Indexed OCR Text

Pages 861-880

٣٩٠
كتاب الصلاة
٤٥١ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿٣(( نَهَى أَنْ
تُسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةُ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ)).
الشرح: قوله: ((ما أدرى ما أصنع بهذه الكرابيس))، يعنى المراحيض، واحدها
كرياس، يعنى أنه يجد منها ما يستقبل القبلة أو يستدبرها، وكان النهى فى ذلك على
عمومه، وهو قوله : ((إذا ذهب أحدكم الغائط أو البول)) وهذا من قوله ﴿49 يدل
على أن الغائط إنما يستعمل فى الرجيع خاصة، وهو أكثر ما يذهب إلى الغائط. وأما
البول فكانوا لا يبعدون له ذلك الإبعاد ولا يشيرون له الغائط ولا غيره، وكان الرجل
يولى الرجل ظهره لأن الرجيع يحتاج له من التكشف إلى ما لا يحتاج إليه البول، ويحتمل
أن يكون قوله: ((الغائط أو البول))، شك من الراوى فى أى اللفظين قال المحدث.
فصل: وقوله: ((فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بفرجه))، حمل أبو أيوب ذلك على
عمومه، وكان يمنع منه فى الصحارى والبيوت، وبه قال أبو حنيفة. وذهب مالك
والشافعى إلى أن المنع من ذلك فى الصحارى دون المبانى، وذهب داود إلى إباحة ذلك
فيهما.
والدليل على بطلان قول داود الحديث المتقدم. والدليل على صحة جواز ذلك فى
المبانى قول عبدالله بن عمر: لقد ارتقيت على ظهر بيت لنا، فرأيت رسول الله ﴾ على
لبنتين مستقبل بيت المقدس حاجته.
الرخصة فى استقبال القبلة لبول أو غائط
٤٥٢ - مَالِك، عَنْ يَحْثَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْتَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ
وَاسِعٍ بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنْهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: إِذَا تَعَدْتَ
عَلَى حَاجَتِكَ، فَلا تَسْتَقْبِلِ الْقِيْلَةً وَلا بَيْتَ الْمَقْدِسِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَقَدِ ارْتَقَيْتُ عَلَى
٤٥١ - أخرجه أحمد فى المسند حديث رقم ٢٣١٣٤.
٤٥٢ - أخرجه البخارى فى الوضوء حديث رقم ١٤٥. ومسلم فى الطهارة حديث رقم ٢٦٦.
والنسائى فى الصغرى فى الطهارة حديث رقم ٢٣. وأبو داود فى حديث رقم ١٢. وابن
ماجه فى الطهارة وسننها حديث رقم ٣٢٢. وأحمد فى المسند حديث رقم ٤٥٩٢، ٤٩٧١،
٥٦٨٢. والدارمى فى الطهارة حديث رقم ٦٦٧.

٣٩١٠
كتاب الصلاة
ظَهْرٍ بَيْتٍ لَنَا فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ، ثُمَّ
قَالَ: لَعَلَّكَ مِنِ الَّذِينَ يُصَلُونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: لا أَدْرِى وَاللّهِ.
قَالَ مَالِك: يَعْنِى الَّذِى يَسْجُدُ وَلا يَرْتَفِعُ عَلَى الأَرْضِ، يَسْجُدُ وَهُوَ لاصِقٌ
بِالأرْضِ.
الشرح: قوله: ((كان يقول: إن ناسًا يقولون: إذا قعدت على حاجتك، فلا تستقبل
القبلة ولا بيت المقدس)»، يحتمل أن يكون عبدالله بن عمر أنكر من ذلك قول من يحمله
على عمومه، ورأى عبدالله أن المنع من ذلك إنما هو فى الصحارى دون البنيان، وبذلك
أورد الحجة فى إباحته، فقال: لقد رقيت على ظهر بيت لنا، فرأيت رسول الله ﴿ على
لبنتين مستقبل بيت المقدس، دليل على أن ابن عمر ارتقى من ظهر بيته موضعًا يطلع منه
على النبى ﴿﴿ فى خلاء، ولا يجوز لعبدالله بن عمر أن يطلع على النبى الَّمن غير إذن،
ويحتمل أن يكون مأذونًا له فى الاطلاع، ويحتمل أن يكون الموضع فى دار عهدها ابن
عمر غير مسكونة، فدخل فيها النبى ﴿ على هذه الحال.
وقد روى فى المبسوط نافع عن ابن عمر: حانت منى لفتة، فرأيت رسول الله
فى المخدع مستقبل القبلة، فاقتضى ذلك أن ابن عمر لم يقصد النظر إلى النبى ﴿4﴾ على
تلك الحال.
فصل: وقوله: ((مستقبل بيت المقدس لحاجته)، يقتضى أنه كان مستدبر القبلة،
وكذلك روى عبيدالله بن عمر، فرأيت رسول الله لا يقضى حاجته مستدبر القبلة،
مستقبل الشام. على أن عبدالله بن عمر قد بين أن ذلك كان بعد تحويل القبلة، وذكر
عمر المنع فيهما جميعًا،
فقال: إن ناسًا يقولون: إذا قعدت على حاجتك، فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس،
وإنما فرق بين البنيان والصحارى لأن البنيان موضع ضرورة وضيق، وليس كل من بنى
خلاء يمكن أن يصرفه عن القبلة، والصحارى موضع اتساع وتمكن، ويمكنه فى الأغلب
أن ينحرف فى جلوسه عن القبلة، إذا ليس هناك مانع يمنعه.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فقد اختلف فى الوطء وهو مستقبل القبلة، فحكى القاضى
أبو محمد عن ابن القاسم إباحته، وعن ابن حبيب كراهيته، والذى فى المدونة عن ابن
القاسم أنه سئل أيجامع الرجل إلى القبلة، فقال: لا أحفظ عن مالك فيه شيئًا، وأرى أنه

كتاب الصلاة
٣٩٢
لا بأس به، لأنه لا يرى بالمراحيض بأسا فى المدن، وهذا يحتمل وجهين، أحدهما: أن
جوابه إنما كان فى البنيان، وأما فى الصحارى، فلم يجب عنها.
والوجه الثانى: ما تأوله القاضى أبو محمد أن المنع إنما كان لاستقبال القبلة بالغائط
والبول فى الصحارى إكرامًا للقبلة لعدم السترة، فإذا ستر البنيان القبلة، جاز ذلك، وإذا
كان الوطء المباح لا يكون إلا تحت سترة لم يكن فيه استقبال القبلة بفرج، فجاز ذلك.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: والوجه الأول أظهر عندى، والله أعلم
وأحكم.
فصل: قوله: ((لعلك من الذين يصلون على أوراكهم))، على وجه التحذير له من
الصلاة عليها، والعيب على من يفعل ذلك، ومعنى الصلاة على الأوراك أن لا يرفع فى
سجوده عن الأرض يسجد، وهو لاصق بالأرض، ولا يقيم وركه، وإنما يفتح ركبتيه
ويفرجهما حتى يصبر كالمعتمد على روكيه.
فصل: وقوله: ((يعنى الذى يسجد ولا يرتفع)»، إلى آخر الكلام من لفظ مالك، فسر
ذلك عبدالله بن يوسف فى روايته عنه، وأدخل هذا الحديث فى باب الرخصة فى
استقبال القبلة ليول أو غائط، وإنما فى الحديث استقبال بيت المقدس، فيحتمل أن يريد
الاستقبال والاستدبار، فإذا استقبل بالمدينة بيت المقدس فقد استدبر مكة، فشمل النهى
عنه الاستدبار، فراعى مالك المعنى دون اللفظ، فيكون المراد بالقبلة مكة دون بيت
المقدس، ويكون المنع من ذلك فى الصحارى يتعلق بمكة.
والمعنى الثانى أن تكون القبلة فى الترجمة بيت المقدس لأنها قد كانت قبلة، وإن
نسخت الصلاة إليها، فإن سائر أحكامها باقية وحرمتها ثابتة على حسب ما كانت عليه
قبل النسخ، فيكون المنع من استقبال القبلة لغائط أو بول منعًا من استقبال مكة، ومن
استقبال بيت المقدس، لأن كل واحد منهما قد كان قبلة، وعلى هذا فالمنع باق فى
استقبال بيت المقدس لبول أو غائط فى الصحارى على حسب ما هو فى استقبال مكة.
وقد روى أن النبى ﴿ نهى أن تستقبل واحدة من القبلتين لغائط أو بول، وإن لم
يكن إسناده بذلك، فإنه يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون النهى عن ذلك بعد تحويل
القبلة إلى الكعبة، فيقتضى ذلك المنع من استقبال القبلة بعد النسخ، وأن يكون حرمة
بيت المقدس باقية فى هذا الباب بعد النسخ.
والوجه الثانى أن يكون نهى عن استقبال القبلة إلى بيت المقدس حين كانت تستقبل

٣٩٣٠
.........
كتاب الصلاة .
بالصلاة، ثم نهى عن استقبال الكعبة حين. صرفت القبلة إليها، فيعلم بذلك أن استقبال
القبلة ممنوع بعد النسخ، وينظر فى استقبال بيت المقدس إلى ما يقتضى غير ذلك من
الأدلة، والله أعلم وأحکم.
النهى عن البصاق فى القبلة
٤٥٣ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴾َ رَأَى بُصَاقًا
فِى جِدَارِ الْقِيْلَةِ، فَحَكَّهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: (إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّى، فَلا
يَبْصُقْ قِيَلَ وَجْهِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَّلَّى)).
الشرح: قوله: ((إن رسول الله {4 رأى بصاقًا فى جدار القبلة)) ظاهرًا فيه، ولذلك
رآه ﴿ فاكتفى بحك عبنه، ولم يحتج إلى غسله لأنه ظاهر؟ ((ثم أقبل على الناس، فقال:
إذا كان أحدكم يصلى فلا يبصق قبل وجهه)) حال الصلاة ويحتمل معانى، أحدها: أنه
نص فى هذا الحديث على النهى عن البصاق قبل وجهه حال الصلاة لفضيلة تلك الحال
على سائر الأحوال، فخصها بالذكر.
ووجه ثان، وهو أن يكون خص بذلك حال الصلاة لأنه حينئذ يكون مستقبل القبلة،
وفى سائر الأحوال قد تكون القبلة عن يساره، وهى الجهة التى أمر بالبصاق إليها أو
أمامه. ووجه ثالث، وهو أنه لو لم ينص على حالة الصلاة لجوز المكلف أن يكون النهى
توجه إلى سائر الأحوال، وأن حال الصلاة لا يجوز أن يقصد فيها إلى شىء وليبصق
كيف تيسر له فى قبلته وغيرها، فبين بذلك أن هذا من إكرام القبلة وتنزيهها.
فصل: وقوله: ((فإن الله تبارك وتعالى قبل وجهه))، وذلك يحتمل معنيين، أحدهما:
أن ثوابه وإحسانه وتفضله من قبل وجهه، فيجب أن ينزه تلك الجهة عن البصاق.
والثانى أن البارى تعالى أمرنا باستقبال القبلة وتعظيمها وتنزيهها، ولاسيما فى حال
الصلاة، فإن الله قبل وجهه، بمعنى أن ما أمره بتنزيهه وتعظيمه قبل وجهه، وأن فى
تعظيمه تلك الجهه تعظيم الله وطاعته، وهذا كما يقال: إذا ورد عليك فلان من قبل
٤٥٣ - أخرجه البخارى فى الصلاة حديث رقم ٤٠٦. ومسلم فى المساجد ومواضع الصلاة حديث
رقم ٥٤٧. والنسائى فى الصغرى فى المساجد حديث رقم ٧٢٤. وابن ماجه فى المساجد
والجماعات حديث رقم ٧٦٣. وأحمد فى المسند حديث رقم ٤٤٩٥، ٤٨٢٦، ٤٨٩٠،
٥١٣٠، ٥٣١٣، ٥٧١١، ٦٢٢٩، ٦٢٧٠. والدارمى فى الصلاة حديث رقم ١٣٩٧.

كتاب الصلاة
٣٩٤
..
الإمام، فأكرمه، فإن الأمير يرد عليك بوروده، وهذا كله إنما هو فيمن بصق بصاقًا
ظاهرًا، والبصاق فى جدار القبلة لا يتهيأ فيه إلا أن يكون ظاهرًا لأنه لا يمكن ستره إلا
بإزالته وحكمه كما فعل 8 وهذا البصاق فيه عن يمنيه ويساره، وخص جهه القبلة
لفضيلتها على سائر الجهات، ولأنها الجهة التى يتجه البصاق إليها فى الأغلب لاسيما
لمن کان یصلی.
مسألة: فأما من بصق فى المسجد وستر بصاقه فلا أثم عليه. والأصل فى ذلك ما
روى عن أنس، قال النبى ﴾: ((البصاق فى المسجد خطيئة وكفارتها دفنها)) وذلك
لطهارة البصاق.
وأما الدم وما كان نجسًا، فقد روى ابن حبيب عن مالك: من دمى فوه فى المسجد
فلينصرف حتى يزول عنه، ومعنى ذلك أن الدم نجس، فيجب أن ينزه المسجد عنه ظاهرًا
أو باطنًا، والبصاق ليس بنجس، ولكنه كريه المنظر والأثر، يمنع من ظهوره، ولا يمنع منه
إذا ستر.
مسألة: وإذا جاز ذلك فى البصاق، فلا بأس أن يبصق عن يمينه ويساره. قال مالك:
لا بأس أن يبصق أمامه أو عن يساره أو عن يمينه. وقد روي عن أوس بن أوس «كنت
ـّ نصف شهر فرأيته يصلى، وعليه نعلاه، ورأيته يبصق عن يمينه ويساره)).
عند النبى
مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن الأفضل أن يبصق عن يساره، وكذلك روى ابن نافع عن
مالك. والأصل فى ذلك ما روى أبو هريرة عن النبى ﴿ قال: ((إذا قام أحدكم إلى
الصلاة، فلا يبصق أمامه، فإنما يناجى الله، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكًا، وليبصق عن
يساره أو تحت قدميه ليدفنها)) فبين ﴿ أن هذه الجهة أولى بالبصاق إليها لما ذكره، ولأن
التیاسر فى الأقذار مشروع، ولذلك أمر المكلف أن يستنجی بشماله.
٤٥٤ - مَالِكِ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النّبِىِّ ﴿ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ ﴿ رَأَى فِى جِدَارِ الْقِيْلَةِ بُصَاقًا أَوْ مُخَاطًا أَوْ نُخَامَةٌ فَحَكَّهُ.
الشرح: البصاق ما يخرج من الفم، والنخامة ما يخرج من الحلق، والمخاط ما يخرج
من الأنف.
٤٥٤ - أخرجه البخارى فى الصلاة حديث رقم ٤٠٧. ومسلم فى المساجد ومواضع الصلاة حديث
رقم ٥٤٩. وابن ماجه فى المساجد والجماعات حديث رقم ٧٦٤. وأحمد فى المسند حديث
رقم ٢٤٦٣٠، ٢٥٤٠٦.

٣٩٥
كتاب الصلاة
وقوله: ((فحکه)»، يريد أزاله، وذلك يقوم مقام ستره، وإخفاء عينه، ولا يمكن فى
الحائط من ستره غير ذلك، ولو أراد أن يبصق فى الأرض ويحكه برجله لم يكن ذلك
لأن ستره فى الأرض يمكنه بغير هذا الفعل مع ما فيه من تقذير الموضع لمن أراد الجلوس
فیه.
*
ما جاء فى القبلة
٤٥٥ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنٍ عُمَرَ أَنْهُ قَالَ: بَيْنَمَا
النَّاسُ بِقُبَاءِ فِى صَلاةِ الصُّبْحِ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَدْ أَنْزِلَ عَلَيْهِ
اللّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبُلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ،
فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ.
الشرح: قوله: ((بينما الناس فى قباء فى صلاة الصبح)»، هكذا روى ابن عمر.
وروى البراء بن عازب: أن أول صلاة صلاها إلى الكعبة صلاة العصر، ويحتمل أن يكون
أول صلاة صلاها إلى الكعبة، العصر، على ما روى البراء وأن أهل قباء لم يبلغهم ذلك
إلا فى صلاة الصبح، ولذلك قال هذا المخبر: إن رسول الله ﴿3﴾ أنزل عليه الليلة قرآن.
ونا أم بشر فى بنى سلمة وصلى الظهر فى مسجد
قال أبو بشر الدولابی: زار النبى
القبلتين، ركعتين إلى الشام ثم أمر أن يستقبل القبلة، فاستدار، ودارت الصفوف خلفه،
فصلى البقية إلى مكة.
فصل: وقوله: ((وقد أمر أن يستقبل الكعبة))، يعنى فى صلاته لأن الاستقبال إنما هو
فيها، وأمره باستقبال الكعبة نسخ لاستقبال بيت المقدس بالصلاة ونهى عنه.
فصل: قوله: ((وكانت وجودههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة))، عمل بأخبار
الآحاد مع أن مثل هذا فى شهرته لا يخفى على النبى ﴾، فأقر عليه ولم يذكره، وفيه
٤٥٥ - أخرجه البخارى فى الصلاة حديث رقم ٤٠٣. وتفسير القرآن حديث رقم ٤٤٩٣. ومسلم
فى المساجد ومواضع الصلاة حديث رقم ٥٢٦. والترمذى فى الصلاة حديث رقم ٣١٢.
وتفسير القرآن حديث رقم ٢٨٨٩. والنسائى فى الصغرى فى الصلاة حديث رقم ٤٩٣.
والقبلة حديث رقم ٧٤٥. وأحمد فى المسند حديث رقم ٤٦٢٨، ٥٨٩٨. والدارمى فى
الصلاة حديث رقم ١٢٣٤.

كتاب الصلاة
٣٩٦
أيضًا أن الأمر للنبى ◌َ﴾ بالعبادة متوجه إلينا حيث يجب علينا اتباعه، ولذلك لما أخبرهم أن
النبى ﴿﴿ أمرهم بذلك رجعوا إلى القبلة التى صرف إليها وظاهر هذا اللفظ يدل على
أنهم بنوا على ما تقدم من صلاتهم، ولو شرع أحد فى صلاة إلى غير القبلة، وهو يظنها
إلى القبلة، ثم تبين له أن صلاته إلى غير القبلة، فإن كان منحرفًا يسيرًا، رجع إلى القبلة
وبنى على ما تقدم من صلاته لأنه صلى إلى جهة شرع الصلاة إليها مع الاجتهاد
ووجود أدلة القبلة.
مسألة: وإن كان مستدبرًا لها أو منحرفًا عنها انحرافًا كثيرًا، مشرقًا أو مغربًا،
استأنف الصلاة لأنه افتتحها إلى جهة لا يدخلها الاجتهاد مع إدراك علامات القبلة،
والفرق بينه وبين أهل قباء، أن أهل قباء افتتحوا الصلاة إلى ما شرع لهم من القبلة، فلما
طرأ النسخ فى نفس العبادة لم يجز إفساد ما تقدم منها على الصحة، فهذا الذى افتتح
صلاته إلى غير القبلة لم يفتتحها على ما شرع، ولا على جهة يجتهد فيها مع إدراك
علامات القبلة، فكان عليه استئنافها.
فرع: فإن أتم صلاته على ذلك ثم تبين له بعد تمام صلاته، فقد روى ابن وهب عن
مالك فى المبسوط وابن القاسم عن مالك فى المدونة: إن استدبر القبلة، أو شرق أو
غرب مخطئًا للقبلة، أعاد فى الوقت دون ما بعده.
وقد قال ابن القاسم عن مالك، فيمن تبين القبلة فى نفس الصلاة: يستأنف الصلاة،
ففرق بين الأمرين لما كان إذا أتم الصلاة أعادها فى الوقت، أمره أن لا يتمها على هذه
الصورة، وهذا الأصل تتشعب منه مسائل يجب أن نبينها، فقد قال مالك، فيمن كبر
للر کوع ونسی تکبیرة الافتتاح: یتمادی ویعید.
وقال ذلك فى عدة مسائل: يتمادى ويعيد، وذلك أن ما تردد الأمر فيه عنده بين
الجواز والفساد، أمره بالتمام، لئلا يبطل عملاً يختلف فيه، ثم يعيده ليؤدى العبادة بيقين،
فكيف بصلاة هى إذا تمت عنده صلاة، يقضى بها الفرض كانت أولى بأن يتمادى عليها
ثم يعيدها، غير أنه يراعى فى ذلك أن تكون الصلاة مجزية أو مختلفًا فيها مع ذكره
للمعنى المؤثر فيها، فأما إذا كان المعنى المؤثر فى العبادة يؤثر فيها مع اليقين، فلا يجوز
معه، وإنما يجوز مع النسيان، فإن ذكره لذلك المعنى فى نفس الصلاة يمنع عنده إتمامها،
ويوجب إبطال ما مضى منها كذكره لصلاة فى صلاة.
فرع: وقول مالك بهذه المسألة يحتاج إلى تأمل، وذلك أن من صلى إلى غير القبلة ثم

٠ ٣٩٧
كتاب الصلاة .
علم بذلك بعد تمام صلاته، فالذى روى عن مالك فى ذلك: يعيد الصلاة فى هذا
الوقت، وهذا قول مجمل، وذلك أن هذا المصلى إلى غير القبلة لا يخلو أن يفعل ذلك مع
عدم أدلة القبلة، أو مع وجودها، ولم أر لأصحابنا فى ذلك فرقًا بينهما غير أن أبا
الحسن بن القصار ذكر عن مالك إن فعل ذلك مجتهدًا، أعاد فى الوقت استحبابًا.
وحكى القاضى أبو محمد فى إشرافه: من عميت عليه القبلة، فصلى إلى ما غلب على
ظنه أنها جهتها، ثم بان له الخطأ، لم يكن عليه إعادة، خلافًا للمغيرة ومحمد بن مسلمة
والشافعى. والذى قاله المغيرة ومحمد بن مسلمة ليس على هذا الإطلاق، إنما قال المغيرة
فى المبسوط: واستدبر القبلة أعاد أبدًا، لأنه لم يستقبل القبلة بشىء من وجهه، فإن
كانت قبلته إلى اليمن، فصلى إلى شرق أو غرب، أعاد فى الوقت لأن بعضه مستقبل
القبلة، فأما من كان انحرافه بين المشرق والمغرب، فلا يعيد فى وقت ولا غيره، ومن
انحرف عن البيت عامدًا أعاد أبدًا، وإن كان مستقبلاً له لأنه وإن كان استقبله، فلم
يقصد الصلاة إليه، فهذا مذهب المغيرة ومحمد بن مسلمة على التحقيق، وهو كله فى
المبسوط.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: وقول محمد بن مسلمة عندی قول صحیح،
ومحله عندى مع ظهور علامات القبلة، وأما مع خفائها فإن مذهب مالك أنه لا إعادة
عليه، وإن استدبر القبلة، فعلى هذا، الانحراف عن القبلة يكون على ثلاثة أوجه، أحدها
أن يتعمد ذلك، فهذا يعيد أبدًا، وإن صلى إلى جهتها، والثانى: أن يتحرى استقبالها مع
ظهور علاماتها، فهذا حكمه على قدمنا ذكره عن محمد بن مسلمة، والثالث: أن
يتحرى استقبالها مع عدم علاماتها، فهذا لا إعادة عليه.
٤٥٦ - مَالِك، عَنْ يَخْتِى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى
رَسُولُ اللَّهِ ﴿ بَعْدَ أَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ حُوَّلَتٍ
الْقِيْلَةُ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ.
الشرح: قوله: ((إن النبى ﴿َّه صلى نحو بيت المقدس))، يريد نسخت الصلاة إلى بيت
المقدس، وحول ذلك إلى الكعبة، وذلك يقتضى منع الصلاة إلى بيت المقدس بعد النسخ،
ولولا ذلك لم يكن تحويلاً، وإنما كان يكون مشاركة، والنسخ فى الحقيقة إنما يتعلق
٤٥٦ - أخرجه البخارى فى الإيمان حديث رقم ٤١. والنسائى فى الصغرى فى القبلة حديث رقم
٧٤٢.

كتاب الصلاة
٣٩٨
بالمستقبل من الصلوات. وأما الماضى فقد مضى على الواجب أو غيره ولا يتناوله الأمر
بالانتقال عن ذلك، وإنما يتناول المستقبل، ولذلك إنما تنسخ العبادة قبل فعلها، وأما بعد
فعلها، فلا يصح ذلك فيها.
وقد قال الحسن البصرى وغيره: صلى النبى 18 إلى بيت المقدس اختيارًا من غير
فرض عليه لتألف أهل الكتابين، ثم صرف إلى مكة، وهذا الذی قاله ظاهره أنه کان
الأمر مفوضًا إليه قد خير فيه. والأظهر على هذا القول أن يكون تبع فى ذلك شريعة من
قبله من الأنبياء عليهم السلام ممن كانت قبلته إلى بيت المقدس. وقد قال ابن جريج:
صلى النبى ﴿1 إلى الكعبة ثم صرف إلى بيت المقدس، ثم صرف إلى الكعبة.
٤٥٧ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ
قِثْلَةٌ إِذَا تُوُجِّهَ قِيَّلَ الْبَيْتِ.
الشرح: قوله: ((ما بين المشرق والمغرب قبلة)). قال أحمد بن حنبل: هذا فى كل
البلدان إلا بمكة عند البيت، فإنه إزال عنها شيئا، وإن قل، فقد ترك القبلة(١).
وقال أحمد بن خالد: إنما ذلك لأهل المدينة، ومن كان مثلهم ممن قبلته بين المشرق
والمغرب، رواه محمد بن مسلمة عن مالك.
قال أحمد بن خالد: وأما من كان من مكة فى المشرق أو فى المغرب، فإن قبلتهم ما
بين الجنوب والشمال، ولهم من السعة فى ذلك مثل ما لأهل المدينة وغيرهم. وهذا
القول الذى ذكر أحمد بن خالد بين صحيح، ولكن هذا كله مع الاجتهاد لمن تعين
اجتهاده فى هذه الجهة دون غيرها. وأصل ذلك أن الناس فى استقبال القبلة على
ضربين، فأما من عاين البيت، فإن فرضه استقباله خاصة لا يجوز له غير ذلك لأنه معاين
للقبلة التى فرض عليه استقبالها، فمن لم يستقبلها تيقن انحرافه عنها، وذلك غير جائز
ولا خلاف فيه، وقد روى مثل هذا القول عن محمد بن مسلمة.
٤٥٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤٣٥. ابن أبى شيبة فى المصنف ٣٦٢/٢. عبد
الرزاق فى المصنف ٣٤٥/٢.
(١) ذكره هذا الخبر ابن عبد البر فى الاستذكار ٢٢٠/٧ - ٢٢١ ونصه: ((قال الأثرم: سألت
أحمد بن حنبل عن قول عمر: ((ما بين المشرق والمغرب قبلة»؟ فقال: هذا فى كل البلدان إلا
مكة عند البيت، فإنه إن زال عنه بشىء وإن قل، فقد ترك القبلة، قال: وليس كذلك قبلة
البلدان، ثم قال: هذا المشرق، وأشار بيده، وهذا المغرب، وأشار بيده، وما بينهما قبلة. قلت
له: فصلاة كم صلى بينهما جائزة؟ قال: نعم، وينبغى أن يتحرى الوسط ..

٣٩٩٠٠٠
كتاب الصلاة
مسألة: وأما من لم يعاين القبلة، فلا يخلو أن يكون من أهل الاجتهاد أو من أهل
التقليد، فإن كان من أهل الاجتهاد، ففرضه الاجتهاد فى تعيين سمت القبلة بين المشرق
والمغرب مع التوجه إلى جهة البيت، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد ففرضه أن يقتدق
بغيره من أهل الاجتهاد، إن وجد ذلك، فإن لم يجد ذلك.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: فهو بمنزلة من خفيت عليه دلائل القبلة
ويستحب له عندى أن لا يصلى إلا فى آخر الوقت لأنه يرجو أن يجد من يقلده، وهذا
فى غير المدينة، فأما المدينة فلا يسوغ لأحد الاجتهاد فيها إلى قبلة تخالف قبلة مسجد
النبى * لأن النبى 8 نصب قبلتها، وهذا نص منه عليها. وروى ابن القاسم عن
مالك أن جبريل عليه السلام هو الذى أقام للنبى ◌َ﴾ قبلة مسجده.
فصل: وقوله: ((إذا توجه قبل البيت))، يريد أنه لا اجتهاد له فى ذلك، وإنما اجتهاده
فى تعيين سمت القبلة فى هذه الجهة دون سائر الجهات.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فاختلف متأخرو أصحابنا هل يلزمه أن يجتهد فى إصابة الجهة
أو العين؟ قال القاضى أبو محمد: وأكثر أصحابنا أنه إنما يلزمه الاجتهاد فى إصابة الجهة.
والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا
وجوهكم شطره﴾ [البقرة: ١٤٤].
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: والوجه الثانى عندى أظهر أن الفرض
الاجتهاد فى طلب العين، وإن لم يلزمنا إصابته، ولزمنا إصابة جهته وسمته، والله أعلم
وأُحکم.
ما جاء فى مسجد النبى
٤٥٨ - مَالِك، عَنْ زَيْدِ بْنِ رَبَاحٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِى عَبْدِ اللَّهِ
٤٥٨ - أخرجه البخارى فى الجمعة حديث رقم ١١٩٠. ومسلم فى الحج حديث رقم ١٣٩٤.
والترمذى فى الصلاة حديث رقم ٢٩٩. والمناقب حديث رقم ٣٨٥١. والنسائى فى الصغرى
فى المساجد حديث رقم ٦٩٤. ومناسك الحج حديث رقم ٢٨٩٧. وابن ماجه فى إقامة
الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١٤٠٤. وأحمد فى المسند حديث رقم ٧٢١٢، ٧٣٦٧،
٧٦٧٦، ٨٧٨٥، ٨٩٠٨، ٩٦٧٩، ٩٧٠١، ٩٧٦٢، ٩٩٠٥، ٩٩٢٦، ١٠٠٩٧،
٠١٠٤٥٦

كتاب الصلاة
٤٠٠
سَلْمَانَ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((صَلاَةٌ فِى مَسْحِدِى هَذَا خَيْرٌ
مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ».
الشرح: قوله: «صلاة فی مسجدی هذا خير من ألف صلاة فيما سواه)» يريد أکثر
ثوابًا من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، اختلف الناس فى معنى
هذا الاستثناء، فروى أشهب عن مالك إلا المسجد الحرام، فإن صلاة فى مسجد النبى
﴾ تفضل أقل من ألف صلاة فى المسجد الحرام، وبهذا قال ابن نافع. وقال ابن وهب:
معناه عندنا إلا المسجد الحرام، فإن صلاة فيه أفضل من الصلاة فى مسجد النبى
وهذه المسألة مبنية عندهم على أى البلدان أفضل وسنبين الكلام فيه فى الجامع إن شاء
الله تعالى.
وأما الذى يقتضيه الاستثناء فى هذا الموضع، فأن يكون حكم مكة خارجًا عن
أحكام سائر المواطن فى الفضيلة المتقدمة فى الخبر، ولا يعلم حكم مكة من هذا الخبر،
فيصح أن تكون الصلاة فى مكة أفضل، ويصح أن تكون الصلاة فى المدينة أفضل،
ويصح أن يتساويا.
مسألة: سئل مطرف عن هذه الفضيلة هل هى فى النافلة أيضًا، قال: نعم. رواه ابن
سحنون فى تفسيره، قال: وقال لى عمر: حدثه ((جمعة خير من جمعة ورمضان خير من
رمضان».
٤٥٩ - مَالِك، عَنْ حُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِى
هُرَيْرَةَ - أَوْ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: (مَا بَيْنَ بَيْنِى
وَمِنْرِى رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْحَنَّةِ، وَمِنْرِى عَلَى حَوْضِى)).
٤٦٠ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ
٤٥٩ - أخرجه البخارى فى الجمعة حديث رقم ١١٩٦. ومسلم فى الحج حديث رقم ١٣٩١.
والترمذى فى المناقب حديث رقم ٣٨٥٠، ٣٨٥١. وأحمد فى المسند حديث رقم ٧١٨٢،
٨٦٦٨، ٨٩٠٨، ٨٩٠٨، ٩٠٧٨، ٩٣٥٨، ٩٦٧٩، ١٠٤٥٦، ١٠٥١٦، ١٠٦٢٠،
١١٢١٦.
٤٦٠ - أخرجه البخارى فى الجمعة حديث رقم ١١٩٥. ومسلم فى الحج حديث رقم ١٣٩٠.
والنسائى فى الصغرى فى المساجد حديث رقم ٦٩٥. وأحمد فى المسند حديث رقم
٠١٦٠١٨،١٥٩٩٨

.... ٤٠١٠
كتاب الصلاة
زَيْدٍ الْمَازِنِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((مَا بَيْنَ بَيْنِى وَمِنْبَرِى رَوْضَةٌ مِنْ رِیَاضٍ
الْجَنَّةِ)).
الشرح: قوله: ((ما بين بيتى ومنبري روضة من رياض الجنة))، يحتمل أن يريد بذلك
أن الذى بين منبره وبيته روضة من رياض الجنة. قال الداودى: يحتمل أن ينقل ذلك
الموضع إلى الجنة، فيكون من رياضها، ويحتمل أن يريد بذلك أن ملازمة ذلك الموضع
والتقرب إلى الله تعالى فيه، يؤدى إلى رياض الجنة كما يقال: رياض الجنة تحت ظلال
السيوف، وذلك يحتمل وجهين أحدهما: أن اتباع ما يتلى فيها من القرآن والسنة يؤدى
إلى رياض الجنة، فلا يكون فيها للبقعة فضيلة إلا لمعنى اختصاص هذه المعانى دون
غيرها.
والثانى: أن يريد أن ملازمته ذلك الموضع بالطاعة والصلاة يؤدى إلى رياض الجنة
لفضيلة الصلاة فى ذلك الموضع على سائر المواضع، وهذا أبين لأن الكلام إنما على معنى
تفضيل ذلك الموضع، ويشبه أن يكون مالك، رحمه الله، تأول فيه هذا الوجه، ولذلك
أدخله فى باب واحد مع فضل الصلاة فى مسجد النبى ﴾ على الصلاة فى سائر
المساجد.
فصل: وقوله : ((ومنبرى على حوضى)) قريب من معنى ما تقدم، يحتمل أن يريد
به أن إتيانه للصلاة والطاعات ولزومه بالأعمال الصالحة يؤدى إلى ورود حوضه
وقد قيل أن معنى قوله ذلك أن لى منبرًا على حوضى، وليس هذا بالبين لأنه ليس فى
الخبر ما يقتضيه وهو قطع الكلام عما قبله من غير ضرورة إلى ذلك.
*
ما جاء فى خروج النساء إلى المساجد
٤٦١ - مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﴿﴾:((لا
تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللّهِ).
٤٦١ - أخرجه البخارى ٣٥/٢ كتاب الجمعة باب هل على من لم يشهد الجمعة، عن ابن عمر.
مسلم ٣٢٧/١ كتاب الصلاة باب ٣٠ رقم ١٣٦، عن ابن عمر. أبو داود برقم ١٣٦
١٥٢/١ كتاب الصلاة باب فى خروج النساء إلى المسجد، عن أبى هريرة. أحمد ١٦/٢، عن
ابن عمر. البيهقى فى الكبرى ١٣٢/٣، عن ابن عمر. الطبرانى فى الكبير ٣٦٣/١٢، عن ابن
عمر. ابن خزيمة برقم ١٦٧٩، ٩٠/٣، عن أبى هريرة.

٤٠٢
كتاب الصلاة
الشرح: قوله: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)) دليل على أن للزوج منعهن من ذلك
وأن لا خروج لهن إلا بإذنه، ولو لم يكن للرجل منع المرأة من ذلك لخوطب النساء
بالخروج ولم يخاطب الرجال بالمنع، كما خوطب النساء بالصلاة ولم يخاطب الرجال
بأن لا يمنعوهن منها. وفى المبسوط من رواية ابن القاسم عن مالك: لا يمنع النساء
الخروج إلى المساجد، ويحتمل أن يريد أنه يحكم به لهن على الأزواج، ويحتمل أن يريد
به حض الأزواج على إباحة ذلك لهن، لما كان لهم المنع، والله أعلم. وقد روى بهذا
الحديث ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله بالليل)) تفرد بهذه الزيادة نصر بن على.
فصل: وقوله: ((مساجد الله)) على سبيل التعظيم لها والتخصيص، ويجوز أن يكون لما
أضاف الإمام إليه أتى بإضافة المساجد ليظهر وجه خروجهن إليها واختصاصهن بها.
٤٦٢ - مَالِك أَنْهُ بَلَغَهُ، عَنْ يُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((إِذَا شَهِدَتْ
إِحْدَاكُنَّ صَلاةَ الْعِشَاءِ فَلا تَمَسَّنَّ طِيبًا)).
الشرح: قوله ((إذا شهدت إحداكن صلاة العشاء) التى يمكن مشاهدة النساء لها لأن
غالب ما يحضرون من الصلوات ما كان فى أوقات الظلمات كالعشاء والصبح لأن
ذلك أستر لهن وأخفى لأحوالهن. وقد روى ابن عمر عن النبى :
◌َّ قال: ((إذا استأذنكم
بالليل إلى المسجد، فائذنو لهن» فخص بذلك الليل لما فيه من الستر.
والوجه الثانى أن تطيب النساء فى غالب الأحوال إنما يكون فى أول الليل لمضاجعة
الأزواج، فكره لهن تعجيل التطيب قبل الخروج إلى العشاء لأن خروجهن مع التطيب
والتجمل فتنة للناس، وإذاية لما وضع فى نفوس كثير من الناس من الميل إليهن والشغل
بهن والتطيب سبب لذلك وباعث عليه.
٤٦٣ - مَالِك، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَاتِكَةَ بِنْتِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ
امْرَأَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهَا كَانَتْ تَسْتَأْذِنُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ إِلَى الْمَسْجِدِ
فَيَسْكُتُ، فَتَقُولُ: وَاللَّهِ لأَخْرُ جَنَّ إِلا أَنْ تَمْنَعَنِى، فَلا يَمْنَعُهَا.
الشرح: استئذان عمر بن الخطاب فى الخروج إلى المسجد، دليل على أنها كانت
٤٦٢ - أخرجه النسائي ١٥٤/٨ كتاب الزينة باب النهى للمرأة أن تشهد الصلاة إلخ، عن زينب
إمرأة ابن مسعود.
٤٦٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٤٤١.

٤٠٣٠
كتاب الصلاة
تعتقد أن له منعها، ولولا ذلك لم يكن لاستئذانه وجه، وكان عمر بن الخطاب يسكت
لتمتنع من الخروج من غير أن يمنعها منه، لما ورد فى ذلك من الأمر، وكان يكره
خروجها إلى مسجد أو غيره لما كان طبع عليه من الغيرة، وكانت هى تقول: ((والله
لأخرجن إلا أن تمنعنى)) لأنها كانت تريد أن يكون لها أجر الخروج إن خرجت، وإن
منعت مع نيتها فى الخروج، ويحتمل أن يكون استئذانها بمعنى الإعلام بخروجها لئلا
يكون له إليها حاجة تبيح له منعها، فإذا سكت عنها، علمت بعدم السبب المانع لها من
الخروج، ولذلك كانت تقول: ((والله لأخرجن إلا أن تمنعنى)) أنها تخرج إلا أن يحدث
سبب يؤثر من أجله منها لما علمت أنه لا يمنعها ابتدأ من غير سبب، والله أعلم
وأحكم(١).
٤٦٤ - مَالِكِ، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ
زَوْجِ النّبِىِّ ﴿ أَنْهَا قَالَتْ: لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ لَّ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ
الْمَسَاجِدَ كَمَا مُنِعَهُ نِسَاءُ بَنِى إِسْرَائِيلَ. قَالَ يَحْتِى بْنُ سَعِيدٍ: فَقُلْتُّ لِعَمْرَةَ: أَوَ مُنِعَ
نِسَاءُ بَنِى إِسْرَائِيلَ الْمَسَاجِدَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ.
الشرح: قولها: ((لو أدرك رسول الله (598 ما أحدث النساء))، يعنى التطيب والتجمل
وقلة الستر وتسرع كثير منهن إلى المناكير، ويحتمل أن يريد به ما أدركن بعد النبى
من الملابس، والتجمل الذى يفتن به الناس، وإنما كن فى زمن النبى ! يلبس المروط،
فيخرجن متلفعات فيها.
فصل: وقوله: ((لمنعهن المساجد كما منعه نساء بنى اسرائيل))، يحتمل أن يكون فى
شريعة بنى اسرائيل منع النساء من المساجد، ويحتمل أن يكون نساء بنى إسرائيل إنما
منعن بعد إباحة ذلك لهن لمثل هذا، ويحتمل غير ذلك من المعانى التى لا طريق لنا إلى
معرفتها إلا بالخبر دون النظر، والله أعلم وأحكم.
(١) قال فى الاستذكار ذكرنا فى التمهيد حديث عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر،
قال: كانت إمراة لعمر تشهد صلاة الصبح والعشاء فى جماعة، فقيل لها: لم تخرجين وقد
تعلمين أن عمر يكره ذلك ويغار؟ قالت: فما يمنعه أن ينهانى؟ قالوا: يمنعه قول رسول الله 38:
((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)). وقال ابن عبد البر: وهذا يفسر حديث مالك ويبين الوجه
الذى لم يمنعها منه عمر من أجله كراهته لخروجه. انظر التمهيد ٧٧/٤ - ٧٨.
٤٦٤ - أخرجه البخارى فى الأذان حديث رقم ٨٦٩. ومسلم فى الصلاة حديث رقم ٤٤٥. وأبو
داود فى الصلاة حديث رقم ٥٦٩. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٤٠٨١، ٢٥٠٨٢،
٢٥٤٥١.

٤٠٤
كتاب الصلاة
وقال محمد بن مسلمة فى المبسوط: إنما يكره من خروجهن البينة الرائحة أو الجميلة
المشهورة التى تكون فى مثلها الفتنة.
الأمر بالوضوء لمن مس القرآن
٤٦٥ - مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّ فِى الْكِتّابِ الَّذِى كَتَبَهُ
رَسُولُ اللَّهِ ﴿ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: ((أَنْ لا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلا طَاهِرٌ).
الشرح: قوله: ((إن فى الكتاب الذى كتبه رسول الله ﴿! لعمرو بن حزم))، أصل
فى كتابه العلم وتحصينه فى الكتاب وأصل فى صحة الرواية على وجه المناولة، لأن النبى
ـّ دفعه إليه وأمره به، فجاز لعمرو بن حزم العمل به والأخذ بما فيه.
فصل: وقوله: ((أن لا يمس القرآن إلا طاهر))، ظاهر فى أنه لا يجوز أن يمس القرآن
محدث، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعى وجماعة الفقهاء من الصحابة ومن بعدهم من
التابعين. روى ذلك عن على، فإنه قال: لا بأس أن يمس القرآن الجنب والحائض
والمحدث.
والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك قوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾
[الواقعة: ٧٩]، وهذا نهى وإن كان لفظه لفظ الخبر، فمعناه الأمر لأن خبر البارى تعالى
لا یکون بخلاف مخبره، ونحن نشاهد من مسه غیر طاهر.
ودليلنا من جهة السنة الحديث المذكور أن لا يمس القرآن إلا طاهر. ودليلنا من جهة
المعنى أن هذا ممنوع من الصلاة لمعنى فيه، فكان ممنوعًا من مس المصحف كالمشرك أو
کالذی غمرت جسده النجاسة.
مَالِك: وَلا يَحْمِلُ أَحَدٌ الْمُصْحَفَ بِعِلَاقَتِهِ وَلا عَلَى رِسَادَةٍ إِلا وَهُوَ طَاهِرٌ، وَلَوْ
جَازَ ذَلِكَ لَحُمِلَ فِى خَبِيَتِهِ، وَلَمْ يُكْرَهْ ذَلِكَ إلا أن يَكُونَ فِى يَدَىِ الَّذِى يَحْمِلُهُ
شَىْءٌ يُدَنِسُ بِهِ الْمُصْحَفَ، وَلَكِنْ إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِمَنْ يَحْمِلُهُ وَهُوَ غَيْرُ طَاهِرٍ إِكْرَامًا
لِلْقُرْآنِ وَتَعْظِيمًا لَهُ.
الشرح: هذا كما قال، وبه قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: لا بأس أن يحمله بعلاقة،
٤٦٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤٤٣. عبد الرازق فى المصنف ٦٧٩٣ عن معمر.

٤٠٥٠
كتاب الصلاة .
ويحمله على وسادة. والدليل على ما نقوله أن هذا محدث، فلم يجزله ذلك كما لو باشره
بالحمل، ومن أصح الاستدلال فيه ما استدل به مالك، رحمه الله، فى قوله: ولو جاز
ذلك لحمل فى أخبيته لأن الذى يحمله فى علاقته غير مباشر له، ولم يمنعه من حمله إلا
أنه محدث قاصد لحمله، وإذا كان هذا المعنى موجودًا، فيمن حمله بعلاقته، وجب أن
یکون ممنوعًا من حمله.
فصل: وقوله: «ولم یکره له ذلك إلا أن یکون فی ید الذى يحمله نجاسة يدنس بها
المصحف))، ردًا على من فرق بين حمله بعلاقته أو على وسادة، وبين مباشرته بالحمل،
ولكن منع من ذلك تعظيمًا للقرآن، ومن التعظيم له أن يمنع من حمله بعلاقته، وأما إن
حمله فى غرارة بين متاعه أو غير ذلك من أسبابه، فلا بأس بذلك لأنه غير قاصد لحمله.
قَالَ مَالِك: أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِى هَذِهِ الآيَةِ ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾
[الواقعة: ٧٩] إِنَّمَا هِىَ بِمَنْزِلَةٍ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِى فِى عَبَسَ وَتَوَلَّى قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ
وَتَعَلَى ﴿كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ فِى صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِى
سَفَرَةِ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١١ - ١٦].
الشرح: ذهب مالك، رحمه الله، فى هذه الآية إلى أنها على الخبر عن اللوح
المحفوظ أنه لا يمسه إلا الملائكة المطهرون. وقال: إن هذا أحسن ما سمع فى هذه الآية.
وقد ذهب جماعة من أصحابنا إلى أن معنى الآية النهى للمكلفين من بنى آدم عن مس
القرآن على غير طهارة، وقولوا: إن المراد بالكتاب المكنون المصاحف التی بأیدی الناس.
وقوله تعالى: ﴿لا يمسه﴾ [الواقعة: ٧٩]، وإن كان لفظ الخبر، فإن معناه النهى لأن
خبر الباری تعالى لا يكون بخلاف مخبره ونحن نرى اليوم من يمسه غير طاهر، فثبت أن
المراد به النهى، وجعلوا هذا حجة على المنع من مس المصحف على غير طهارة.
وأدخل مالك، رحمه الله، تفسير هذه الآية فى باب الأمر بالوضوء لمن مس القرآن
وليس يقتضى ظاهر تأويله لها الأمر بذلك، ولكن يصح أن يدخله فى الباب لمعنيين،
أحدهما: أنه أدخل هو أول الباب ما يصحح هو الاحتجاج به على الأمر بالوضوء لمن
مس القرآن، وأدخل فى آخر الباب ما يحتج به الناس فى ذلك، وليس عنده بحجة، فأتى
به وبين وجه ضعف الاحتجاج به، وهذا ما يفعله أهل الدين والإنصاف، ومن عصمه
الله من التعصب.

٤٠٦
كتاب الصلاة
والوجه الثانى أنه يحتمل أن يكون مالك، رحمه الله، أدخل هذا التأويل أيضًا على
وجه الاحتجاج فى وجوب الوضوء لمن مسَّ المصحف، وذلك أن البارى تعالى وصف
القرآن بأنه كريم؟، وأنه فى الكتاب المكنون الذى لا يمسه إلا المطهرون، فوصفه بهذا
تعظيمًا له، والقرآن المكنون فى اللوح المحفوظ، هو المكتوب فى المصاحف التى بأيدينا،
وقد أمرنا بتعظيمها، فيجب أن نمتثل ذلك بما وصف الله القرآن به من أنه لا يمس
الكتاب الذى هو فيه إلا مطهر، وهذا وجه صحيح سائغ.
مسألة: وقد يبيح مس القرآن بغير طهارة ضرورة التعلم، وهل يبيح ذلك ضروة
التعليم؟ روى ابن القاسم عن مالك إباحته وكرهه ابن حبيب. وجه رواية ابن القاسم أن
المعلم يحتاج من تكرر مسه، ما تلحقه المشقة باستدامة الطهارة له، فأرخص له فى ذلك
كالمتعلم. ووجه قول ابن حبيب أنه غير محتاج لتكرار مسه لحفظ، وإنما ذلك لمعنى
الصناعة والكسب.
مسألة: وهذا فى المصحف الجامع. وفى العتبية: كره مالك أن يكتب القرآن أسداسًا
وأسباعًا فى المصاحف [ ......... ](١) فيه وقال: قد جمعه الله وهؤلاء يفرقونه. وروى
عنه أشهب فى العتبية أنه قال: ومن المصاحف، فلا أرى أن ينقط ولا يزاد فى
المصاحف، وأما مصاحف صغار يتعلم فيها الصبيان وألواحهم فلا بأس بذلك.
مسألة: ومنع مالك فقط المصحف الذى هو الإمام، قال فى العتبية: ويكتب من
الهجاء على المكتبة الأولى، ولا يكتب على ما أحكم الناس اليوم من الهجاء، قال: يبين
ذلك أن براءة لا يكتب فى أولها ((بسم الله الرحمن الرحيم)» لئلا يوضع شىء فى غير
موضعه، ويكتب فى الألواح فى أولها ((بسم الله الرحمن الرحيم)» سواء بدأ بأول سورة
أو غيره لأنه لا يجعل إمامًا، قال: وإنما كتب القرآن على ما كانوا يسمعونه من رسول الله
مسألة: فأما الذكر من غير القرآ،، فلا يمنع الحدث من النطق به، ولا من مسه. وفى
العتبية قال ابن القاسم: استخف مالك فى الخاتم المنقوش يكون فى الشمال أن يستنجی
به، قال: ولو نزعه كان أحب إلىّ وفيه سعة، ولم يكن من مضى يتحفظ من هذا قال
ابن القاسم: إذا استنجی به، وفيه ذکر الله سبحانه حرم.
(١) ما بين المعقوفتين بياض فى الأصل.

٤٠٧
كتاب الصلاة
الرخصة فى قراءة القرآن على غير وضوء
٤٦٦ - مَالِكِ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِى تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانِىِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ
عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ فِى قَوْمٍ، وَهُمْ يَقْرَعُونَ الْقُرْآنَ، فَذَهَبَ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ رَجَعَ وَهُوَ
يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتَقْرَأُ الْقُرْآنُ وَلَسْتَ عَلَى وُضُوءِ؟ فَقَالَ
لَهُ عُمَرُ: مَنْ أَقْنَاكَ بِهَذَا؟ أَمُسَيْلِمَةُ.
الشرح: قوله: ((كان فى قوم يقرءون))، دليل على جواز الاجتماع لقراءة القرآن،
على معنى الدرس له والتعليم والمذاكرة، وذلك بأن يقرأ المتعلم على المعلم أو يقرأ المعلم
على المتعلم، أو يتساويا فى العلم فيقرأ أحدهما على الآخر، على وجه المذاكرة له
والمدارسة له. وسئل مالك عن قراء مصر الذين يجتمع الناس إليهم، فكان رجل منهم
يقرأ فى النفر يفتح عليهم: أنه حسن لا بأس به، وقد قال مرة: أنه كرهه وعابه.
وقال: يقرأ ذا ويقرأ ذا، قال الله تعالى: ﴿فإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا
لعلكم ترحمون﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، ولو كان يقرأ واحد ويستثبت من يقرأ عليه أو
يقرءون واحدً واحدًا على رجل واحد، لم أر به بأسا ..
مسألة: وأما أن يجتمعوا، فيقرءون فى السورة الواحدة مثل ما يعمل أهل
الإسكندرية، وهى التى تسمى القراءة بالإدارة، فكرهه مالك، وقال: لم يكن هذا من
عمل الناس. ووجه ذلك الكراهية للمباراة فى حفظه والمباهاة بالتقدم فيه.
مسألة: وأما القوم يجتمعون فى المسجد أو غيره، فيقرأ لهم الرجل الحسن الصوت،
فإنه ممنوع، قاله مالك لأن قراءة القرآن مشروعة على وجه العبادة والانفراد بذلك أولى.
وإنما يقصد صرف وجوه الناس والأكل به خاصة، وفيه نوع من السؤال به، وهذا مما
يجب أن ينزه عنه القرآن.
فصل: وقوله: ((فذهب لحاجته))، كناية عن البول والغائط ثم رجع عمر، وهو يقرأ
القرآن ولم يمنعه حدثه عن القراءة، والحدث على ضربين، أكبر وأصغر، فأما الأكبر،
فإنه ينقسم إلى قسمين أحدهما: لا يمكن إزالته كالحيض، فلا يمنع القراءة على رأى.
والثانى: وهو الذى تمكن إزالته، فإنه يمنع من قراءة القرآن. وبه أبو حنيفة والشافعى.
وقال داود: لا تمنع الجنابة قراءة القرآن. وقد روى نحو ذلك عن مالك فى المختصر.
٤٦٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤٤٤. عبد الرزاق فى المصنف ٣٣٩/١.

كتاب الصلاة
٤٠٨
والدليل على ما نقوله أن هذا ركن يتكرر فى الصلاة، فلم يكن للجنب فعله كالركوع
والسجود، ومتى ثبت ذلك، فإنه يجوز للجنب قراءة اليسير من القرآن على وجه التعوذ
والتبرك وذكر الله تعالى، ولا حد لذلك.
وقال أبو حنيفة: يجوز أن يقرأ بعض آياته، ولا يجوز له إتمامها. وقال الشافعى: لا
يجوز للجنب أن يقرأ منه كلمة واحدة. والدليل على ما نقوله أن هذا مما تدعو الضروة
إليه للتعوذ، وذكر الله فلم تمنع الجنابة منه كما لم يمنع الحدث من مس الآية، والشىء
اليسير من القرآن فى الرسالة والخطبة.
مسألة: فأما الحدث الأكبر الذى لا يمكن إزالته، وهو الحيض، فهل يمنع القراءة أم
لا؟ عن مالك فى ذلك روايتان، إحداهما: أن الحيض لا يمنع قراءة القرآن.
وجه الرواية الأولى أن الحيض كدم الاستحاضة، وهو لا يمنع قراءة القرآن. ووجه
الرواية الثانية أن هذا حدث يوجب الغسل، فوجب أن يمنع قراءة القرآن كالجنابة، وأما
الحدث الأصغر، فإنه القراءة لتكرره، ولا خلاف فى ذلك نعلمه.
فصل: وقوله: ((تقرأ ولست على وضوء))، يحتمل من جهة اللفظ الاستفهام، ويحتمل
الإنكار إلا أن قول عمر له: ((من أنبأك بهذا مسيلمة؟)) يدل على أنه تلقى ذلك منه على
وجه الإنكار، وهذا القائل لعمر هو أبو مريم الحنفى إياس بن صبيح من قوم مسيلمة
الكذاب، وإنما أضاف عمر هذا القول إليه لما كان القائل به من قومه ولبعده عن
الصواب عنده.
وقد روى عن مالك ما يقتضى أن الوضوء مشروع له على وجه الاستحباب،
ويحتمل على هذا أن يكون أبو مريم أنكر على عمر لما كان إمام المسلمين أن يترك
الأفضل، وكان عمر بن الخطاب يأخذ فى بعض أوقاته بالإيسر لاسيما إذا كان فى ذلك
تخفيف للعبادة، ورفق بالناس فى استدامتها مع أن لفظ أبى مريم ظاهره الإنكار، وإنما
يتعلق ذلك بترك الواجب دون ترك المستحب، والله أعلم وأحكم.
مسألة: وأما قراءة القرآن فى الطريق، فقد قال مالك فى العتبية: أما الشىء اليسير لمن
يتعلم القرآن، فلا بأس به، وأما الرجل الذى يطوف بالكعبة يقرأ القرآن فى الطريق،
فليس من شأن الناس.

٤٠٩
....
كتاب الصلاة
ما جاء فى تحزيب القرآن
٤٦٧ - مَالِكِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَّيْنِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ
الْقَارِئِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، قَالَ: مَنْ فَاتَهُ حِزْبُهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَرَأَهُ حِينَ تَزُولُ
الشَّمْسُ إِلَى صَلاةِ الظُّهْرِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغْتُهُ أَوْ كَأَنَّهُ أَدْرَكَهُ.
الشرح: قوله: ((من فاته حزبه من الليل))، الحزب هو الجزء من القرآن، وفى هذا
تجزئة القرآن وتحزيبه أحزابًا على قدر قوة المكلف، يقرأ فى سبع أو عشر أو ثلاثين ليلة
أو أقل من ذلك أو أكثر على قدر طاقته.
فصل: وقوله: «فقرأه حین تزول الشمس إلى صلاة الظهر»، نرى أنه سهو من داود
بن الحصين لأن غيره من الرواة إنما رووه على غير هذا اللفظ. فروى عن ابن شهاب:
من قرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب كأنما قرأه من الليل. وقد قال مالك،
فيمن فاته حزبه من الليل فذكره بعد طلوع الفجر: يصليه فيما بينه بين صلاة الظهر؛
لأنه أقرب وقت يمكنه فيه فعله والإتيان به، والله أعلم وأحكم.
٤٦٨ - مَالِك، عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ أَنْهُ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ
حَبَّنَ جَالِسَيْنٍ، فَدَعَا مُحَمَّدٌ رَجُلًا فَقَالَ: أَخْبِرْنِى بِالَّذِى سَمِعْتَ مِنْ أَبِيكَ، فَقَالَ
الرَّجُلُ: أَخْبُرَنِى أَبِى أَنَّهُ أَتَى زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ تَرَى فِى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِى
سَبْعِ؟ فَقَالَ زَيْدٌ: حَسَنٌ وَلأَنْ أَقْرَأَهُ فِى نِصْفٍ أَوْ عَشْرٍ أَحَبُّ إِلَىَّ، وَسَلْنِى لِمَ ذَاكَ؟
قَالَ: فَإِنِّى أَسْأَلُكَ، قَالَ زَيْدٌ: لِكَىْ أَتَدََّهُ وَأَقِفَ عَلَيْهِ.
الشرح: قوله: ((كيف ترى فى قراءة القرآن فى سبع ليال، فقال زيد: حسن))، وزاد
على سؤال السائل بما فيه بيان وجه الاستحسان، وهو الوقوف عليه والتدبر له وأن قراءة
القليل مع ذلك أفضل عنده من قراءة الکثیر دون تدبر ولا وقوف علیه.
مسألة: وقد تكلم الناس فى الترتيل والهز، فذهب الجمهور إلى تفضيل الترتيل، قال
٤٦٧ - أخرجه مسلم فى صلاة المسافرين وقصرها حديث رقم ٧٤٧. والنسائى فى الصغرى فى
قيام الليل وتطوع النهار حديث رقم ١٧٨٩، ١٧٩٠، ١٧٩١. وأبو داود فى الصلاة حديث
رقم ١٣١٣. وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١٣٤٣. وأحمد فى المسند
حديث رقم ٢٢٠، ٣٧٩. والدارمى فى حديث رقم ١٤٧٧.
٤٦٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤٤٦.