاق العلماء على الأخذ به، دليل على صحة
حکمه، والله علم وأحكم.
ودليلنا من جهة المعنى أن المائتى الدرهم نصاب الورق، ولا خلاف فى ذلك،
والدينار كان صرفه فى وقت الزكاة عشرة دراهم، فوزان المائتى درهم عشرون مثقالاً
فكان ذلك نصاب الذهب.
(١) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٤/٩.
(*) أخرجه أبو داود فى كتاب الزكاة حديث رقم ١٥٧٢.

کتاب الزكاة
٠٠
١٣٢
قَالَ مَالِك: لَيْسَ فِى عِشْرِينَ دِينَارًا نَاقِصَةٌ بَيِّنَةَ النَّقْصَانِ زَكَاةٌ، فَإِنْ زَادَتْ حَتّى
تَبْلُغَ بِيَادَتِهَا عِشْرِينَ دِينَارًا وَازِنَةً(١) فَفِيهَا الزَّكَاةُ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ عِشْرِينَ دِينَارًا
عَيْنَا الزَّكَاةُ.
الشرح: وهذا كما قال أن العشرين دينارًا إذا نقصت نقصانا بينًا، ومعنى البين
هاهنا يحتمل تأويلين، أحدهما: أن لا يجرى مجرى الوزانة. والثانى أن تتفق الموازين
عليه، وقد قال بكل من الوجهين قوم من أصحابنا، فإذا تبين النقصان، فلا زكاة فيها لما
دللنا عليه من أن النصاب فى الذهب عشرون مثقالاً، والمراعى فى ذلك الوزن دون
العدد، فإذا زادت حتى تبلع بزيادتها عشرين دينارًا وزانة فقد بلغت النصاب، ووجبت
فيه الزكاة، وإن قصرت عدتها عن العشرين.
قَالَ مَالِك: وَلَّيْسَ فِى مِائَتَىْ دِرْهَمٍ نَاقِصَةً بَيِّنَةَ النَّقْصَانِ زَكَةٌ، فَإِنْ زَادَتْ حَتَّى
تَبْغَ بِيَادَتِهَا مِائَتَىْ دِرْهَمٍ وَفِيَةٌ، فَفِيهَا الزَّكَاةُ، فَإِنْ كَانَتْ تَجُوزُ بِحَوَازِ الْوَازِنَةِ،
رَأَيْتُ فِيهَا الزَّكَاةَ دَنَانِرَ كَانَتْ أَوْ دَرَاهِمَ(٢).
الشرح: وهذا كما قال وذلك أن الدراهم تجرى وزنًا، وتجرى عددًا فأما البلاد التى
تجرى فيها بالوزن، فلا اعتبار فيها بالعدد، فإذا بلغت مائتين وهى خمس أواق فقد
بلغت النصاب، ووجبت فيها الزكاة، فإذا نقصت من ذلك نقصانًا بينًا، وتأويل البين ما
تقدم، فلا اعتبار فيها بالعدد، فإذا بلغت مائتين وهى خمس أواق فقد بلغت النصاب،
ووجبت فيها الزكاة، فإذا نقصت من ذلك نقصانًا بينًا، وتأويل البين ما تقدم، فلا زكاة
فيها لتقصيرها عن النصاب.
فصل: وقوله: ((فإذا زادت حتى تبلغ بزيادتها مائتى درهم))، فالزيادة تكون فيها
بنمائها، وتكون من فائدة مضافة إليها، فإن كانت من نمائها فحولها حول أصل المال
إذا بلغت مائتى درهم أخرجت زكاتها يوم تبلغ النصاب، وإن كانت زيادتها فائدة
مضافة إليها لم يخرج منها زكاة حتى يحول على الزيادة الحول من يوم أفادها.
فصل: وقوله: ((فإن كانت تجوز بجواز الوازنة رأيت فيها الزكاة)) يريد إن كانت
الناقصة تجوز بجواز الوازنة، ففيها الزكاة. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا زكاة فيها.
(١) وازنة: وافية.
(٢) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٣٩/٩.

٠٠ ١٣٣
....
كتاب الزكاة .
والدليل على صحة ما نقول أنه مالك يملك من الذهب مقدارًا يجوز لوزنه جواز
عشرین دینارًا، فوجب فيه الزكاة کالعشرین دینارًا.
فرع: إذا ثبت ذلك، فاختلف أصحابنا فى تفسير قوله: ((يجرى مجرى الوازنة))
فحكى أبو الحسين بن القصار وأبو بكر الأبهرى أن معنى ذلك أن تكون فى ميزان
وازنة، وفى ميزان ناقصة، فإذا نقصت فى جميع الموازين، فلا زكاة فيها.
وقال القاضى أبو محمد: إنه أراد بذلك النقص اليسير فى جميع الموازين كالحبة
والحبتين، وما جرت عادة الناس أن يتسامحوا به فى الساعات وغيرها، وعلى هذا
جمهور أصحابنا.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: وهو الأظهر عندى إذا قلنا أن ذلك فيما
يعتبر بالوزن؛ لأن اختلاف الموازين ليس بنقص، ولابد من ميزان يقع الاعتماد عليه،
فيعتبر به الزيادة والنقص. وفى الموازية: إذا نقصت نقصانًا بينًا، فلا زكاة فيها إلا أن
تجوز بجواز الوازنة. وروى ابن زيد عن عيسى عن ابن القاسم أن قول مالك أن لا
زكاة فيما نقصت يسيرًا أو كثيرًا إلا مثل الحبة والحبتين، ونحو ذلك ففيها الزكاة.
مسألة: هذا قول أصحابنا العراقيين فى هذا الفصل، وحملوا قوله فى ذلك على
الدنانير والدراهم الموزونة.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: والأظهر عندى أن تكون فى المعدودة
كالفرادى، فإنها ينقص بعضها النقص اليسير ويجرى مجرى الوازنة، وعندى أن هذه
الدنانير التى أشار إليها مالك ومتقدمو أصحابه لأنها إن نقصت نقصانًا يسيرًا عن
الوازنة الجارية عددًا وجرت مجراها وجبت فيها الزكاة، وإن نقصت عنها نقصانًا كثيرًا
لا تجرى به مجرى ما بلغ العدد المتقدم ذكره منها، لم تجب فيها الزكاة.
وقد يتبايع بالناقصة الوزن عددًا ويتبايع بالقائمة الوزن عددًا، ولكنه لا يعطى بعدد
من الناقصة ما يعطى بعدد من الوازنة من وزن ولا عرض ولا غيره، بل قد يكون بين
ذلك التفاوت كالفرادى والقائمة المذكورة فى كتب الصرف من المدونة وغيرها.
ومن ذلك الدراهم التى تجرى بالأندلس والدرهم منها ثلثا درهم من الدراهم التى
قدمنا ذكرها.
وفى العتبية قال سحنون فى دراهم الأندلس: ليست كيلاً، وتجوز عندهم جواز

كتاب الزكاة
١٣٤
الوازنة الکیل لما تکون فیھا الزكاة إلا أن ينقص من الکیل نقصًا یسیرًا، ونحوه روی ابن
زيد عن عيسى بن دينار، وأخرجه الشيخ أبو محمد فى نوادره عن العتيبة من رواية
سحنون عن ابن القاسم.
ولعل ذلك روايته فى العتبية، وإنما هو فى رواية الأندلسيين فى نوازل، سئل عنها
سحنون من قوله، فقول سحنون فى دراهم الأندلس يجوز بجواز الوازنة، يريد أن
الاعتداد فى البيع وسائر المعاملات بها، لأنه لا خلاف فى أنه لا يؤخذ بها ما يؤخذ
بالدرهم الوزان المتقدم ذكره لأنه درهم ونصف بوزن الأندلس.
وقال ابن حبيب: إذا نقصت العشرون دينارًا فى العدد دينارًا واحدًا أو نقصت المائتا
الدرهم فى العدد درهمًا واحدًا فلا زكاة فيها، وإن لم تنقص فى العدد، ونقصت فى
الوزن أقل أو أكثر من ذلك، وهى تجوز بجواز الوازنة فى البلد، ففيها الزكاة، وكذلك
من له فى هذا البلد فضة وزنها مائتا درهم بوزن هذه الدراهم التى تجوز بجواز الوازنة،
فعليه زكاتها وكذلك الذهب، فيريد ابن حبيب بقوله: تجوز فى البلد بجواز الوازنة أن
التعامل فى ذلك البلد يكون بعدد ذلك القدر، وأن ما بلغ ذلك القدر عندهم، فهو
الوازن فجعل نصاب كل بلد معتبرًا بوزن الدرهم الجارى عندهم، فيختلف على هذا
نصاب الورق، والذهب فى البلاد على حسب اختلاف دراهمهم، ومثل هذا يلزمهم
فى نصاب الحبوب والتمر إن اختلفت باختلاف البلد فى قدر الكيل ويلزمه أن يعتبر مثل
هذا فى كيل زكاة الفطر والكفارات، ويلزمه أن يعتبر هذا فى أرباع صقلية، فإنه به يقع
الاعتداد عندهم فى البيع والشراء، ولا فرق بينه وبين الدينار إلا الاسم، ولا تأثير له.
وقول سحنون هو الصحيح والذى عليه أصحاب مالك من المتقدمين والمتأخرين.
قال القاضى، رضى الله عنه: وهو عندى إجماع العلماء والله أعلم.
وقال ابن المواز: إذا نقص كل مثقال حبة أو حبتين أو ثلاث حبات، وكانت تجوز
بجواز الوازنة، ففيها الزكاة، وهذا الذى ذكره على طريق ما ذهبنا إليه إلا أن هذا أمر لا
يكاد أيضًا أن يوجد بأن يباع بمائة دينار أو عشرين، ينقص من كل دينار منها حبتان ثم
لا يكون بينها وبين عشرين ديناراً وازنة مزية، وإنما يجوز أن يتعامل بها، ويتعامل
بالوازنة إلا أن الذى يدفع بها فى غالب الحال أقل مما يدفع بالوازنة. ولذلك فرق مالك،
رحمه الله، فى كتاب الصرف بين القائمة والفرادى، ولا يجوز أن يعتبر بجوازها جواز
الوازنة، وأن تكون عوضًا فى الغالب عوض الوازنة.

١٣٥
کتاب الزكاة
وهذا هو المشهور عن مالك، وما سوى ذلك فإنما على سبيل التفريع من أصحابنا
على مذهبه والتأويل لقوله.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: وهذا عندى وجه ثالث فى معنى قول
مالك: إذا كانت العشرون دينارًا تجوز بجواز الوازنة، ففيها الزكاة، وقد تقدم اختلاف
أصحابنا فى ذلك فى أول الكتاب بما یغنی عن إعادته.
قَالَ مَالِك فِى رَجُلٍ كَانَتْ عِنْدَهُ سِنُونَ وَمِائَةُ دِرْهَمٍ وَازِنَةٌ، وَصَرْفُ الدَّرَاهِمِ
بَدِهِ ثَمَانِيَةُ دَرَاهِمَ بِدِينَارٍ: أَنَّهَا لا تَحِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، وَإِنَّمَا تَحِبُ الزَّكَاةُ فِى
عِشْرِينَ دِينَارًا عَنَا أَوْ مِنَّىْ دِرْهَمٍ(١).
الشرح: وهذا كما قال أن من كان عنده فضة لا تبلغ النصاب، فإنه لا زكاة عليه
فيها، وإن كانت قيمتها من الذهب ما تبلغ النصاب؛ لأن ما تجب فيه الزكاة من
الأموال، فإنما نصابه بنفسه دون غيره، فلو كانت لرجل ثلاثون شاة قيمتها أربعون شاة
من غيرها، أو عشرين دينارًا أو مائتى درهم لما وجب عليه فيها الزكاة، وكذلك فى
مسألتنا فلا تقوم بجنسها ولا بغير جنسها.
مسألة: وإن كانت الفضة أو الذهب تبلغ بقيمة صياغتها أكثر من نصاب ووزنها
أقل من النصاب، فإنه لا زكاةً فيها، لأن هذه زكاة العين والاعتبار بالوزن، والصياغة
لا تأثير لها فى الوزن، ولا هى من جملة الفضة، فيكمل بها نصابها.
مسألة: والاعتبار فى نصاب الفضة والذهب بالخالص منهما إلا أن يخالطهما ما لا
بد منه فى ضربه، فإنه يجرى مجراها، فأما إن كان فيهما غير ذلك من الغش، فلا اعتبار
به فى الوزن، وإنما يجرى مجرى العرض على مذهب مالك والشافعى. وقال أبو حنيفة:
إن كان الغش أقل من الفضة سقط حكمه، وإن كان مثل الفضة وأكثر وجب إسقاطه
والاعتداد بالفضة خاصة، وإلى نحو هذا ذهب مالك ومن أصحابنا أبو عبدالله بن
الفخار.
والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك أن هذا غش، فلم يعتبر به وزن الذهب
والورق فى نصاب الزكاة، أصله إذا بلغ النصف. هذا الذى ذكره أصحابنا فى هذه
المسألة.
(١) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٤٠/٩.

..
١٣٦
کتاب الزكاة
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: وهذا عندى فيما يدخل على الذهب
والورق من الغش. وأما ما يكون فيه من أصل المعدن، ولا يخرج عنه إلا بالتخليص فلم
أر لأصحابنا فيه نصًا، وعندى أنه إذا كان فيه من النحاس وغيره المقدار اليسير جرت
عادة الناس به فى دنانيرهم ودراهمهم الطيبة الموصوفة بالخالصة، فإنه لا اعتبار به.
وإن أمكن تخليصه وإخراجه وإن كان كثيرًا مما لا يوصف الدينار معه بالطيب، وإنما
يوصف بالرداءة من أجله، فإنه يعتبر ولا يحتسب فى نصاب الزكاة إلا بالطيب، وبالله
التوفيق. وذلك أن الزكاة إنما وضعت فى الأموال التى تحمل المواساة ولذلك اعتبر
النصاب، وإذا كانت الدنانير رديئة كثيرة النحاس قصرت عما يحتمل المواساة، فإذا
كانت فى حكم الطيبة الخالصة لم تقصر عن ذلك.
قَالَ مَالِك فِى رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ خَمْسَةٌ دَنَانِرَ مِنْ فَائِدَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَتَحَرَ فِيهَا، فَلَمْ
يَأْتِ الْحَوْلُ حَتّى بَلَغَتْ مَا تَحِبُ فِيهِ الرَّكَاةُ: أَنْهُ يُؤَكِّيْهَا وَإِنْ لَمْ تَتِمَّ إِلاَ قَبْلَ أَنْ
يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ بِيَوْمٍ وَاحِدٍ أَوْ بَعْدَ مَا يَحُولُ عَلَيْهَا الْحَوْلُ بِيَوْمٍ وَاحِدٍ ثُمَّ لا
زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمَ زُكِيَتْ(١).
الشرح: وهذا كما قال أن من كانت له دنانير أقل من نصاب فتجر فيها، فحال
الحول وقد أكملت بربحها النصاب، فإن الزكاة واجبة، فيها لأن حول الربح حول
الأصل سواء كان الأصل نصابًا أو دونه. وقال أبو حنيفة: إن كان الأصل أقل من
النصاب، فإنه يستأنف حولاً من يوم كل النصاب.
الدليل على صحة ما نقوله أن هذا نماء حادث عن أصل تجب فى عينه الزكاة، فإذا
كان من نفس الأصل كان حوله حول أصله كما لو كان الأصل نصابًا.
مسألة: وهذا حكم ما ربح فى مال اشترى به نقده، ومن عنده مائة دينار حال
عليها الحول ثم اشترى بها سلعة، فلم ينقد ثمنها حتى باعها بربح ثلاثين دينارًا، ففى
الموازية من رواية ابن القاسم عن مالك: يزكى الربح مع ما بيده. وقال عنه أشهب:
يأتنف بالربح حولاً. زاد فى العتبية: من يوم يقبضه.
وجه رواية ابن القاسم أنه لما اشترى سلعة بمائة دينار، وعنده دينار، وكان شراؤه
متعلقًا بها لأنه إنما يقضى منها، فكانت أصلاً لما ربح فى السلعة كما لو نقد فيها
(١) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٤٣/٩.

.... ٠٠ ١٣٧
كتاب الزكاة .
"المائة. ووجه رواية أشهب أنه لما اشترى على ذمته، فإذا لم ينقد الثمن صار الربح ربح
ذمته. أصل ذلك إذا لم یکن بيده مال. قال محمد: وهذا أحب إلينا.
فرع: فإذا قلنا: لا يزكى لحول المائة، فقد روى أشهب عن مالك يأتنف بالربح
حولاً. قال ابن المواز: يكون حول الربح من يوم ادان واشترى. قال ابن القاسم: وإلى
هذا رجع مالك لأن ثمن السلعة فى ذمته والمائة التى بيده لم تصل إلى البائع، ولم
يضمنها سوى أن ينقده غدًا أو إلى شهر.
وجه رواية أشهب أنها فائدة محضة؛ لأنها لا تستند إلى مال يعتبر فيها حوله،
فوجب أن يكون حوله من يوم قبضها. ووجه رواية ابن القاسم أنه من اشترى السلعة
بنية التجارة نبت فيها حكم الحول، فإذا باعها بعد الحول، ولم يكن رأس المال مما تجب
فيه الزكاة زكى الربح؛ لأنه كان موجودًا فى قيمة السلعة من حين اشتريت ولكنه الآن
ظھر.
مسألة: ولو اشترى سلعة بمائة، وليس له مال، فباعها بمائة وثلاثين، ففى الموازية من
رواية ابن وهب عن مالك: الربح فائدة. وروى أشهب عن مالك: إذا أقامت السلعة
عنده حولاً ز کی الربح مكانه.
وجه رواية ابن وهب أن الربح فائدة لا تستند إلى جنس مال تجب فيه الزكاة، فلم
تجب فيه زكاة. ووجه رواية أشهب ما تقدم قبل هذا من تفسير قول ابن القاسم، وقيل
إنه معنى قول أشهب فى المسألة التى قبل هذه، وفى العتبية بما يمنع هذا التأويل، وقد
أشرنا إليه فى المسألة المذكورة.
مسألة: ومن تسلف عرضًا، فتجر فيه حولاً، فربح فيه مالا فرد ما تسلف، فليزك
الربح، رواه ابن القاسم عن مالك. وكذلك لو تسلف مائة دينار فربح فيها بعد حول
عشرين دينارًا، فإنه يزكى العشرين. قال ابن القاسم: وإلى هذا رجع مالك.
وأصل هذا ما تقدم من أن يبقى عنده السلف الذى لا عوض منه من عرض ولا
عين حولاً كاملاً، فإن حكم الزكاة متعلق به فما ربح فيه فهو نماء مال، حال عليه
الحول، فتسقط الزكاة عن الأصل للدين، ويبقى الريح يجرى فيه الزكاة لأنه ليس عليه
دين يقابله، وأما من لا يوجب عليه زكاته، فيرى أن الأصل لما لم تجب عليه فيه زكاة
لم تجب فى ربحه كغلة الرباع.
مسألة: ومن تسلف مائة دينار فبقيت بيده حولاً، ثم اشترى بها سلعة، فباعها بعد

كتاب الزكاة
١٣٨ .......
الحول بمائتين، فقد قال ابن القاسم: يجعل مائة فى دينه، ويزكى وكذب علىَّ من قال
عنى أن المائة فائدة.
وروى ابن سحنون عن نافع وعلى بن زياد عن ذلك: يزکی الربح. وقال المغيرة:
هو فائدة. وذكر ابن حبيب أن قول مالك اختلف فى زكاة الربح قال مطرف: إن كان
له فى ثمنها دينار واحد أو أقل، فلم يختلف قول مالك فى هذا أنه يزكى الربح.
وفى كتاب ابن سحنون عن ابن نافع عن مالك ما يخالف رواية مطرف، فقال: من
اشتری سلعة بثمانین، فنقد فیھا أربعین، لیس معه غيرها، ثم باعها بثلاثمائة، عند
الحول يزكى الأربعين، وما قابلها من الربح، وما بقى بيده فائدة.
وجه رواية مطرف أن أصل المال لما كان له منه شىء استند جميع الربح إليه، فزكاه
لأصله کمن معه عشرون، فیشتری بعشرین، فينقد منها عشرة ثم یبیع ویربح عشرین،
فإن الربح کله يستند إلى ما له فيه من النقد.
ورواية ابن نافع مبنية على أنه من اشترى بدين لا وفاء له عنده، فإن ربحه فائدة،
فإذا كان قد ربح فيما اشترى بأصل ماله، وذلك يوجب فيه الزكاة وبما اشترى على
ذمته، وذلك ينفى عنه الزكاة، وجب أن تسقط عنهما، فما قابل ما زكى أصله زكى
من الربح، وما، قابل ما لا يزكى أصله لم يزك.
فصل: وقال الشافعى: لا يضم الربح إلى أصله، وإن كان الأصل نصابًا.
والدليل على صحة ما نقوله أن هذا نماء حادث عن أصل تجب فيه الزكاة فإذا كان
من جنس الأصل كان حوله حول أصله كالسخال مع الأمهات.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فمن كانت له عشرة دنانير، حال عليها الحول، فأنفق منها
خمسة، واشترى بسائرها سلعة، فباعها بخمسة عشر دينارًا، فقد قال ابن القاسم: إذا
اشترى السلعة قبل الإنفاق بعد الحول زكى العشرين، وإن اشترى بعد الإنفاق أو قبل
الحول، وقبل الإنفاق، فلا شىء عليه.
وقال المخزومى: إن اشترى بعد الحول، فعليه الزكاة، اشترى قبل الإنفاق أو بعده،
وإن اشترى السلعة قبل الحول، فلا زكاة عليه، اشترى قبل الإنفاق أو بعده.
وقال أشهب: لا يزكى حتى يبيع بعشرين دينارًا، سواء، أنفق قبل الشراء أو بعده.
وجه ما قاله ابن القاسم أنه إذا اشترى السلعة بعد الإنفاق، فإنه لم يكمل عنده قط

٠٠٠ ١٣٩
.....
کتاب الزكاة .
نصاب؛ لأنه كان بيده عشرة دنانير، فأنفق خمسة وبقيت بيده خمسة اشترى بها سلعة
قيمتها خمسة عشر مثقالاً فلم يجتمع عنده نصاب، فلا زكاة عليه، وأما إذا اشترى
السلعة قبل الإنفاق ثم باع السلعة بخمسة عشر دينارًا، فقد تبين أن قيمتها كانت خمسة
عشر دينارًا، فكمل بقيمتها وبالخمسة دنانير النصاب بيده حين ابتاع السلعة، فوجبت
فيها الزكاة.
ووجه قول المخزومى أن الشراء كان من جملة مال قد حال عليه الحول، فوجبت
فيه الزكاة، كما لو اشترى قبل الإنفاق. ووجه قول أشهب أن السلعة لما اشتريت
بخمسة، ولم يكن المشترى مديرًا كان حكمها حكم الخمسة حتى تباع بأكثر من
ذلك، فحينئذ يحكم لها بما بيعت به، وذلك وقت قد أنفق فيه الخمسة الباقية بيده، فلا
يعتد بها فى نصاب الزكاة. ووجه آخر وهو أن وقت البيع هو وقت الحول لغير المدير،
فلا يزكى إلا ما كان فى ملكه ذلك الوقت، والله أعلم وأحكم.
مسألة: وهذا إذا كانت الزيادة نماء، فإن كانت فائدة، فإنها لا تضاف إلى الأصل
سواء كان الأصل نصابًا أو غيره. وقال أبو حنيفة: إن الفائدة تضاف إلى النصاب،
فتزكى لحوله، ولا تضاف إلى أقل من النصاب.
والدليل على صحة ما نقوله أن هذه فائدة عين ليست من نماء الأصل، فلم يكن
حولها حوله كما لو كان الأكل أقل من النصاب.
فصل: وقوله بعد ذلك: ((ثم لا زكاة فيها حتى يحول عليها الحول من يوم زكيت))
يريد أن الربح والأصل قد ثبت حولهما يوم أديت زكاتهما فصارا شيئًا واحدًا لأنهما
لما جرى فيهما الحول الأول على حد واحد، وإن تأخر ملك النماء عن ملك الأصل لا
يمنع من ثبوت حكم الحول الأول فيه، فبأن يجرى فيهما الحول الثانى على حد واحد،
وقد تساويا فى الملك فى جميع الحول أولى وأحری.
وقَالَ مَالِك فِى رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ فَتَحَرَ فِيهَا، فَجَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ،
وَقَدْ بَلَغَتْ عِشْرِينَ دِينَارًا: أَنْهُ يُزَكّيْهَا مَكَانَهَا وَلا يَنْتَظِرُ بِهَا أَنْ يَحُوِلَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ
مِنْ يَوْمَ بَلَغَتْ مَا تَحِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ لأَنَّ الْحَوْلَ قَدْ حَالَ عَلَيْهَا وَهِىَ عِنْدَهُ عِشْرُونَ ثُمَّ
لا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمَ زُكِيَتْ.
الشرح: وهذا كما قال أنه إذا حال الحول فى الأصل، وإن كان لا يبلغ النصاب،

١٤٠ ........ . .
کتاب الزكاة
فإن للحول تأثيرًا فيه، فإذا كمل الحول وهو ينقص عن النصاب، فلا زكاة فيه لعدم
شرط وجوب الزكاة وهو النصاب، فإذا اتجر فيها فبلغت ما تجب فيه الزكاة أدى
الزكاة حينئذ لأن شرطى الزكاة قد وجدا، وهو النصاب والحول، ويكون أول الحول
الثانى من يوم كمل النصاب، ووجب إخراج الزكاة.
قَالَ مَالِك: الأَمْرُ الْمُحْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِى إِجَارَةِ الْعَبِيدِ وَخَرَاجِهِمْ وَكِرَاءٍ(١)
الْمَسَاكِينِ وَكِتَابَةِ الْمُكَاتَبِ، أَنَّهُ لا تَجِبُ فِى شَىْءٍ مِنْ ذَلِكَ الزَّكَاةُ، قَلَّ ذَلِكَ أَوْ
كَثُرَ حَتّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمٍ يَقْبِضُهُ صَاحِبُهُ.
الشرح: وهذا كما قال أن الأمر المجتمع عليه عند فقهاء الأمصار أنه لا زكاة فى
شىء من الفوائد حتى يحول عليه الحول من يوم يقبضها صاحبها، وإنما كان فيه خلاف،
روى عن معاوية وابن مسعود وابن عباس، وقد وقع بعدمه على ما ذكر مالك، فغلة
العبيد وكراء المساكن وكتابة المكاتب كلها فوائد، فلا زكاة فى شىء منها إلا بعد أن
يحول عليها الحول من يوم يقبضها ربها أو من يقوم مقامه.
وَقَالَ مَالِك فِى الذّهَبِ وَالْوَرِقِ يَكُونُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ: أَنَّ مَنْ بَلَغَتْ حِصَّتُهُ مِنْهُمْ
عِشْرِينَ دِينَارًا عَنًا أَوْ مِائَتَىْ دِرْهَمٍ، فَعَلَيْهِ فِيهَا الزَّكَاةُ، وَمَنْ نَقَصَتْ حِصَّتُهُ عَمَّا
تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ بَلَغَتْ حِصَصُهُمْ جَمِيعًا مَا تَحِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ،
وَكَانَ بَعْضُهُمْ فِى ذَلِكَ أَفْضَلَ نَصِيبًا مِنْ بَعْضٍ أُخِذَ مِنْ كُلِّ ◌ِنْسَانٍ مِنْهُمْ بِقَدْرٍ
حِصَّتِهِ إِذَا كَانَ فِى حِصَّةٍ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مَا تَحِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ
الِّ ﴿ْ قَالَ: (َيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ»(١).
(١) الخراج: الأجر والجعل. الكراء: التأجير.
(١) أخرجه البخارى فى كتاب الزكاة حديث رقم ١٣١٧. ومسلم حديث رقم ١٦٢٨.
والترمذى فى كتاب الزكاة ٥٦٨. والنسائى فى كتاب الزكاة حديث رقم ٢٤٠٠، ٢٤٠١،
٢٤٢٦، ٢٤٢٧، ٢٤٢٨، ٢٤٢٩، ٢٤٣٥، ٢٤٣٦، ٢٤٣٧، ٢٤٣٨، ٢٤٣٩. وأبو داود فى
كتاب الزكاة حديث رقم ١٣٣٢، ١٣٣٣. وابن ماجه فى كتاب الزكاة حديث رقم ١٧٨٣.
وأحمد فى المسند حديث رقم ١٠٨٢٣، ١١١٣٨، ١١٢٧٢، ١١٣٢٣، ١١٣٨٦، ٠١١٤٩٤
والدارمى فى كتاب الزكاة حديث رقم ١٥٧٧، ١٥٧٨. والبيهقى فى الكبرى ٥/٧ كتاب
الصدقات عن أبى سعيد الخدرى. وابن أبى شيبة ١٢٤/٣ عن أبى سعيد الخدرى كتاب الزكاة.
وابن خزيمة برقم ٢٢٦٣، ١٧/٤ كتاب الزكاة، باب الدليل على أن الصدقة لا تجب فيما دون
خمس، عن أبى سعيد الخدرى.

١٤١
کتاب الزكاة
قَالَ مَالِك: وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَىَّ فِى ذَلِكَ.
الشرح: وهذا كما قال أن الشركاء وغيرهم فى اعتبار النصاب سواء، فمن كان
عنده عشرون دينارًا، وجب عليه فيها الزكاة، سواء كانت متميزة من مال غيره أو
مختلطة بمال غيره، لأن مخالطة غيره بماله لا يدخل فى ملكه من الجملة من الجملة أكثر
من مقدار ماله منها، وإذا انفرد ماله من مال غيره، فلا زكاة عليه فى أقل من النصاب،
فكذلك إذ شاركه غيره، فإذا كان المال لجماعة، فإن كان منهم من له نصاب وجبت
عليه الزكاة فى حصته، ومن قصر ماله عن النصاب لم تجب عليه الزكاة، وإن كان
لغيره من شركائه ما تجب فيه الزكاة، وإن كان لكل واحد منهم نصاب واختلفت
سهامهم، فإن على كل واحد منهم من الزكاة بمقدار ما كان يكون عليه منها لو
انفرد، ولا تؤثر الخلطة فى العين، ولا فى الحرث، وذلك لمعنيين، أحدهما أن الزكاة إنما
تجب على من ملك النصاب، والثانى أن العين لا عفو فيه بعد النصاب، فمن ملك أكثر
من النصاب أخرج عن النصاب ما يجب عليه وأخرج عما زاد بحساب ذلك قليلاً كان
أو كثيرًا، فلذلك لم يتغير حكم العين فى الزكاة بالخلطة. وهذا مذهب مالك والشافعى
وأبی یوسف.
وقال أبو حنيفة: من عنده نصاب من العين وجبت عليه زكاته، ولا زكاة عليه فى
الزيادة على العشرين، حتى تبلغ بالزيادة أربعًا وعشرين دينارًا، فيكون عليه حينئذ فى
الزيادة الزكاة، وكذلك لا زكاة عليه بعد نصاب الورق فى الزيادة حتى يبلغ النصاب
بالزيادة مائتى درهم وأربعين درهمًا، فيزكى حينئذ عن الزيادة.
والدليل على ما نقوله أن هذا مال يجب على متلفه مثله فلم يكن فيه عفو بعد
الوجوب کالحبوب.
فصل: ((وذلك أن رسول الله 48 قال: ليس فيما دون خمس أواق من الورق
صدقة)) استدلال منه بعموم حديث النبى ﴿ فى الشركاء وغيرهم على أن الزكاة لا
تجب منهم على من عنده أقل من نصاب، وحمله لذلك على اجتماعها فى الملك دون
اجتماع الورق، وإن لم تکن فی ملك واحد.
وقوله: ((وهذا أحب ما سمعت إلى))، يقتضى أنه قد سمع فيه الخلاف(١) مرويًا عن
(١) قال فى الاستذكار ٥٢/٩: الخلاف فيه أن من أهل العلم من يقول: إن الشركاء فى الذهب
والورق وفى الزرع وفى الماشية إذا لم يعلم احدهم ماله بعينه أنهم يزكون زكاة الواحد، وتلزم=