Indexed OCR Text

Pages 721-740

كتاب الصلاة
٢٥٠
النية الشرعية لمسافة القصر فيه. ووجه الرواية الثانية أن هذا معنى يترخص به فى
الطاعة، فجاز أن يترخص به فى سفر المعصية كأكل الميتة.
فصل: وقد روى عن عائشة رضى الله عنها أنها كانت مع روايتها لهذا الحديث،
تتم الصلاة فى السفر. قال الزهرى: قلت لعروة: فما بال عائشة تتم؟ قال: تأولت ما
تأول عثمان، رحمه الله.
وقد اختلف فى تأويل ذلك فقيل تأول أنه لما كان الخليفة، وأن كل موضع يمر فيه
فهو قطره، وأن من فيه ملتزم لطاعته، فهو بمنزلة استيطانه فيه فحكمه لذلك أن يتم.
وتأولت عائشة أنها لما كانت أم المؤمنين، وأن كل نزل تنزله، فهو منزل لمن يحرم عليها
بالبنوة، کان حکمها لذلك أن تتم.
ووجه ما ذهب إليه عثمان فى ذلك أن للإمامة تأثيرًا فى أحكام الإتمام كما لها تأثير
فى إمامة الجمعة، ولذلك كان حكم الإمام يمر بموضع جمعة أن يصلى بهم الجمعة،
وهو مسافر غير أن عثمان وعائشة رضى الله عنهما سافرا مع رسول الله ﴾ إلى مكة
وغيرها، وكان مع ذلك يقصر الصلاة.
قال الإمام أبو الوليد: ويحتمل عندى أن يكون عثمان وعائشة اعتقدا فى ذلك
التخيير على ما ذهب إليه أصحاب الشافعى فآثرا الإتمام، وتأولا أفعال النبى ؟
& فى
القصر أنه قصد به التخفيف عن أمته كالفطر.
وقد روى أن عثمان أتم الصلاة بمنى، ثم خطب الناس، فقال: أيها الناس إن السنة
سنة محمد عليه السلام ثم سنة صاحبيه، ولكن حدث طغام من الناس، فخفت أن
ینسوا.
ويحتمل أن يكون عثمان وعائشة رضى الله عنهما إنما أتما بمنى بعد المقام بمكة مدة
الإتمام لما لم يكن فى الخروج إلى عرفة مسافة قصر لمن احتسب فى القصر بالخروج
خاصة دون الرجوع والله أعلم، وسيأتى بعد هذا غير هذا من وجوه الإتمام، وبالله
التوفيق.
٣٣١ - مَالِك، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ لِسَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: مَا أَشَدَّمَا
رَأَيْتَ أَبَاكَ أَخْرَ الْمَغْرِبَ فِى السَّفَرِ؟ فَقَالَ سَالِمٌ: غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَنَحْنُ بِذَاتٍ
الْحَيْئِ، فَصَلَى الْمَغْرِبَ بِالْعَقِيقِ.
٣٣١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٠٦.

........... ٢٥١
كتاب الصلاة
الشرح: سؤاله عن أشد ما رآه أخر أبوه المغرب من الوقت ليعرف بذلك آخر وقتها
المختار، فأخبر سالم بما شاهد من فعله، وعلم ذلك بموضعين لا يعرف مقدار التأخير
إلا من عرف ما بينهما، وحمل ذلك على المعروف من سير من جد فى السير.
ما يجب فيه قصر الصلاة
٣٣٢ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا خَرَجَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا
قَصَرَ الصَّلاةَ بِذِى الْحُلَيْفَةِ.
الشرح: قوله: ((كان إذا خرج حاجًا أو معتمرًا)) خص سفره بالحج والعمرة لأنهما
مما لا خلاف فى قصر الصلاة فيه.
وقوله: ((أنه كان يقصر الصلاة فى سفره ذلك بذى الحليفة)» يحتمل معنیین،
أحدهما: قدر السفر الذى تقصر فى مثله الصلاة، والثانى: قدر المسافة التى يشرع فى
القصر منها، فأما قدر السفر الذى تقصر فى مثله الصلاة، فإنه قد نص على أن السفر
من المدينة إلى الحج تقصر فيه الصلاة، وهذا مما لا خلاف فيه، وإنما الخلاف فى أقل
مقادير سفر القصر، فالمشهور عن مالك أن أقل سفر القصر أربعة برد، وهى ستة عشر
فرسخًا، وهى ثمانية وأربعون ميلاً، وإلى ذلك ذهب الشافعى، وروى عنه مسيرة يوم
وليلة. وروى ابن القاسم أن مالكًا رجع عنه.
قال القاضى أبو محمد: عن بعض أصحابنا أن قوله: مسيرة يوم وليلة، ومسيرة أربعة
برد، واحد، وأن اليوم والليلة فى الغالب هو ما يسار فيه أربعة برد، فيكون معنى قول
ابن القاسم ترك التحديد باليوم والليلة أنه ترك ذلك اللفظ إلى لفظ هو أبين منه.
قال ابن حبيب: وتقصر فى أربعين ميلا، وهذا قريب من أربعة برد. وروى أشهب
عن مالك: القصر فى خمسة وأربعين ميلاً. وروى أبو زيد عن ابن القاسم: من قصر فى
ستة وثلاثين میلاً، فإنه لا يعيد.
قال ابن المواز عن ابن عبد الحكم: يعيد فى الوقت، فإن قصر فى أقل من ذلك أعاد
أبدًا.
وقال أبو حنيفة: لا تقصر الصلاة فى أقل من مسيرة ثلاثة أيام. وقال داود: إن سافر
لحج أو عمرة قصر الصلاة فى قصير السفر وطويله.
٣٣٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٠٩.

٢٥٢
كتاب الصلاة
ودليلنا على ما نقوله ما روى عن النبى ) أنه قال: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله
واليوم الآخر، تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها ذو محرم)) فوجه الدليل من ذلك أنه
ثبت هذا الحكم لهذا المقدار، وجعله سفرًا.
ولا خلاف أن للمرأة الخروج إلى الموضع القريب دون ذى محرم، فإذا جعله النبى
حدا للسفر، وجب أن يتعلق به هذا الحكم، ويحدد منه قياسًا، فنقول أنه سفر لا تخرج
فيه المرأة إلا مع ذي محرم، فجاز أن يتعلق به حكم القصر، أصله مسيرة ثلاثة أيام.
ودليلنا على أنه لا يجوز القصر فى الميل والميلين أن هذه مسافة لا تلحق المشقة
بقطعها غالبًا، فلم يتعلق بها حكم القصر كالخروج إلى المسجد والسوق.
مسألة: إذا ثبت ما ذكرناه من مراعاة المسافة فى البر، فإن حكم البحر فى ذلك
حكم البر، فإن كان السفر فى بر وبحر، فقال ابن الماجشون: إن كان فى أقصاه
باتصال البر مع البحر مسافة القصر، قصر. وقال ابن الموار: إذا لم يكن فى البر مسافة
قصر، وكان المركب لا يبرح إلا بالريح، فلا يقصر فى البر حتى يركب فى البحر،
ويبرز وعن المرسى، وإن كان يجرى بالريح وغيرها فليقصر من حين يخرج بالبر.
فوجه قول ابن الماجشون أن من عزم على مسيرة أربعة برد، فحكمه القصر، ولا
يخرج عن ذلك إلا بتغير عزمه، وهذا متيقن للسفر عازم عليه، فلا يمنعه القصر انتظار
الريح كما لا يمنعه ذلك فى أثناء سفره فى البحر، وما قاله ابن المواز مبنى على أنه لا
يجوز القصر حتى يمكنه العزم على اتصال السير.
٣٣٣ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِهِ أَنْهُ رَكِبَ إِلَى
رِيمٍ فَقَصَرَ الصَّلاةَ فِى مَسِيرِهِ ذَلِكَ.
قَالَ مَالِك: وَذَلِكَ نَحْوٌ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُءٍ (١).
٣٣٤ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَكِبَ إِلَى
ذَاتِ النِّصُبِ، فَقَصَرَ الصَّلاةَ فِى مَسِيرِهِ ذَلِكَ.
٣٣٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣١٠.
(١) واحدها بريد، وهو: ما يقارب اثنى عشر ميلاً.
٣٣٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣١١. ابن أبى شيبة فى المصنف ٤٤٥/٢. البيهقى
فى سننه الكبرى ١٣٦/٣. عبد الرازق فى المصنف ٥٢٦/٢.

٢٥٣
كتاب الصلاة
قَالَ مَالِك: وَبَيْنَ ذَاتِ النِّصُبِ وَالْمَدِينَةِ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ.
الشرح: قد روى عقيل عن الزهرى عن سالم أن ريم من المدينة على نحو ثلاثين
ميلاً، وكذلك روى عبد الرزاق عن مالك، وما رواه جماعة رواة الموطأ عن مالك
أولى، وهو أعلم بذلك لتكرره عليه، ونشأته به، وإخباره مسافته إخبار من يروح إليه
ويغدو منه، وهذا كله ليس فيه دليل على أقل مقادير القصر، وإنما فيه دليل على جواز
القصر فى مثل تلك المسافة، وإنما يخبر كل إنسان منهم بما يشاهد من ذلك، وتختلف
عباراتهم، فبعضهم يحد ما رواه بالمسافة وبعضهم بالزمان وبعضهم بالأميال، ويعود
ذلك کله إلی معنی واحد، والله أعلم.
٣٣٥ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ إِلَى خَيْرَ فَيَقْصُرُ الصَّلاةَ.
الشرح: وهذا على نحو ما تقدم، ويحتمل أن يكون بين خبير وبين مبتدأ سفره مثل
ما تقدم من مسافة القصر، إلا أنه لم يذكر فى هذا الحديث مبتدأ سفره.
والظاهر أنه كان من المدينة لأنها موضع استيطانه، والقصر حكم مختص بالسفر لا
يؤثر فيه غيره من مرض ولا سواه، ورواه القاضى أبو إسحاق فى مبسوطه عن مالك.
٣٣٦ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ
كَانَ يَقْصُرُ الصَّلاَةَ فِى مَسِيرِهِ الْيَوْمَ الّامَّ.
الشرح: وهذا على نحو ما تقدم من المسافة لأن اليوم التام هو أن يقطع جميعه بحد
السير، ولا يقال فى عشرة أميال مسيرة يوم، وإن مشاها فی جمیع یومه. وقال محمد بن
المواز: معنى قول ابن عمر فى اليوم التام، أن ذلك فى الصيف للرجل المجد، وإنما قصد
بذلك ابن المواز الإشارة إلى استكمال المسافة التى تقدم ذكرها.
٣٣٧ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ الْبَرِيدَ فَلا يَقْصُرُ الصَّلاةَ.
الشرح: وهذا على نحو ما قدمناه من أن قصير المسافة كالبريد ونحوه لا تقصر فى
مثله الصلاة، وإنما وصف خروجه معه إلى البريد ونحوه سفرًا على سبيل المجاز
٣٣٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣١٣. البيهقى فى السنن الكبرى ١٣٧/٣. المحلى
١١/٥. عبد الرزاق فى المصنف ٥٢٣/٢.
٣٣٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣١٢. المجموع ٢١٦/٤. المغنى ٢٥٧/٢.
٣٣٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣١٤.

٢٥٤
كتاب الصلاة
والإمتاع، فأما أن ينطلق عليه اسم السفر حقيقة فى كلام العرب، فلا، وإنما ينطلق
عندهم اسم السفر على طويل المسافة لأن القائل لو قال: سافر زيد، لما فهم منه
الخروج إلى مسيرة الميلين والثلاثة، ولا فهم منه إلا السفر، وهو الخروج إلى طويل
المسافة مع أن هذا لفظ نافع، ولم يكن من العرب، فيحتج بلفظه فى اللغة. وقد روى
أنه کانت فی نطقه لکنة.
٣٣٨ - مَالِكِ أَنّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلاةَ فِى مِثْلِ مَا بَيْنَ
مَكَّةَ وَالطّائِفِ، وَفِى مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَعُسْفَانَ، وَفِى مِثْلٍ مَا بَيْنَ مَكّةً وَحُدَّةً.
قَالَ مَالِك: وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ، وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا تُقْصَرُ إِلَىَّ فِيهِ الصَّلاةُ.
الشرح: وهذا على نحو ما تقدم لأن هذه المسافات التى ذكر هى أربعة برد أو
نحوها، وإنما أراد مالك فى ذلك أفعال الصحابة وكثر منها لما لم يصح فيه توقيت عنده
من النبى ﴿﴿، فاقتدى فى ذلك بعمل الصحابة، وشهرة الأمر بينهم، وتكرره منهم،
وعدم الخلاف فيه، ولعله اعتقد فيه الإجماع، وإلى ذلك ذهب القاضى أبو محمد
وجماعة من شيوخنا إلى أن إجماع الصحابة فى اعتبار مسافة لا يجوز القصر دونها، وأن
من لم يعتبر المسافة فقد خالف الإجماع.
قَالَ مَالِك: لا يَقْصُرُ الَّذِى يُرِيدُ السَّفَرَ الصَّلاةَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ، وَلا
ثُمُّ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلَ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ أَوْ يُقَارِبَ ذَلِكَ.
الشرح: قوله: ((لا يقصر الذى يريد السفر)) معناه أن ينوى مسافة القصر بنية عزم،
فإن لم يستقر عزمه على نية السفر مثل أن يمر بمنزل رفيقه، فإن خرج سافر معه، وإن
أقام لم يسافر، فهذا لا يقصر لأنه لم يوجد منه العزم على السفر.
مسألة: فإن نوی مسافة القصر بسیر متصل، قصر، وإن لم ينو سيرًا متصلاً ونوى فى
أثنائه مقامًا لا يتم فيه الصلاة، ففى المدونة: يقصر الصلاة فى جميع سفره، وإن نوى
مقامًا يتم فيه الصلاة، ففى الموازية: ذلك كوطنه، يراعى ما قبل المقام من مسافة القصر
بنفسه، و کذلك ما بعده.
٣٣٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣١٥. البيهقى فى السنن الكبرى ١٣٧/٣. ام
للشافعى ١٨٣/١. عبد الرزاق فى المصنف ٥٢٤/٢. المغنى ٢٥٥/٢. معرفة السنن والآثار
٦٠١٤/٤.

٢٥٥٠٠
....
كتاب الصلاة .
وقال عبد الملك وسحنون: لا يقصر إلا فى مقامه، وجعل ما قبل مقامه وما بعده
مسافة واحدة.
وجه القول الأول أنه قد فصل بينهما ما تتم فيه الصلاة کمن مر بوطنه، فأتم فيه
الصلاة. ووجه القول الثانى أن المسافة كلها مسافة قصر فى حقه، هذا الذى ذهب إليه
مالك أنه لا يقصر الصلاة حتى يجاوز بيوت القرية، ولا يكون عن يمينه ولا عن يساره
منها شىء، وهو المشهور عنه من رواية ابن القاسم وغيره.
وروى عنه مطرف وابن الماجشون أن من كان من المدن التى يجمع فيها، فإنه لا
يقصر حتى يجاوز بيوت القرية بثلاثة أميال، وأما من كان من القرى التى لا يجمع فيها
فحتى يجاوز بساتينها ولا ينظر إلى مزارعها.
وجه رواية ابن القاسم أن ما كان خارج القرية، فليس من مواضع الاستيطان، وإنما
موضع الاستيطان البيوت، فيجب أن يعتبر بها فى المقام، ويعتبر بالخروج عنها فى
السفر.
ووجه الرواية الثانية أن هذا موضع يجب النزول منه إلى الجمعة، فكان حكمه حكم
الوطن. أصل ذلك ما بين البيوت فى البر. وأما فى البحر، ففى المجموعة من رواية ابن
القاسم عن مالك: إذا جاوز البيوت ورفع فليقصر.
المسألة: ومن خرج فى سفر فقصر، فلما سار ثلاثة أميال أو بريدًا من منزله رجع
لحاجة فى منزله أو فى موضع آخر، وممره فى ذلك على منزله، قال مالك: يتم من
حين أخذ فى الرجوع إلى أن يدخل مسكته ثم ينفصل عنه. وقال ابن الماجشون فى
المجموعة: يقصر حتی یدخل أهله، وهو کمن ردته الريح.
وجه قول مالك أنه قد أراد الدخول إلى مسكنه، فحكمه حكم المقيم لأنه ليس بین
مسكنه، وموضع نوى منه الرجوع إليه ما تقصر فيه الصلاة. ووجه القول الثانى ما
احتج به ابن الماجشون من أنه لم ينو منه الرجوع إليه ما تقصر فيه الصلاة. ووجه
القول الثانى ما احتج به ابن الماجشون من أنه لم ينو الإقامة.
فصل: وقوله: ((ولا يتم حتى يدخل أول بيوت القرية أو يقارب ذلك)) يريد أنه
يقصر حتى يدخل بيوت القرية فيتم الصلاة، فجعل الإتمام يثبت فى الرجوع بما لا يثبت
به التقصير فى الخروج لأنه جعل فى الخروج حكم القصر بالخروج عن البيوت، ثم
جعل حكم القصر فى الرجوع بقرب البيوت قبل الدخول إلى البيوت، وهذا آخر

كتاب الصلاة
....
٢٥٦ .
الموضع الذى فارق فيه حكم الإتمام.
ووجه ذلك أن حكم الإتمام مغلب بدليل أنه إذا نوى الإقامة فى موضع سفره أتم
الصلاة وانتقل من حكم السفر بمجرد النية، وإذا نوى السقر فى موضع الإقامة لم تنتقل
نيته عن حكم الإقامة. وروى ابن القاسم فى المدونة: يقصر حتى يدخل بيوت القرية
أو يقاربها.
وروى على بن زياد عن مالك فى المجموعة يقصر حتى يدخل منزله. وروى مطرف
و ابن الماجشون: یقصر إلی الموضع الذی أمر بالقصر منه عند خروجه.
فصل: وقوله: ((أو يقارب ذلك)) يحتمل معنيين، أحدهما: أن يقارب الدخول،
والثانى أن يقارب البيوت، وهذا هو الأظهر لأن مقارب البيوت هو الذى له حكم
الإقامة، وأما مقاربة الدخول فلا تأثير لها لأنه يلزمه الإتمام بالوصول إلى موضعه، وإن
تأخر دخوله لمعنى يوجب بقاءه بها ويؤخر دخوله.
صلاة المسافر ما لم يجمع مكثًا
٣٣٩ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ
كَانَ يَقُولُ: أُصَلِى صَلاةَ الْمُسَافِرِ مَا لَمْ أُحْيِعْ مُكْنَا وَإِنْ حَبَسَنِى ذَلِكَ اثْنَشَىْ عَشْرَةً
لَيْلَةٌ.
الشرح: وجه ذلك أن المسافر الذى يقصر الصلاة لا يخلو أن يكون مبتدئًا لسفره أو
مستديمًا له، فإن كان مبتدئا لسفره، فلا يجوز له القصر إلا بالنية والعمل. فأما النية، فأن
ينوى البلوغ إلى غاية، بينها وبين مبتدأ سفره ثمانية وأربعون ميلاً على ما تقدم من
اتصال السير وانفصاله.
وأما العمل، فعلى روايتين، إحداهما: أن يبرز من بيوت القرية، والثانى: أن
يتجاوزها بثلاثة أميال. وأما المستديم لسفره، فإنه يقصر الصلاة ما لم يحل بين الماضى
من سفره والمستقبل منه فاصل متيقن، والفاصل على ضربين، أحدهما: أن يرد على
موضع استيطانه، فينزل فيه أو يشق بيوته، فيجب عليه صلاة، فإنه يتمها، ويفصل بين
ماضى سفره ومستقبله، وإن كان مستديمًا لسفره. والثانى: أن يجمع على مقام أربعة
٣٣٩ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣١٦.

٢٥٧
....
كتاب الصلاة
أیام فی غیر موضع استیطانه، فإنه فاصل بين الماضی من سفره ومستقبله، ومخرج له عن
حكم المسافر، ومانع له من القصر حتى يستأنف سفر قصر. قال ابن المواز: وهذا
أخذته من اختلاف قول مالك فى هذا، وبه أخذ ابن القاسم وأصبغ.
وهذا يقتضى أن حكمه حكم من نوى سفر قصر على أن يقيم فى أثنائه أربعة أيام
فى اختلاف قول أصحاب مالك فى ذلك على ما تقدم فيه على اختلاف قول مالك
فيه.
مسألة: ومن أقام بموضع مدة الإتمام، فهل يثبت فى حقه حكم الوطن؟ فى المدونة
عن ابن القاسم فيمن أقام بمكة بضع عشرة ليلة فأوطنها ثم خرج إلى الجحفة معتمرًا،
فلما قدم مكة أقام بها يومًا أو يومين، قال مالك: يتم الصلاة كأن مكة صارت له
وطنًا، وبلغنى عن مالك أنه قال بعد ذلك: يقصر الصلاة، وهو أعجب إلىّ. ومعنى
استيطانه لها أنه أقام بها بنية الإتمام مدة الإتمام، ولم يقم تلك المدة بنية القصر، فقال فى
قوله الأول: يتم إذا عاد إليها لأقل من مدة القصر.
وقال فى قوله الآخر: يتم إذا عاد إليها لأنه قد أتم بها، ثم خرج منها بنية الرجوع
إليها، فصارت كالوطن له، يتم فيها، وإن كانت صلاة واحدة. وقال فى قوله الآخر:
لا يتم فيها، لأنه لم يتخذها وطنًا، وإنما أتم بها أولا لطول المقام بها، فبخروجه عنها
إلى مسافة قصر يبطل حكم المقام الأول كما لو لم ينو الرجوع إليها، ولو خرج إلى
مسافة لا يقصر فيها لبقى على حكم الإتمام، والله أعلم.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن المعتبر فى الأيام المانعة من القصر اختلف أصحابنا فى
ذلك، فروى ابن القاسم أنه يراعى فيها أربعة أيام كاملة، قال عنه عيسى: ولا يعتد
بيوم دخوله إلا أن يدخل فى أوله. وقال ابن الماجشون وسحنون: إذا نوى مقام زمان
تجب فيه عشرون صلاة، فإنه يتم.
وجه رواية ابن القاسم أن الخبر المستفاد منه حكم المقام، إنما ورد بلفظ الأيام، وذلك
يقتضى تعلق الحكم بها. ووجه الرواية الثانية أن الحكم إنما يتعلق بالأيام من أجل
الصلوات، فوجب أن یعتبر بها.
مسألة: وإذا نوى المقام بعد أن تسرع فى الصلاة بنية القصر، فلا يخلو أن يكون قبل
أن يركع وبعد أن يركع، فإنه نوى ذلك قبل أن يركع، فإنه يستحب له أن يجعلها نافلة
ركعتين ويستأنف فرضه أربعًا لأنه يستحب له أن يفتتح صلاته بنية تستوعب جميعها.

كتاب الصلاة
٢٥٨
وهذا إنما أحرم على ركعتين فأن تمادى على صلاته وصلاها أربعًا أجزأته، رواه ابن
حبيب عن مالك. واختار قول ابن الماجشون، وهو أنه يتمادى على إحرامه ويصليها
أربعًا وتجزئه؛ لأن نية السفر والحضر غير مختلفة، ولذلك جاز أن يصلى المقيم خلف
المسافر.
مسألة: وإن نوى الإمامة بعد أن عقد ركعة، فقد روى ابن حبيب عن مالك أن
يشفعها بركعة ويجعلها نافلة ثم يصلى فرضه أربعًا. وروى عن عبد الملك بن
الماجشون أنه يضيف إليها ركعة أخرى تكون فرضه؛ لأنه لما عقد ركعة من صلاته
على حكم السفر لزمه حكم السفر، فالذى فى المدونة عن مالك: يضيف إليها ركعة
ويجعلها نافلة ولو بدا له أن يفرغ من صلاته، فأحب إلى أن يعيدها، وظاهره مخالف
لرواية ابن حبيب، وظاهر قول عيسى بن دينار يقتضى أنها لا تجزئه، وإن تمادی
علیھا.
فرع: فإن نوى السفر بعد أن نوى المقام قبل أن يقيم أو بعد أن أقام، فقد أجزأه ما
صلى من الصلوات على الإتمام، وعليه أن يأتنف القصار برجوع نيته إلى السفر من
موضعه ذلك. وقال سحنون: لا يقصر حتی یظعن من موضعه ذلك.
وجه قول ابن حبيب إنما كان على حكم السفر، وإنما رجع عنه بما نوى من المقام،
فإذا نوى السفر رجع بمجرد النية إلى حكم الأصل وهو السفر. ووجه آخر، وهو أن نية
السفر بمجردها عاملة فى غير موضع الاستيطان، وإنما يحتاج إلى اقتران العمل بها فى
موضع الإقامة لوجود النية والموضع فى المقام. ووجه ما قاله سحنون أن نية السفر لا
توجب القصر حتى يقارنها العمل والخروج كما لو ابتدأ السفر.
فصل: إذا ثبت ذلك، فإن معنى قول عبدالله بن عمر: ((صلى صلاة المسافر ما لم
أجمع مكثًا)) يريد ما لم أنو المقام مدة تمنع ذلك، وقد ذكرنا أن ذلك أربعة أيام، وأما من
أقام بمنزل أربعة أيام وخمسة أيام وأكثر من ذلك، وهو ينوى فى كل يوم الانتقال ثم
يعرض له مانع، ولا يدرى متى ينتقل، فإن هذا يقصر أبدًا ما لم يجمع مكنًا.
٣٤٠ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَقَامَ بِمَكّةَ عَشْرَ لَيَالٍ يَقْصُرُ الصَّلاةَ إِلا أَنْ
يُصَلَيْهَا مَعَ الإِمَامِ فَيُصَلِّهَا بِصَلاتِهِ.
الشرح: وهذا على نحو ما تقدم ذكره من أنه لم يقم هذه العشرة الأيام، وهو ينوى
إقامتها، وإنما كان ينوى كل يوم السفر، وقد دللنا على ذلك.
٣٤٠ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣١٧.

٢٥٩
٠٠
....
كتاب الصلاة
فصل: وقوله: ((إلا أن يكون وراء إمام فيصليها بصلاته)) يريد أنه كان يتم وراء
الإمام المقيم، وإن كان مسافرًا، وقد كره مالك للمسافر أن يصلى وراء المقيم إلا لمعان
تقتضى ذلك لأن فى ائتمامه به تغيير صلاته، رواه ابن حبيب وغيره، فإن ائتم به، فقد
روى ابن القاسم فى العتبية عن مالك: لا يعيده، قال مالك فى الواضحة. لا يتم المسافر
وحده، ولا خلف إمام، فإن فعل أعاد فى الوقت إلا فى جوامع المدن وأمهات الحواضر.
وجه قول مالك الأول أن القصر من سنن الصلاة إلا أن فضيلة الجماعة أكد منها
لأنه قد اختلف فى تفضيل القصر، ولم يختلف فى تفضيل الجماعة، ولا تعاد صلاة أديت
بفضيلة متفق عليها لفضيلة مختلف فيها.
ووجه القول الثانى أن الائتمام بالإمام مستحب، ما لم يؤد إلى تغيير الصلاة فى
العدد، فإن أدى إلى ذلك كان ترك الجماعة أفضل، ولذلك لم يجز لمن كانت عليه جمعة
أن يأتم من يصلى الظهر أربعًا، وإنما استثنى الأمراء لما يلزم من طاعتهم والاجتماع
عليهم، فكان ذلك أفضل من الانفراد بالصلاة دونهم؛ لأن فى ذلك إظهار الخلاف
عليهم.
فرع: ومن المعانى التى تبيح للمسافر أن يأتم بالمقيم ما ذكرنا من حضور صلاة
الجماعة فى جوامع الأمصار ومن ذلك أن يكون المنزل للمقيم أو يكون أسنهم
وأفضلهم.
مسألة: فإن حضر جماعة مسافرون وحاضرون، فالأفضل أن يؤم المسافرين أحدهم،
والحاضرين أحدهم، فإن أمهم كلهم رجل واحد، فالأفضل أن يتقدمهم مسافر، وهذا
فى غير مواضع الأمراء، وحيث يكون الإمام الراتب.
ووجه ذلك أن تقديم المسافر لا يوجب تغيير صلاة من وراءه، وتقديم المقيم يوجب
تغيير صلاة من صلى معه من المسافرين بزيادة العدد، وذلك ممنوع.
*
*
صلاة المسافر إذا أجمع مكنًا
٣٤١ - مَالِكِ، عَنْ عَطَاءِ الْخُرَاسَانِىُّ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ: مَنْ
أَحْمَعَ إِقَامَةٌ أَرْبَعَ لَيَالٍ وَهُوَ مُسَافِرٌ أَتَمَّ الصَّلاةَ.
٣٤١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣١٨. البيهقى فى السنن الكبرى ١٤٨/٣، وفى
معرفة السنن والآثار ٦١١٦/٤.

٢٦٠
كتاب الصلاة
قَالَ مَالِك: وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَىَّ.
الشرح: وهذا قد تقدم ذكره، وذلك أن المسافر إذا أجمع إقامة أربعة أيام، فإنه مقيم؛
لأن هذا المقدار من الإقامة لمن نواها حد ما بين المقيم والمسافر. قال أبو حنيفة: لا يتم
الصلاة حتى يجمع مقام خمسة عشر يومًا.
والدليل على ما نقوله أن المهاجر من أصحاب النبى 13 منع من المقام مكة وأبيح له
المقام بها ثلاثة أيام، وذلك يدل على أن حكم الثلاثة الأيام مخالف الحكم ما زاد عليها
فى المقام. وقد روى العلاء بن الحضرمى أن رسول الله ﴿ه قال: ((ثلاث للمهاجر بعد
الصدر».
وسُئِلَ مَالِك عَنْ صَلاةِ الأَسِيرِ، فَقَالَ: مِثْلُ صَلاةِ الْمُقِيمِ إِلا أَنْ يَكُونَ مُسَافِرًا.
الشرح: وهذا كما قال لأنه مستوطن، وظاهر أمره المقام المدة الطويلة فيجب عليه
إتمام الصلاة، وليس أحد يقطع بمقامه، وإنما يتم الصلاة على ما يظهر إليه من أمره، وقد
يطرأ ما يوجب غير ذلك، وأما الأسير، فإنما مقامه وسفره باختيار من يملكه، فكانت
نيته معتبرة فى إتمامه وقصره بما يظهر إليه من أمره، وكذلك العبد المسلم فى بلد
المسلمين.
صلاة المسافر إذا كان إماما ووراء إمام
٣٤٢ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ
الْعَطَّابِ كَانَ إِذَا قَدِمَ مَكّةَ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتْمُّوا
صَلاَكُمْ فَإِنّا قَوْمٌ سَفْرٌ.
٣٤٣ - مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِثْلَ ذَلِكَ.
الشرح: قوله: ((إذا قدم مكة صلى بهم ركعتين)) يريد أن عمر كان لا يستوطن
مكة، وإن أقام بها اليوم واليومين والثلاثة؛ لأن المهاجر ممنوع من استيطانها؛ لأنها قد
٣٤٢ - ذکره ابن عبد البر فی الاستذكار برقم ٣١٩.
٣٤٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٢٠. البيهقى فى السنن الكبرى ١٦٢/٣. عبد
الرزاق فى المصنف ٥٤٠/٢.

............ ٢٦١
كتاب الصلاة .
هجرها لله تعالى، فكان حكمه فيها حكم المسافر، وكان أمير المؤمنين والمستحق
للصلاة، کان یأتی منها بما شرع فى حقه، و کان یلزم الجميع اتباعه فيها لما فى ذلك من
طاعته وموافقته، واجتماع الكلمة عليه، وترك الخلاف له.
فصل: وقوله: ((يا أهل مكة أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفر)) أمر للمقيمين خاصة بأن
يقيموا صلاتهم لأن ذلك فرضهم، وإعلام لهم، ولمن معهم من المسافرين بأن حكمهم
القصر لأجل سفرهم، وهكذا المسافر إذا صلى بمسافرين ومقيمين صلى صلاة مسافر،
فإذا سلم سلم معه المسافرون، ثم يقوم المقيمون فيقيمون بعده أفذاذًا كما لو سبقهم
الإمام ببعض الصلاة.
٣٤٤ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُصَلّى وَرَاءَ الإِمَامِ بِمِنِّى
أَرْبَعًا، فَإِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ صَلَّىَ رَكْعَتَيْنِ.
الشرح: وهذا على نحو ما ذكرناه كما يجب من متابعة الإمام وترك إظهار الخلاف
له، وإن اعتقد معتقد أن الإمام قد ترك الأفضل، فإنه يجب عليه ترك الخلاف له، وإنما
يتم المسافر بإتمام إمامه إذا أدرك من صلاته ركعة، فأكثر وإن لم يدرك معه ر کعة ودخل
معه فى جلوس أو سجود من آخر ركعة لم يتم صلاته، وكان عليه قصرها، والإمام
الذی کان یتم مكة عثمان رضى الله عنه، ومن تبعه على ذلك.
وقد روى عن ابن عمر قال: صحبت عثمان رضى الله عنه، فلم يزد على ركعتين
بالسفر حتى قبضه الله، وهذا يدل على أن إتمام عثمان منى حمله عبدالله بن عمر على
أن وراءه مقامًا يمنعه القصر.
وإنما يصح أن يعتقد ذلك عثمان بأن يكون النبى 48 يقيم بمكة قبل الخروج إلى منى
مدة توجب الإتمام، وأقام بها عثمان مدة توجب الإتمام، واعتقد أن مسافة الخروج إلى
عرفة إذا انفصلت مما قبلها من السفر لا تبيح القصر، ولا شك أن عثمان لا يتعمد
خلاف النبى ﴿1، وقد قيل فى ذلك أن عثمان تأهل بمنى، فلزمه الإتمام لهذا الوجه.
وروى معمر عن الزهرى أنه بلغه أن عثمان إنما أتم؛ لأنه أزمع المقام بعد الحج، ولا
يمتنع ذلك إذا كان له أمر أوجب مقامه أربعة أيام لضرورة دفعته إلى ذلك. وقد قال
مالك فى العتبية فى الذى يقيم منى ليخف الناس: فليتم بها، وقد تقدم غير هذا من
٣٤٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٢٢. البيهقى فى السنن الكبرى ١٥٧/٣. كشف
الغمة ١٣٨/١. الأم ٢٤٨/٧.

كتاب الصلاة
٢٦٢
وجوه الإتمام.
مسألة: وحكم جميع الحاج بمنى القصر غير أهلها وكذلك عرفة يقصر بها جميع
الحاج غير أهلها، وإنما وجب على المكى القصر بمنى وعرفة، وإن لم يكن بينه وبين
منى، وبينه وبين عرفة، ما تقصر فى مثله الصلاة لثلاثة معان، أحدها: أن عمل الحاج لا
ينقضى إلا فى أكثر من يوم وليلة، مع الانتقال اللازم فيه، والمشى من موضع إلى موضع
لا يجوز الإخلال به، فجرى فى ذلك مجرى المشى الدائم، ولا يلزم على هذا الانتقال من
موضع إلى موضع بمسافة قصيرة يلحقه بها من التعب أكثر من مشقة يوم وليلة لأن تلك
أمور لا يلزم التمادى فيها بالشروع وأفعال الحج يلزم التمادى فيها بالشروع.
ووجه ثان أن من مكة إلى عرفة ثم الرجوع من عرفة إلى مكة مقدار ما تقصر فيه
الصلاة، ويلزم بالدخول فيه القصر، ولا يلزم على هذا من خرج إلى سفر ثمانية
وعشرين ميلاً أو لخمسة وعشرين ميلاً لأن رجوعه هناك ليس بلازم ورجوعه إلى مكة
فى الحج لازم، فلذلك اعتبر فيها بمسافة سفره.
ووجه ثالث أن الحاج من مكة لا تصح نيته إلا بأن ينوى الرجوع إلى مكة للطواف،
فصار سفره ذلك لا يصح إلا بأن يجمع على مسيره مقدار ما تقصر فيه الصلاة، وليس
كذلك سائر الأسفار، فإن سفر الخارج فيها يصح، وإن لم ينو الرجوع، فلذلك اعتبر
بالرجوع فى سفر الحج دون غيره، وهذان القولان لا يدخل فيهما العرفى إذا وقف
بعرفة، وتوجه إلى منى ومكة، فإنه لا يقصر لأنه ليس ينوى مسافة قصر ولا يلزمه.
وقد روى عيسى عن ابن القاسم فى أهل منى وعرفة يقيمون: يقصر العرفى، ويتم
المنوى إلى منی.
ووجه ذلك أن المنوى بعد الإفاضة يرجع إلى وطنه فى مسافة الإتمام، والعرفى يفيض
من مكة إلى غير وطنه لإتمام حجه، فيقصر، فإذا دفع من منى بعد انقضاء حجه لم
يقصر إلى عرفة لما ذكرناه. وفى العتبية من رواية ابن القاسم عن مالك: من أدركته
الصلاة من المكيين والمنويين قبل أن يصل إلى مكة بالحصب أو تأخروا منى لزحام ونحوه،
فليتموا، ثم رجع فقال: يصلون ركعتين.
واختلف فيه قول ابن القاسم، وإلى آخر القولين رجع، قال ابن المواز: ثم رجع مالك
إلى الإتمام.
قال الإمام أبو الوليد: وعندى إنما اختلف فى هذه المسألة قول مالك وابن القاسم

٢٦٣٠٠
كتاب الصلاة
لاختلاف قوليهما فى التحصيب، فإذا قلنا إنه مشروع فحكمهما القصر لأنهما قد بقى
عليهما شىء من عمل الحج، وهما فى غير محلهما، وإذا قلنا إنه غير مشروع
فحكمهما الإتمام لأنهما لم يبق عليهما شىء من عمل الحج، وكان يلزم على هذا أن
يقصر المنوى فى رجوعه إلى منى من مكة؛ لأنه بقى عليه عمل من عمل الحج.
٣٤٥ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ صَفْوَانَ أَنْهُ قَالَ: جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ
يَعُودُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صَفْوَانَ، فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقُمْنَا فَأَتْمَمْنَا.
الشرح: قوله: ((فصلى لنا ركعتين)) إلى آخر الحديث، يقتضى أنه قدمه صفوان بن
عبدالله صاحب المنزل للصلاة لأن الظاهر أن المنزل منزله لأن من شأن العليل أنه يعاد
فى منزله، ويحتمل أن يكون قدمه للصلاة لفضله خاصة مع تمكن صفوان بن عبدالله من
الصلاة بهم، ويحتمل أيضًا أن يكون قدمه مع ذلك لعجزه عن الصلاة بهم.
والأصل فى الإمامة فى المنزل أنها لصاحب المنزل، ولو كان عبدًا ويستحب له أيضا
أن يقدم غيره إذا كان من أهل الدين والفضل، وقد صلى عبدالله بن عمر وهو مسافر
بقوم مقيمين. وقد روى أشهب عن مالك فى العتبية: أن المسافر إذا زار المقيمين فى
رحالهم لم یکن لهم أن يقدموه.
صلاة النافلة فى السفر بالنهار والليل
والصلاة على الدابة
٣٤٦ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ عُمَرَ أَنْهُ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّى مَعَ صَلاةِ
الْفَرِيضَةِ فِى السَّفَرِ شَيْئًا، قَبْلَهَا وَلا بَعْدَهَا، إِلا مِنْ حَوْفِ اللَّيْلِ، فَإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّى
عَلَى الأَرْضِ وَعَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ.
الشرح: ومعنى هذا الحديث أن عبدالله بن عمر كان يكره التنفل بالنهار فى السفر
قبل الفريضة وبعدها، ويقول: لو كنت مسبحًا لأتممت، يعنى لو كان التنفل مطلقًا
لكان الإتمام أولى، وعبدالله بن عمر ممن صحب النبى 18 فى السفر، وكان من أكثر
٣٤٥ - انفرد به مالك.
٣٤٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٢٣. الأم للشافعى ٢٤٨/٧.

كتاب الصلاة
٢٦٤
الناس اقتداء به، وذكر أنه لم ير النبى ﴾ يزيد فى السفر على ركعتين، فلما لم يره
تنفل بالنهار امتنع من ذلك، ورآه يتنفل بالليل على راحلته، فكان يفعل ذلك. وأكثر
العلماء على جواز تنفل المسافر بالليل والنهار على راحلته وعلى الأرض، وبه قال مالك
وأبو حنيفة والشافعى وابن حنبل وغيرهم.
الدليل على ما نقوله حديث أم هانئ أنها رأته يصلى فى فتح مكة ضحى ثمان
ركعات، وسيأتى ذكره بعد هذا. ومن جهة القياس أن هذا زمان يجوز التنفل فيه فى
الحضر، فجاز التنفل فيه فى السفر کزمان الليل.
٣٤٧ - مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبْرِ وَأَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ كَانُوا يَتَغْلُونَ فِى السَّفَرِ.
الشرح: ليس فى ظاهر هذا الحديث ما يدل على مخالفتهم لعبدالله بن عمر ولا
موافقتهم له لأن إطلاق تنفلهم فى السفر لا يتعلق بوقت معين، وإنما نفى عبدالله بن
عمر التنفل فى وقت معين، غير أن المشهور عن جميع السلف، جواز ذلك فى الليل
والنهار، وإدخاله لذلك فى هذا الباب دليل على أنه حمله على التنفل بالنهار.
وسُئِلَ مَالِك عَنِ النَّفِلَةِ فِى السَّفَرِ، فَقَالَ: لا بَأْسَ بِذَلِكَ بِالَّيْلِ وَالَنْهَارِ وَقَدْ بَلَغَنِى
أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
الشرح: وهذا على نحو ما ذكرناه من جواز التنفل بالليل والنهار.
وقوله: ((قد بلغنى أن بعض أهل العلم كان يفعل ذلك)) إظهارًا منه لاقتدائه فيه
بغيره، وأنه لما عمل به أهل العلم ورواه قبله.
٣٤٨ - مَالِك قَالَ: بَلَغَنِى عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَرَى ابْنَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ
ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَتَتَفْلُ فِى السَّفَرِ، فَلا يُنْكِرُ عَلَيْهِ.
الشرح: قوله: ((كان يرى ابنه عبيدالله بن عبدالله بن عمر يتنفل فى السفر)) يحتمل
أن يكون ذلك بالليل، فلا ينكر عليه لجوازه هذا، ويحتمل أن يكون ذلك بالنهار، فلا
٣٤٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٢٤.
٣٤٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٢٥.

....... ٢٦٥
كتاب الصلاة
ينكر عليه لكثرة من خالفه فيه من الأئمة والعلماء، وهو الأشبه بنقل الخبر؛ لأن مثل هذا
لا ينقل فى الغالب إلا فيما فيه خلاف من السائل، وسمع بإنكار على فاعله، ولا
خلاف بين الأئمة فى جواز التنقل بالليل فى السفر، وعلى هذا الظاهر أدخله مالك فى
باب صلاة النافلة فى السفر بالنهار.
٣٤٩ - مَالِك، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْتِى الْمَازِنِىِّ، عَنْ أَبِى الْحُبَابِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ عُمَرَ أَنْهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يُصِّلَّى، وَهُوَ عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ
مُتَوَجِّةٌ إِلَى خَيْرَ.
الشرح: قوله: ((يصلى، وهو على حمار، متوجه إلى خيبر)) ظاهر هذا اللفظ لا يخص
صلاة فريضة من صلاة نافلة، غير أنه قد علم بالإجماع المنع من صلاة الفرض على غير
الأرض لغير عذر، فوجب حمله على صلاة النافلة، وصلاة الفريضة على الراحلة لا يخلو
أن يكون لضرورة أو لغير ضرورة، فإن كان لغير ضرروة، فلا خلاف نعلمه فى أن ذلك
غير جائز، وإن كان لضرورة، فلا يخلو أن يكون لمخافة، وسنذكره فى باب الخوف أو
لمرض أو طين.
فإن كان لمرض فقد اختلف فى ذلك قول مالك، ففى العتبية عنه من سماع ابن
القاسم: لا يصلى المريض على محمله المكتوبة، وإن اشتد مرضه، وكان يومئ. وقال فى
المختصر: إن كان لا يصلى فى الأرض إلا إيماء، فیصلی فی محمله.
وجه رواية المنع ما روى عن النبى ﴿! أنه قال: ((جعلت لى الأرض مسجدًا
وطهورًا)). وهذا عام إلا ما خصه الدليل. ووجه الرواية الثانية أن مباشرة الأرض بالصلاة
ليست من فروض الصلاة، ولو جاز ذلك لما جاز أن يصلى فى علو ولا على حائل،
وإنما يتعلق بها من أحكام الصلاة السجود، فإذا تعذر السجود، وصار إلى الإيماء سقط
فرض الصلاة عليها.
فرع: فإذا قلنا بالمنع، فقد قال سحنون: من صلى على المحمل لشدة مرض أعاد
أبدًا.
٣٤٩ - أخرجه مسلم فى صلاة المسافرين وقصرها حديث رقم ٧٠٠. والنسائى فى الصغرى فى
المساجد حديث رقم ٧٤٠. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ١٢٢٦. وأحمد فى المسند
حديث رقم ٤٥٠٤، ٥٠٨٠، ٥١٨٤، ٥٥٣٢، ٦٠٨٥.

٢٦٦
كتاب الصلاة
وجه ذلك أن الصلاة على الأرض عنده من فرض الصلاة للحديث المتقدم. وأما
الصلاة على السرير والدكان فجائز، رواه ابن القاسم عن مالك. وقال الشيخ أبو محمد:
هو جائز للصحيح. ووجهه أن هذا جزء من الأرض ثابت فيها، فأشبه الجبل، وإن كان
غير ثابت، فنقول إنه موضوع فى الأرض، فأشبه الفراش والبنيان.
فصل: وأما صلاة النافلة على الراحلة، فلا خلاف فى جواز ذلك فى سفر القصر،
واختلفوا فى جواز ذلك فيما عداه، فمنعه مالك، وجوزه أبو يوسف فى الحضر.
والدليل على ما ذهب إليه الجمهور أن هذه صلاة، فلا يجوز الإتيان بها فى الحضر
على الراحلة كالفرض.
مسألة: إذا ثبت أنه لا يجوز ذلك فى الحضر، فهل يجوز فى سفر لا تقصر فيه الصلاة
أو لا، منع منه مالك، وأجازه أبو حنيفة والشافعى فى قصير السفر.
والدليل على ما نقوله أن هذا حكم يختص بالسفر، فوجب أن يختص بسفر القصر.
أصل ذلك القصر والفطر.
٣٥٠ - مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
كَانَ يُصَلَّى عَلَى رَاحِلَتِهِ فِى السَّفَرِ حَيْثُ تَوَخَّهَتْ بِهِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ: وَكَانَ
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
الشرح: قوله: ((كان يصلى على راحلته فى السفر)) على نحو ما تقدم من حديث
سعيد بن يسار غير أنه أفاد حديث ابن دينار تكرار ذلك منه بقوله: ((كان يصلى)» لأنا
قد قدمنا أن هذا اللفظ لا يستعمل غالبًا إلا فيما يتكرر.
وقوله: ((حيث توجهت به)) يريد إلى القبلة، وإلى دبرها، وإلى المشرق، وإلى
المغرب.
٣٥٠ - أخرجه البخارى فى الجمعة حديث رقم ٩٩٩، ١٠٠٠، ١٠٩٥، ١٠٩٦، ٠١١٠٥ ومسلم
فى صلاة المسافرين وقصرها حديث رقم ٧٠٠. والترمذى فى تفسير القرآن حديث رقم
٢٨٨٣. والنسائى فى الصغرى فى الصلاة حديث رقم ٤٩٠. والسهو حديث رقم ١٢٠٠.
وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ٤٧٢، ١٢٢٤، ١٢٢٦. وأحمد فى المسند حديث رقم
٤٥٠٤، ٤٧٠٠، ٤٩٣٦، ٤٩٨١، ٥٠٤٢، ٥١٦٧، ٥٣١٢، ٥٣٨٣، ٥٤٢٤، ٥٥٠٤،
٦٠٣٥، ٦١٢٠، ٠٦١٨٦ والدارمى فى الصلاة حديث رقم ١٥٩٠.

.......... ٢٦٧
كتاب الصلاة
وقد روى على بن زياد عن مالك فى الذى يصلى على راحلته فى محمله مشرفًا أو
مغربًا لا ینحرف إلى القبلة، وإن کان یسیرًا، وليصل قبل وجهه.
وجه ذلك الاقتداء بالنبى ﴿﴾، فإنه كان يصلى على راحلته حيث توجهت به،
ومفهوم ذلك أن يجلس عليها على هيئته التى يركبها عليها غالبًا، ويستقبل بوجهه ما
استقبلته الراحلة، فتقديره يصلى على راحلته إلى حيث توجهت به.
وقد كان يحتمل غير هذا التقدير من جهة اللفظ، وهو أن يريد أنه كان يصلى على
راحلته، وهى حيث توجهت بقوله: ((يصلى)) وعلى التأويل الثانى بقوله: ((على راحلته))
غير أنه يمنع من هذا التأويل، أمران، أحدهما: أنه روى مفسرًا، وهو ما روى عن عامر
بن ربيعة أنه قال: رأيت رسول الله ﴾، وهو على الرحل، يومئ برأسه قبل أى وجه
توجه، ولم يكن رسول الله ﴿﴿ يصنع ذلك فى الصلاة المكتوبة.
والوجه الثانى أنه لا فائدة فى ذكر قوله: ((حيث توجهت به)) إذا كان يتحرف إلى
القبلة إلا ما فى قوله: ((عن راحلته)) إلا أن يحمله على أنه كان يصلى إلى حيث توجهت
به، مع أن الإجماع قد انعقد على تجويز ذلك، وعلى حمل تأويل الحديث عليه.
مسألة: وهذا فى نفس الصلاة، وأما افتتاحها، فقد اختلفوا فيه، فذهب مالك إلى أن
الافتتاح وغيره سواء. وقال الشافعى وابن حنبل: يفتتح الصلاة إلى القبلة، ثم يصلى
کیف أمكنه.
والدليل على ما نقوله أن هذا جزء من الصلاة النافلة، فجاز أن يفعل فى السفر على
الراحلة إلى حيث توجهت به كسائر الصلوات.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فمن تنفل فى السفينة، فقد روى ابن حبيب عن مالك: يتنفل
فيها حيث توجهت به كالدابة. وقال فى المدونة: لا يتنفل إلا إلى القبلة بخلاف الراحلة.
وجه الرواية الأولى أنها كثيرة التحرف إلى غير القبلة، فكانت المشقة تلحق باستقبال
القبلة فيها كالراحلة. ووجه الرواية الثانية واسعة للانحراف فيها كالأرض بخلاف
الراحلة.
٣٥١ - مَالِك، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فِى السَّفَرِ، وَهُوَ
٣٥١ - أخرجه البخارى فى الجمعة حديث رقم ١١٠٠. ومسلم فى صلاة المسافرين وقصرها
حديث رقم ٧٠٢. والنسائى فى الصغرى فى المساجد ٧٤١. وأحمد فى المسند حديث رقم
٠٠١٢٦٩٦

كتاب الصلاة
٢٦٨
يُصَلِى عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ مُتَوَجَّةٌ إِلَى غَيْرِ الْقِيْلَةِ، يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ إِمَاءٌ مِنْ غَيْرٍ أَنْ يَضَعَ
وَجْهَهُ عَلَى شَىْءٍ.
الشرح: ذكر فى هذا الحديث توجه أنس إلى غير القبلة، وظاهره من طريق العادة أنه
كان مستقبل غير القبلة، ويحتمل من جهة اللفظ أن يكون قوله: ((وهو متوجه)) راجعًا
إلى الحمار. وقد روى عنه مفسرًا. وقال ابن سيرين: استقبلنا أنسًا حين قدم من الشام،
فلقينا بعين التمر، فرأيته يصلى على حمار، ووجهه من ذا الجانب، يعنى من يسار القبلة،
فقلت: رأيتك تصلى لغير القبلة، فقال: لولا أنى رأيت رسول الله ﴿﴿ يفعله لم أفعله.
وقوله: ((يركع ويسجد إيماء)) يريد أنه يشير إلى الركوع والسجود، ولا يأتى به على
هيئته، وهذه سنة الصلاة على الراحلة.
والدليل على ذلك حديث ابن ربيعة المتقدم ((يومئ برأسه إيماء قبل أى وجه توجه
بو جهه».
مسألة: إذا ثبت ذلك، فإنه يجب أن يكون إبماء سجوده أخفض من إيماء ركوعه لما
روى عن جابر («بعثنى رسول الله ﴿﴿ لحاجة، فجئت، وهو يصلى على راحلته نحو
المشرق، ويومئ إيماء السجود أخفض من الركوع)).
فرع: وهذا لمن كان على الراحلة، فأما من كان فى الأرض، فتنفل يجوز أن يومئ
فى النافلة لغير عذر. وروى عيسى عن ابن القاسم: لا يومئ الجالس من غير عذر.
قال عيسى: فى النوافل وغيرها. وقال ابن حبيب: له أن يومئ فى النوافل من غير
عذر، كما له أن يدع القيام فى النوافل من غير علة. وقد روى عيسى عن ابن القاسم
أنه إن أومأ فى النوافل أجزأه، وكأنه ذهب إلى الكراهية.
وظاهر قول عيسى المنع. وجهه أن الإيماء ليس بهيئة من هيئات الصلاة، فلا يكون
بدلاً من الركوع والسجود والجلوس من هيئة الصلاة، فجاز أن يكون بدلا من القيام فى
النافلة.
مسألة: ولا يجوز له أن يسجد على الكور ولا على القربوس، وإنما سنته أن يومئ
إيماء، قاله ابن حبيب. ووجه ذلك أن سنته الإيماء لأنه لا يقدر على مباشرة الأرض، ولا
ما يقوم مقامها بالسجود كالمضطجع. ووجه آخر، وهو أن ما تعلقت به الرخصة فى
صلاة النافلة على الراحلة، فإنما تتعلق به على وجه الوجوب دون الجواز کاستقباله حيث
توجهت به راحلته.

............. ٢٦٩
كتاب الصلاة
صلاة الضحى
٣٥٢ - مَالِك، عَنْ مُوسَى بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَبِى مُرَّةً مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِى طَالِبٍ
أَنَّ أُمَّ هَانِيْ بِنْتَ أَبِى طَالِبٍ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّ صَلَّى عَامَ الْفَتْحِ ثَمَانٍ
رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ.
الشرح: قولها: «أن رسول الله ۵ عام الفتح ثمان ركعات) تريد بذلك أنه صلاها
نافلة، ولم تبين ذلك فى هذا الحديث، وسيرد بيانه بعد هذا، وليست صلاة الضحى من
الصلوات المحصورة بالعدد، فلا يزاد عليها ولا ينقص منها، ولكنها من الرغائب التى
يفعل الإنسان منها ما أمكنه، وإن قصد بذلك التأسى بالنبى ﴿3﴾ فليصلها ثمان ركعات
﴿ منها يوم رأته أم
من غير أن يجعل ذلك حدًا، ولا بأس به، وليس ما صلاه النبى
هانئ حدًا لذلك، وإنما هو إيماء إلى أنه مقدار ما صلاه النبى ذلك اليوم، وإن كان فى
غيره من الأيام التى كان يصلى فيها ذلك الوقت ربما نقص من ذلك، وربما زاد، ولعله
كان ذلك المقدار الذى كان يقدر عليه إذا صلى هذه الصلاة كما روى عنه أنه كان
يصلى من الليل إحدى عشرة ركعة، وإن لم يكن ذلك بحد ولا تقدير لصلاة الليل، وإنما
ذلك مقدار ما استطاع من ذلك أو ما اختار لنفسه مع ما رزق من القوة على ذلك.
فصل: وليس فى قولها: ((ثمان ركعات)) ما يدل على أنه كان يسلم من كل ركعتين
ولا أنه صلاها کلها بإحرام واحد، وإنما قصدت إلی ذکر عدد الر کعات، وقد روى ابن
وهب فی حدیث أم هانئ أنه سلم من ر کعتین.
٣٥٣ - مَالِك، عَنْ أَبِى النّصْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللّهِ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ
٣٥٢ - أخرجه البخارى فى الغسل حديث رقم ٢٨٠. والصلاة حديث رقم ٣٥٧. ومسلم فى
صلاة المسافرين وقصرها حديث رقم ٣٣٦. والترمذى فى الصلاة حديث رقم ٤٣٦.
والاستئذان والآداب حديث رقم ٢٦٥٨. والنسائى فى الصغرى فى الطهارة حديث رقم
٢٢٥. والغسل والتيمم حديث رقم ٤١٥. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ١٢٩٠. وابن
ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١٣٧٩. وأحمد فى المسند حديث رقم
٢٦٣٤٧، ٢٦٣٥٦، ٢٦٨٣٣، الدارمى فى الصلاة حديث رقم ١٤٥٢، ١٤٥٣.
٣٥٣ - أخرجه البخارى فى الغسل حديث رقم ٢٨٠. والصلاة حديث رقم ٣٥٧. والجمعة حديث
رقم ١١٠٤، ١١٧٦. والجزية والموادعة حديث رقم ٣١٧١. والأدب حديث رقم ٦١٥٨.
ومسلم فى الحيض حديث رقم ٣٣٦. وصلاة المسافرين وقصرها حديث رقم ٣٣٦، ٧٣٠.
والترمذى فى الصلاة حديث رقم ١٢٩٠. والزكاة حديث رقم ١٦٣٣. وابن ماجه فى=