Indexed OCR Text

Pages 841-860

٣٧٠
كتاب الصلاة
وأما قوله: ((وركبانًا))، فيريد على رواحلهم لأن فرض النزول إلى الأرض يسقط
بالخوف، وكذلك كل من خاف على نفسه من لصوص أو سباع أو غير ذلك، فإنه
يصلى على راحلته، قال مالك فى المدونة: حيث توجهت به، وكان أحب إليه إن أمن
فی الوقت أن یعید، ولم يره کالعدو، فقوله: حيث توجهت به، يحتمل أن یکون ذلك
فى الممنوع من الوقوف وحاجته إلى الفرار، وفرق بين ذلك وبين العدو، وأن يكون
خوف هؤلاء غير متيقن، ولو استوى تيقن الخوفين أو ظنهما لاستوى حكمهما، لكنه
حكم فى كل قسم بأغلب أحواله، والله أعلم.
مسألة: وهذا إذا كان مطلوبًا، فإن كان طالبًا، فهل يجوز له ذلك أم لا؟ قال ابن
عبدالحكم: لا يصلى إلا بالأرض صلاة الأمن. وقال ابن حبيب: هو فى سعة من ذلك،
وإن كان طالبًا لأن أمره إلى الآن مع عدوه لم ينقض ولا يأمن رجوعه إليه. وحكى
ذلك عن مالك، ويحتمل أن يكون ابن عبدالحكم رأى أن الذى قد بلغ بعدوه مبلغا أمن
رجوعه، ويحتمل أن يمنع ذلك الطالب بكل وجه لأن أشد أحواله أن يمكنه إقامته الصف
ومدافعة العدو، وهذه حالة لا تبيح الصلاة على الدابة، وإنما تبيح بالأرض صلاة الخوف
والله أعلم وأحکم.
٤٣٩ - مَالِك، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسّيَّبِ أَنَّهُ قَالَ: مَا صَلَّى
رَسُولُ اللَّهِ ﴿ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ(١).
الشرح: قوله: ((ما صلى رسول الله 48 الظهر والعصر يوم الخندق حتى غابت
الشمس))، يحتمل أن يكون تأخيره للصلاتين نسيانًا، ويحتمل أن يكون ذلك لأجل
الخوف والشغل بحرب المشركين، وذلك قبل أن يكون حكم صلاة الخوف ما هو عليه
اليوم، قاله ابن حبيب، ثم نسخ تأخير الصلاة لصلاة الخوف، وفيه أنه قضاها بعد انقضاء
وقتها على ترتيبها.
قَالَ مَالِك: وَحَدِيثُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ
إِلَىَّ فِى صَلاةِ الْخَوْفِ.
٤٣٩ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤١٧.
(١) قال فى الاستذكار ٨٢/٧: قد احتج بهذا من ذهب إلى أن صلاة الخوف تؤخر إذا لم
يستطع عليها على وجهها إلى وقت الأمن والاستطاعة. وهذا قول جماعة من فقهاء أهل الشام
شذوا عن الجمهور الذين هم الحجة على من خالفهم. وقد بلن فساد ما ذهبوا إليه بالحديث
الثابت أن يوم الخندق قبل صلاة الخوف، وقبل نزول الآية فيه.

٣٧١٠
کتاب الصلاة
الشرح: قد تقدم الكلام فى ذلك وبيان الاختلاف فيه، وقد يختلف حديث القاسم
ابن محمد ويزيد بن رومان فى مسائل من السهو نشير منها إلى ما يدل على غيره،
وذلك أن الإمام لو سها فى الركعة التى صلى بالطائفة الأولى، فقد قال ابن القاسم فى
المدونة: تصلى الأولى باقى صلاتها، وتسجد للسهو قبل السلام أو بعده، ثم تأتى
الطائفة الثانية، فتصلى معه ركعة ثم يجلس الإمام حتى تتم بقية صلاتها ثم تسجد معه
لسهوه كان قبل السلام أو بعده، وهذا على حديث يزيد بن رومان، وأما على حديث
القاسم، فإن الإِمام يصلى بالطائفة الثانية ركعة ثم يسلم، فإن كان سجوده قبل السلام
يسجد من معه معه، وإن كان بعد السلام لم يسجدوا معه، وليسجدوا بعد أن يسلموا
من تمام صلاتهم.
العمل فى صلاة الكسوف
٤٤٠ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النّبِىِّ ﴿ أَنْهَا
قَالَتْ: حَسَفَتِ الشَّمْسُ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ فَصِلَى رَسُولُ اللِّ ﴿ْ بِالنَّاسِ فَقَامَ
فَأَطَالَ الْقِيَامَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ
ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَحَدَ ثُمَّ فَعَلَ فِى
الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ انْصَرَفَ، وَقَدْ تَخَلَّتِ الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللّهَ
وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آَيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ
وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمَّ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ وَكَبِرُوا وَتَصَدَّقُوا ثُمَّ قَالَ: يَا أَمَّةَ مُحَمَّدٍ
وَاللّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِىَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِىَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ
تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا)».
٤٤٠ - أخرجه البخارى فى الجمعة حديث رقم ١٠٤٤. ومسلم فى حديث رقم ٩٠١، ٩٠٣.
والترمذى فى الجمعة حديث رقم ٥١٤. والنسائى فى الصغرى فى الكسوف حديث رقم
١٤٦٤، ١٤٦٥، ١٤٧١، ١٤٧٣، ١٤٧٤، ١٤٧٥، ١٤٧٦، ١٤٩٦، ١٤٩٨، ٠١٤٩٩
وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ١١٧٧، ١١٨٠، ١١٩١. وابن ماجه فى إقامة الصلاة
والسنة فيها حديث رقم ١٢٦٣. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٣٧٤٧، ٢٣٩٥٢،
٢٤٧٨٤، ٢٤٨٢٣. والدارمى فى الصلاة حديث رقم ١٥٢٧، ١٥٢٩.

٣٧٢
كتاب الصلاة
الشرح: اختلفت الرواية فى صفة صلاة الكسوف، أصحهاحديث عروة وعمرة عن
عائشة، فرواته أئمة هشام والزهرى عن عروة وعمرة عن عائشة، وقد تابعها على ذلك
ابن عباس وبه أخذ الفقهاء مالك والثورى والشافعى.
وقول عائشة: ((خسفت الشمس على عهد رسول الله ﴿﴿))، ذهب قوم من السلف
وأهل اللغة إلى أنه لا يقال كسفت، وإنما يقال خسفت الشمس، وإنما يستعمل
الکسوف فی القمر، روی ذلك عن عروة.
وقال آخرون يقال: كسفت وخسفت، بمعنى واحد، ويستعملان جميعًا فى الشمس
والقمر، ومعنى الكسوف والخسوف ذهاب ضوئهما.
فصل: وقوله: ((فصلى رسول الله ﴿ بالناس))، قال مالك: صلاة الخسوف سنة.
قال ابن حبيب: على الرجال والنساء، ومن عقل الصلاة من الصبيان والمسافرين والعبيد.
وجه ذلك أن هذه صلاة مسنونة لم تشرع لها خطبة، فكانت على الرجال والنساء
کالوتر.
فصل: وقوله: ((فأطال القيام))، وذلك لطول القراءة، وقد فسر ذلك ابن شهاب فى
حديثه، فقال: فكبر فاقتراً رسول الله 49 قراءة طويلة، ويستفتح القراءة فى الركعة
الأولى والثالثة بأم القرآن، وأما الثانية والرابعة فإنه يقرأ فيهما بالسورة، وهل يستفتح
قراءتهما بأم القرآن أم لا؟ قال مالك: يستفتح بأم القرآن. وقال محمد بن مسلمة: لا
يقرأ فيهما بأم القرآن.
وجه القول الأول أنها قراءة بركعة، فوجب أن تستفتح بأم القرآن كالأولى، وأيضًا
فإنه إنما يقرأ فى كل ركعة بعد أم القرآن بسورة واحدة، فلما قرأ بعد الركعة الثانية
بسورة أخرى، ثبت لها حكم الركعة المفردة فى القراءة، وذلك يقتضى القراءة بأم
القرآن فيها.
ووجه القول الثانى أن الركعتين فى حكم الركعة الواحدة بدليل أن المأموم يجزيه
إدراك إحداهما، وأن القراءتين فى حكم القراءة الواحدة، فوجب أن لا يتكرر فيهما
قراءة أم القرآن.
مسألة: فأما صفة القراءة فى صلاة الكسوف، فإنها سر، وبذلك قال أبو حنيفة
والشافعى. وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن: يجهر بالقراءة فيها.

٣٧٣
كتاب الصلاة ..
والدليل على ما نقوله حديث ابن عباس المذكور بعد هذا: ((فقام طويلاً نحوًا من
سورة البقرة))، فوجه الدليل منه أنه افتقر إلى التقدير لما لم يعلم ما قرأ به، ولو جهر
بالقراءة لعم ما قرأ به، ولم يفتقر إلى التقدير، ولذكر المقروء به.
مسألة: وأما مقدار القراءة فى صلاة الكسوف، فإن مالكًا، رحمه الله، بستحب أن
يقرأ فى الأولى بسورة البقرة، وفى الثانية بآل عمران، وفى الثالثة بسورة النساء، وفى
الرابعة بسورة المائدة، وإلى نحو ذلك ذهب الشافعى.
والدليل على ذلك قوله فى القيام الثانى: فأطال القيام، وهو دون القيام الأول، وكرر
ذلك فى حديث ابن عباس فى جميع القيام.
فصل: وقوله: (ثم ر کع فأطال الركوع))، يعنى أنه خالف فیه عادته فى سائر
الصلوات كما خالف عادته فى القيام، لأن التغيير دخل على واحد منهما. قال مالك:
ویکون ر کوعه نحوًا من قيامه وقراءته.
وقد اختلف أصحابنا فى تطويل السجود، فقال ابن حبيب: لا يطول السجود. وقال
ابن القاسم: يطيل السجود.
وجه قول ابن حبيب أن الإطالة نوع من التغيير، فلم يلحق السجود كالتكرار.
ووجه قول ابن القاسم ما روت عمرة فى حديث عائشة: «ثم سجد سجودا طويلاً)»
وذكرت من تدريج السجود فى الطول على حسب ما ذكرت من ذلك فى القيام
والركوع.
ومن جهة المعنى أن هذا ركن من أركان أفعال الصلاة يتكرر فرضًا فدخله التغيير
کالركوع.
فصل: وقوله: ((ثم فعل فى الركعة الآخرة مثل ذلك))، يعنى من التغيير بالتكرار
والتطويل.
وقوله: ((ثم انصرف)، يعنى الانصراف عن الصلاة، وقد تجلت الشمس، يحتمل أن
انصرافه من الصلاة كان عند تجلى الشمس من الكسوف، وهى السنة، ولذلك تطال
القراءة والركوع والسجود ليكون انقضاء الصلاة بقدر ما عهد فى الأغلب من دوام
الكسوف، فإن أتم الصلاة قبل انجلائه، فإنه لا تعاد الصلاة؛ ولكنه يُصلى من شاء لنفسه
ر کعتین ر کعتین، ويحتمل أن یرید أنه انصرف، وقد كانت تجلت الشمس قبل ذلك،

كتاب الصلاة
٣٧٤
وهذا مختلف، فإن تجلت قبل أن يكمل ركعة بسجدتيها كملها، وإن تجلت الشمس وقد
صلى ركعتين وسجدتين، فقد قال أصبغ: إنه يصلى الركعة الثانية مثل الأولى.
وقال سحنون: يصليها ركعة واحدة بسجدتين على سنة صلاة الكسوف، لزمه
إتمامها على حسب ما دخل فيه.
ووجه قول سحنون أن علة التغيير فى الصلاة الكسوف، فإذا زال الكسوف زال
التغيير، ووجب إتمام الصلاة على سنة النوافل.
فصل: وقوله: ((فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه))، يريد أنه أتى بكلام على
نظم الخطب، فيه ذكر الله تعالى وحمده وثناء ووعظ للناس، وليس بخطبتين يرقى لهما
المنبر، ويجلس فى أولهما وبينهما، هذا قول مالك رحمه الله تعالى.
وقال أبو حنيفة والشافعي: الخطبة لصلاة الكسوف كالخطبة لصلاة الاستسقاء
والعيدين والجمعة.
والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك أن هذه صلاة نفل لم يجهر فيها بالقراءة، فلم
يكن من سنتها الخطبة كسائر النوافل.
فصل: وقوله: ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله)) الآية فى كلام العرب
العلامة، ويحتمل قوله: ((من آيات الله))، أن يريد به أن ذلك من آياته التى يستدل بها
على وحدانيته وقدرته وعظمته، ويحتمل أن يريد به أنهما من علامات تخويفه وتحذيره
بآياته وسطوته، قال الله تعالى: ﴿وما نرسل بالآيات إلا تخويفًا﴾ [الإسراء: ٥٩].
فصل: وقوله :48: ((فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وتصدقوا) أمر عند
الخسوف بالدعاء والتصريح بالتوبة والمغفرة، وصرف البلاء، وأمر بالتكبير والثناء عليه
لأنه مما يتقرب به إليه ويستجلب به رضاه، ويستدفع بأسه وسطوته، وأمرهم بالصدقة
لأنها من أقرب الأعمال التى يمكن استعجالها، وأما الصوم والحج والجهاد، فإنها مما
يتأخر أمرها.
فصل: قوله ﴿13: ((يا أمة محمد والله ما من أحد أغير من الله أن يزنى عبده أو تزنى
أمته» وعظهم فى أول كلامه ثم أمرهم بأعمال البر ونهاهم عن المعاصى، وأعلمهم أنه
ليس أحد أغير من الله، وإذا كان الواحد منا يغار على أن يزنى عبده أو أمته، وليس
أحد أغير من البارى تعالى، فيجب أن يحدد عقوبته فى مواقعة الزنا، وأقسم فى أول هذه

٠ ٣٧٥
كتاب الصلاة
الفصول، وإن كان لا يرتاب فى صدقه على معنى التأكيد، والإبلاغ، وناداهم بيا ((أمة
محمد)) على معنى إظهار الإشفاق عليهم، والتذكير لهم بما يعملون به إشفاقًا عليهم
ورحمة لهم، كما يخاطب الرجل ولده: يا بنى، وأخاه: يا أخى، وغير ذلك، والله
أعلم.
فصل: وقوله ﴿): ((والله لو تعملونه ما أعلم لضحكتم قليلاً ولیکتیم کثیرًا))، یرید
أنه ◌ّ قد خصه الله تعالى بعلم لا يعلمه غيره ونور به قلبه، ولعله أن يكون ما أراه فى
عرض الحائط من النار، فرأى منها منظرا شنيعًا لو علمت أمته من ذلك ما علم لكان
ضحكهم قليلاً وبكاؤهم كثيرًا، إشفاقًا وخوفًا.
٤٤١ - مَالِك، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَّاسٍ
أَنْهُ قَالَ: حَسَفَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﴿ وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً
نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، قَالَ: ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فَقَّامَ
قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ
الأوَّلِ، ثُمَّ سَحَدَ ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَّ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلا
وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاَ وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ
رُكُوعًا طَوِيلا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَحَلَّتِ الشَّمْسُ
فَقَالَ: (إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لا يَحْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ
فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَّلْتَ شَيْئًا فِى مَقَامِكَ
هَذَا ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ. فَقَالَ: ((إِنِى رَأَيْتُ الْحَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا وَلَوْ أَخَذْتُهُ
لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا وَرَأَيْتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمٍ مَنْظَرًا قَطُ وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا
النِّسَاءَ). قَالُوا: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((لِكُفْرِمِنَّ) قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللّهِ؟ قَالَ:
((يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ(١) لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَّأَتْ
مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَظُ)).
٤٤١ - أخرجه البخارى فى الجمعة حديث رقم ١٠٥٢. ومسلم فى حديث رقم ٩٠٧. والنسائى
فى الصغری فی الکسوف حديث رقم ١٤٦٨، ١٤٩٢.
(١) كفران العشير: إنكار نعمة الزوج. وكفران الإحسان: إنكار المعروف.

٣٧٦
....
كتاب الصلاة
الشرح: قوله: ((نحوًا من سورة البقرة))، دليل على أنه لم يجهر بالقراءة، ولو جهر بها
لکان تبليغ ما قرأ به ابلغ قی تقدیر صلاته.
وقوله، فى وصف القيام الثالث والرابع: ((وهو دون القيام الأول والذى يليه)).
ووجه ذلك أن وصفه بأنه دون القيام الذى يليه أبين فى وصفه لأننا إن صرفناه إلى أول
قيامه لم يعلم إن كان تقدير الثانى أكثر منه أو أقل، فكانت إضافته إلى الذى يليه أولى.
فصل: وقوله: ((رأيناك تناولت شيئًا فى مقامك، ثم رأيناك تكعكعت))، يحتمل أنه
فعل ذلك فى صلاته لأن يسير العمل لا يفسدها.
وقوله ﴿﴿: ((رأيت الجنة والنار)) ظاهر هذا اللفظ يقتضى أنه رآهما حقيقة يبين ذلك
قوله: ((فتناولت منها عنقودًا) يعنى أنه مد يده ليأخذه، وهو التناول الذى رأوه يفعله
ولا يمتنع أن يخلق البارى تعالى له إدراكًا فى ذلك الوقت، يدرك به الجنة والنار فى جهة
الحائط الذى أشار إليه.
فصل: وقوله 18: ((ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا)) يريد أنهم كانوا يأكلون
منه ويأكل منه من بعدهم حتى تنقضى الدنيا لأنه كان لا يفنى ولا تنقطع ثمرته،
فأخبرهم بذلك عن تناوله وأخبرهم عن تكعكعه فقال: ((ورأيت النار فلم أر كاليوم
منظرًا قط)) يريد أنه لم ير كمنظر رآه فى اليوم منظرًا، فحذف المرئى وأدخل حرف
التشبيه على اليوم، وأراد بذلك الإخبار عن شناعة ما رأى بوفظاعته وبعده عن المناظر
المريبات.
فصل: وقوله: ((ورأيت أكثر أهلها النساء)) أخبر بذلك عن صفة النار، ووعظ النساء
وزجرهن عن الأعمال الموجبة لذلك، فقالوا: ((لم يا رسول الله؟ قال: بكفرهن)) فأطلق
اسم الكفر على فعلهن، وإن كان يقتضى فى الشرع الكفر بالله لما تقرر فى علم السامع
أنه أراد جنس النساء، وأنه يبعد أن يكون جميعهن كافرات إلا أن يريد بذلك شرع
فيكذب إقرارهن بالإيمان. والعشير الزوج، قال صاحب العين: عشير المرأة زوجها.
وقال الهروى: يريد بقوله : ((ويكفرن العشير)) الزوج، سمى عشيرا لأنه يعاشرها
وتعاشره. وهو قول أكثر أهل اللغة والتفسير. وقال مكى فى قوله تعالى: ﴿لبئس المولى
ولبئس العشير﴾ [الحج: ١٣] أى الخليط والصاحب. وقال مجاهد: العشير، يعنى الولى،
يريد، والله أعلم، أنه يقوم له مقام العشير.
وقال صاحب العين: يقال هذا عشيرك وشعيرك على القلب، فعلى هذا يحتمل أن

٠ ٣٧٧
كتاب الصلاة
يريد بقوله: العشير، الزوج خاصة، بمعنى أنه اسم من أسمائه، ويحتمل أن يريد به كل
من يعاشرها من زوج أو غيره، والله أعلم.
فصل: وقوله : ((لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئًا قالت:
ما رأيت منك خيرًا قط)) وعظ وزجر عن كفر الإحسان وجحده عند بعض التغيير
ومواقعة شىء من الإساءة فإنه لا يسلم أحد مع طول المؤالفة من إساءة أو مخالفة فى
قول أو فعل، فلا يجحد لذلك كثير إحسانه ومتقدم أفضاله.
٤٤٢ - مَالِكِ، عَنْ يَخْتِى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنٍ، عَنْ عَائِشَةً
زَوْجِ الِّىِّ ﴿ أَنَّ يَهُوِيَّةٌ جَاءَتْ تَسْأَلُهَا، فَقَالَتْ: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ،
فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ أَيْعَذْبُ النّاسُ فِى قُبُورِهِمْ؟ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ عَائِذًا
بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبًا فَخَسَفَتِ الشَّمْسُ فَرَجَعَ
ضُحِّى، فَمَرَّ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ الْحُجَرِ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّى، وَقَامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلا
ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلا، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ فِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ
رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ ثُمَّ قَامَ فِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ
دُونَ الْقِيَامِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ
قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ
الأوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ ثُمَّ سَحَدَ ثُمَّ أَنْصَرَفَ فَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَوَّذُوا
مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ.
الشرح: قوله: ((إن يهودية جاءت تسألها))، تريد عطاء، فقالت: ((أعاذك الله من
عذاب القبر)، تدعو لها بذلك، ولعل اليهودية سمعته فى التوراة أو غيرها من كتبهم،
٤٤٢ - أخرجه البخارى فى الجمعة حديث رقم ١٠٤٤، ١٠٥٠. ومسلم فى حديث رقم ٩٠١،
٩٠٣. والترمذى فى الجمعة حديث رقم ٥١٤. والنسائى فى الصغرى فى الكسوف حديث
رقم ١٤٦٤، ١٤٦٥، ١٤٧١، ١٤٧٣، ١٤٧٤، ١٤٧٥، ١٤٧٦، ١٤٩٦، ١٤٩٨،
١٤٩٩. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ١١٧٧، ١١٨٠، ١١٩١. وابن ماجه فى إقامة
الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١٢٦٣. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٣٦٥٨، ٢٣٧٤٧،
٢٣٩٥٢، ٢٣٩٩٩، ٢٤٧٨٤، ٢٤٨٢٣، ٢٤٨٩١، ٠٢٥٤٧٧ والدارمى فى الصلاة
حدیث رقم ١٥٢٧، ١٥٢٩.

كتاب الصلاة
٣٧٨
فسألت عائشة رسول الله ﴿ عما سمعته لما لم يعلم حقيقته، وإنما كانت تسمع أن
العذاب والثواب يكون بعد البعث، ولم تكن سمعت قبل ذلك بعذاب القبر، فقال ﴿﴾
عائذًا بالله من ذلك، يحتمل أن يريد أنه تعوذ بالله من أن يعذب الناس فى القبور، وإن
لم يكن أخبر بذلك، ويحتمل أن يريد أنه تعوذ بالله من عذاب القبر، وإن كان الناس
یعذبون فى قبورهم.
فصل: وقوله: ((ثم ركب رسول الله 48 ذات غداة مركبًا، فخسفت الشمس،
فرجع ضحى»، فى ذلك مسألتان، إحداهما: وقت صلاة الكسوف، والثانية: موضعها،
فأما وقتها، ففى هذا الحديث دليل على أنه ﴿﴾ صلاها ضحى، ولهذه الصلاة وقت
مختص بها، أوله وقت جواز النافلة بعد طلوع الشمس، وخلاف فى ذلك، وأما آخره،
فعن مالك فى ذلك ثلاث روايات، إحداهما: أن آخر وقتها زوال الشمس، رواها ابن
القاسم عن مالك. والثانية: آخر وقتها امتناع صلاة النافلة بعد العصر، رواها ابن وهب
عن مالك. والثالثة: تصلى بعد العصر، وفى كل وقت، رواها الشيخ أبو القاسم بن
الجلاب.
وجه الرواية الأولى أنها صلاة نفل شرعت ضحى، فوجب أن يكون وقتها ما لم تزل
الشمس كالعيدين والاستسقاء.
ووجه الرواية الثانية أن هذه صلاة نافلة لم يشرع لها خطبة كسائر النوافل.
ووجه الرواية الثالثة قوله : «فاذا رأيتم ذلك بهما، فافزعوا إلى الصلاة».
ومن جهة المعنى، أن هذه صلاة شرعت لعلة غير باقية، فوجب أن تختص بوجود
تلك العلة دون سائر الأوقات كصلاة الخوف.
وأما المسألة الثانية فى الموضع الذى يصلى فيه، فمن سنتها أن تصلى فى المسجد دون
المصلى. حكى ذلك القاضى أبو محمد عن مالك. وقال ابن حبيب عن أصبغ: تصلى فى
المسجد إن شاءوا أو فی صحنه أو پبرزوا لها إلى البراز کل ذلك واسع.
وجه ما قاله مالك أن النبى ﴿لَ﴾ صلاها فى المسجد. ومن جهة المعنى أن هذه صلاة
نافلة لا يجهر فيها القراءة فلم يسن لها البروز كسائر التوافل.
ووجه قول أصبغ أن هذه صلاة سن لها البذاذة، فلم يمنع من البروز لها كصلاة
الاستسقاء.

......... ٣٧٩
كتاب الصلاة .
فصل: وقوله: ((ثم الصرف، فقال ما شاء الله أن يقول)) يقصده به تعظيم كلامه
ومبالغته فیما قصد إلى الكلام به.
وقولها: ((ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر))، يحتمل أن يكون قد تقدم علمه
بذلك وظن أنه قد شمل ذلك أصحابه، فلما رأى سؤال عائشة عن ذلك احتاج إلى أن
یذ کر به ويأمرهم بالاستعاذة منه، ويحتمل أنه لم یکن عنده قبل ذلك علمه، فكان سؤال
عائشة سبب ان یعلم به، فأمر أصحابه أن يتعوذوا به.
ما جاء فى صلاة الكسوف
٤٤٣ - مَالِكِ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ
أَبِى بَكْرِ الصِّدِّيقِ أَنْهَا قَالَتْ: أَيْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النّبِىِّ ﴿ حِينَ خَسَفَتِ الشَّمَسُ،
فَإِذَا النّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ، وَإِذَا هِىَ قَائِمَةٌ تُصَلّى، فَقُلْتُ: مَا لِلنَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا
نَحْوَ السَّمَاءِ، وَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللّهِ، فَقُلْتُ: آيَةٌ، فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ نَعَمْ، قَالَتْ:
فَقُمْتُ حَتَّى تَحَلَانِى الْغَشْىُ وَحَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِى الْمَاءَ، فَحَمِدَ اللَّهَ رَسُولُ
اللّهِ ﴿ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: (مَا مِنْ شَىءٍ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلاَ قَدْ بَيْتُهُ فِى مَقَامِى
هَذَا، حَتَّى الْحَنَّهُ وَالنَّارُ، وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِىِ الْقُبُورِ مِثْلَ أَوْ قَرِيبًا مِنْ
فَِّةِ الدَّجَّالِ، لا أَدْرِى أَيْتَّهُمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ، يُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيَقَالُ لَّهُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا
الرَّحُلِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوِ الْمُوقِنُ - لا أَدْرِى أَنَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: هُوَ
مُحَمَّدَ رَسُولُ اللَّهِ حَاءَنَا بِالْبَيَِّاتِ وَالْهُدَى، فَأَجِبْنَا وَآمَنًا وَاتْبَعْنَا، فَيَّقَالُ لَهُ نَمْ صَالِحًا
قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُؤْمِنًا، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ - أَوِ الْمُرْتَابُ لا أَدْرِى أَيْتَهُمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ
- فَيَقُولُ: لا أَدْرِى سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ)).
الشرح: قولها: ((أتيت عائشة، فإذا هى قائمة تصلى، فقلت: ما للناس))، دليل على
٤٤٣ - أخرجه البخارى فى العلم حديث رقم ٨٦. ومسلم فى الكسوف حديث رقم ٩٠٥.
والنسائى فى الصغرى فى الجنائز حديث رقم ٢٠٦١. وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها
حديث رقم ١٢٦٥. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٦٣٨٥، ٢٦٤١٤، ٢٦٤٥٢. والدارمى
فى الصلاة حديث رقم ١٥٣١.

كتاب الصلاة
٣٨٠
استجازتها سؤال المصلى ومخاطبته بالأمر اليسير الذى لا يشغله عن صلاته لأنه مباح له
الجواب بالإشارة على حسب ما صنعت عائشة، أشارت بيدها إلى السماء، وقالت:
سبحان الله، وهذا يدل على أن حكم النساء كان عندهم حكم الرجال فى التسبيح
دون التصفيق.
وقولها: ((فقلت: آية، فأشارت برأسها أن نعم» يقتضى أنها كانت تجوز الإشارة
بالید والرأس.
وقولها: ((فقمت حتى تجلانى الغشى))، دليل على طول القيام. وروى عن جابر أن
ذلك كان فى يوم شديد الحر، ولعلها لذلك كانت صبت الماء على رأسها لتزيل ألم
الحر.
فصل: وقولها: ((فحمد الله وأثنى عليه))، دليل على استفتاحه 18 كلامهم بالحمد
لله، ولذلك وصف كلامه بعض الرواة بأنه خطبة، ثم قال: ((ما من شىء لم أكن رأيته
إلا وقد رأيته فى مقامى هذا) يحتمل أن يريد مما يصف الناس إليه، وفى ذلك وعظ
للناس حین یخبر عن عیان.
وقوله: ((حتى الجنة والنار)) لأنهما غاية مصير الناس.
فصل: وقوله: ((ولقد أوحى إلى أنكم تفتنون فى القبور)) بيان أنه أعلم بذلك فى ذلك
الوقت، والفتنة الاختبار، وليس الاختبار بالقبر بمنزلة التكليف والعبادة، وإنما معناه إظهار
العمل وإعلام بالمآل والعاقبة كاختبار الحساب لأن العمل والتكليف قد انقطعا بالموت.
قال مالك: ومن مات فقد انقطع عمله. وفتنة الدجال، بمعنى التكليف والتعبد لكنه
شبهها بها لصعوبتها، وعظم المحنة فيها، وقلة الثبات معها.
فصل: وقوله: ((يؤتى أحدكم فيقال له: ما علمك بهذا الرجل)) إشارة إلى النبى
فإما المؤمن أو الموقن، شك من الراوى عن أسماء، فيقول: ((محمد رسول الله جاءنا
بالبينات والهدى، فأجبنا وآمنا واتبعنا))، فالأظهر أنه المؤمن لقوله: فآمنا، ولم يقل
فأيقنا، فيقال له: ((لم صالحًا))، النوم هاهنا العودة، إلى ما كان عليه، ووصفه بالنوم وإن
كان موتًا لما يصحبه من الراحة وصلاح الحال.
وقوله: ((قد علمنا إن كنت لمؤمنًا))، مما يدل على أنه المؤمن المذكور فى أول الحديث
لا الموقن.

٣٨١
كتاب الصلاة
فصل: وقوله: ((وأما المنافق أو المرتاب)) والمنافق الذى يبطن خلاف ما يظهر،
والمرتاب والشاك ومعناهما متقارب فى الكفر، فيقول: ((لا أدرى سمعت الناس يقولون
شيئا))، وهذا أقرب إلى المعنى.
العمل فى الاستسقاء
٤٤٤ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنْهُ سَمِعَ عَّادَ بْنَ
تَمِيمٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللّهِ بْنَ زَيْدٍ الْمَازِنِىَّ يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ إِلَى
الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقَى وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِيْلَةَ.
الشرح: هكذا روى مالك هذا الحديث، ولم يذكر فيه الصلاة، ورواه سفيان بن
عيينة عن عبدالله بن أبى بكر، فذ کر فیه: صلى ركعتين.
وقوله: ((خرج رسول الله ﴿﴿ إلى المصلى))، نص فى البروز إلى الاستسقاء، ولا
خلاف أنه يبرز إليها، وصفة البروز عند مالك أن يخرج الإمام غير مظهر للزينة.
وجه ذلك أنه يخرج على وجه التضرع، والتذلل. واختلف الفقهاء فى الصلاة له،
فذهب مالك والشافعى إلى أنه يصلى له. وقال أبو حنيفة: لا يصلى للاستسقاء، وإنما
سن فيه البروز للدعاء والتضرع خاصة.
والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك ما روى الزهرى فى هذا الحديث عن عبدالله
ابن زيد «رأيت النبى 8 يوم خرج يستسقى، قال: فحول إلى الناس ظهره، واستقبل
القبلة، ثم حول رداءه، ثم لنا ركعتين جهر فيهما بالقراءة)).
ومن جهة المعنى أن هذه خطبة مشروعة، فلم يجز أن تعرى من صلاة كسائر
الخطب.
٤٤٤ - أخرجه البخارى فى الجمعة حديث رقم ١٠٠٥. ومسلم فى صلاة الاستسقاء حديث رقم
٨٩٤. والترمذى فى الجمعة حديث رقم ٥١٠. والنسائى فى الصغرى فى الاستقساء حديث
رقم ١٥٠٤، ١٥٠٦، ١٥٠٨، ١٥٠٩، ١٥١٠، ١٥١١، ١٥١٨، ١٥١٩، ٠١٥٢١ وأبو
داود فى الصلاة حديث رقم ١١٦١، ١١٦٢، ١١٦٤، ١١٦٦، ١١٦٧. وابن ماجه فى
إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١٢٦٧. وأحمد فى المسند حديث رقم ١٥٩٩٧،
١٦٠٠١، ١٦٠١٦، ٠١٦٠٢٥ والدارمى فى الصلاة حديث رقم ١٥٣٣، ١٥٣٤.

٣٨٢
كتاب الصلاة
مسألة: إذا ثبت ذلك، فإنه لا تكبير فى صلاة الاستسقاء. وقال الشافعى: يكبر فيها
كتكبير العيدين. ودليلنا من جهة القياس أن هذه صلاة سن لها البذاذة والخشوع، فلم
يلحقها تغيير بالتكبير كصلاة الكسوف.
فصل: وقوله: ((فاستسقى))، يريد استدعى السقى وتضرع فيه، وهذا المعنى موجود
فى الصلاة والخطبة جميعًا، فوجب أن يقع لفظ الاستسقاء عليهما، ولاسيما وقد خص
ذلك بالمصلى، ولا يختص إلا بصلاة وما يتبعها من خطبة.
فصل: وقوله: ((وحول رداءه حين استقبل القبلة))، يقتضى أنه سنة، وهو قول مالك
والشافعى. وقال أبو حنيفة: ليس ذلك من سنة الاستسقاء.
والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك الحديث المنصوص: ((وحول راداءه حين
استقبل القبلة))، ومثل ذلك فى حديث الزهرى. وهذا نص فى موضع الخلاف. وقد
حكى جماعة من شيوخنا أن تحويل الرداء على معنى التفاؤل للانتقال من حال الجدب
إلى حال الخصب، وكان النبى ﴿﴿ يحب الفأل الحسن.
مسألة: وصفة تحويل الرداء أن يجعل ما على يمينه على شماله وما على شماله عن
يمينه. وبه قال الشافعى بالعراق، وقال مصر: ينكس أعلاه أسفله.
والدليل على صحة ما قلناه الحديث المتقدم، وزاد فيه سفيان: وحدثنى المسعودى عن
أبى بكر أنه جعل اليمنى على الشمال.
وقوله: ((وحول رداءه))، أظهر فيما قلناه؛ لأن التنكيس لا ينطلق عليه اسم التحويل
فى الأظهر.
فصل: وقوله: ((حين استقبل القبلة))، يقتضى أن قلب الرداء لا يكون إلا عند استقبال
القبلة، وقد اختلف قول مالك فى اسقبال القبلة متى يكون، فروى عنه ابن القاسم أنه
يفعل ذلك إذا فرغ من الخطبة، وقال عنه على بن زياد: يفعل ذلك فى أثناء خطبته
يستقبل القبلة، ويدعو ما شاء ثم ينصرف فیستقبل الناس ویتم خطبته. وروى ابن حبيب
عن أصبغ أنه اختار ذلك.
وجه رواية ابن القاسم أن هذه خطبة مشروعة، فلم يسن قطعها بذكر كخطبتى
العیدین.
ووجه رواية على بن زياد أن السنة فى الاستسقاء خطبتان لا زيادة عليهما، فإذا أتى

٣٨٣
كتاب الصلاة
بالدعاء مفردًا، كان ذلك كالخطبة الثالثة لأن الدعاء حينئذ منفرد له حكم نفسه، وإذا
أتى به فى نفس الخطبة لم يكن له حكم نفسه، وكان من جملة الخطبة.
وسُئِلَ مَالِك عَنْ صَلاةِ الاسْتِسْقَاءِ: كَمْ هِىَ؟ فَقَالَ: رَكْعَتَانِ، وَلَكِنْ يَبْدَأُ الإِمَامُ
بِالصَّلاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، فَيُّصَلّى رَكْعَتَيْنٍ ثُمَّ يَغْطُبُ قَائِمًا، وَيَدْعُو وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ
وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ حِينَ يَسْتَقْبِلُ الْفِيْلَةَ، وَيَجْهَرُ فِى الرَّكْعَتَيْنِ بِالْقِرَاءَةِ، وَإِذَا حَوَّلَ رِدَاءَهُ
جَعَلَ الَّذِى عَلَى يَمِينِهِ عَلَّى شِمَالِهِ، وَالَّذِى عَلَى شِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ، وَيُحَوِّلُ النَّاسُ
أَرْدِيَتَهُمْ إِذَا حَوَّلَ الإِمَامُ رِدَاءَهُ وَيَسْتَقْبِلُونَ الْقِيْلَةَ وَهُمْ تُعُودٌ.
الشرح: قوله: ((سئل مالك عن صلاة الاستسقاء كم هى؟)) فقال: إن صلاة
الاستسقاء ركعتان، وقد تقدم الكلام فى ذلك، والأصل فيه حديث عبدالله بن زيد،
وقد تقدم ذكره.
وقوله: ((إنه يبدأ بالصلاة قبل الخطبة))، اختلف قول مالك فيه، فكان يقول زمانًا أن
الخطبة قبل الصلاة، وبه قال الليث، ثم رجع إلى ما فى الموطأ، فقال: الصلاة قبل
الخطبة، وبه قال جماعة الفقهاء.
وجه قول مالك الأول ما روى فى حديث الزهرى أنه ﴿﴿ استقبل القبلة يدعو،
وحول رداءه، ثم صلى لنا ركعتين جهر فيهما بالقراءة، و ((ثم)) تقتضى الترتيب.
ومن جهة القياس أن هذه صلاة لم يلحقها تغيير، فإذا سنت لها خطبة كان القياس
الإتيان بها قبل الصلاة كصلاة الجمعة.
ووجه القول الثانى أن هذه صلاة نافلة شرعت لها خطبة، فكانت سنتها تقديم
الصلاة کالعیدین.
فصل: وقوله: ((ثم يخطب قائمًا))، هو سنة خطبة الصلاة، والأصل فى ذلك حديث
عبدالله بن عمر: ((كان النبى ﴿لَّ يخطب قائمًا ثم يقعد كما يفعلون الآن)).
فصل: وقوله: ((يجهر فى الركعتين))، هو السنة فى صلاة الاستسقاء، وقد تقدم ذكر
ذلك فى حديث الزهرى. ومن جهة المعنى أن هذه صلاة شرعت لها الخطبة، فكان من
سنتها الجهر كالجمعة والعيدين، ولا يلزم على هذا يوم عرفة لأن الخطبة ليست للصلاة،
وإنما هى تعليم للحج، فبين ذلك أن الجمعة لما كانت الخطبة لها قدم الأذان قبلها، ولما

كتاب الصلاة
٣٨٤
لم تكن الخطبة للصلاة يوم عرفة أجزا الأذان بعدها، وجعل فى أول الصلاة على سنته.
فصل: وقوله: ((ويستقبلون القبلة وهم قعود))، وهذا أيضًا سنة الناس فى تجويلهم
أرديتهم لأن الإمام سنته القيام فى دعائه، فكان تحويله رداءه على تلك الحال لأنه معنى
يفعله فى نفس الدعاء، ولأن الناس بين قائلين، قائل يقول: يحول الناس أرديتهم، وهم
قعود، وهو مذهب مالك. وقائل يقول: لا يحول الناس أرديتهم، وبه قال الليث ومحمد
بن عبد الحكم، ولا نعلم أحدًا قال: يحول الناس أدريتهم قيامًا.
*
ما جاء فى الاستسقاء
٤٤٥ - مَالِك، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿﴾
كَانَ إِذَا اسْتَسْقَى قَالَ: ((اللَّهُمَّ اسْقِ عِيَادَكَ وَيَهِيمَتَكَ وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ، وَأَخْىٍ بَلَدَكَ
الْمَيِّتَ).
الشرح: الدعاء الذى يدعى به فى الاستسقاء رجاء بركته، دعاء النبى ﴿﴿ وإن كان
لیس یحفظ فیه دعاء، دعا بما أمكنه.
٤٤٦ - مَالِك، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى نَمِرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنْهُ
قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللّهِل﴾ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ الْمَوَاشِى وَتَقَطْعَتِ
السُُّلُ فَادْعُ اللَّهَ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿ فَمُطِرْنَا مِنَ الْحُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ. قَالَ: فَجَاءَ
رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَهَدَّمَتِ الْبُيُوتُ وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ
وَهَلَكَتِ الْمَوَاشِى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴾: (اللَّهُمَّ ظُهُورَ الْجِبَالِ وَالأَكَامِ وَبُطُونَ
الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتَ الشَّحَرِ». قَالَ: فَانْحَابَتْ(١)، عَنِ الْمَدِينَةِ أَنْجِيَابَ الْثّوْبِ.
٤٤٥ - أخرجه أبو داود فى كتاب الصلاة حديث رقم ١١٧٦.
٤٤٦ - أخرجه البخارى فى الجمعة حديث رقم ٩٣٢. ومسلم فى الاستسقاء حديث رقم ٨٩٧.
والنسائى فى الصغری فی الکسوف حديث رقم ١٥٠٣. والاستسقاء حديث رقم ١٥١٤،
١٥١٦، ١٥١٧. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ١١٧٤. وأحمد فى المسند حديث رقم
١١٦٠٨، ١٢٥٣٧، ١٢٦٠٤، ١٣١٥٤، ١٣٣٣٢، ٠١٣٤٥٥
(١) انجابت: خرجت عنها كخروج الثوب عن لا بسه.

٣٨٥
كتاب الصلاة .
الشرح: قوله: ((هلكت المواشى))، إخبار عن قلة الكلا الذى يكون من المطر.
وقوله: ((وتقطعت السبل)»، يريد أنه ضعفت الإبل لقلة الكلا أن يسافر بها، ويحتمل
أن يريد أنها لا تجد من الكلا ما تبلغ به فى أسفارها، ((فادع الله))، استشفاع بمن ترجى
بركة دعائه وفضله، فدعا رسول الله ﴾ فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة.
مسألة: الاستسقاء على ضربين، ضرب يبرز له ويجتمع بسببه، وهو الذى سنت فيه
الصلاة والخطبة، وقد تقدم ذكره، وضرب لا يبرز ولا يجتمع بسببه، وإنما يكون
الاجتماع كما فعل النبى ﴾، وجىء الرجل فى حديث أنس المذكور يوم الجمعة.
وقد روى ذلك قتادة عن أنس أن ذلك كان يوم الجمعة، فهذا الضرب من
الاستسقاء، حكمه حكم ما هو تبع له من الصلوات، والخطب لا يزاد على ذلك غير
دعاء الاستسقاء.
فصل: وقوله: ((يا رسول الله، تهدمت البيوت، وانقطعت السبل، وهلكت
المواشى)، إخبار عن كثرة المطر وضرره، فقال رسول الله : ((اللهم ظهور الجبال
والآكام)) قال ابن حبيب عن مالك: الآكام الجبال الصغار. قال البرقى: هى شىء مجتمع
من تراب أكبر من الكدية، الواحدة أكمة.
وقوله: ((وبطون الأودية ومنابت الشجر))، يريد شجر الرعى، رغبة منه ﴿ أن
تكون الأمطار بحيث لا تضر بأحد كثرتها، وهذا أصل فى الاستسقاء على المنابر عند
كثرة المطر ويدعو بذلك الإمام.
فصل: وقوله: ((فانجابت عن المدينة))، قال ابن القاسم: قال مالك: معناه تدورت عن
المدينة كما تدور جيب القميص. وقال ابن وهب: يعنى تقطعت عن المدينة كانقطاع
الثوب الخلق، وقاله سحنون.
﴾ فى خطبة يوم الجمعة، فإن ذلك كان بعد
فصل: وإذا ثبت أن هذا کان من النبی
الزوال وكذلك هذا الاستسقاء الذى لا يجتمع بسببه، ليس له وقت محدود، يفعل فى
كل وقت لأنه دعاء مجرد، وأما الاستسقاء الذى يبرز له ويجتمع بسببه، فإن وقته وقت
صلاة العيدين من ضحوة إلى الزوال، قاله ابن حبيب، وفى المدونة عن مالك: أن وقته لا
یکون فى غير ذلك وقت من النهار.

كتاب الصلاة
٣٨٦
قَالَ مَالِك فِى رَجُلٍ فَاتَّتْهُ صَلاةُ الاسْتِسْقَاءِ وَأَدْرَكَ الْخُطْبَةَ فَأَرَادَ أَنْ يُصَلِيُهَا فِى
الْمَسْجِدِ أَوْ فِى بَيْتِهِ إِذَا رَجَعَ.
قَالَ مَالِك: هُوَ مِنْ ذَلِكَ فِى سَعَةٍ إِنْ شَاءَ فَعَلَ أَوْ تَرَكَ.
الشرح: قوله: ((فى رجل فاتته الصلاة))، خص الرجال بذلك، لأن الرجال هم
المندبون إلى ذلك، والمأمورون به، ولا بأس أن يخرج من شاء من النساء أو المتجالات،
ولا يمنعن من مشاهدة الخير والبر، ويكره خروج الشواب إليه لأن النظر إليهن فتنة.
مسألة: هل يخرج إليه أهل الذمة؟ روى عن أشهب منعهم من الخروج، وقال مالك
فى المدونة: لا يمنعون من ذلك.
وجه قول مالك أنهم داعون مظهرون الدعاء لله تعالى، فلا يمنعون من ذلك.
ووجه قول أشهب أن دعاءهم ليس فيه إخلاص للبارى تعالى، فوجب أن يمنعوا من
إظهاره.
فرع: وهل يخرج أهل الذمة معنا مظهرين شعارهم؟ فقد روى ابن حبيب فى
واضحته: يخرجون ويمنعون من إظهار صلبهم فى الطرقات والأسواق، ولا يمنعون من
ذلك فى الصحارى والخلوات، ولا يمنعون بين الناس من إظهار التضرع والعجيج
والبكاء.
فصل: وقوله: ((إنه فى سعة أن يصلى فى المسجد أو فى بيته، إن شاء فعل وإن شاء
ترك))، معناه أن ما اجتمع له الناس من الصلاة قد قصده وفاته حضوره، فإن شاء بعد
ذلك أن يصلى ركعتين فهى نافلة لا تختص مكان ولا زمان، وإن شاء ترك، فليس ذلك
عليه، والله أعلم وأحكم.
الاستمطار بالنجوم
٤٤٧ - مَالِكِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةً بْنِ
٤٤٧ - أخرجه البخارى فى الأذان حديث رقم ٨٤٦. ومسلم فى الإيمان حديث رقم ٧١.
والنسائى فى الصغرى فى الاستسقاء حديث رقم ١٥٢٤. وأبو داود فى الطب حديث رقم
٣٩٠٦. وأحمد فى المسند حديث رقم ١٦٦٠١.

٣٨٧
كتاب الصلاة
مَسْعُودٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَّا رَسُولُ اللَّهِ ﴿ صَلاةَ الصُّبْحِ
بِالْحُدَِّيَةِ عَلَى أَثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النّاسٍ، فَقَالَ:
(أَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِى
مُؤْمِنٌّ بِى وَكَافِرٌ بِى، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِى
كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِى مُؤْمِنٌ
بِالْكَوَْبِ».
الشرح: قوله ﴿ثر: ((أصبح من عبادى مؤمن بي وكافر بى)) أخبر أن من عباده مؤمنًا
به، وهو من أضاف المطر إلى فضل الله ورحمته، وأن المنفرد بالقدرة على ذلك هو الله
تعالى، دون سبب ولا تأثير لكوكب ولا لغيره، فهذا المؤمن بالله تعالى كافر بالكوكب،
بمعنى أنه يكذب قدرته على شىء من ذلك، ويجحد أن يكون له فيه تأثير، وأن من
عباده من أصبح كافرًا به، وهو من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فأضاف المطر إلى النوء
وجعل له فى ذلك تأثیر وللکو کب فعلاً.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن ما يدعى للكوكب من التأثير فى ذلك على قسمين،
أحدهما: أن يكون الكوكب فاعلاً للمطر. والثانى: أن يكون دليلاً عليه، وإذا حملنا
لفظ الحديث على الوجهين لاحتماله لهما، اقتضى ظاهره تكفير من قال بأحدهما، فإن
الله تعالى هو المنفرد بالخلق والإنشاء، وقد نبه على ذلك بقوله عز وجل: ﴿هل من
خالق غير الله﴾ وإن البارى تعالى هو المنفرد بعلم ما يكون لقوله تعالى: ﴿إن الله عنده
علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما فى الأرحام وما تدرى نفس ماذا تكسب غدًا وما
تدری نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير﴾ [لقمان: ٣٤]، وقوله تعالى: ﴿قل لا
يعلم من فى السموات والأرض الغيب إلا الله﴾ [النمل: ٦٥]، وقد اعترض من ذهب
إلى تصحيح ذلك من الجهال على الاستدلال بهذه الآية بأن هذا ليس من الإخبار عن
الغيب، لأنه إنما يخبر بما يظهر إليه من أدلة النجوم. وهذا قول من لا يعلم معنى الغيب
لأن الغيب هو المعدوم، وما غاب عن الناس، ولو كان الأمر على ما ذهب إليه هذا
القائل لما تصور أن يكون غيب، ينفرد البارى تعالى بعلمه لأن على قولهم الفاسد ما من
شىء كان ويكون إلا والنجوم تدل عليه، وقال: يتمدح تعالى بأنه المنفرد بعلم الغيب،
فقال تبارك اسمه﴿قل لا يعلم من فى السموات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون﴾
[النمل: ٦٥].

٣٨٨
كتاب الصلاة
٤٤٨ - مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ كَانَ يَقُولُ: ((إِذَا شَأَتْ بَحْرِيَّةٌ ثُمَّ
تَشَاءَمَتْ فَتِلْكَ عَيْنٌ غُدَيْقَةٌ)).
الشرح: قال ابن نافع وعيسى بن دينار: وإذا نشأت سحابة، ثم تشاءمت، يقول: إذا
نشأت السحابة من ناحية البحر ثم استدارت، فصارت ناحية الشام، فذلك سحاب
يكون منه المطر الغزيز والغدق الغزیز. وروى ابن سحنون عن ابن نافع: سمعت مالكًا
يقول: معنى ذلك إذا ضربت ريح بحرية، فأنشات سحابة ثم ضربت ريح من ناحية
الشام، فتلك علامة المطر الغزيز.
فصل: وأما قوله: ((فتلك عين غديقة)) العين، مطر أيام لا يقلع وأهل بلدنا، يروون
غديقة على التصغير. وقد حدثنا به أبو عبدالله الصنوبرى الحافظ وضبطه بخطه غديقة
بفتح الغين، وقال: هكذا حدثنى به عبد الغنى الحافظ عن حمزة بن محمد الكنانى
الحافظ، والله أعلم.
وقال سحنون فى كتاب التفسير لابنه: معنى ذلك أنها بمنزلة ما يفور من العين، وإنما
أدخل مالك، رحمه الله، هذا الحديث بأثر حديث زيد بن خالد الجهنى ليبين ما يجوز
للقائل أن يقول، لما جرت به العادة مثل ما جرت به العادة فى كثير من البلاد، بأن
يمطروا بالريح الغربية، وفى بلاد بالريح الشرقية، فيستبشر متتظر المطر إذا رأى الريح التى
جرت عادة ذلك البلد أن يمطروا بها، مع اعتقاده أن الريح لا تأثير لها فى ذلك، ولا
فعل ولا سبب، وإنما الله تعالى هو المنزل للغيث، وقد أجرى العادات بإنزاله عند أحوال
يريها عباده.
٤٤٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤٢٦. وذكره فى الكنز برقم ٢١٦٠٨. وعزاه
السيوطى للشافعى. والبيهقى فى المعرفة، عن إسحاق ابن عبدالله مرسلاً، وأخرجه برقم
٢١٦٠٩ وعزاه السيوطى لأبى الشيخ فى الفطمة، عن عائشة. وذكره السيوطى فى الدر
المنثور ٢٦٦/١.
وقال فى الاستذكار ١٦١/٧: هذا الحديث لا أعرفه بوجه من الوجوه فى غير الموطأ ومن
ذكره إنما ذكره عن مالك فى الموطأ، إلا ما ذكره الشافعى فى كتاب الإستقساء عن إبراهيم
ابن محمد بن أبى يحيى، عن إسحاق بن عبد الله، أن النبى: # قال: ((إذا أنشأت بحرية ثم
استحالت شامية فهو أمطر لها)). وابن أبى يحيى مطعو عليه، متروك. وإسحاق بن عبد الله هو
ابن أبى فروة ضعيف أيضًا متروك الحديث. وهذا الحديث لا يحتج به أحدا من أهل العلم
بالحدیث؛ لأنه ليس له إسناد.

٣٨٩٠٠
كتاب الصلاة
ولو جرت العادة بنزول المطر عند نوء من الأنواء، فاستبشر أحد لنزوله عند ذلك
النوء على معنى أن العادة جارية به وأن ذلك النوء لا تأثير له فى نزول المطر، ولا هو
فاعل له، ولا أثر له فيه، وأن المنفرد بإنزاله هو الله تعالى لما كفر بذلك بل يعتقد الحق،
وإنما كفر من قال: مطرنا بنوء كذا، لإضافة المطر إلى النوء واعتقاده أن له فيه تأثيرًا أو
فعلاً، مع أن هذا اللفظ لا يجوز إطلاقه بوجه، وإن لم يعتقد قائله ما ذكرناه لورود
الشرع بالمنع منه، ولما فيه من إيهام السامع ما تقدم ذكره، فبان بذلك فضل مالك
وعلمه بالأصول والفروع.
٤٤٩ - مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةً كَانَ يَقُولُ إِذَا أَصْبَحْ وُقَدْ مُطِرَ النَّاسُ:
مُطِرْنَا بِنَوْءِ الْفَتْحِ ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا
وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢].
الشرح: كان يقول: مطرنا بنوء الفتح مضادة لقول أهل الإلحاد: مطرنا بنوء كذا،
فيقول هو: مطرنا بنوء الفتح، يريد بذلك قوله: ﴿ما يفتح الله للناس من رحمة فلا
ممسك لها﴾ [فاطر: ٢]، يريد بذلك أنه لا نوء ينزل المطر ولا ينزل به وأن الذى به ينزل
المطر هو فتح الله تعالى الرحمة للناس.
النهى عن استقبال القبلة والإنسان على حاجته
٤٥٠ - مَالِك، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ إِسْحَاقَ
مَوْلَّى لَآلِ الشِّفَاءِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ مَوْلَى أَبِى طَلْحَةَ، أَنْهُ سَمِعْ أَبَا أَيُّوبَ الأنْصَارِىّ
صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ وَهُوَ بِمِصْرَ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِى كَيْفَ أَصْنَعُ بِهَذِهِ
الْكَرَابِسِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿١: (إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ أَوِ الْبَوْلَ فَلا يَسْتَقْبِلٍ
الْقِيْلَةَ وَلا يَسْتَدِبِرْهَا بِفَرْجِهِ».
٤٤٩ - انفرد به مالك.
٤٥٠ - أخرجه البخارى فى الوضوء حديث رقم ١٤٤. ومسلم فى الطهارة حديث رقم ٢٦٤.
والنسائى فى الصغرى فى الطهارة حديث رقم ٢٠، ٢١، ٢٢. وأبو داود فى حديث رقم ٩.
وابن ماجه فى الطهارة وسننها حديث رقم ٣١٨. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٣٠٠٣،
٢٣٠١٣، ٢٣٠٤٧، ٢٣٠٦٥. والدارمى فى الطهارة حديث رقم ٦٦٥ !.