Indexed OCR Text

Pages 821-840

كتاب الصلاة
٣٥٠ ..
وقد سئل مالك عن النفل بين الظهر والعصر، فقال: إنما كانت صلاة القوم بالهاجرة
واللیل ولم تکن بعده.
الْعَمَلِ فِى غُسْلِ الْعِيدَيْنِ وَالنََّاءِ فِيهِمَا وَالإِقَامَةِ
٤٢٣ - مَالِك أَنّهُ سَمِعَ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ فِى عِيدِ الْفِطْرِ
وَلَا فِى الأَضْحَى نِدَاءٌ وَلا إِقَامَةٌ مُنْذُ زَمَانِ رَسُولِ اللّهِ ﴿﴿ إِلَى الْيَوْمِ.
قَالَ مَالِك: وَتِلْكَ السُّنّةُ الَّتِى لَا اخْتِلافَ فِيهَا عِنْدَنَا.
الشرح: هذا الحديث، وإن لم يسنده مالك إلاأنه يجرى عنده مجرى المتواتر من
الأخبار، وهو أقوى من المسند لأنه ذكر أنه سمع منه غير واحد من علمائهم، ولا يقول
ذلك إلا من سمعه من عدد كثير، والعلماء الذين سمع ذلك منهم هم التابعون الذين
شاهدوا الصحابة، وصلوا معهم، وأخذوا عنهم، وسمعوا منهم.
وقد قالوا: إنه لم يكن ذلك منذ زمان رسول الله 18 إلى اليوم فأضافوه إلى زمان
النبى ﴾ وأنهم حققوا الخبر بذلك وأثبتوه باتصال العمل به إلى وقت إخبارهم به، ثم
أكد ذلك مالك بأن قال: ((وتلك السنة التى لا اختلاف فيها» عنده، وأفعال الصلوات
المتكرر نقلها بالمدينة نقل المتواتر إذا اتصل العمل بها، ولا أعلم فى هذه المسألة خلافًا
بين فقهاء الأمصار. وقد قال مالك فى المختصر: لا أذان فى نافلة ولا عيد ولا خسوف
ولا استسقاء.
ودليلنا على ذلك من جهة المعنى أن الأذان والإقامة إنما شرعا للفرائض، فأما النوافل،
فلا يؤذن لها ولا یقام وصلاة العیدین نافلة ليست بفريضة، فكان ذلك حكمها. وقد
قال ابن حبيب فى واضحته: إن أول من أحدث الأذان لها هشام.
٤٢٤ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ
يَغْدُوَ إِلَى الْمُصَلَّى.
٤٢٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤٠١.
٤٢٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤٠٢. عبد الرزاق فى المصنف ٣١٠/٣. البغوى فى
شرح السنة ١٦٧/٢.

........... ٣٥١
كتاب الصلاة
الشرح: الغسل للعيدين مستحب عند جماعة علماء المدينة، وقد قال بذلك جماعة من
أهل العراق والشام(*)، وقال غيرهم: إن فعله لحسن والطيب يجىء منه. وروى مالك فى
ذلك عن عبدالله بن عمر الحديث المتقدم، وتابعه عليه موسى بن عقبة.
وقد روى أيوب عن نافع: ما رأيت عبدالله بن عمر اغتسل للعيد قط، وكان یبیت
فى المسجد ليلة الفطر ويغدو منه إذا صلى الصبح(١)، فيحتمل أن يكون رواية أيوب فى
فعل عبدالله بن عمر عند اعتكافه بين ذلك مبيته فى المسجد، لأنه لم يكن يبيت فى
المسجد إلا عند اعتكافه، ولو تعارض الخبران تعارضًا لا يمكن الجمع بينهما لكانت
رواية مالك ومن تابعه أولى.
ودليلنا من جهة المعنى أن هذا يوم يسن فيها الطيب، والتجمل، فسن فيه الغسل
کالجمعة.
مسألة: قال مالك: ولا أوجب غسل العيد كغسل يوم الجمعة. وجه ذلك الاتفاق
على غسل الجمعة، والاختلاف فى غسل العيدين.
مسألة: ويستحب أن يكون غسله متصلا بغدوه إلى المصلى. قال ابن حبيب: أفضل
أوقات الغسل للعيد بعد صلاة الصبح. قال مالك فى المختصر: فإن اغتسل للعيدين قبل
الفجر فواسع.
ووجه ذلك ما ذكرناه من أن من سنته الاتصال بالغدو عليها، فلذلك استحب أن
يكون بعد صلاة الصبح، فإن قدمه قبل الفجر فواسع، لقرب ذلك ولأن الغسل لا
تذهب آثاره قبل الغدو ولا تتغير نظافته.
الأمر بالصلاة قبل الخطبة فى العيدين
٤٢٥ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ :﴿ كَانَ يُصَلّى يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ
الأَضْحَى قَبْلَ الْخُطْبَةِ.
(*) قال فى الاستذكار ١٠/٧: روى ذلك عن جماعة من علماء أهل الحجاز والعراق والشام
منهم: على بن أبى طالب، وعبد الله بن عباس، وعلقمة، والحسن، وقتادة، ومحمد بن سیرین،
وجاهد، ومکحول.
(١) انظر: عبد الرزاق فى المصنف ٣٠٩/٣.
٤٢٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤٠٣.

٣٥٢
كتاب الصلاة
٤٢٦ - مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانَا يَفْعَلانِ ذَلِكَ.
الشرح: لا خلاف فى هذا بين جماعة فقهاء الأمصار، واختلف فى أول من بدأ
بالخطبة قبل الصلاة، فروى عن يوسف بن عبدالله بن سلام، قال: أول من بدأ بالخطبة
قبل الصلاة يوم الفطر عمر بن الخطاب لما رأى الناس ينفضون إذا صلى حبسهم
للخطبة.
وروى ابن نافع عن مالك أن أول من قدم الخطبة فى العيدين قبل الصلاة عثمان بن
عفان، قال مالك: والسنة أن تقام الصلاة قبل الخطبة، وبذلك عمل رسول الله
وأبو
بکر وعمر وعثمان صدرًا من خلافته.
وقد روى عن عطاء أنه قال: لا أدرى أول من بدأ بذلك إلا أنى أدركت الناس على
ذلك، هذا يدل على أن تقدم العمل به واتصاله وقلة إنكار له، وإن كان قد روى عن
أبى سعيد إنكاره لما شاهد من فعل النبى ﴿ فإنكاره إنما كان على وجه الكراهية،
ولذلك شهد مع مروان العيد، ولو كان أمرًا محرمًا أو شرطًا فى صحة الصلاة لما شهده،
ولعله لما ذكر له مروان العدد تبين له وجهه، ولذلك اتصل العمل به دون إنكار من
جمهور الناس له حتى أخبر عطاء أنه وجد العمل على ذلك ولم يعلم أول من غيره.
مسألة: ومن بدأ بالخطبة قبل الصلاة أعادها بعد الصلاة، فإن لم يفعل فذلك مجزئ
عنه، وقد أساء قاله أشهب.
ووجه ذلك أن تأخيرها ليس بشرط فى صحة الصلاة، وكذلك كل خطبة بعد
الصلاة، فليس بشرط فى صحتها، وإنما يشترط فى صحتها ما يقدم عليها ولكن السنة
فى العيدين أن يؤتى بها الصلاة، فإن لم يفعل فهو بمنزلة من لم يخطب فصلاته صحيحة،
وقد أساء فى ترك الخطبة.
٤٢٧ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ أَنَّهُ قَالَ: شَهِدْتُ
الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَصَلَى ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَّ النّاسَ فَقَالَ: إِنَّ هَذَيْنِ يَوْمَانِ
٤٢٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤٠٤.
٤٢٧ - أخرجه البخارى فى الصوم حديث رقم ١٩٩٠. ومسلم فى الصيام حديث رقم ١١٣٧.
والأضاحى حديث رقم ١٩٦٩. والترمذى فى الصوم حديث رقم ٧٠٢. والنسائى فى
الصغرى فى الضحايا حديث رقم ٤٤٢٢. وأبو داود فى الصوم حديث رقم ٢٤١٦. وابن
ماجه فی حدیث رقم ١٧٢٢. وأحمد فى المسند حديث رقم: ٢٨٤.

٣٥٣
...
كتاب الصلاة
نَھَى رَسُولُ اللَّهِ:﴿ّ عَنْ صِيَامِهِمَا، يَوْمُ قِطْرِكُمْ مِنْ صِيّائِكُمْ، وَالآخَرُ يَوْمٌ تَأْكُلُونَ
فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ (١).
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: ثُمَّ شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَحَاءَ فَصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ
فَخَطَبَ وَقَالَ: إِنَّهُ قَدِ اخْتَمَعَ لَكُمْ فِى يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْ أَهْلِ الْعَالِيَةِ
أَنْ يَنْتَظِرَ الْجُمُعَةَ فَلْيُنْتَظِرْهَا، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: ثُمَّ شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ، فَجَاءَ
فَصَلَّى تُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَّ.
الشرح: قوله: ((شهدت العيد مع عمر بن الخطاب))، يريد صلاة العيد لأنها هى
المقصودة من اليوم، وكذلك من قال: شهدت الجمعة، فإنما يفهم منه صلاة الجمعة،
وأخبر أبو عبيد أن عمر بن الخطاب صلى ثم انصرف، فخطب الناس، فصرح بتقديم
الصلاة على الخطبة ثم أخبر عما ذكر فى خطبته من نهى النبى ﴿ عن صيام يومين،
وهذه سنة فى أن الإمام يعلم الناس ما يلزمهم من أحكام أيام الفطر والأضحى فى خطبة
العيد ليعلم الناس علم ذلك، وبه قال ابن حبيب: أحب إلى إن كان فى الفطر أن يذكر
فى خطبة الفطر وسنته، ويحض الناس على الصدقة، فإن كان فى أضحى، ذكر الأضحية
وسنتها وأمر بالزكاة، وعلمهم فرضها، وحذرهم تضييعها.
فصل: وقول عمر بن الخطاب: ((يوم فطركم من صيامكم، والآخر يوم تأكلون فيه
من نسككم))، بين اليومين، وأضاف إلى كل واحد منهما أكلاً مشروعًا فيه يمنع صومه،
فقال: إن يوم الفطر هو يوم سن فيه الفطر من صوم رمضان، وهذا يمنع صومه، ويوم
الأضحی یوم یسن فيه أن يأكل من نسكه، وهو أيضا يمنع من صومه.
فصل: وقوله: ((ثم شهدت العيد مع عثمان بن عفان، فجاء فصلى ثم انصرف
فخطب)) على نحو ما تقدم ثم قال: ((إنه قد اجتمع لكم فى يومكم هذا عيدان))، يعنى
أن يوم العيد صادف يوم الجمعة ((فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة فلينتظر،
ومن أحب أن يرجع، فقد أذنت له)) العالية من العوالى.
قال مالك: بين أبعد العوالى وبين المدينة ثلاثة أميال، وهى منازل حوالى المدينة،
سميت العوالى لإشراف مواضعها، وأهل العوالى يلزمهم حضور الجمعة إلا أن عثمان
رأى أنه إذا اجتمع عيدان فى يوم، جاز أن يأذن لهم فى التخلف عن الجمعة.
(١) النسك: الذبح تقربًا وطاعة.

٣٥٤
كتاب الصلاة
روى ابن القاسم عن مالك: ولم يبلغنى أن أحدًا أذن لأهل العوالى غير عثمان.
وقد اختلف الناس فى جواز ذلك، فروی ابن القاسم عن مالك أن ذلك غير جائز،
وأن الجمعة تلزمهم على كل حال. وروى ابن وهب ومطرف وابن الماجشون عن
مالك: أن ذلك جائز، والصواب أن يأذن فيه الإمام كما أذن عثمان، وأنكروا رواية ابن
القاسم، وبذلك قال أبو حنيفة والشافعى.
وجه رواية ابن القاسم قوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى
ذكر الله﴾ [الجمعة: ٩] ولم يخص عيدًا من غيره، فوجب أن يحمل على عمومه إلا ما
خصه الدليل.
ومن جهة المعنى أن الفرائض ليس للأئمة الأذن فى تركها وإنما ذلك بحسب العذر
فمتى أسقطها العذر سقطت، ولم يكن للإمام المطالبة بها، وإن ثبتت لعدم العذر لم
يكن للإمام إسقاطها.
ووجه الرواية الثانية ما يلحق الناس من المشقة بالتكرار والتأخير، وهى صلاة يسقط
فرضها بطول المسافة وبالمشقة، والله أعلم وأحكم.
ومن جهة الإجماع أن عثمان خطب بذلك يوم عيد، وهو وقت احتفال الناس ولم
ینکر علیه أحد، ويحتمل أن یکون معنی قول عثمان رضى الله عنه: قد أذنت له، یرید
أعلمت الناس أنى أجيزه وآخذ به، ولا أنكر على من عمل به، فإنه يجوز أن يكون أخذ
الناس بالمجىء إلى الجمعة والإنكار على من تخلف عنها إلا لعذر متفق عليه، فإن كان
مختلفًا فيه لزم الناس اتباع رأى الإمام إذا كان مثل عثمان رضى الله عنه.
فصل: وقوله: ((ثم شهدت العيد مع على بن أبى طالب، وعثمان محصور، فصلى ثم
انصرف فخطب))، فدل ذلك على جواز إقامة العيد برجل من المسلمين إذا كان للإمام
عذر، لأن عليًا فعل ذلك، وهو إمام من أئمة المسلمين، ولم ينكر ذلك عليه فثبت
إجماعهم عليه وموافقتهم له فيه.
مسألة: قال ابن حبيب: ويستفتح خطبته بتسع تكبيرات تباعًا، فإذا مضت كلمات،
کبر ثلاثًا و کذلك فی الثانیة إلا أنه يفتتحها بسبع تکبیرات، قال: و کان مالك يقول:
يفتتح بالتكبير، ويكبر بين أضعاف خطبته ولم يحده. قال ابن حبيب: وبما قلنا قال
مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ، ووجه ما قالوه استحسان وما زاد أو
نقص، فلا حرج.

....... ٣٥٥
كتاب الصلاة
مسألة: هل يكبر الناس معه إذا كبر فى خطبته؟ قال مالك: يكبرون معه، ومنع منه
المغيرة. ووجه قول مالك أنه مروى عن ابن عباس، ولا مخالف له؛ ولأن التكبير فى هذا
اليوم مشروع للكافة، فإذا كبر الإمام كان ذلك استدعاء له من الناس. ووجه وقول
المغيرة أن شروع الإمام فى الخطبة يمنع الكلام ويوجب الإنصات.
مسألة: وإذا أحدث الإمام فى خطبته بعد الصلاة تمادى عليها ولم يستخلف من
يتمها لأنها بعد الصلاة، وليس من شرطها الطهارة ومن أحدث من الناس والإمام
يخطب فلا ينصرف أيضًا، قاله مالك، والمعنى فيهما واحد، والله أعلم وأحكم.
*
الأمر بالأكل قبل الغدّ فى العبد
٤٢٨ - مَالِك، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنْهُ كَانَ يَأْكُلُ يَوْمَ عِيدِ الْفِطْرِ قَبْلَ
أَنْ يَغْدُوَ.
الشرح: هذا الاسم يختص بأول يوم من شوال، وإن كان الأضحى أيضًا يوم فطر لا
يحل فيه الصوم، إلا أن هذا الاسم مختص به فى الشرع.
وقوله: ((قبل أن يغدو))، يريد إلى الصلاة؛ لأنه هو الغدو المعروف بذلك اليوم،
والسنة أن يؤكل يوم الفطر قبل الغدو إلى المصلى، لما روى عن أنس: ((كان رسول الله
﴾ ((لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات))(١).
ومن جهة المعنى أن عليه يوم الفطر إخراج حق قبل الغدو إلى الصلاة، فكانت سنة
أن يأكل عند إخراج ذلك الحق كما أن يوم الأضحى عليه أن يخرج حقًّا، وهو الأضحية
بعد الصلاة، فكان سنة أن يأكل ذلك الوقت.
مسألة: ويستجب أن يكون فطره على تمر، إن وجده، لما روى عن أنس: ((كان
رسول الله ﴿﴿ لا يخرج يوم الفطر حتى يأكل تمرات ويأكلهن وترًا)).
٤٢٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤٠٦.
(١) أخرجه البخار فى صحيحه حديث رقم (٩٥٣) من طريق محمد بن عبدالرحيم، حدثنا
سعيد بن سليمان، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا عبيدالله بن أبى بكر بن أنس، عن أنس بن
مالك، فذكره.

٣٥٦
كتاب الصلاة
٤٢٩ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنْهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّاسَ
كَانُوا يُؤْمَرُونَ بِالأَكْلِ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الْغُدُوِّ.
الشرح: قوله: ((إن الناس كانوا يؤمرون))، إشارة إلى عصر النبى 198 أو إلى عصر
الصحابة بعده، وأن الأمر بذلك سنة مأمور بها إما لأن النبى 8 كان يأمر به أو لأن
أئمة الصحابة كانوا يأمرون به، وأن ذلك كان شائعًا فيهم دون تكبر ولا مخالف ولا
تغییر.
قَالَ مَالِك: وَلا أَرَى ذَلِكَ عَلَى النّاسِ فِى الأَضْحَى.
الشرح: وهذا كما قال: إنه ليس على الناس الأكل فى الأضحى قبل الغدو، ولأنه
ليس بوقت إخراج الحق فيه، وإنما عليهم ذلك بعد الصلاة، وهو وقت نحر أضحيته،
وهو إخراج الحق المختص بذلك اليوم.
ما جاء فى التكبير والقراءة فى صلاة العيدين
٤٣٠ - مَالِك، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْمَازِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ
ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ الْلَيْثِىَّ مَا كَانَ يَقْرَأْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ◌َ
فِى الأضْحَى وَالْفِطْرِ، فَقَالَ: كَانَ يَقْرَأُ بِـ: ﴿قَ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١]،
و﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانَّشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١].
الشرح: لا خلاف بين أهل العلم أن ذلك على التخيير، ويحتمل أن يكون عمر بن
الخطاب سأل أبا واقد الليثى على وجه الاختبار له، ويحتمل أيضًا أن يكون نسى، فأراد
أن یذ کر، وقد روى عن سمرة بن جندب ان النبی ۶﴾ کان یقرا فى العیدین بـ: ﴿سبح
اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١]، و﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ [الغاشية: ١]،
وحديث مالك أسند.
٤٢٩ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤٠٧. البيهقى فى معرفة السنن والآثار ٦٨٥١/٥.
الشافعى فى الأم ٢٣٣/١.
٤٣٠ - أخرجه مسلم فى صلاة العيدين حديث رقم ٨٩١. والترمذى فى الجمعة حديث رقم ٤٩١.
والنسائى فى الصغرى فى صلاة العيدين حديث رقم ١٥٦٦. وأبو داود فى الصلاة حديث
رقم ١١٥٤. وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١٢٨٢. وأحمد فى المسند
حديث رقم ٢١٣٨٩.

٣٥٧٠
كتاب الصلاة
٤٣١ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ أَنْهُ قَالَ: شَهِدْتُ الأُضْحَى
وَالْفِطْرَ مَعَ أَبِى هُرَيْرَةً فَكَّرَ فِى الرَّكْعَةِ الأولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَفِى الْآخِرَةِ
حَمْسَ تَكْبِرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ.
قَالَ مَالِك: وَهُوَ الأَمْرُ عِنْدَنَا.
الشرح: قوله: «فکېر فى الأولی سبع تكبيرات))، ذهب مالك والشافعى وأحمد وابن
أبى ثور إلى أن التكبير فى الأولى سبع تكبيرات. وقال أبو حنيفة: التكبير فى الأولى
ثلاث غير تكبيرة الافتتاح وتكبيرة الركوع.
والدليل على ما نقوله ما روی کثیر بن عبدالله عن أبيه عن جده ((أن رسول الله ﴾﴾
كان يكبر فى الركعة الأولى سبع تكبيرات، وفى الركعة الثانية خمس تكبيرات قبل
القراءة)) وهذا الحديث وإن لم يكن بثابت، ولم يبلغ عندى مبلغ الاحتجاج به إلا أنه
يترجح به، ومما روى فى معناه المذهب إذ لم يرو عن النبى ﴿49 غير ذلك(١)، وقد اتصل
العمل بما ذكرناه بالمدينة.
وقد قلنا: إن نقل أهل المدينة للصلوات والأذان على التواتر، وإذا اتصل بما قلناه
العمل بالمدينة كان حجة يقطع بها، وكان ذلك أولى من صحيح الأسانید.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فإنه يعتد بتكبيرة الإحرام فى السبع تكبيرات عند مالك
والثورى وأحمد. وقال الشافعى: هى سبع تكبيرات سوى تكبيرة الإحرام.
٤٣١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤٠٩. البيهقى فى السنن الكبرى ٢٨٨/٣، وفى
معرفة السنن والآثار ٦٨٧٤/٥. عبد الرزاق فى المصنف ٥٦٨٠.
(١) قال فى الاستذكار ٤٩/٧: قد روى عن النبى ول أنه كبر فى صلاة العيدين سبعا فى
الركعة الأولى وخمسا فى الثانية من طرق كثيرة حسان، منها: حديث عبد الله بن عمرو بن
العاص، رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. ومن حديث جابر بن عبد الله رواه ابن
لهيعة، عن أبى الزبير، عن جابر. ومن حديث عائشة، رواه أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن،
عن عروة، عن عائشة، ورواه عقيل وعبد الرحمن بن مسافر، عن ابن شهاب، عن عروة، عن
عائشة. ومن حديث عمرو بن عوف المزتى، رواه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن
أبيه، عن جده. ومن حديث ابن عمر، رواه عبد الله بن عامر الأسلمى، عن نافع، عن ابن
عمر. وحديث أبي واقد الليثى كلها عن النبى ﴿. وفى حديث عبد الله بن عمر، قال: قال
رسول الله : «التكبير فى الفطر سبع فى الأولى وخمس فى الآخرة والقراءة بعدها فى
کلتیھما.

كتاب الصلاة
٣٥٨
والدليل على ما نقوله الأخبار المتقدمة بذلك، واتصال العمل بالمدينة، وإطلاق
اللفظ، فإنه كَّر سبعًا فى الركعة الأولى، يقتضى أن ذلك جميع ما كبر.
مسألة: والتكبير فى الركعة الثانية خمس غير تكبيرة القيام. وقال الشافعى: هى خمس
سوى تكبيرة القيام.
والدليل على ما نقوله أن تكبيرة القيام هى فى نفس القيام ولا يعتد من التكبير، إلا
بما يكون بعد الاعتدال.
فرع: إذا ثبت ذلك، فقد روى عن مالك أنه خير فى رفع اليدين مع كل تكبيرة من
الزوائد، وعنه فى المدونة: لا يرفع يديه إلا مع تكبيرة الإحرام. وروى عنه مطرف وابن
كنانة: يستحب أن يرفع يديه فى العیدین مع كل تكبيرة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي،
والكلام فى هذا يقرب مما تقدم فى رفع اليدين عند الركوع فى الصلاة.
فصل: وقوله فى الآخرة: ((خمس تكبيرات قبل القراءة))، لم يختلف فقهاء الأمصار أن
التكبير فى الركعة الأولى قبل القراءة، وأما فى الركعة الثانية، فإن التكبير عند مالك قبل
القراءة أيضًا، وبه قال الشافعى.
وقال أبو حنيفة: القراءة فى الركعة الثانية قبل التكبير.
والدليل على ما نقوله عمل أهل المدينة المتصل بذلك. ودليلنا من جهة القياس أنها
إحدى ركعتى صلاة العيد، فكان محل زوائد التكبير فيها قبل القراءة كالركعة الأولى.
مسألة: ومن لم يسمع تكبير الإمام، فليكبر، قاله ابن حبيب لأنه تكبير فى الصلاة
يفعله المأموم مع الإمام، فلزمه فعله إن لم يسمعه كتكبيرة الركوع.
مسألة: وليس بين التكبيرات محل للدعاء ولا لغيره من الأذكار، قاله ابن حبيب.
وقال الشافعى: يقف بين كل تكبيرتين مقدارًا متوسطًا يحمد الله ويهلله ويكبره.
والدليل على ما نقوله أن هذين ذكران بلفظ واحد ليسا من أركان الصلاة، يفعلان
فى حال واحد، فلم يسن بينهما ذكر غيرهما كالتسبيح حال السجود.
قَالَ مَالِك فِى رَجُلٍ وَحَدَ النَّاسَِ قَدِ انْصَرَفُوا مِنَ الصَّلاةِ يَوْمَ الْعِيدِ: إِنّهُ لا يَرَى عَلَيْهِ
صَلَاةً فِى الْمُصَلَّى وَلاَ فِى بَيْتِهِ وَإِنَّهُ إِنْ صَلَّى فِى الْمُصَلَّى أَوْ فِى بَيْتِهِ لَمَّ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا،
وَيُكَبِّرُ سَبْعًا، فِى الأولَى قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَخَمْسًا فِ الثَّانِيَةِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ.

............. ٣٥٩
كتاب الصلاة
الشرح: وهذا كما قال لأن صلاة العيد إنما سنت للجماعة، وتلك الجماعة هم عند
مالك الرجال الأحرار فمن فاتته تلك الجماعة لم يلزمه صلاة العيد، فإن شاء صلاها،
وإن شاء تركها. وقال ابن حبيب: هى لازمة لجميع المسلمين، والنساء والعبيد
والمسافرين ومن عقل الصلاة من الصبيان، يصلونها فى بيوتهم وحيث كانوا، وإن لم
یشهدوها فى الجماعة.
وقد قال مالك فى المدونة: ليس على النساء ذلك، إلا أنه يستحب لهن.
وجه قول مالك أن هذه صلاة عيد، فلم تلزم المفرد كصلاة الجمعة. ووجه قول ابن
حبيب أن كل صلاة لا تسقط عن الرجال، فإنها لا تسقط عن النساء إلى غير بدل
کسائر الفروض.
فرع: وإذا صلاها من تخلف عن الجماعة هل يصليها فى جماعة؟ قال مالك فى
المدونة، فيمن يخرج إليها من النساء: لا يجمع بهن أحد، وإن صلين، صلين أفذاذًا.
وقال ابن حبيب: لا بأس أن يجمع الرجل صلاة العيد، إذا تخلف عنها مع أهله أو مع
تفر یکونون عنده، أو فى مسجدهم.
وجه قول مالك أن هذه صلاة عيد فلا يجمعها من فاتته كصلاة الجمعة. ووجه قول
ابن حبيب أن هذه صلاة مسنونة يلحقها التغيير، فجاز أن يجمع مع غير الإمام وإن جمع
فيها الإمام كصلاة الكسوف.
مسألة: وفى أى المواضع يلزم؟ روى ابن نافع وأشهب أن صلاتها ليست إلا على من
عليه صلاة الجمعة. وروى ابن القاسم عن مالك أنها تلزم القرية فيها عشرون رجلا،
والنزول إليها من ثلاثة أميال كالجمعة.
مسألة: وقوله: ((إن صلى فى المصلى أو فى بيته، لم أر بذلك بأسَاء، يريد أنه لا يمنع
من ذلك حين فاتته لأنه ليس فى صلاته وحده بعد الإمام افتيات عليه، ولا إظهار
لمخالفته، ولذلك جوز لمن فاتته صلاة الجماعة فى مسجد له إمام راتب أن يصليها فى
المسجد وحده أو فى بيته، ومنعناه من أن يصليها فيه بجماعة أخرى.

٣٦٠
...
كتاب الصلاة
ترك الصلاة قبل العيدين وبعدهما
٤٣٢ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يُصَلَّى يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ
الصَّلاةِ وَلا بَعْدَهَا.
الشرح: صلاة العيد تقام فى موضعين، أحدهما: الموضع المختص بها، والآخر
الجامع، فأما الموضع المختص بها، فاختلف الفقهاء فى التنفل فيه قبل الصلاة وبعدها،
فذهب مالك إلى أنه لا يتنفل فيه قبلها ولا بعدها. وقال أبو حنيفة والثورى: ينتفل
بعدها، ولا يتنفل قبلها. وقال الشافعى: يتنفل قبلها وبعدها.
والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك، ما روى عن ابن عباس «أن النبى 88 خرج
يوم الفطر، فصلى ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها)».
ودليلنا من جهة المعنى أن هذه صلاة لحقها التغـ سن لها البروز، فلم تسن الصلاة
قبلها فى مصلاها كصلاة الجنازة.
مسألة: فإن صليت فى الجامع، فهل يصلى قبلها وبعدها فيه أو لا؟ قول ابن القاسم
عن مالك إجازة ذلك. وروى عنه ابن وهب وأشهب منعه قبلها وإبالجته بعدها. وقال
ابن حبيب: أحب أن تكون صلاة العيد حظه من النافلة ذلك اليوم إلى صلاة الظهر،
والصواب جواز النافلة بعد الخروج من المسجد أو بعد طول المكث فيه، وإنما استحب
تأخير التنفل لأنها صلاة عيد كصلاة الجمعة.
٤٣٣ - مَالِك أَنّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسّيَّبِ كَانَ يَغْدُو إِلَى الْمُصَلَّى بَعْدَ أَنْ
يُصَلّىَ الصُّبْحَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
الشرح: تأخير غدوه إلى المصلى حين يصلى الصبح لأن من سنة الصبح أن يصلى فى
المسجد جماعة، فيجب أن يكون الغدو إلى صلاة العيد بعد ذلك، فأما الغدو قبل طلوع
الشمس، فلمن أراد التبكير. وروى على بن زياد عن مالك: ومن غدا إليها قبل طلوع
الشمس فلا بأس به، وهذا هو المستحب عند الشافعى، وذلك أن الركوع ليس بمسنون
قبل الجلوس بالمصلى، فيكون ممنوعًا منه إلى طلوع الشمس، وتقدم جلوسه الانتظار
الصلاة عمل بر.
٤٣٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤١٠. وأخرجه الترمذى فى الجمعة حديث رقم
٤٩٤. عبد الرزاق ٢٧٤/٣. المجموع ١٦/٥. المغنى ٣٨٧/٢.
٤٣٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤١١.

........... ٣٦١
كتاب الصلاة
وروى ابن حبيب عن مالك أنه قال: والخروج إليها بعد طلوع الشمس، عمل
الفقهاء عندنا، وهو الأمر المستحب لمن صلى الصبح أن لا ينصرف من موضعه، ويقبل
على الذكر إلى طلوع الشمس أو قرب ذلك، وهذا كله حكم المأموم فأما الإمام، فيأتى
بیان حکمه إن شاء الله تعالی.
مسألة: وإن غدا الغادى إلى صلاة العيد قبل طلوع الشمس، فلا يكبر فى طريقه ولا
جلوسه حتى تطلع الشمس، وإن غدا بعد طلوع الشمس فليكبر فى طريقه إلى المصلى
وإذا جلس حتى يخرج الإمام، وروى ذلك ابن القاسم وعلى بن زياد عن مالك.
ووجه ذلك أن التكبير شعار الخارج إلى صلاة العيد ڤيجب أن يكون فى الوقت
المختص بها، وأما قبل ذلك، فلا يختص به هذا الذكر، وإنما يختص به ذكر غيره.
مسألة: والفطر والأضحى فى ذلك سواء عند مالك، وبه قال الشافعى. وقال أبو
حنيفة: يكبر فى الأضحى ولا يكبر فى الفطر.
والدليل على نقوله، أن هذا يوم عيد، لا يتكرر فى العام، فسن فيه التكبير فى
الخروج إليه كالأضحى.
الرخصة فى الصلاة قبل العيدين وبعدهما
٤٣٤ - مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ أَبَاهُ الْقَاسِمَ اكَانَ يُصَلَّى قَيْلَ أَنْ
يَغْدُوَ إِلَى الْمُصَلَى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ.
الشرح: حكم هذا الباب غير حكم الباب الذى قبله لأن الباب الأول فى منع
الصلاة بالمصلى قبل العيد وبعدها، وهذا فى الرخصة فى التنفل قبل الغدو إلى المصلى،
ولا خلاف فى جوازه لمن تأخر فى مصلاه بعد صلاة الفجر لذكر الله تعالى حتى تطلع
الشمس، فيتنفل أربع ركعات ونحوها ثم يغدو إلى المصلى.
٤٣٥ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً، عَنْ أَبِهِ أَنْهُ كَانَ يُصَلِّى يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ
الصَّلاةِ فِى الْمَسْجِدِ.
٤٣٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤١٢.
٤٣٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤١٣٠.

كتاب الصلاة
٣٦٢
الشرح: وهذا على نحو ما تقدم، وإن كان فى الكلام تقديم وتأخير، وتقديره إن
كان يصلى يوم الفطر فى المسجد قبل الصلاة، يريد أنه كان يصلى فى مسجده قبل أن
يصلى صلاة العيد فى المصلى(١).
*
غدو الإمام يوم العيد وانتظار الخطبة
قَالَ مَالِك: مَضَتِ السُّنَّةُ الْتِى لا اخْتِلافَ فِيهَا عِنْدَنَا فِى وَقْتِ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى
أَنَّ الإِمَامَ يَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِهِ قَدْرَ مَا يَبْلُغُ مُصَلَاهُ وَقَدْ خَلَّتِ الصَّلاةُ.
الشرح: قوله: ((مضت السنة التى لا اختلاف فيها عندنا))، يريد أنه لا خلاف عند
أهل المدينة(١)، فيما ذكره فى هذه المسألة من عمل الأئمة فى العيدين، وعمل أهل المدينة
فى ذلك، فذكرنا أنه بمعنى الخبر المتواتر.
(١) قال فى الاستذكار بعد ذكره الحديثان السابقين ٥٨/٧ - ٥٩: ترجم الباب الأول بترك
الصلاة، والثانى بالرخصة، وليست الرخصة فى الباب الثانى من الباب الأول فى شىء، لأن
الصلاة فى المسجد قبل الغدو إلى المصلى ليست من باب الصلاة فى المصلى، وإنما اختلفو فى
الصلاة فى المصلى: فذهب أهل المدينة إلى أن لا يصلى أحد فى المصلى قبل صلاة العيد ولا
بعدها. وأجمعوا أن رسول الله ﴿ لم يصل فى المصلى قبل صلاة العيد ولا بعدها، فسائر
الناس كذلك. ونهل الكوفيون والأوزاعى إلى أن لا يصلى أحد فى المصلى قبل الصلاة،
ويصلى بعدها إن شاء. وقال الثورى: يصلى أربعًا لا يفصل بينهن. وذهب البصريون إلى إباحة
الصلاة فى المصلى قبل الصلاة وبعدها. وهو قول الشافعى، قال: يصلى قبل الجمعة وبعدها.
وبه قال داود، ولكل واحد منهم سلف فيما ذهب إليه من الصحابة والتابعين. وروى أشهب
وابن وهب عن مالك: إذا صلوا صلاة العيد فى الفطر فى المسجد أو عذر فلا بأس أن ينتفل
بعدها ولا ينتفل قبلها. وروى ابن القاسم عن مالك، أن التنفل فى المسجد قبلها وبعدها جائز.
قال أبو عمرو: الصلاة فعل خير فلا يجب المنع منها إلا بدليل معارض له فيه، وقد أجمعوا أن
يوم العيد كغيره فى الأوقات المنهى عن الصلاة فيها، فالواجب أن يكون كغيره فى الإباحة
وباله التوفيق. والركوع والسجود فى المسجد ليس بواجب فكيف فى المصلى ومن فعله فقد
أحسن.
(١) قال ابن عبد البر فى الاستذكار ٦٠/٧: قوله فى هذا الباب وقول غيره من فقهاء
الأمصار سواء كله متقارب المعنى. وزاد الشافعى: ليس الإمام فى ذلك كالناس، إما الناس
فأحب أن يتقدموا حين ينصرفوا من الصبح، وأما الإمام فيغدو إلى العيد قدر ما يرى فى
المصلى وقد برزت الشمس. قال: ويؤخر الفطر ويعجل الأضحى، ومن صلى قبل طلوع
الشمس أعاد. وهذا كله مروى معناه عن مالك وهو قول سائر العلماء.

٣٦٣٠٠٠٠٠٠٠
كتاب الصلاة
وقوله: ((فى الفطر والأضحى))، إلى آخر المسألة فيه ثلاث مسائل، إحداها: وقت
خروج الإمام إلى العيد، والثانية: وقت صلاة العيد، والثالثة: أن الفطر والأضحى فى
ذلك سواء. فأما وقت خروج الإمام إلى العيد، فهو أن يخرج قدر ما يصل إلى المصلى،
وقد برزت الشمس.
والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك أن هذا عيد، فلم يشرع للإمام الجلوس فى
مصلاه كالجمعة.
مسألة: فأما وقت صلاة العيد، فأوله إذا ارتفعت الشمس، وحلت السبحة، وفوق
ذلك قليلاً. ووجه أن صلاة العيد صلاة نافلة، فيجب أن يتخير لها جواز التنفل بعد
طلوع الشمس، ويزاد على ذلك بقدر تمكن الوقت واجتماع الناس، وورود من بعد
ومن له عذر.
مسألة: والفطر والأضحى فى ذلك سواء. وقال الشافعى: يعجل الأضحى ويؤخر
الفطر. والدليل على نقوله أن صلاة الأضحى صلاة عيد يبرز لها كصلاة الفطر.
فرع: وآخر وقتها إذا زالت الشمس من يوم العيد، لا وقت لها غير ذلك لأن
النوافل التى تختص بالأوقات أوقاتها إلى الزوال كصلاة الخسوف وصلاة الاستسقاء.
فصل: وقوله: قدر ما يبلغ مصلاه، يريد يبلغ الإمام مصلاه للعيد لأن النزول للعيد
سنة، وتعين موضعه سنة لما روى عن ابن عمر ((كان النبى ولا يغدو إلى المصلى، والعنزة
بين يديه تحمل وتنصب بالمصلى بين يديه، فيصلى إليها)) فوجه الدليل من ذلك أن الألف
واللام فى المصلى لا يصح أن تكون للجنس، فلم يبق إلا أن تكون للعهد، وذلك يفيد
أن يكون مصلى العيد معروفًا معهودًا، والله أعلم وأحكم.
وسُئِلَ مَالِك عَنْ رَجُلٍ صَلَّى مَعَ الإِمَامِ، هَلْ لَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ
الْخُطْبَةَ؟ فَقَالَ: لا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَنْصَرِفَ الإِمَامُ.
الشرح: وهذا كما قال؛ لأن الخطبة من سنة الصلاة وتوابعها ممن شهد الصلاة ممن
تلزمة أو ممن لا تلزمه من صبى أو امرأة وغبد لم يكن له أن يترك حضور سنتها مع
القدرة، رواه ابن القاسم عن مالك. والأصل فى ذلك طواف النفل لما كان الركوع من
توابعه لم يكن لمن تنفل به أن يترك الركوع.
مسألة: وإذا انصرف فلا يكبر فى انصرافه لأننا قد بينا أن تكبيره ينقطع بخروج

كتاب الصلاة
٣٦٤
الإمام، ويستحب أن يرجع على غير الطريق الذى غدا منه لما رواه عن جابر ((كان النبى
إذا كان يوم عيد خالف الطريق)). قال ابن حبيب: وذلك للإمام ألزم منه للناس.
مسألة: وسئل مالك أيكره للرجل أن يقول لأخيه إذا انصرف من العيد: تقبل الله منا
ومنك، وغفر لنا ولك؟ ويرد عليه أخوه مثل ذلك، قال: لا يكره.
*
*
*
صلاة الخوف
٤٣٦ - مَالِكِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ عَمَّنْ صَلَّى مَعَ
رَسُولِ اللّهِ ﴿ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلاةَ الْخَوْفِ أَنَّ طَائِفَةٌ صَفْتْ مَعَهُ وَصَفْتْ طَائِفَةٌ
وِجَاهَ الْعَدُوِّ فَصَلَى بِالْتِى مَعَهُ رَكْعَةٌ ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا وَأَتَّهُّوا لأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ انْصَرَفُوا
فَصَفُوا وَجَاهَ الْعَدُوِّ وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأخْرَى فَصَلَى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الْتِى بَقِيَتْ مِنْ
صَلَاِهِ ثُمَّ ثَبَتَ حَالِسًا وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ.
الشرح: غزوة ذات الرقاع سنة خمس من الهجرة.
وقوله: ((يوم ذات الرقاع))، أضاف اليوم إلى جبل يقال له الرقاع فيه بياض وحمرة
وسواد، وقيل إن غزوة ذات الرقاع سميت بذلك لأن المسلمين لم يكن لهم إبل
تحملهم، فكان أكثرهم مشاه، فتخرقت نعالهم، فلفوا الرقاع على أرجلهم. وحكى ابن
حبيب عن ابن الماجشون أن صلاة الخوف نزلت يوم ذات الرقاع.
فصل: قوله: ((من صلى مع النبى (﴿ صلاة الخوف))، يريد أن الصلاة الخوف صفة
تختص بها، ولولا ذلك لكانت من جملة الصلوات التى عم الناس معرفة صفاتها. وقد
اختلف فى صفتها، فروى عن سهل بن أبى حثمة، وهو الذى صلاها مع النبى ﴾ هذه
الرواية، والرواية التى بعد هذا من رواية القاسم بن محمد عنه.
وروى ابن عمر أن يصلى بالطائفة الأولى ركعة ثم تصير فى وجاه العدو وتأتى
الطائفة الأخرى، فيصلى بها الإمام ركعة أخرى، ثم يسلم ثم تقوم كل طائفة فتتم، وإلى
هذا القول ذهب أشهب بن عبد العزيز، وزاد أن الطائفة الأولى تأتى بالركعة الثانية،
والطائفة الثانية وجاه العدو، فإذا انصرفت الطائفة الأولى وقفت وجاه العدو ثم قضت
الطائفة الثانية ركعتها الثانية.
٤٣٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤١٤.

.......... ٣٦٥
كتاب الصلاة
والخلاف فى صلاة الخوف فى موضعين، أحدهما: جوازها، والثانى: صفتها، فأما
جوازها، فعليه جمهور الفقهاء غير أبى يوسف، فإنه قال: لا تصلى صلاة الخوف، بإمام
بعد النبى :
والدليل على ذلك أن النبى ﴿3﴾ صلى صلاة الخوف، وقد أمرنا باتباعه والاقتداء به
بل أفعاله عنده على الوجوب، ومما يدل على ذلك إجماع الصحابة، فإن جماعة من
الصحابة قد فعلوا ذلك فى جيوش عظيمة ومحافل مختلفة مثلها تذيع وتسلم، ولم يعلم
لهم مخالف.
ودليلنا من جهة القياس أنه ضرب من العذر بغير بنية الصلاة، فوجب أن يكون
حكمنا فيه حكم النبى ﴿﴿ كالمرض والسفر.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن الصفة المختلفة على صفة ظاهر حديث سهل بن أبى
حثمة، فقال: الذى ذهب إليه مالك والشافعى، وهى عند أبى حنيفة على ظاهر حديث
عبدالله بن مسعود، وهو أن يقف الجيش وراء الإمام صفين، فيكبر الإمام ويكبر
الصفان، فيصلى الإمام بالصف الذى يليه ركعة والصف الآخر وجاه العدو ثم يذهب
الصف الأول إلى وجاه العدو ويأتى الصف الثانى، فيصلى بهم الإمام ركعة ثم يقضى
الذين صلى بهم الركعة الثانية مكانهم، ثم يذهبون إلى مصاف أصحابهم، ويأتى أولئك
فیقضون ر کعة.
والدليل على ما ذهب إليه مالك أن حديث سهل بن أبى حثمة أسند، رواه عنه
صالح بن خوات وسماعه منه صحیح، وخبر عبدالله بن مسعود رواه عنه ابنه أبو عبيدة
وقد صغر عن السماع منه.
ودليل آخر وهو أنهما لو تساويا فى الإسناد لوجب الأخذ بحديث سهل لموافقته
ظاهر القرآن، قال الله تعالى: ﴿فلتقم طائفة منهم معك﴾ [النساء: ١٠٢] وهذا يقتضى
أن طائفة من المسلمين تقوم مع الإمام، وعلى حديث ابن مسعود جميع المسلمين يقومون
معه، وقوله: ﴿فإذا سجدوا﴾ [النساء: ١٠٢]، وهذا يقتضى إفرادهم بالسجود، ولو
سجد بهم الإمام لقال فإذا سجد ثم، ثم قال تعالى: ﴿فليكونوا من ورائكم﴾ إلى قوله
تعالى: ﴿ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك﴾، وظاهر هذا يقتضى إفراد
الطائفة الأولى بالسجود ثم تكون وراء الإمام والطائفة الثانية فى صلاة.
وفى حديث ابن مسعود فلا تنفرد الطائفة الأولى بالسجود دون الإمام إلا بعد

٠٠
٣٦٦
كتاب الصلاة
انقضاء صلاته، وقوله: ﴿ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك﴾ وعلى حديث
ابن مسعود ليس طائفة لم تصل لأن جميعهم كبر بتكبير الإمام.
ودليل ثالث وهو أن الخبرين لو تساويا ولم يكن يرجح أحدهما على الآخر بشىء
مما ذكرناه لوجب أن يسقط، ويرجع إلى سائر أدلة الشرع، وإذا رجعنا إليها فكان ما
قلناه أولى لأن صلاة الخوف إنما شرعت لحفظ المسلمين ولحمايتهم من عدوهم، وما
قلناه هو الذى يقع به التحرز لأن إحدى الطائفتين تكون أبدًا فى غير صلاة لتحفظ
الطائفة المصلية، وعلى ما ذهب إليه أبو حنيفة تكون الطائفتان أبدًا مصليتين، فلا تبقى
طائفة تحفظ المسلمين، فيكون تغير صلاة الخوف لغير فائدة، وإنما دخلها التغيير لفائدة
التحرز والحفظ من المشركين.
فصل: ثم يرجع إلى تفسیر حدیث یزید بن رومان فقوله: ((إن طائفة صفت معه)،
يعنى أنها تصلى معه، ((وطائفة وجاه العدو))، ويعنى تحرس المصلين مع النبى ؟
وقوله: «فصلی ر کعة ثم ثبت قائمًا))، یعنی أنه أتم بهم ر کعة وسجدتیها، وهى
الركعة الكاملة، وإنما ثبت قائمًا لأن قيامه من الركعة الأولى لا يكون إلا إلى قيام، فثبت
قائمًا وهذا إذا كانت الصلاة ركعتين، فإن كانت أربعًا، فهل يثبت لانتظار الطائفة
الثانية جالسًا أو قائمًا، اختلف قول مالك فى ذلك، فروى عنه ابن وهب وابن كنانة أنه
ينتظرهم جالسًا. وروى عنه ابن الماجشون أنه إذا أكمل التشهد، قام، فأتمت حينئذ
الطائفة الأولى صلاتها وانتظر الطائفة الثانية قائمًا، وبه قال ابن القاسم ومطرف.
وجه رواية ابن وهب أن صلاة الخوف مبنية على المساواة ما أمكن ومن المساواة بين
الطائفتين أن يبدأ الركعة الثالثة بالطائفة الثانية كما ابتدأ الركعة الأولى بالطائفة الأولى.
ووجه الرواية الثانية أنه لا غاية لقعوده ولا أمارة تعلم بها الطائفة التى يصلى معها
انقضاء تشهده لتقوم للقضاء إلا بإشارة، وهى زيادة فى الصلاة لغير ضرورة، وليس
کذلك ما قلناه، فإن بقیامه یعلم ذلك، فكان انتظاره إياهم قائمًا.
فرع: فإذا قلنا برواية ابن وهب، ينتظرهم جالسًا، فإنه مخير بين أن يسكت أو يذكر
الله تعالى، حتى تأتى الطائفة الثانية، فإذا قلنا ينتظرهم قائمًا فإنه بخير بين أن يسكت أو
يدعو ما بينه وبين أن تحرم الطائفة، وليس له أن يقرأ حتى تحرم الطائفة الثانية لأنه لا يقرأ
فى هذه الركعة إلا بأم القرآن، وربما أكملها قبل أن تأتى الطائفة الثانية، وإذا كان
انتظاره الطائفة الثانية فى صلاة سفر قائمًا فى الركعة الثانية، فإنه مخير بين ثلاثة أحوال:

٣٦٧٠
كتاب الصلاة .
السكون والدعاء والقراءة، بما يعلم أنه لا يتمه حتى تكبر الطائفة الثانية وتدرك معه
القراءة، قاله ابن حبيب.
فصل: وقوله: ((وأتموا لأنفسهم))، يعنى أكملوا صلاتهم ليتفرغوا للقاء العدو وحفظ
النبى 8 وحفظ الطائفة الثانية، قال ابن حبيب: يتمون الصلاة أفذاذًا.
فصل: وقوله: ((صلى بهم الركعة الثانية)، يقتضى أنها صلاة سفر أو صلاة الصبح
فى حضر.
وقوله: ((ثم ثبت جالسًا وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم))، اختلف فى هذا الفعل رواية
یزید بن رومان وروایة القاسم، وهما یرویان عن صالح بن خوات، وسیأتی بیانه بعد
هذا إن شاء الله تعالى.
مسألة: قد تقدم الكلام فى صلاة السفر وصلاة الحضر، وبقى الكلام فى صلاة
المغرب على حكم الخوف، وذلك أن الإمام يصلى بالطائفة الأولى ركعتين، وبالطائفة
الثانية ركعة، وقال بعض الشافعية: يصلى بالطائفة الأولى ركعة وبالطائفة الثانية
ر کعتین.
والدليل على ما نقوله أن صلاة الخوف مبنية على المساواة بين الطائفتين ما أمكن،
فإذا تعذر ذلك، وجب أن يكون التمام والكمال فى أول صلاته لأن أول الصلاة مبنى
على الكمال، ألا ترى أن المصلى يجهر بالقراءة فى أول صلاته دون آخرها، ويطول فى
أولها ما لا يطول فى آخرها، فإذا لم يكن قسم الركعة بين الطائفتين لتعذر قسمها،
وجب أن يصليها بالطائفة الأولى.
٤٣٧ - مَالِكِ، عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ
خَوَّاتٍ أَنَّ سَهْلَ بْنَ أَبِى حَثْمَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ أَنْ يَقُومَ الإِمَامُ وَمَعَهُ طَائِفَةٌ
مِنْ أَصْحَابِهِ وَطَائِفَةٌ مُوَاحِهَةٌ الْعَدُوَّ فَيَرْكَعُ الإِمَامُ رَكْعَةٌ وَيَسْجُدُ بِالْذِينَ مَعَهُ، ثُمَّ
يَقُومُ، فَإِذَا اسْتَوَى قَائِمًا ثَبَتَ، وَأَتَّمُّوا لأَنْفُسِهِمُ الرَّكْعَةَ الْبَاقِيَّةَ، ثُمَّ يُسَلِّمُونَ
٤٣٧ - أخرجه البخارى فى المغازى حديث رقم ٤١٣١. ومسلم فى صلاة المسافرين وقصرها
حديث رقم ٨٤١، ٨٤٢. والترمذى فى الجمعة حديث رقم ٥١٨. والنسائى فى الصغرى فى
صلاة الخوف حديث رقم ١٥٣٥. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ١٢٣٧، ١٢٣٨،
١٢٣٩. وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١٢٥٩. وأحمد فى المسند
حديث رقم ١٥٢٨٣.

كتاب الصلاة
٣٦٨
وَيَنْصَرِفُونَ، وَالإِمَامُ قَائِمٌ، فَيَكُونُونَ وِحَاهَ الْعَدُوِّ، ثُمَّ يُقْبِلِ الآخَرُونَ الّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا،
فَيُكَبِّرُونَ وَرَاءَ الإِمَامِ فَيَرْكَعُ بِهِمُ الرَّكْعَةَ وَيَسْجُدُ ثُمَّ يُسلِّمُ، فَيَقُومُونَ فَيَرْكَعُونَ
لِأَنْفُسِهِمُ الرَّكْعَةَ الْبَاقِيَةَ ثُمَّ يُسَلِّمُونَ.
الشرح: حديث عبدالرحمن بن القاسم موافق لحديث يزيد بن رومان فى قوله: ثم
قعد حتى صلى الذين صلوا ركعة ثم سلم. فأما حديث يحيى بن سعيد عن القاسم، فإنه
جعل من سنة الصلاة أن الإمام يسلم إذا كملت صلاته ثم تقوم الطائفة الثانية، فتقتضى
بعد سلامه ركعة، وقد ترجح مالك، رحمه الله، فى الأخذ بكل واحد من الحديثين،
فروى عنه عبدالرحمن بن مهدى وابن وهب والقعنبى أنه قال: أحب ما فى ذلك إلىّ
حدیث یزید بن رومان، وبه قال الشافعی.
وقال ابن بكير: إنه قال مالك، ثم رجع إلى حديث يحيى بن سعيد، عن القاسم.
وقال ابن القاسم فى الموطأ بأثر حديث يحيى بن سعيد: وهذا الحديث أحب إلىّ. وقال
أحمد بن خالد: وبه أخذ جماعة أصحاب مالك، إلا أشهب، فإنه أخذ بحديث ابن عمر.
ووجه تعلق مالك بحديث يزيد بن رومان، أنه مسند وحديث يحيى بن سعيد
موقوف.
ووجه آخرأنه موافق لنص الكتاب فقوله تعالى: ﴿ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا
فليصلوا معك﴾ [النساء: ١٠٢] وهذا يقتضى أن يفعل الصلاة فى حكمه، ولا يكون
ذلك إلا حدیث یزید بن رومان.
ووجه تعلقه بحديث يحيى بن سعيد أن التغيير إنما يلحق صلاة الخوف للضرورة، فإذا
لم تكن ضرورة أجريت على حكم الأصل فى سائر الصلوات، ولا ضرورة، بنا إلى
انتظار الإمام الطائفة الثانية حتى يتموا صلاتهم، ولا فائدة فى ذلك لأن المأموم يتم
صلاته بعد سلام الإمام، فلا معنى لانتظاره إياهم؛ لأن ذلك زيادة فى صلاة لا تدعو
الضروة إليها وذلك مفسد لها.
٤٣٨ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلاةِ الْخَوْفِ
٤٣٨ - أخرجه البخارى فى تفسير القرآن حديث رقم ٤٥٣٥. ومسلم فى صلاة المسافرين وقصرها
حديث رقم ٨٣٩. والترمذى فى الجمعة حديث رقم ٥١٧. والنسائى فى الصغرى فى صلاة
الخوف حديث رقم ١٥٣٨، ١٥٣٩، ١٥٤٠، ١٥٤١. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم=

٣٦٩
كتاب الصلاة .
قَالَ: يَتْقَدَّمُ الإِمَامُ وَطَائِفَةٌ مِنَ النّاسِ فَيُصَلّى بِهِمُ الإِمَامُ رَكْعَةٌ، وَتَكُونُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ
بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَدُوِّلَمْ يُصَلُّوا، فَإِذَا صَلَّى الَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةٌ اسْتَأْخَرُوا مَكَانَ الَّذِينَ لَمْ
يُصَلُّوا وَلا يُسَلِّمُونَ، وَيَتَقَدَّمُ الَّذِينَ لَمْ يُصِّلُّوا فَيُصَلُّونَ مَعَّهُ رَكْعَةً ثُمَّ يَنْصَرِفُ الإمَامُ
وَقَدْ صَلَى رَكْعَيْنٍ، فَتَقُومُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ فَيَّصَلُونَ لأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةُ رَكْعَةٌ
بَعْدَ أَنْ يَنْصَرِفَ الإِمَامُ فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ قَدْ صَلّوْا رَكْعَيْنٍ، فَإِنْ كَانَ
حَوْفًا هُوَ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ صَلَوْا رِجَالا ◌ِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ أَوْ رُكْبَانًا مُسْتَقْبِى الْقِيْلَةِ أَوْ
غَيْرَ مُسْتَغْيِلِيهَا.
قَالَ مَالِك: قَالَ نَافِعٌ: لا أَرَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ إِلَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ه
الشرح: قد تقدم الكلام فى أكثر هذا الحديث. وقوله: ((فإن كان خوفًا هو أشد من
ذلك))، يعنى خوفًا لا يمكن معه المقام فى موضع، ولا إقامة صف، ((صلوا رجالاً قيامًا
على أقدامهم))، وذلك أن الخوف على ضربين، ضرب يمكن فيه الاستقرار، وإقامة
الصف لكن يخاف من ظهور العدو بالاشتغال بالصلاة، فها هنا لا يخلو من حالين
أحدهما أن يرجو أن يأمن فى الوقت، فهذا ينتظر أن يأمن ما لم يخرج الوقت. والثانية
أن لا يرجو ذلك، فهذا يصلى صلاة الخوف على حسب ما قدمناه.
مسألة: وأما الضرب الثانى من الخوف، فهذا أن لا يمكن معه استقرار ولا إقامة
صف، مثل المنهزم المطلوب، فهذا يصلى كيف أمكنه راجلاً أو راكبًا، قال الله تعالى:
﴿فإن خفتم فرجالا أو ركبانا﴾ [البقرة: ٢٣٩].
ومن جهة المعنى أن الصلاة لما تأکد أمرها ولم يجز الإخلال بها ولا تر کها بوجه،
وجب أن يفعل فى كل وقت على حسب ما أمكن من فعلها لأن الإتيان بها على
وجهها یؤدی إلی تر کها عند تعذر ذلك فیھا.
فصل: وقوله: ((رجالاً أو ركبالا على أقدامهم))، يريد أن ركوعهم وسجودهم إيماء
على أقدمهم، ولا يجوز أن يريد بذلك حالى القيام لأنه لا فائدة فى ذكره، وكل من منعه
عدو من الركوع والسجود، فإن حکمه الإيماء.
=١٢٤٣. وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١٢٥٨. وأحمد فى المسند
حديث رقم ٦٣٤١. والدارمى فى الصلاة حديث رقم ١٥٢١.