Indexed OCR Text
Pages 941-960
٤٧٠ .. کتاب الجنائز للصلاة على الجنائز، وفى ذلك بابان، أحدهما فى صفة من يصلى عليه وتمييزه من غيره. والثانى فى صفة الصلاة. الباب الأول فى صفة من يصلى عليه وتمييزه من غيره اعلم أن الصلاة فى الجملة على المسلمين لازمة إلا أن يمنع من ذلك موانع نبينها بعد هذا إن شاء الله تعالى. والأصل فى ذلك ما روى من فعل النبى 48 وصلاته على من مات من أصحابه، واختلف أصحابنا فى الصلاة على الميت، فقال مالك وجمهور أصحابنا: إنها واجبة. وقال أصبغ: هى سنة وليست بواجبة. وجه القول الأول، ما روى عن النبى ، أنه قال: ((إن أخا لكم قد مات، فقوموا فصلوا عليه)(١). والأمر يقتضى الوجوب، ولا فرق بين الصلاة على النجاشى وغيره. ووجه قول أصبغ أن هذا ركن من أركان الصلاة يفعل مفردًا لغير إصلاح صلاة فلم یکن واجبًا. أصل ذلك سجود التلاوة. مسألة: إذا ثبت أنها واجبة، فهى فرض من فروض الكفاية، لأنه لا خلاف أنه لا تلزم الصلاة على ميت جميع المؤمنين، وأنه إذا صلى بعضهم عليه، فقد أدى فرض الصلاة وسقط وجوبه عن سائرهم. مسألة: إذا ثبت ذلك، فالمنع من الصلاة على الميت يكون على ضربين، عام وخاص، فأما العام، فلمعنى فى الميت، ويكون على معنيين، فضيلة فى الميت ونقيصة، فأما الفضيلة، فإنها الشهادة فى سبيل الله، تسقط فرض الغسل والصلاة، وبهذا قال مالك والشافعى وأكثر الفقهاء. وقال أبو حنيفة: لا يغسل، ولكن لا يعرى من الصلاة عليه. وقال سعيد بن المسيب والحسن البصرى: يغسل ويصلى عليه. والدليل على ما نقوله حديث جابر بن عبدالله ((كان النبى 18 يجمع بين الرجلين من قتلى أحد فى ثوب واحد، وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة، وأمر بدفنهم (*) أخرجه بلفظه مسلم حديث رقم ٩٥٢، ٩٥٣. النسائى فى الصغرى حديث رقم ١٩٧٠. أحمد فى المسند حديث رقم ١٩٣٩٠. ... ٤٧١ کتاب الجنائز بدمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم)(١). ودليلنا من جهة القياس أن هذا معنى يمنع فرض الغسل، فمنع فرض الصلاة كعدم الاستهلال فى السقط. مسألة: وأما النقص، فالكفر وعدم الاستهلال فى السقط، فأما الكفر فلقوله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون﴾[التوبة: ٨٤] وأما الاستهلال، فإن به تعرف الحياة وإذا لم تصح حياته لم يصل عليه، وسيأتى ذكره بعد هذا مستوعبًا فى الفرائض إن شاء الله. مسألة: وهذا إذا كان الميت على هيئته، فإن كان مقطعًا، فروى ابن القاسم عن مالك فى العتبية: أن أكثر البدن يغسل ويصلى عليه، مجتمعًا كان أو مقطعًا. وقال ابن حبيب عن مالك: إن كان مجتمعًا صلى عليه، وإن كان مقطعًا لم يغسل ولم يصل عليه. وجه رواية ابن القاسم أن تقطيعه لا يبطل حرمته، ولا يسقط حكم الصلاة عليه؛ لأنه موجود. ووجه رواية عبدالملك أن تقطيعه منع غسله وإذا منع غسله بطل حكم الصلاة عليه كالشهيد ولأن فى غسله انتهاك الحرمة ومتابعة لما تقدم من التمثيل. فرع: فإن لم يوجد منه إلا رأس أو رجل، فقد قال مالك: لا يغسل، ولا يصلى عليه حتى يوجد أكثره. وقال ابن حبيب: يغسل ويصلى عليه، وينوى به الجملة. وجه قول مالك أن الأقل تابع للأكثر، فإذا غاب الأكثر كان بمنزلة مغيب جميعه ولا يصلى على غائب. وما قاله ابن حبيب يحتمل معنيين، أحدهما: تجويز الصلاة على الغائب، وسيأتى ذكره، والثانى: أنه لما وجد البعض لزمت الصلاة عليه، ولم يمكن إفراده بالصلاة، فوجب أن ینوی جمیعه. الباب الثانى فى صفة الصلاة على الميت أما صفتها، فأن يكبر فيها أربع تكبيرات، على حسب ما روى عن النبى ﴿4 فى هذه الصلاة على النجاشى، رحمه الله. مسألة: فإن كان الإمام ممن يكبر خمس تكبيرات، فقد روى ابن القاسم ومالك: (*) أخرجه البخارى حديث رقم ١٣٤٣، ١٣٤٥، ١٣٤٨، ٤٠٨٠. الترمذى حديث رقم ١٠٣٦. النسائى فى الصغرى حديث رقم ١٩٥٥. أبو داود حديث رقم ٣١٣٨. ابن ماجه حديث رقم ١٥١٤. أحمد فى المسند حديث رقم ١٣٧٧٧. ٤٧٢ كتاب الجنائز يقطع المأموم ولا يتبعه. وروى ابن الماجشون عن مالك: يسكت ولا يكبر معه، فإذا سلم، سلم معه. وقاله أشهب ومطرف. فوجه الرواية الأولى أن هذا أصل قد صار شعارًا لأهل البدع، فيجب إظهار الخلاف عليهم. ووجه الرواية الثانية أن هذا أمر كثر فيه الخلاف بين أهل العلم، ولا تفسد الصلاة إذا كان الإمام من أهل الدين والسنة، والخطأ إنما هو منه فى زيادة التكبير، فلا يتبعه فيها، وزيادة القيام فى الصلاة لا يمنع منه، ولا يمنع صحة الصلاة، فيقوم حتى يسلم بسلامه، وأما إن كان الإمام من أهل البدع، فلا يصلى معه ولا يقتدى به كبر أربعًا أو خمسًا. ورواية ابن القاسم أولى لأن الإجماع قد انعقد على بطلان الخامسة. مسألة: وهل يقف الإمام بعد الرابعة للدعاء؟. قال سحنون: يقف بعد الرابعة، ويدعو كما يدعو بين كل تكبيرتين، وقال سائر أصحابه: لا يقف بعد الرابعة ويسلم بأثرها. وجه ما قاله سحنون التكبيرة الآخرة من صلاة الجنازة، فكان الدعاء مشروعًا بعدها. أصل ذلك الأولى والثانية. ووجه القول الثانى أن الدعاء فى صلاة الجنازة بمنزلة القراءة فى غيرها، فلو دعا بعد الرابعة لاحتاج إلى تكبيرة تفصل بين القراءة والسلام كما يفصل الركوع بين القراءة والتسليم. فرع: وهل يرفع يديه مع كل تكبيرة؟ روى ابن وهب عن مالك أنه يستحب ذلك. وروى ابن القاسم عنه: لا يرفع فيما بعد الأولى، وروى ابن حبيب عن ابن القاسم لا يرفع فى الأولى ولا فى غيرها، والخلاف فى ذلك مبنى على الخلاف فى رفع اليدين فى صلاة الفريضة. مسألة: فإن فاته بعض التكبير صلى مع الإمام ما أدرك على ما نذكر بعد هذا إن شاء الله تعالى، فإذا سلم الإمام وأخذ فى القضاء، فهل يوالى التكبير أو يدعو بين كل تكبيرتين؟ قال القاضى أبو محمد: يدعو بين التكبير، أن لم يخف رفع الجنازة قبل فراغه، وإن خاف الرفع والى التكبير. وروى ابن القاسم فى المدونة: يكبر ما سبقه به الإمام تباعًا، ويحتمل أن يكون قال ذلك خوف رفع الجنازة، ويحتمل أن يكون خلافًا. وجه ما رواه القاضى أبو محمد أن صلاة الجنازة مقصودها الدعاء للميت، فلا يجوز الإخلال به مع التمكن منه، فإذا خاف القوات والى التكبير لئلا يصلى على الجنازة بعد ٤٧٣ كتاب الجنائز رفعها. ووجه رواية ابن القاسم إن حملناها على الخلاف أن أركان الصلاة هى التكبير، فعليه أن يأتى بها لأن الإمام قد حمل عنه الدعاء حين لم يدرك محله، وإن أراد أن يتماهل فى الدعاء وحده، كان مصليا على الجنازة صلاة مفردة بعد صلاة الجماعة. فصل: وقوله فى الحديث: ((فصفًّ بهم))، دليل على أن من سنة هذه الصلاة الصف كسائر الصلوات، ويتقدمهم إمامهم لأن هذه سنة كل صلاة شرع الصف لها، ولما روى أن النبى ﴿ مر على قبر منيوذ، فأمهم وصلوا خلفه. فصل: وقوله: ((وكبر أربع تكبيرات))، على ما ذكرناه من أن ذلك حكم الصلاة وصلاة النبى ﴿﴿ على النجاشى، وإن كان غائبًا فإنه يحتمل أن يكون مثل له، فرآه دون أن يراه غيره، ويحتمل أن يكون جاز له لأنه من المسلمين، وقد علم به النبى ﴿ فى وقت موته، ولذلك قال: نعى النجاشى للناس اليوم الذى مات فيه، وهذا لا يصح لأحد بعده، ويحتمل أن يجوز ذلك لأنه رجل من المسلمين . تيقن أنه لم يصل عليه، ولو كان بين المسلمين فصلوا عليه لم يصل عليه، والله أعلم، ولم يحفظ أن النبى ، صلى علی غيره ممن غاب عنه. مسألة: ومن غرق فى البحر أو قتل ولم يتمكن من غسله، أو أكله السبع فلم يبق منه شىء، فقد قال ابن حبيب: يصلى عليه كما فعل النبى 8 بالنجاشى. وقال غيره من أصحابنا: لا يصلى عليه. ووجه ذلك أن الصلاة على الميت إنما شرعت عند موته أو ما يقرب منه، وأما إذا بَعُد موته أو طالت مدته، فإنه لا يصلى عليه كما لا يصلى اليوم على أحد من الأمم الماضية ممن قتل ظلمًا وعلمنا أنه لم يصل عليه أو ممن غرق فى البحر فلم يصل عليه، ويحتمل أن يكون قول ابن حبيب فيمن عرف أمره، وعوين غرقه، أو أكل السبع له، فإذا لم يعلم ذلك إلا بعد أيام لم يصل عليه. ٥٢٨ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ بْنِ حُنَيْفٍ أَنْهُ أَخْبَرَهُ ٥٢٨- أخرجه النسائى فى الصغرى فى الجنائز حديث رقم ١٩٦٨، ١٩٨٠. قال ابن عبد البر فى التمهيد ٢٩٣/٤: لم يختلف على مالك فى الموطأ فى إرسال هذا الحديث، وقد روى موسى بن محمد بن إبراهيم القرشى، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبى أمامة بن سهل بن حنيف، عن رجل من الأنصار ((أن رسول الله ﴿3﴾، صلى على قبر امرأة بعدما دفنت، فكبر عليها أربعاء وهذا لم يتابع عليه، وموسى بن محمد هذا متروك الحديث .= كتاب الجنائز ٤٧٤ وَأَنَّ مِسْكِينَةً مَرِضَتْ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللّهِ ﴿ه بِمَرَضِهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ يَعُودُ الْمَسَاكِينَ وَيَسْأَلُ عَنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿َ: إِذَا مَأَتَتْ فَآذِنُونِى بِهَا، فَخُرِجَ بِحَازَتِهَا لَيْلًا، فَكَرِهُوا أَنْ يُوقِظُوا رَسُولَ اللّهِ ﴿ فَلَّمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ أَخْبِرَ بَالّذِى كَانَ مِنْ شَأْيِهَا، فَقَالَ: أَلَمْ آمُرُكُمْ أَنْ تُؤْذِنُونِى بِهَا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَرِهْنَا أَنْ نُخْرِجَكَ لَيْلًا وَنُوقِظَكَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللّهِ ﴿ حَتّى صَنفَّ بِالنّاسِ عَلَى قَبْرِهَا، وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِرَاتٍ». الشرح: قوله: (إن مسكينة مرضت، فأخبر رسول الله ﴿4 بمرضها))، دليل على اهتبال النبى ﴿ بأخبار ضعفاء المسلمين وتفقده لهم، ولذلك كان يخبر بمرضاهم. وقد أخبر أنه كان يعود ضعفاء المسلمين ويسأل عنهم، وذلك إخبار عن كريم خلق النبى ﴿﴿ وتواضعه، واهتباله بالضعفاء والمساكين، وعيادته لهم، وتأنيسه إياهم ورفقه بهم كما وصفه الله تعالى، وكان بالمؤمنين رحيما صلى الله عليه وسلم تسليما، ومن ذلك أمره / أن يؤذن بها إذا ماتت لئلا يخفى عليه أمرها، وليشاهد جنازتها، ويصل عليها، وليستغفر لها لأن لها من الحق فى دعائه وبركته كحق الأغنياء من المسلمين. فصل: وقوله: ((فخرج لجنازتها ليلاً))، الخروج بالجنازة من الليل جائز، وإن كان الأفضل ترك ذلك إلى النهار ليحضرها من أمكن من المسلمين دون مشقة، ولا تكلف خروج بالليل، فإن كان ذلك لضرورة فلا بأس به، روى ذلك علىّ بن أبى زياد عن مالك. فصل: وقوله: ((فكرهوا أن يوقظوا رسول الله ﴿))، تعظيمًا منهم للنبى ﴿ وإجلالاً وإشفاقًا عليه من أن يوقظوه فى وقت راحته، مع أن النبى 18 كان لا يوقظ من نومه لأنهم كانوا لا يدرون ما يحدث له فى نومه، ومقتضى ذلك تعجيلهم بالجنائز وظنوا أن الأمر بذلك آکد من أمره بأن يؤذنوه. وقد روى سعيد بن المسيب عن أبى هريرة أن رسول الله ، قال: أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم)). = وقد روى سفيان بن حسين هذا الحديث، عن ابن شهاب، عن أبى أمامة بن سهل، عن أبيه، عن النبی ۵، وهو حدیث مسند متصل صحیح، من غیر حديث مالك، من حديث الزهرى، وغيره، وروى من وجوه كثيرة عن النبى ﴿، كلها ثابتة. ............. ٤٧٥ كتاب الجنائز وقال ابن حبيب: لا يمشى بالجنازة الهوينا، ولكن مشية الرجل الشاب، وهذا إذا كانت فى البر، فإن كانت فى البحر، فعن ابن القاسم إن لم يرج البر قبل التغير غسل وصلی علیه، ورمى على شقه الأيمن. فصل: وقوله : ((ألم آمركم أن تؤذنونى)، تذكيرًا لهم بأمره إياهم ونهيًا لهم عن استدامة مثل هذا فى مثل هذه المرأة، وأن أمره لهم بذلك كان مؤكدًا وأن اهتباله بمثل هذه المرأة من الضعفاء والمساكين شديد، فاعتذروا إليه بأن المانع لهم من ذلك الإشفاق من إخراجه فى الليل وإيقاظه. فصل: وقوله: ((فخرج رسول الله (!))، يريد إلى موضع قبرها، ((حتى صف الناس على قبرها))، وهذا يقتضى أن الصفوف على الجنازة مسنونة كسائر الصلوات، وأن صلاة الجنازة جماعة، ولذلك لم يصل عليها وحده، وإن كان من يصلى على الميت النساء فقط، فقد قال ابن القاسم: يصلين أفذاذًا لأن هذه صلاة، فلم تكن المرأة فيها إمامًا كسائر الصلوات. وقال أشهب: تؤمهن امرأة منهن، ويحتمل أن تكون هذه الرواية مبنية على رواية ابن أيمن عن مالك فى إمامة المرأة. فصل: وقوله: ((فصف بالناس على قبرها، وكبر أربع تكبيرات)) بين فى الصلاة على القبر، وعلى هذا جمهور أصحابنا غير أشهب وسحنون، فإنهما قالا: إن نسى أن يصلى على الميت، فلا يصل على قبره، وليدع له. قال سحنون: ولا أجعله ذريعة إلى الصلاة على الجنائز فى القبور. وقال ابن القاسم وسائر أصحابنا: يصلى على القبر إذا فاتت الصلاة على الميت، فأما إذا لم تفت فلا يصلى عليه. وقال ابن وهب عن مالك: إن ذلك جائز، وبه قال الشافعى. والدليل على المنع من ذلك فيمن صلى عليه، أن هذا حكم يجب فيه بعد موته، فوجب أن لا يتكرر مع بقاء حكم الأصل كالغسل. وجه قول ابن وهب والشافعى تعلقها بصلاة النبى ) على هذه المرأة، والجواب أنه لا يجوز امتثاله لمعان، أحدها أن النبى * علل صلاته على القبور بما لا طريق لنا إلى العلم بأن حكم غيره فیه کحكمه، فقال: ((إن هذه القبور ممتلئة ظلمة، والله ينورها بصلاتى عليهم)). ووجه آخر، وهو أن النبى / كان هو المستحق للصلاة على الجنائز، والولى فيها فإذا صلى غيره لم يسقط فرض الصلاة عليها، وهذا قول جماعة من أصحابنا، ومنهم من قال: إن الفرض يسقط، ولا تعاد الصلاة، غير أنه كان منهم من دفنها حتى يصلى عليها، فقال: ((إن ماتت فلا تدفنوها حتى أصلى عليها)). ٤٧٦ کتاب الجنائز وروى أنه ﴿! قال: ((لا يموتن فيكم ميت ما دمت بين أظهر كم، إلا آذنتمونی به، فإن صلاتى له رحمة))(١). روى ذلك فى الوجهين أبو عبدالرحمن النسوى. فلما كان قد نهى أن تدفن حتى يصلى عليها لم تكن صلاتهم دونه تسقط فرض الصلاة عليها. ووجه ثالث، وهو أننا لا نقول: إنه لا يجوز أن يصلى على قبر بوجه، فيحتج علينا بأن النبى ﴿4﴾ صلى على قبر، وإنما نقول: إنه لا يجوز أن يصلى على قبر من قد صلى عليه قبل الدفن، فيجب أن يحتج علينا بأن النبى 48 صلى على قبركان قد صلى على من دفن فيه، ولا طريق لهم إلى إثبات ذلك وليس لهم أن يقولوا: إن هذه المسكينة قد صلى عليها إلا ولنا أن نقول: لم يكن صلى عليها، وإذا تساوى الدعوتان، لم يصح الاحتجاج بخبرها، على أنه قد روى من حديث جابر أنه لما دفن الرجل ليلا نهى النبى ﴿﴿ أن يدفن أحد ليلاً حتى يصلى عليه، وهذا دليل على أنه دفن بغير صلاة، ولو دفن بعد أن صلى عليه لما نهى أن يدفن حتى يصلى عليه كما أنه لما كفن وغسل لم يؤخر عن أن يدفن حتى يكفن ويغسل، ولكنه لما قصد فى كفنه، قال: ((من ولى منكم أخاه فليحسن كفته)،(*)، وإن صلى على ميت، فلما فرغوا من الصلاة، قال لهم الإمام: إنى لم أدع لهذا الميت، فذكر ابن حبيب أنه تعاد الصلاة عليه. مسألة: فلو صلى على ميت ونسى بعض التكبير، وذكره قبل الدفن، فإن كان بقرب رفعها أعيدت وأتم بقية التكبير، وذكره قبل الدفن، فإن تطاول ذلك استؤنف، فإن دفنت تركت، ولم تكشف، ولم تعد الصلاة عليها. وذكر فى العتبية نحوه، فإما إتمام الصلاة بالقرب وابتداؤها إذا تطاول فوجه صحيح؛ لأن اليسير من العمل لا يمنع البناء على ما تقدم من الصلاة، ويمنع من ذلك كثيره، وأما المنع من إعادة الصلاة بعد الدفن، فيحتمل أن يكون هذا القول مبنيًا على قول أشهب (١) جزء من حديث أخرجه الإمام أحمد فى المسند حديث رقم (١٨٫٩٥٨) من طريق هشيم، أخبرنا عثمان بن حکیم الأنصارى، عن خارجة بن زيد، عن عمه یزید بن ثابت، قال: خرجنا مع رسول الله﴿ فلما وردنا البقيع إذا هو بقير جديد، فسأل عنه، فقيل: "فلانة فعرفها: فقال: ((ألا آذنتمونى بها))، قالوا: يا رسول الله، كنت قائلا صائما، فكرهنا أن نؤذنك، فقال: ((لا تفعلوا لا یموتن فیکم میت ما کنت بین أظهر کم ألا آذنتمونی به فإن صلاتی علیه له رحمة»، قال: ثم أتى القبر فصفنا خلفه وكبر عليه أربعا. (*) أخرجه مسلم حديث رقم ٩٤٣. الترمذى حديث رقم ٩٩٥. النسائى فى الصغرى حديث رقم ١٨٩٥. أبو داود حديث رقم ٣١٤٨. ابن ماجه حديث رقم ١٤٧٤. أحمد فى المسند حديث رقم ١٣٧٣٢. ٠ ٤٧٧ کتاب الجنائز وسحنون: لا يصلى على القبر بوجه، والقياس أن يصلى على القبر إذا لم تكمل الصلاة على الميت لأنه بمنزلة من لم يصل عليه. مسألة: إذا ثبت أنه لا يصلى على قبر بعد أن تفوت الصلاة على الميت، فبأى شىء يفوت ذلك؟ قال أشهب: تفوت الصلاة على الميت خارج القبر بأن يهال عليه التراب ويخرج، وإن وضع عليه اللبن ما لم يهل التراب عليه. وقال عيسى عن ابن وهب فى العتبية: إذا سوى التراب، فقد فات إخراجه والصلاة عليه، وقاله يحيى بن يحيى. وروى عيسى عن ابن القاسم: أن ذلك لا يفوت حتى يخاف عليه التغيير، وأن يخرج ما لم يخف التغيير عليه. وجه قول أشهب أن وضع اللبن هو من بنيان داخل القبر، وأما إهالة التراب، فهو الشروع فى الدفن والتغطية، وإنما يفوت بالدفن. ووجه قول ابن وهب أن الفراغ من الدفن تسوية التراب، وبه يقع الفراغ. ووجه قول ابن القاسم أنه لا تأثير للتراب وتسويته ذلا مضرة على الميت فى إزالته ولا هتك فى ذلك لحرمته ما لم يخف التغيير عليه، فإن خيف التغيير عليه، امتنع إخراجه لما فى ذلك من هتك حرمته. ٥٢٩ - مَالِكِ أَنْهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنِ الرَّجُلِ يُدْرِكُ بُعْضَ التِّكْبِيرِ عَلَى الْجَنَازَةِ، وَيَفُوتُهُ بَعْضُهُ، فَقَالَ: يَقْضِى مَا فَاتَهُ مِنْ ذَلِكَ. الشرح: التكبيرات الأربع، هى أركان صلاة الجنازة كركعات الصلاة وبها شبهها عمر بن الخطاب حين أجمعوا على أنها أربع تكبيرات كأطول صلاة الفرض، فمن جاء فوجد الإمام قد كبر بعض التكبير، فلا يخلو أن يجده فى حال تكبير أو فى حال دعاء، فإن وجده فى حال تكبير، کبر معه ما أدر كه من التكبير، وإن وجده فى حال دعاء، فهل يكبر ويدعو؟. روى أشهب عن مالك فى العتبية: يكبر ويشرع فى الدعاء، وروى عنه فى المدونة: ينتظر حتی یکبر أخری، فیکبر معه. ٥٢٩- أخرجه النسائى ٤٠/٤ عن أبى أمامة بن سهل بن حنيف كتاب الجنائز باب الإذن بالجنازة. والشافعى فى بدائع السنن برقم ٥٦٥، ٢١٤/١ عن أبى أمامة بن سهل .. وابن عساكر كذا بتهذيب تاريخ دمشق ٧/٣ عن سهل بن حنيف. وذكره فى الكنز برقم ٤٢٨٦٩ وعزاه السيوطى لابن عساكر عن أبى أمامة بن سهل بن حنيف. ٤٧٨ كتاب الجنائز وجه رواية أشهب ما احتج به من أن هذه الصلاة شبهت بصلاة الفرض، ومن فاته فى الفرض بعض صلاة الإمام دخل معه على أى حال وجده، ولم ينتظر أن يشرع فى غيره، فكذلك هذا. ووجه رواية على بن زياد أن التكبير فى هذه الصلاة كالركوع فى غيرها، فمن فاته ركعة من صلاة الفرض لم يقدمها ثم يدخل مع الإمام، بل كان يؤخر قضاءها حتى يكمل ما أدرك من صلاة الإمام، فكذلك هذا يبدأ بما أدرك من التكبير مع الإمام. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: ووجه ذلك عندى أن الخلاف إنما بنى على فوات اتباع المأموم الإمام فى التكبير، فعلى رواية أشهب يجوز للمأموم أن يتبع الإمام فى التكبير ما لم تكمل التكبيرة التى تليها، وعلى رواية على يفوت اتباعه بالشروع فى الدعاء، فإن شرع فى الدعاء فقد فاته اتباعه، وليس من حكم صلاة الجنازة أن يعمل منها ما لا يعتد به، فلذلك لزم المأموم انتظار الإمام حتى يكبر فيتبعه فى تكبيرته تلك، إذ قد فاته اتباعه فى التى قبلها بالشروع فى الدعاء. مسألة: فإذا تم ما أدرك من صلاة الجنازة قضى ما فاته من التكبير خلافًا للحسن. والدليل على ما نقوله أن هذه صلاة، فإذا فات المأموم بعض أركانها قضاه بعد تمام ما أدرك مع الإمام كصلاة الفريضة. ما يقول المصلى على الجنازة ٥٣٠ - مَالِك، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ أَبِيهِ أَنّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةً كَيْفَ تُصَلِّى عَلَى الْجَنَازَةِ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا لَعَمْرُ اللّهِ أُخْبِرُكَ، أَتْبِعُهَا مِنْ أَهْلِهَا، فَإِذَا وُضِعَتْ كَبَّرْتُ وَحَمِدْتُ اللَّهَ، وَصَلَيْتُ عَلَى نَبِّهِ، ثُمَّ أَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنّهُ عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ، كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ، اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِى إِحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيْئًا فَتَجَاوَزْ عَنْ سَيَِّاتِهِ، اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلا تَفْتِنَا بَعْدَهُ. الشرح: سؤاله أبا هريرة كيف نصلى على الجنازة؟ استخبار عن صلاة الجنازة ٥٣٠- ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤٩٦. ابن أبى شيبة فى المصنف ٢٩٥/٣. عبد الرزاق فى المصنف ٦٤٢٥. ابن حبان فى صحيحه ٣٠٧٣. وذكره فى المجمع ٣٣/٣. ٤٧٩ کتاب الجنائز خاصة، وجاوبه أبو هريرة بالاتباع من أهلها، فعمله بذلك إذا تبعها مشروع. وقوله: ((فإذا وضعت كبرت))، يريد أن الصلاة متصلة بالوصول والوضع فى الأرض إلا أن يتلوى للناس الواردين شيئًا يسيرًا. فصل: قوله: ((وحمدت الله وصليت على نبيه))، إعلام بأن استفتاح الصلاة بعد التكبير بالحمد لله والصلاة على نبيه، إلا أنه ليس فيه نطق معين لا يحدث غيره، ولا خلاف فى ذلك، وإنما ذكر أبو هريرة ما دعا به. ٥٣١ - مَالِك، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ أَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِى هُرَيْرَةَ عَلَى صَبِى لَمْ يَعْمَلْ خَطِيئَةٌ قَطُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. الشرح: قوله: ((صلى على صبى لم يعمل خطيئة قط))، الصلاة على الصبى قربة له ورغبة فى إلحاقه بصالح السلف، ولا خلاف فى وجوب الصلاة عليه(١). وقوله: ((اللهم أعذه من عذاب القبر))، يحتمل أن يكون أبو هريرة اعتقده لشىء سمعه من النبى 8 وأن عذاب القبر عام فى الصغير والكبير، وأن الفتنة فيه لا تسقط عن الصغير لعدم التكليف فى الدنيا (٢) . ٥٣١- ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤٩٧. ابن أبى شيبة فى المصنف ٣٠١/٣. (١) قال فى الاستذكار ٢٥٨/٨: فى هذا الحديث من الفقه: الصلاة على الأطفال، والسنة فيها كالصلاة على الرجال بعد أن يستهل الطفل. وعلى هذا جماعة الفقهاء وجمهور أهل العلم، والاختلاف فيه شذوذ، والشذوذ قول من قال: لا يصلى على الأطفال، وهو قول تعلق به بعض أهل البدع، وللفقهاء قولان فى الصلاة على الأطفال. قال أحدهم: ما يصلى على السقط منهم وغير السقط. والثانى: لا يصلى على الطفل حتى يستهل صارخًا. والقول الذى تركه أهل الفتوى بالحجاز والعراق: أن لا يصلى على الطفل. روى عن سمرة بن جندب، وسعد بن جبير، وسويد بن غفلة. وممن قال: لا يصلى عليه حتى يستهل صارخًا: الزهرى، وإبراهيم النخعى، والحكم بن عيينة، وحماد، والشعبى، ومالك، والشافعى، وسائر الفقهاء بالكوفة والحجاز. وممن قال: يصلى على السقط وغيره: أبو بكر الصديق وعبد الله بن عمر. وروى عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال فى السقط: يقع ميتا إذا تم خلقه ونفخ فيه الروح صلى عليه. وهو قول ابن أبى ليلى وابن سيرين. وروى عن النبى و8 7 من حديث المغيرة بن شعبة أنه قال: ((الطفل يصلى عليه)). وهذا يحتمل أن يكون يصلى عليه إذا استهل. وذكر ابن أبى شيبة قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أنه صلى على سقط. (٢) قال السيوطى فى تنوير الحوالك ١٧٧: قال ابن عبد البر: عذاب القبر غير فتنة القبر= ٤٨٠ كتاب الجنائز وقد روى أنس أن النبى ﴿ قال: ((إن العبد إذا وضع فى قبره، وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيقعد إنه فيقولان: ما كنت تقول فى هذا الرجل محمد ﴿﴿؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقولان له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله مقعدًا من الجنة، فيراهما جميعًا، وأما المنافق والكافر فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدرى، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت، ويضرب مطارق من حديد)(٣) . ٥٣٢ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لا يَقْرَأُ فِى الصَّلاةِ عَلَى الْجَنّازَةِ. الشرح: قوله: ((كان لا يقرأ فى الصلاة على الجنازة))، هذا مذهب مالك وأبى حنيفة والثورى وقال الشافعى وأحمد وإسحاق: يقرأ فيها بأم القرآن فى أول ركعة خاصة، ويدعو فى سائرها، وبه قال أشهب. وقال الحسن: يقرأ فاتحة الكتاب فى كل تكبيرة. والدليل على ما نقوله أن هذا ركن من أركان الصلاة، فلم يكن من شرط صحته قراءة أم القرآن كسجود التلاوة. الصلاة على الجنائز بعد الصبح وبعد العصر ٥٣٣ - مَالِك، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ أَبِى حَرْمَلَةَ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى سُفْيَانَ بْنِ حُوَّيْطِبٍ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِى سَلَمَةَ تُوُفِيَتْ، وَطَارِقٌ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ، فَأُتِىَ بِحَنَازَتِهَا بَعْدَ =ولو عذب الله عباده أجمعين كان غير ظالم لهم، وقال بعضهم ليس المراد بعذاب القبر هنا عقوبته ولا السؤال بل مجرد الألم بالغم والهم والحسرة والوحشة والضغطة، وذلك يعم الأطفال وغيرهم. (٣) أخرجه البخارى حديث رقم (١٣٣٨، ١٣٧٤). مسلم حديث رقم (٢٨٧٠). النسائى فى الصغری حديث رقم (٢٠٥١). أبو داود حديث رقم (٣٧٥١). أحمد فى المسند حديث رقم (١١٨٦٢). ٥٣٢- ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤٩٨. ابن أبى شيبة ٢٨٧/٣. كشف الغمة ١٦٩/١. المحلى ١٣١/٥. ٥٣٣- ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤٩٩. البيهقى فى السنن الكبرى ٣٢/٤. ٤٨١ ... كتاب الجنائز صَلاةِ الصُّبْحِ، فَوُضِعَتْ بِالْبَقِيعِ، قَالَ: وَكَانَ طَارِقٌ يُغَلِّسُ بِالصُّبْحِ. قَالَ ابْنُ أَبِى حَرْمَلَةَ: فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ لأَهْلِهَا: إِمَّا أَنْ تُصَلُّوا عَلَى جَنَازَيِكُمُ الآنَ وَإِمَّ أَنْ تَتْرُكُوهَا خَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ. الشرح: قوله: ((أتى بجنازتها))، يعنى أتى بها إلى موضع الصلاة عليها، وقد صلى طارق الصبح، وهذا قبل الإسفار؛ لأنه كان يغلس بصلاته، فقال عبدالله لأهلها: ((إما أن تصلوا على جنازتكم الآن))، يريد عند ابن القاسم قبل الإسفار، وإما أن تتركوا حتى ترتفع الشمس فتجوز الصلاة عليها ويخرج وقت المنع؛ لأن وقت المنع عنده هو من أول الإسفار إلى أن ترتفع الشمس وتجوز النوافل. وفى هذه مسألتان، إحداهما: جواز الصلاة عليها بعد الصبح، والثانية: المنع من ذلك بعد الإسفار إلی أن ترتفع الشمس. والدليل على جوازها بعد صلاة الصبح أن هذه صلاة فرض، فلم يمنع فعلها قبل الإسفار كسائر الفرائض. ووجه المنع من فعلها بعد الإسفار حديث ابن عمر المتقدم أن رسول الله قال: «لا تتحروا بصلاتكم، فتصلوا عند طلوع الشمس ولا عند غروبها،(١). فوجه الدليل منه أن الصلوات فى الجملة ممنوعة فى ذلك الوقت، وإنما يجوز فعل صلاة الوقت فيها خوف فوات وقتها، وأما صلاة الجنازة فإنه لا يخاف فوات وقتها، ولو خيف فوات وقتها بالضرورة إلى الدفن خوف تغيره أو غيره، جاز أن يصلى عليها ذلك الوقت وغيره خوف الفوات كصلاة الصبح. ٥٣٤ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: يُصَلَّى عَلَى الْحَنَازَةِ بَعْدٌ الْعَصْرِ وَبَعْدَ الصُّبْحِ إِذَا صُلْنَا لِوَ قْتِهِمَا. الشرح: قوله: ((يصلى على الجنازة بعد العصر وبعد الصبح)، يريد بعد هاتين الصلاتین. وقوله: ((إذا صليتا))، يحتمل أن يريد صلاة الجنازة بعد الصبح وبعد العصر، وذلك (١) تقدم تخريجه فى باب النهى عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر. ٥٣٤- ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٠٠. عبد الرزاق فى المصنف ٥٣٢/٣. كشف الغمة ١٧٧٠/١. المغنى ٥٥٥/٢. ٤٨٢ کتاب الجنائز أولى من أن يريد به إذا صليت الصلانان صلاة الصبح وصلاة العصر لوقتهما لأنه قد تصلى الصلاتان فى آخر وقتهما ولا يصلى بعدهما على الجنازة إلا أن يريد به إذا صليتا فى أول وقتهما، وهو تكلف من التأويل، والأول أظهر. فصل: وقوله: ((لوقتهما))، يحتمل أن يريد لوقت الصلاتين، وهو الوقت المختار لهما فى العصر إلى أن تصفر الشمس، وفى الصبح إلى الإسفار، وهو رواية ابن القاسم فى المدونة، وفى المختصر: يصلى عليها إلا عندما تهم الشمس أن تطلع وعندما تهم أن تغرب ويصفر أثرها فى الأرض، فلا تصلى عليها إلا أن يخاف عليها(١). وقوله: ((هذا فى الصبح))، مبنى على أن الوقت المختار للصبح جميع وقتها، وأنه ليس لها وقت ضرورة. ورواية ابن القاسم مبنية على أن لها وقت ضرورة، وهو من الإسفار إلى طلوع الشمس، ويحتمل أن يريد بقوله إذا صليتا لوقتهما، لوقت صلاتى الجنازتين على ما تقدم، والله أعلم. (١) قال ابن عبد البر في الاستذكار ٢٦٩/٨: اختلاف الفقهاء أئمة الفتوى فى ذلك: فقال مالك فى رواية ابن القاسم عنه: لا بأس بالصلاة على الجنائز بعد العصر ما لم تسفر الشمس فإذا اصفرت لم يصل عليها إلا أن يكون يخاف تغيرها، فإن خيف ذلك صلى عليها. قال: ولا بأس بالصلاة على الجنائز بعد الصبح مالم يسفر فإذا أسفر فلا تصلوا إلا إن تخافوا عليها. وهذا معنى الحديثين المتقدمين عن ابن عمر ومذهب ابن عمر معلوم قد تقدم ذكره أنه لا يمنع من الصلاة إلا عند الطلوع أو الغروب. وقد ذكر ابن عبد الحكم، عن مالك: أن الصلاة على الجنائز جائزة فى ساعات الليل والنهار عند طلوع الشمس وعند غروبها فى كل وقت. وهو قول الشافعى. قال الشافعى: يصلى على الجنائز فى كل وقت. لأن النهى عنده إنما فى التطوع لا فى الواجب ولا فى المسنون من الصلوات. وقال الثورى: لا يصلى على الجنائز إلا فى مواقيت الصلاة، ويكره الصلاة عليها نصف النهار وحين تغرب الشمس وبعد الفجر حتى تطلع الشمس. وقال الليث أيضًا: لا يصلى عليها ما دام فى ميقات العصر فإذا ذهب وقت العصر لم يصل عليها حتى تغرب الشمس. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يصلى عليها عند الطلوع ولا عند الغروب ولا نصف النهار، ويصلى عليها فى غيرها من الأوقات. وحجتهم: حديث عقبة بن عامر، رواه الليث بن سعد، وعبد الله بن وهب، ووكيع وغيرهم، عن موسى ابن على، عن أبيه، عن عقبة بن عامر، قال: ثلاث ساعات نهى رسول الله ﴿ أن نصلى فيهن أُو نقبر فیھن موتانا: عند طلوع الشمس حتی تبیض، وعند انتصاف النهار حتى تزول، وعند اصفرار الشمس حتى تغيب. ٤٨٣ كتاب الجنائز مسألة: فإن أخر الصلاة حتى تغرب الشمس، فروى ابن القاسم وابن وهب عن مالك: يبدأ بصلاة المغرب ثم يصلى على الجنازة، وذلك لضيق وقت المغرب أو لفضيلة تقدمها، وأما صلاة الجنازة فليس بعض الأوقات أخص بها من بعض، فإن صلى عليها قبل صلاة المغرب، فلا بأس بذلك إن وجد سعة وقت المغرب، والله أعلم. * الصلاة على الجنائز فى المسجد ٥٣٥ - مَالِكِ، عَنْ أَبِى النّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النِّىِّ ﴿ أَنْهَا أَمَرَتْ أَنْ يُمَرَّ عَلَيْهَا بِسَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ فِى الْمَسْجِدِ حِينَ مَّاتَ لِتَدْعُوَ لَهُ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ النّاسُ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: مَا أَسْرَعَ [ما نَسِىَ](١) النّاسَ مَا صَلَّى رَسُولُ اللّهِ ﴿ عَلَى سُهَيْلٍ بْنِ بَيْضَاءَ(١) إِلَا فِى الْمَسْجِدٍ. الشرح: قوله: «أنها أمرت أن يمر علیھا بسعد بن أبى وقاص فى المسجد»، یرید أن حجرتها كانت فى المسجد، فلذلك كانت تريد أن يمر فى المسجد لتصل هى إلى الدعاء له بحضرته؛ لأن مشاهدته تدعو إلى الإشفاق عليه، وتمنع تأخير الدعاء له، وتحث على الاجتهاد؛ ولذلك يسعى إلى الجنائز ولا يجتزئ من يريد الصلاة عليها والدعاء لها بما يأتى من ذلك فى منزله. فصل: وإنما أمرت عائشة أن يمر على حجرتها به؛ لتدعو له لامتناعها هى وسائر ٥٣٥- أخرجه مسلم فى الجنائز حديث رقم ٩٧٣. والترمذى فى الجنائز حديث رقم ٩٥٤. والنسائی فی الصغری فی الجنائز حديث رقم ١٩٦٦، ١٩٦٧. وأبو داود فى الجنائز حديث رقم ٣١٨٩، ٣١٩٠. وابن ماجه فى الجنائز حديث رقم ١٥١٨. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٣٩٧٧، ٢٤٤٩٣، ٢٤٩٢٩، ٢٥٧١٣. قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣٠٤/٤: هكذا هو فى الموطأ عند جمهور الرواة منقطعا، ورواه حماد بن خالد الخياط عن مالك، عن أبى النضر، عن أبى سلمة، عن عائشة، فانفرد بذلك عن مالك. (*) وقعت فى الموطأ بدون ذكر ((ما نسى)) فى النسخ التى بين يدى، وذكرها هكذا أيضًا ابن عبد البر فى التمهيد، وأوردها الباجى هنا والسيوطى فى تنوير الحوالك. (١) سهيل ابن بيضاء: بيضاء هى أمه واسمها دعد والبيضاء وصف لها، وأبوه وهب بن ربيعة القرشى الفهرى، وكان سهيل قديم الإسلام هاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة وشهد بدرًا وغيرها. ومات سنة تسع من الهجرة. انظر: تنوير الحوالك ١٧٨/١. ٤٨٤ كتاب الجنائز أزواج النبى 18 من الخروج مع الناس إلى جنازته لكراهية خروجهن إلى الجنائز. وقد قال ابن حبيب: يكره خروج النساء فى الجنائز، وإن كن غير نوائح ولا بواكى فى جنازة الخاص من قرابتهن وغيره، وینبغی للإمام منعهن من ذلك. وفى المدونة من قول ابن القاسم، أن مالكًا كان يوسع للنساء فى الخروج مع الجنائز. وجه العتبية من رواية ابن القاسم عن مالك، قد كان النساء يخرجن قديمًا ولا أرى بذلك بأسًا إلا فى الأمر المستنكر. وجه رواية الكراهية ما روى عن أم عطية ((نهينا عن اتباع الجنائز ولم يلزم علينا)(١). ووجه رواية الإباحة، إباحة الخروج لهن إلى المساجد، وهذا خروج إلى صلاة سن لها البرازة كالخروج إلى المساجد. فرع: فإذا قلنا برواية الإباحة، فإن ذلك على ضربين، فأما المتحالة ومن قرب من ذلك، فلتخرج على القريب وغيره، وأما الشابة، فقد قال فى المدونة: تتبع جنازة ولدها ووالدها ومثل زوجها وأختها ممن يخرج مثلها على مثله. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: يريد بذلك عندى قرب القرابة، وأما من لم يكن من هؤلاء، فيكره أن تخرج الشابة لجنازته، قاله ابن القاسم فى المدونة والمبسوط. ووجه ذلك أن الشابة خروجها فتنة لها ولغيرها، فلا تخرج فى المحافل إلا فى الحقوق اللازمة المذكورة، والله أعلم. فصل: وقولها (لتدعو له))، يحتمل أن تريد بذلك أن تصلى عليه بحيث يمكنها فى الصلاة عليه من بيتها، ويحتمل أن تريد به الدعاء خاصة، فإذا قلنا بالقول الأول، فإنه يقتضى صلاة النساء على الجنائز، وهذا الذى يقتضيه مذهب مالك. وقال الشافعی: لا یصلی النساء على الجنائز. والدليل على صحة ذلك أن هذه صلاة يصح أن يفعلها الرجال، فصح أن يفعلها النساء كصلاة الجمعة، وهل يجوز أن يفعلها النساء دون الرجال؟ قال ابن القاسم وأشهب: يجوز ذلك، وإن اختلفا فى صفتهما. فصل: وقوله: ((فأنكر ذلك الناس عليها))، يريد أنكروا عليها إدخال الميت فى المسجد، ولذلك قال مالك: لا يصلى على الميت فى المسجد، إلا أن تكون الجنازة فى (*) أخرجه البخارى حديث رقم ١٢٧٨. مسلم حديث رقم ٩٣٨. ابن ماجه حديث رقم ١٥٧٧. ٤٨٥ كتاب الجنائز .٣. غير المسجد، فيصلى من المسجد عليها لضيق الموضع، فلا بأس به، وبه قال أبو حنيفة، وأجازه ابن حبيب، وبه قال الشافعی. وجه القول الأول أن لهذه الصلاة موضعًا يختص بها ولا يفعل فى المسجد إلا لضرورة كصلاة العيدين. وقد روى نحو هذا عن ابن سحنون. ووجه القول الثانى أن هذه صلاة سن لها الجماعة، فجاز أن تفعل فى المسجد من غير ضرورة كسائر الصلوات. وأما منع إدخال الميت المسجد فإنه تغرير بالمسجد وامتهان له لئلا يتفتق فيسيل منه ما يؤذى المسجد، وهذا على قول من قال: إنه طاهر، وعلى قول من قال: إنه نجس، فلا يدخل المسجد لنجاسته. فصل: وقولها: (ما أسرع الناس))، يحتمل أن تريد به ما أسرعهم إلى الإنكار والعيب، ويحتمل أن تريد ما أسرع نسيانهم لحكم ما أنكروه عليها. قال ابن وهب: ما أسرع الناس، تريد إلى الطعن والعيب، قال: وسمعت مالكًا يقول: يعنى ما أسرع ما نسوه من سنة نبيهم فصل: وقولها: (ما صلى رسول الله (43 على سهيل بن بيضاء إلا فى المسجد)، تريد بذلك الحجة لما أنكروه، ويحتمل من وجهين، أحدهما أن يصلى عليها وهى فى المسجد، والثانى أن يصلى وهو فى المسجد، والجنازة خارج المسجد، وعلى هذا حمله من أنكر إدخالها فى المسجد، فإن صلى عليها وهى فى المسجد، فقد قال الداودى: تمضى الصلاة ويسقط الفرض. ٥٣٦ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: صُلَّىَ عَلَى عُمَرَ بْنٍ الْخَطَّابِ فِى الْمَسْجِدِ. الشرح: معناه ما تقدم من أن يكون صلى عليه، وهو خارج المسجد والمصلون عليه فى المسجد، ويحتمل أن یکون صلی علیه فى الموضع الذی دفن فیه، وقد كان من المسجد، وله الآن حكم المقابر، وكذلك المسجد إذا كان فيه مقبرة فلا بأس أن يصلى فى موضع المقابر منه على ميت. ٥٣٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٠٢. ٤٨٦ کتاب الجنائز جامع الصلاة على الجنائز ٥٣٧ - مَالِكِ أَنَّهُ بَغَهُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ وَعَبْدَ اللّهِ بْنَ عُمَرَ وَأَبَا هُرَيْرَةً كَانُوا يُصَلُّونَ عَلَى الْحَنَائِ بِالْمَدِينَةِ، الرِّحَالِ وَالنّسَاءِ، فَيَجْعَلُونَ الرِّجَالَ مِمَّا يَلِى الإِمَامَ، وَالنِّسَاءَ مِمَّا يَلِى الْقِيْلَةَ. الشرح: قوله: (كان يصلون على الجنائز بالمدينة)»، يحتمل أن يكون عثمان وأبو هريرة يصليان عليها للإمام، وأن يكون عبدالله بن عمر كان يصلى عليها، إما لصلاحه وخيره، ويحتمل أن يكون ذلك لأن كل واحد منهم كانت له جنازة فى الجملة، والجنازة يصلى عليها بثلاثة معان، الولاية وهى الإمارة، والثانى الولاء والتعصيب، والثالث التعصيب والدین. فإذا انفرد کل واحد من هذه المعانی مثل أن يموت أحد من المسلمین، فلا یکون له ولى ولا يحضر من يشار إليه بصلاح، ويحضر الوالى، لا خلاف أن يصلى عليه لأن هذه صلاة جماعة يحضرها الوالى، فكان أحق بالتقدم عليها كصلاة الفرض، وإن حضره ولى ولم يحضره والٍ ولا رجل مشهور بالصلاح، فإن الولى أولى بالصلاة عليه لأن الصلاة على الجنائز من حقوق الميت، ومن حقوق الولى، فإنه أحق بالقيام بها من الأجانب کسائر أموره من مواراته. وكذلك إن حضره رجل مشهور بالصلاح، ولم يحضره والٍ ولا ولى، فإن أحق الناس بالصلاة عليه الرجل الصالح لما يرجى من بركة دعائه وفضله وصلاته للميت. مسألة: فإن اجتمع هؤلاء ثلاثتهم فى جنازة، فأحقهم بالصلاة عليه الوالى، وبه قال أبو حنيفة والشافعى. والدليل على ذلك ما روى عن أبى حازم، قال: شهدت حسينًا حين مات الحسن، وهو يدفع فى قفا سعيد بن العاصى، وهو يقول: تقدم، فلولا السنة ما قدمناك، وسعيد أمير المدينة يومئذ. ودليلنا من جهة القياس أن هذه صلاة سن لها الجماعة، فكان الوالى أحق بإمامتها كصلاة الجمعة والعیدین. مسألة: ومن الوالى الذى يستحق الصلاة على الجنازة، ويكون أولى بها من الولى؟ روى على بن زياد عن مالك أن ذلك من إليه الصلاة من والٍ أو قاضٍ أو صاحب شرطة، وبه قال ابن القاسم. ٥٣٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٠٣. ٤٨٧ كتاب الجنائز وقال مطرف وابن الماجشون وأصبغ: إنما ذلك إلى الأمير الذى تؤدى إليه الطاعة خاصة دون سائر الأئمة الحكام. وقال ابن وهب: إن ذلك للقاضى. وروى عن ابن القاسم، أن ذلك لمن كانت إليه الصلاة. مسألة: فإذا لم يكن وال، فأحق الناس بالتقديم الولى إذا كان ممن تصح إمامته، ويستحق ذلك بالتعصيب، فأقوى عصبته تعصيبًا، وأقربهم منه أحقهم بذلك كالولاية فى النكاح. مسألة: وإذا اجتمع جنازتان، فأكثر لكل واحدة منهما ولى، فقد قال مالك: إن أحقهم بالصلاة أفضلهم، وإن كان ولى امرأة، وغيره ولى رجل. قال ابن الماجشون: أحقهم ولى الرجل. وجه القول الأول أنهما قد تشاركا فى الولاية لاستحقاق كل واحد منهما ذلك بسبب وليه، وللفاضل مزية الفضل، فوجب أن يتقدمه. ووجه القول الثانى، أن كل واحد منهما يستحق التقديم بسبب وليه الميت، فوجب أن يتقدم من يستحق ذلك بسبب الرجل كما يقدم الرجل فى الصلاة. فصل: قوله: ((كانوا يصلون على الجنائز بالمدينة، الرجال والنساء))، يريد أنهم كانوا يجمعون الجنائز، فيصلون عليها صلاة واحدة تجزئ عن إفراد كل واحد منهم بصلاة، ولا خلاف فى جواز ذلك. وترادف الجنائز بعضها على بعض على ضربين، أحدهما: أن تأتى جنازة بعد أن يشرع فى الصلاة على غيرها، فهذه قد فات الجمع بينهما، فيتم الصلاة على الأولى، ثم يستأنف على الثانية، والضرب الثانى أن تأتى جنازة قبل أن يشرع فى الصلاة على غيرها، فهذا لا خلاف فى جواز جمعها والصلاة عليها ما كانت. فصل: وقوله: ((فيجعلون الرجال مما يلى الإمام والنساء مما يلى القبلة)، هذا نوع من ترتيب الجنائز فى الصلاة عليها، وهو على نوعين، أحدهما: ما ذكره أن يقدم الفضيلة إلى جهة الإمام، ويجعل غيره إلى جهة القبلة، وهى الجهة التى تبعد عن الإمام. والنوع الثانى: أن يجعلوا صفًا واحدًا ويقوم الإمام وسط ذلك، فيجعل مستحق الفضيلة هذا الإمام، ويجعل غيره عن يمينه وعن يساره(١). (١) قال فى الاستذكار: على ما ذكره مالك عن عثمان وابن عمر وأبى هريرة أكثر العلماء فى موضع الرجال يلون النساء والنساء أمامهم. روى ذلك عن عثمان، وأبى هريرة، وابن= ٤٨٨ كتاب الجنائز مسألة: فإن اجتمعت جنائز، رجال وصبيان ونساء، وأحرار وعبيد، فإنه يلى الإمام الأحرار من الرجال، ثم الصبيان الأحرار، ثم الرجال العبيد، ثم النساء الحرائر، ثم إناث الصبيان، ثم إماء النساء. قال ابن حبيب: وهكذا قال لى من لقيت من أصحاب مالك. ووجه ذلك أن الفضائل المعتبرة فى الناس بالأحوال والتقدم هى الذكورة والبلوغ والحرية، كما أن النقائص ثلاثة، وهى الأنوثة والصغر والرق، فيجب أن يقدم فى الصلاة من كملت له الفضائل وسلم من النقائص، وهو الذكر الحر البالغ، والأنوثة أبعد من هذا من الصغر والعبودية لأنهما يزولان، والأنوثة معنى ثابت، فلذلك قدم الصغير والعبد على المرأة وقدم الصغير على العبد لأنه أكمل حالاً لأن رتبته من صغره رتبة الحر البالغ ولأن الصغير لا يقدر أحد على منعه من زوال هذا النقص وبلوغ حال الكمال، والعبد يستطاع منعه من ذلك، وعلى حسب هذا يتوجه ترتيب النساء بعضهن على بعض. =عمر من وجوه، وروى ذلك أيضًا عن أبى قتادة الأنصارى، وزيد بن ثابت، وأبى سعيد الخدرى، وواثلة بن الأسقع، والحسن، والحسين، وعن الشعبى، وإبراهيم النخعى، وسعيد بن المسيب، والزهرى. واختلف فى ذلك عن عطاء. كل ذلك من كتاب عبد الرزاق، وأبى بكر ابن أبى شيبة من طرق شتى حسان كلها. وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج، عن نافع، أن ابن عمر صلى كذلك على جنازة فيها ابن عباس، وأبو هرية، وأبو سعيد الخدرى، وأبو قتادة، والأمير يومئذ سعيد بن العاص فسألهم عن ذلك أو أمر من سألهم؟ فقالوا: هى السنة. وفى المسألة قول ثان: ذكر عبد الرزاق عن معمر، عن رجل، عن الحسن، قال: الرجال يلون القبلة، والنساء يلون الإمام. وذكر أبو بكر، قال: حدثنا عبد الله بن رجاء، عن عبيد الله بن عمر، عن سالم والقاسم، قالوا: النساء مما يلى الإمام والرحال مما يلى القبلة. قال: وحدثنا ابن علية، عن ليث، عن عطاء، قال: الرجال بين يدى النساء. وعن مسلمة بن مخلد أنه كان يصلى مصر كذلك على الجنائز. وفيها قول ثالث: عن عبد الله بن معقل، ومحمد بن سيرين، قالا: يصلى على الرجال أو الرجال على حدة، وعلى النساء أو على المرأة على حدة. قال أبو بكر: وحدثنا ابن علية، عن أيوب، عن ابن سيرين، أنه قال فى جنائز الرجال والنساء: إن أبا السوار لما اختلفوا عليه صلى على هؤلاء ضربة وصلى على هؤلاء ضربة. قال أبو عمر: القول الأول أعلى وأولى لما فيه من الصحابة. وقد قالوا إنها السنة، وعليها جماعة الفقهاء. ........... ٤٨٩ كتاب الجنائز . ٥٣٨ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا صَلَّى عَلَى الْحَنَائِرِ يُسَلِّمُ حَتِی یُسْمِعَ مَنْ یَلِیهِ. الشرح: قوله: ((كان يسلم)) سلام التحليل من الصلاة؛ لأنها صلاة شرع لها تكبير يدخل به فيها، فوجب أن يخرج منها بتسليم كصلاة الفرض(١). وقوله: ((حتى يسمع من يليه)»، يريد من يقرب منه من المصلين لأن ذلك إذن لهم بتمام الصلاة، وهى إحدى الروايتين عن مالك، وعنه رواية أخرى: يسر السلام فى نفسه. وجه الرواية الأولى أن هذه صلاة فرض فى جماعة، فكان من سنة الإمام الإعلان بالسلام منها كصلاة الفرض. ووجه الرواية الثانية أنها ركن منفرد من الصلاة، فلم يشرع فيه الإعلان بالسلام كسجود السهو بعد السلام. فرع: فإذا قلنا بالرواية الثانية فإن المأمومين يعلمون بحال الإمام بانصرافه، قال ابن حبيب: والمأمومون يسلمون فى أنفسهم لأنهم لا يحتاجون إلى الإعلان، وهل يردون على الإمام أم لا؟ روى ابن حبيب عن مالك: ليس عليهم رد السلام على الإمام، وروى عنه ابن غانم: أن عليهم ذلك. و جه رواية ابن حبیب أن الإمام یسلم ولا یثبت فى موضعه، فیرد عليه. وجه رواية ابن غانم أن هذه صلاة فرض، فشرع فيها رد السلام على الإمام كالصلوات الخمس، ويصح أن تكون هاتان الروايتان مبنيتين على جهر الإمام بالسلام، فإذا قلنا يجهر الإمام بالسلام، قلنا: يرد عليه المأموم، وإذا قلنا: لا يجهر بالسلام، لم يلزم المأموم الرد عليه، والله أعلم وأحكم. ٥٣٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٠٤. البيهقى فى السنن الكبرى ٤٤/٤. عبد الرزاق فى المصنف ٤٩٤/٣. (١) قال فى الاستذكار ٢٨٢/٨: لم يذكر مالك فى حديثه، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يسلم تسليمة واحدة، لا تسليمتين، والمحفوظ عن ابن عمر أنه كان يسلم واحدة. ذكر عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان إذا قضى الصلاة على الجنائز سلم عن يمينه. وذكر ابن أبى شيبة، عن على بن مسهر، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان إذا صلى على جنازة سلم على يمينه واحدة.