Indexed OCR Text

Pages 541-560

كتاب الصلاة
٧٠
((اصنع كما كان رسول الله (4 يصنع))، فجمع له فى ذلك بين أشياء منها أنه علمه
سنة الصلاة، والثانى: أنه دخل تحت ذلك الامتناع من كل عبث فى حال الجلوس أنه لا
يمكنه أن يعبث بشىء مع امتثاله فعل النبى ﴿، والثالث: أنه أتاه بالحجة فيما أمره به.
فصل: وقوله: ((وكيف كان رسول الله ﴿﴿ يصنع)) حرص على العلم، ومبادرته
بالسؤال عنه، فقال له عبدالله بن عمر معلمًا له ومخبرًا بسنة النبي ﴿6﴾: ((كان إذا جلس
فى الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه كلها، وأشار ياصبعه
التى تلى الإبهام))، وهذا يدل على أنه كان فعله فى جميع صلاته، ولو كان هذا فعله فى
بعض صلاته لما صح إطلاقه الإخبار عن صلاته.
فصل: وقوله: ((وقبض أصابعه))، يعنى غير السبابة قبضها، وهذه الصفة التى وصف
هی عقد ثلاثة وخمسین.
مسألة: ومعنى إشارته بالسبابة، روى سفيان بن عيينة هذا الحديث عن مسلم بن أبى
مريم، وزاد فى آخره، وحدثنا يحيى بن سعيد أولاً، ثم لقيته فسمعته منه، وزاد فيه مسلم
قال: هى مدية الشيطان، لا يسهو أحدكم ما دام يشير بإصبعه، وهو يقول هكذا، ففيه
أن تحريك السبابة، إنما هو لرفع السهو، وقمع الشيطان، يتذكر بذلك أنه فى الصلاة.
وقد روى عن مالك أنه كان يخرجها من تحت البرنس ويواظب على تحريكها. وقال
ابن القاسم: يمدها من غير تحريك، ويجعل جنبها الأيسر من فوق، وقاله يحيى. فمن
ذهب إلى تحريكها، فهو الذى يتأول الاشتغال بها عن السهو وقمع الشيطان، ومن
ذهب إلى مدها، فهو الذی یتأول التوحید.
وقد روى عن يحيى بن عمر أنه كان يحركها عند قوله: أشهد أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له، ولعله يريد بذلك مدها والإشارة بها، والله أعلم.
١٩٥ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنْهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَصَلَّى إِلَى
جَنْبِهِ رَجُلٌ فَلَمَّا جَلَسَّ الرَُّلُ فِى أَرْبَعٍ تَرَبَّعَ وَثَنَى رِخْلَيْهِ، فَلَمَّا أَنْصَرَفَ عَبْدُ اللّهِ
عَابَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: فَإِنَّكَ تُفْعَلُ ذَلِكَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فَإِنِّى
اشتکِی.
الشرح: قوله: ((فلما جلس الرجل فى أربع تربع))، على ضربين، أحدهما: أن يخالف
١٩٥ - انفرد به مالك.

............
كتاب الصلاة
بین رجلیه، فیضع رجله الیمنی تحت ر کیته الیسری، ورجله اليسرى تحت ركبته اليمنى،
والضرب الثانى: أن يتربع ويثنی رجليه من جانب، واحد، فتكون رجله اليسرى تحت
فخذه وساقه اليمنى ويثنى رجله اليمنى، فتكون عند أليته اليمنى، ويشبه أن هذه كانت
قعدة الرجل.
فلما انصرف عبدالله بن عمر من صلاته عاب ذلك عليه لأنه ترك هيئة الجلوس فى
الصلاة، فقال الرجل لعبدالله: إنك تفعل مثل ذلك، وعبدالله بن عمر ممن يقتدى به،
فلذلك امتثل الرجل فعله، فأخبره عبدالله بن عمر أنه لا يفعل ذلك لأنه من سنة الصلاة،
وإنما يفعله لشكوى رجليه لأنه كان فدع بخيير، فلم تعد رجلاه على ما كانت عليه،
وكانت يشتكيها، فكان يجلس فى الصلاة على حسب ما كان يقدر عليه، وهو الواجب
أن يتكلف سنة الصلاة من يقدر عليها، ومن لا يقدر عليها أتى بما يقدر عليه.
مسألة: وصفة الجلوس فى الصلاة أن ينصب رجله اليمنى ويثنى اليسرى ويخرجهما
جميعًا من جهة وركه الأيمن ويفضى بأليته إلى الأرض، ويجعل باطن إبهامه اليمنى إلى
الأرض، ولا يجعل جنبها، ولا ظاهرها إلى الأرض هذه صفة الجلوس عند مالك، فى
الجلستين وفيما بين السجدتين.
وقال الشافعى: يجلس فى الجلسة الأولى على رجله اليسرى وينصب اليمنى، ويجلس
فى الجلسة الأخيرة متوركا يخرج رجليه من جهة وركه اليمنى، ويفضى بأليته إلى
الأرض، ويضجع رجله اليسرى وينصب اليمنى. وقال أبو حنيفة: يجلس فى الجلستين
على نحو ما قاله الشافعى فى الجلسة الأولى.
والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك الحديث الذى يأتى بعد هذا من الأصل من
قول عبدالله بن عمر: ((إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك الیمنی وتثنی رجلك اليسرى)).
ومن جهة القياس أن هذا فعل يتكرر فى الصلاة، فوجب أن يتكرر على صفة واحدة
کالقيام والسجود.
١٩٦ - مَالِك، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ حَكِيمٍ أَنْهُ رَأَى عَبْدَ اللَّهِ
ابْنَ عُمَرَ يَرْجِعُ فِى سَحْدَتَيْنِ فِى الصَّلاةِ عَلَى صُدُورٍ قَدَمَّيْهِ فَلَمَّا أَنْصَرَفَ ذَكَرَ لَهُ
ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنّهَا لَيْسَتْ سِنَّ الصَّلاةِ، وَإِنَّمَا أَفْعَلُ هَذَا مِنْ أَحْلٍ أَنِى أَشْكِى.
١٩٦ - انفرد به مالك. وذكره نحوه الزيلعى بنصب الراية ٣٧٣/١ وعزاه لابن حبان فى الضعفاء.

٧٢
كتاب الصلاة
الشرح: معنى رجوع عبدالله بن عمر على صدور قدميه فى السجدتين فى الصلاة
أنه كان يرجع عليها عند رفع رأسه من كل واحدة من سجدتيه فى الصلاة إلى أن
يستوى على قدميه، فرجوعه من الأولى إلى القعود على رجليه لأنه لم يكن يستطيع على
التورك، فكان يفعل بين السجدتين بأقرب ما كان يقدر عليه من هيئات الجلوس مما كان
أيسر عليه فى الرجوع إلى السجود، وهذه الهيئة يتيسر عليه الرجوع منها إلى السجود،
فأما هيئته فى الجلوس فى الصلاة، فإنه يشق عليه الرجوع إلى السجود.
وأما رجوعه على قدميه فى السجدة الثانية، فلا يخلو أن يكون إلى قيام أو جلوس،
فإن كان رجوعه إلى الجلوس، عاد إلى تلك الحال ثم تربع لأنه كان لا يقدر على غير
ذلك، وإن كان إلى قيام رجع على صدور قدميه إلى الاعتماد عليها، وهو قاعد وأليتاه
تكاد أن تمس الأرض، ثم ينهض على تلك الحال إلى القيام وهو الإقعاء الذى كرهه
مالك.
ونفى عبدالله بن عمر أن يكون شىء منه من سنة الصلاة، وأخبر أنه إنما كان يفعله
لأجل شكواه. وقد قال الشافعى: إن الرجوع على القدمين من السجدة الأخيرة، ويقعد
على قدميه يسيرًا ثم ينهض إلى القيام، فى أول ركعة من سنة الصلاة ولا يسميه إقعاء،
وإنما الإقعاء عنده أن يرجع فى الجلوس بين السجدتين على عقبيه، فيجلس عليهما.
وقال أبو عبيد: إن الإقعاء هو أن يجلس الرجل على أليته ناصبًا فخذيه مثل إقعاء الكلب،
وهو أشبه بما ذهب إليه مالك، رحمه الله ..
ودليلنا من جهة القياس أن هذا جلوس لم يسن فيه ذكر، وليس يفصل به بين
مشتبهين، فلم يكن من سنة الصلاة كالجلوس بين الركوع والسجود. وفى المدونة عن
ابن نافع وعيسى بن دينار: من انصرف على ظهور قدميه لم يعد.
فصل: إذا ثبت ذلك، فإن ذكر المغيرة لعبدالله بن عمر ذلك رأى من فعل غيره ما
يخالفه، فإن أراد أن يعرف، هل فعل ذلك لسنة علمها أو لتمييز بين الفعلين أو لعذر
اضطره إلى ذلك، فأخبره عبدالله بن عمر أن ذلك لعذر الشكوى التى به لا أنه من سنة
الصلاة.
١٩٧ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ
١٩٧ - أخرجه البخارى فى الأذان حديث رقم ٨٢٧. والنسائى فى التطبيق حديث رقم ١١٥٧،
١١٥٨. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ٩٥٨، ٩٥٩.

٧٣
.....
كتاب الصلاة .
أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنْهُ كَانَ يَرَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَتَرَّبَّعُ فِى الصَّلاةِ إِذَا حَلَسَ. قَالَ: فَفَعَلْتُهُ
وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ، فَنَهَانِى عَبْدُ اللَّهِ، وَقَالَ: إِنَّمَا سُنّةُ الصَّلاةِ أَنْ تَنْصِبَ
رِحْلَكَ الْيُمْنَى وَتَتْنِىَ رِجْلَكَ الْيُسْرَى، فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنَّكَ تَفْعَلُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: إِذَّ رِخْلَىَّ
لا تَحْمِلانِی.
الشرح: قوله: ((ففعلته، وأنا يومئذ حديث السن)) أخبر أن ما فعل من التربع فى .
جلوس الصلاة إذا رأى أباه يفعله، ولم يعلم عذره، وإنما فعله لحداثة سنه، وأنه لم يكن بعد
ممن رسخ فى العلم حتى نهاه عبدالله بن عمر عن ذلك، فأخبره بسنة الصلاة وأمره بها.
١٩٨ - مَالِك، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ أَرَاهُمُ الْجُلُوسَ فِى
التَّشَهُّدِ فَنَصَبَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وَثَنَى رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَجَلَسَ عَلَى وَرِكِهِ الْآَيْسَرِ، وَلَمْ
يَجْلِسْ عَلَى قَدَمِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَرَانِى هَذَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ، وَحَدَّثَِّى أَنَّ
أَبَاهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
هذا الحديث يدل على اهتمام التابعين ومن قبلهم بهيئة الجلوس، وأن بعضهم كان
يأخذ ذلك عن بعض بالقول والفعل.
فصل: وقوله فى الخبر: ((وجلس على وركه الأيسر))، يريد أنه جلس على طرف
وركه، وبين ذلك بقوله: ((ولم يجلس على قدميه))، ومتى لم يجلس على قدميه، فلابد أن
يفضى بأليته إلى الأرض.
فصل: وقوله: ((أرانى هذا عبدالله بن عبدالله بن عمر))، هذا قول يحيى بن يحيى
وأكثر الرواة عن مالك، وقال يحيى بن بكير: عبيدالله بن عبدالله، وأما إخباره إن أباه
كان يفعل ذلك، فإنه يحتمل أنه كان يفعله قبل شكواه من رجليه، ويحتمل أنه كان يأمر
بذلك ويطاع فيه.
التشهد فى الصلاة
١٩٩ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ
١٩٨ - انفرد به مالك. وأخرجه من طرق أخرى أبو داود ٢٥٠/١ عن القاسم برقم ٩٥٨. البيهقى
بالسنن الكبرى ٢٣١/٩ عن عائشة.
١٩٩ - انفرد به مالك.

كتاب الصلاة
٧٤
الْقَارِى ◌ِئِ أَنْهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يُعَلِّمُ النَّاسَ التّشَهُّدَ يَقُولُ:
قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ الرَّاكِيَاتُ لِلَّهِ الطََّاتُ الصََّوَاتُ لِلَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النّبِىُّ
وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَتُهُ السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللّهُ
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
الشرح: قال ابن حبيب: التحيات جمع تحية والسلام منه، وقال غيره: التحيات
الملك. وقال ابن حبيب: والزاكيات صالح الأعمال، والطيبات طيبات القول.
قال القاضى أبو الوليد: وعندى أن معنى الصلوات لا ينبغى أن يراد بها غير الله،
وهذا تشهد عمر رضى الله عنه، وهو الذى اختاره مالك. وأما أبو حنيفة، فاختار
تشهد عبدالله بن مسعود، واختار الشافعی تشهد عبدالله بن عباس.
والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك أن تشهد عمر بن الخطاب يجرى مجرى الخبر
المتواتر؛ لأن عمر بن الخطاب علمه للناس على المنبر بحضرة جماعة الصحابة وأئمة
المسلمين، ولم ينكره عليه أحد ولا خالفه فيه، ولا قال له: إن غيره من التشهد يجرى
مجراه، فثبت بذلك إقرارهم عليه، وموافقتهم إياه على تعيينه، ولو كان غيره من ألفاظ
التشهد يجرى مجراه، لقال له الصحابة أو أكثرهم: إنك قد ضيقت على الناس واسعًا،
ـّ فى القرآن القراءة بما
وقصرتهم على ما هم مخيرون، بينه وبين غيره، وقد أباح النبى ؟
تيسر علينا من الحروف السبعة المنزلة، فكيف بالتشهد، وليست له درجة القرآن أن
يقصر الناس فيه على لفظ واحد، ويمنع مما تيسر مما سواه.
ولما لم يتعرض عليه أحد بذلك ولا بغيره علم أنه التشهد المشروع، هذا الذى ذهب
إليه شيوخنا العراقيون فى التشهد. وقال الداودى: إن ذلك من مالك، رحمه الله، على
وجه الاستحسان وكيفما تشهد المصلى عنده جائز، وليس فى تعليم عمر الناس هذا
التشهد منع من غيره.
فصل: وقوله: ((السلام علينا))، قال أبو بكر بن الأنبارى: قال قوم: السلام، الله عز
وجل، قال الله تعالى: ﴿السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر﴾ [الحشر: ٢٣]
فمعنى السلام عليكم، الله عليكم، أى على حفظكم. وقال قوم: السلام، المسلم لعباده.
وقال قوم: معناه: ذو السلام، فحذف المضاف، وأقام السلام مقامه. والسلام التسليم،
يقال: سلم سلامًا وتسليمًا. وقال قوم: معناه السلامة عليكم، والسلام جمع سلامة.

٧٥
كتاب الصلاة
٢٠٠ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَتَشْهَّدُ فَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ
التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ الصَّلَوَاتُ لِلْهِ الَّاكِيَاتُ لِلّهِ، السَّلامُ عَلَى النّبِىِّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَانُهُ،
السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، شَهِدْتُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، شَهِدْتُ أَنَّ
مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، يَقُولُ: هَذَا فِى الرَّكْعَتَيْنِ الأَولَيْنِ، وَيَدْعُو إِذَا قَضَى تَشَهَّدَهُ بِمَا
بَدَا لَهُ، فَإِذَا جَلَسَ فِى آخِرٍ صَلَاِهِ تَشَهَّدَ كَذَّلِكَ أَيْضًا إِلا أَنْهُ يُقَدِّمُ التَّشَهُّدَ ثُمَّ يَدْخُو
بِمَا بَدَا لَّهُ، فَإِذَا قَضَى تَشَهُّدَهُ وَأَرَادَ أَنْ يُسَلِّمَ قَالَ: السَّلامُ عَلَى النّبِىِّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ
وَبَرَكَاتُهُ السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ السَّلامُ عَلَيْكُمْ عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ يَرُدُّ
عَلَى الإِمَامِ، فَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ أَحَدٌ عَنْ يَسَارِهِ رَدَّ عَلَيْهِ.
الشرح: قوله: ((فيقول: بسم الله التحيات لله))، ليس من سنة التشهد عند مالك
البسملة فى أول التشهد لأننا قد بينا أن السنة تشهد عمر بن الخطاب، وليس فيه ذکر
ذلك. ومن جهة المعنى أن هذا ذكر مشروع فى الصلاة، ليس من العجز فلم يستفتح
بیسم الله الرحمن الرحيم، كالتسبيح والتكبير والتحميد.
فصل: وقوله: ((يقول هذا فى الركعتين الأوليين))، ثم يدعو إذا قضى تشهده، بيان أن
التشهد عنده قبل الدعاء، وهو مذهب مالك. والأصل فى ذلك ما روى عن عبدالله بن
مسعود أنه قال: كنا مع النبى ﴿﴿ فى الصلاة نقول: السلام على الله من عباده، السلام
على فلان وفلان، فقال النبى 18: ((لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام،
ولكن قولوا: التحيات لله)) وذكر التشهد حتى بلغ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم
لیتخیر من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو به.
فصل: وقوله: «ثم يدعو إذا قضی تشهده بما بدا له»، یرید من أمور دينه ودنياه مما
لم يمنع الدعاء به، ولا بأس بالدعاء فى الصلاة كلها بغير القرآن، ويدعو على الظالم
ويدعو للمظلوم. وقال أبو حنيفة: لا يدعو بغير القرآن. والأصل فى ذلك ما أخرجه
البخارى، قال أبو هريرة: ((وكان رسول الله ﴿ حين يرفع رأسه، يقول: سمع الله لمن
حمده، ربنا ولك الحمد، يدعو لرجال، فيسميهم بأسمائهم، فيقول: اللهم أنج الوليد بن
الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبى ربيعة والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد
وطأتك علی مضر، واجعلها علیھم کسنی یوسف)).
٢٠٠ - انفرد به مالك.

٧٦.
كتاب الصلاة
مسألة: وهل يدعو فى التشهد الأول؟ فى المجموعة من رواية على بن زياد عن
مالك: ليس بعد التشهد الأول موضع للدعاء. وقال عنه ابن نافع: لا بأس أن يدعو
بعده.
وجه رواية على بن زياد أن آخر التشهد الأول لما كان مشبها لأوله فى أنه ليس
بمنتهى العبادة، ولم يشرع ليستدرك فيه ما فات منها، لم يكن موضعًا للدعاء كأوله.
ووجه رواية ابن نافع أنه آخر تشهد فى الصلاة، فلم يمنع فيه الدعاء، أصل ذلك التشهد
الثانى.
فصل: وقوله: ((فإذا جلس فى آخر صلاته تشهد كذلك أيضًا إلا أنه يقدم التشهد»،
بيان أن التشهدين عنده على صفة واحدة، ولفظ واحد متقدمين على الدعاء من
موضعيهما. وقد اختلف الناس فى وجوب التشهد، فقال مالك: ليس بواجب فى
الصلاة، وبه قال أبو حنيفة: وقال أحمد بن حنبل وإسحاق والليث وأبو ثور: هو واجب
فى الجلستين جميعًا. وقال الشافعى: هو واجب فى الجلسة الأحرى دون الأولى. ورواه
أبو مصعب عن مالك.
ودليلنا على صحة ما ذهب إليه مالك أنه ذكر لا يجهر به فى الصلاة بوجه، فلم يكن
واجبًا كالتسبيح فى الركوع والسجود.
فصل: وقوله: ((فإذا قضى تشهده، وأراد أن يسلم، قال: السلام على النبى ورحمة
الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين))، يريد أنه يعيد من آخر التشهد ما
هو من جنس السلام، وهو السلام على النبى، وعلى المصلى، وعلى عباد الله الصالحين،
ثم يصل بذلك سلامه من الصلاة، ليدخل الصلاة على النبى ، والدعاء بعده فى
حکمه، ويكون آخر التشهد المسنون متصلاً بسلامه.
وقد روى على بن زياد عن مالك أنه استحب للمأموم إذا سلم إمامه أن يقول:
السلام على النبى ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام
علیکم ویسلم بأثر سلام إمامه، ولا يثبت إلا أن یرید أن یتشهد، فیتشهد ويسلم.
فصل: وقوله: ((فيقول السلام عليكم عن يمينه، ثم يرد على الإمام، فإن سلم عليه
أحد عن يساره))، رد عليه. هذا بيان حكم المأموم فى السلام. وفى هذا سبع مسائل،
إحداها: أن السلام واجب، لا يتحلل من الصلاة بغيره، هذا قول مالك، وبه قال
الشافعى. وقال أبو حنيفة: يتحلل منها بكل فعل وقول ينافيها، ويقصد به إلى الخروج
عنها، والانفصال منها.

......... ٧٧
كتاب الصلاة
وقد روى عن ابن القاسم أنه إذا أحدث فى التشهد فى آخر صلاته، أن صلاته قد
صحت وكملت، وهو يقرب من قول أبى حنيفة.
والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك، ما رواه البخارى من حديث عتبان بن مالك
((صلينا مع رسول الله ﴿﴿ فسلمنا حين سلم)). فوجه الدليل منه أنه سلم وأفعاله على
الوجوب، وقد قال ﴿﴿: ((صلوا كما رأيتمونى أصلى)).
مسألة: وصفة التسليم فى الصلاة (السلام عليكم))، بالتعريف، فإن نكر ونون، لم
يجز خلافًا للشافعى فى قوله: يجزئ سلام عليكم.
وقد روى نحوه عن الشيخ أبى إسحاق، والذى رأيت له إنما حكاه عن قوم من أهل
العلم.
والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك، ما روى عن واسع بن حبان أنه سأل عبدالله
ابن عمر عن صلاة رسول الله ﴿، فقال: الله أكبر، كلما وضع، الله أكبر، كلما رفع،
يقول: السلام عليكم ورحمة الله، عن يمينه، السلام عليكم عن يساره.
وهذا هو المشهور عنه الذى لم يرو عنه خلافه، وقد روى عنه ! أنه قال: ((صلوا
کما رأیتمونی اصلی».
مسألة: والفرض من السلام واحد، وبه قال أبو حنيفة والشافعي. وقال أحمد بن
حنبل: الفرض اثنتان. والدليل على صحة ما نقوله أن هذا نطق فى أحد طرفى الصلاة،
فوجب أن يكون الفرض منه واحدًا كالتكبير.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن أحوال المصلين فى ذلك على ضربين: مأموم وغير مأموم،
فأما غير المأموم، وهو الإمام أو الفذ، فإنه يسلم تسليمة واحدة يخرج بها عن صلاته،
ونحو ذلك. قال الليث: وروى عن مطرف عن مالك فى الواضحة: يسلم الفذ تسليمة
عن يساره، وبهذا كان يأخذ مالك فى خاصة نفسه. وقال الثورى وأبو حنيفة
والشافعى وغيرهم: إن كل مسلم، فإنه يسلم تسليمتين، تسليمة عن يمينه وتسليمة عن
يساره. وقال الشافعى: يشير بالأولى عن يمينه، وبالثانية عن يساره، وينوى المأموم الإمام
بالتسليمة التی فی جهته، عن يمينه کان أو عن يساره. وقد روى عن النبى څ﴾ أحاديث
فی أنه کان یسلم تسليمة واحدة، وهی غیر ثابتة. وروى عنه أنه كان يسلم تسليمتين،
لم يخرج البخارى منها شيئًا، وأخرجها مسلم، وهو إخبار يحتمل التأويل. والقياس
يقتضى إفراد السلام الذى يتحلل به من الصلاة، وذلك فى حكم الإمام والفذ، وما زاد
على ذلك فإنما هو على حكم الرد، والله أعلم.

٧٨
كتاب الصلاة
مسألة: وأما المأموم، فإنه يسلم تسليمتين، إحداهما: يخرج بها من الصلاة، والثانية:
يرد بها على الإمام. وأصل ذلك حديث جابر بن سمرة أنه ﴾ قال: ((وإنما يكفى
أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على أخيه من عن يمينه وشماله)).
وهذا حكم المصلى فى جماعة فيسلم أولا عن يمينه وشماله. ووجه التعلق به أنه
شرع للمصلى أن يسلم على أخيه من عن يمينه وشماله، فيسلم أولا عن يمينه ثم يسلم
عن يساره، ثم يرد هو عليه بعد ذلك، فإن سلموا هذا فيمن عن يساره، قسنا عليه
الإمام لأنه مسلم على من كان معه فى صلاته، فكان حكمه الرد عليه كالمأمومين.
فرع: فعلى هذا يسلم المأموم تسليمتين، إحداهما عن يمينه، يتحلل بها من صلاته،
وأخرى يرد بها على إمامه. وهل يرد بتلك الثانية على من كان عن يساره أو يسلم للرد
عليه تسليمة ثالثة؟ قال القاضى أبو محمد: ذلك مختلف فيه، فإن قلنا: إنه يرد عليهم
بالتسلمية الثانية، فدليلنا على ذلك أنه لو لم يجز أن يرد على الإمام والمأموم بتسليمة
واحدة، لم يجز أن يرد على اثنين من المأمومين بتسليمة واحدة، حتى يفرد كل واحد
منهم بتسليمة، وذلك باطل.
وإن قلنا إنه يفرد المأموم بتسليمة ثالثة، فدليلنا على ذلك أن حكم المأمومين غير
حكم الإمام، وقد ينفرد الإمام عنهم، فكان عليه أن يفردهم بسلام يرد به عليهم
كالإمام لما كان له حكم غير حكم الخروج عن الصلاة، أفرد برد السلام عليه.
فرع: إذا ثبت ذلك، فاختلفت الرواية عن مالك، بأى سلام الرد يبدأ المأموم، فروى
أشهب ومطرف عن مالك، أنه يبدأ بالرد على من سلم عن يساره. وروى عنه ابن
القاسم أنه رجع إلى أن يبدأ بالرد على الإمام. وحكى عن القاضى أبو محمد رواية ثالثة،
وهو التخيير فى ذلك.
وجه رواية ابن القاسم أن الإمام بدأ بالسلام، فكان أن يبدأ بالرد عليه أولى.
فرع: ومن فاته بعض صلاة الإمام، فسلم بعد القضاء، فقد روى ابن القاسم عن
مالك أنه لا يرد على الإمام، قال: ثم رجع، فقال: أحب إلى أن يرد عليه، وبه أخذ ابن
القاسم.
ووجه القول الأول أن من سنة الرد الاتصال بالسلام، فإذا بطل ذلك بطل حكمه.
ووجه القول الثانی أن حکم الإمام باق، فلزمه منه ما یلزم لو بقیت صلاته.

٧٩
كتاب الصلاة
مسألة: ويجهر المأموم بأول السلام، وهو الذى يرد به على من على يساره، فقد
روی علی بن زیاد عن مالك أنه ینبغی للمأموم أن یخفیه لئلا یقتدی به فیه.
ووجه ذلك أن السلام الأول يقتضى الرد عليه فيه، فلذلك كان حكمه حكم الجهر
به، والسلام الثانی هو رد، فلا يستدعى به ردًا، فلذلك کان حكمه حكم الإسرار.
مسألة: وأما تعيين مواضع الإشارة بالسلام، فذلك على قدر أحكام المصلين، فأما
الإمام، فقد قال ابن القاسم عن مالك: يسلم واحدة قبالة وجهه، ويتيامن بها قليلاً،
وهذا حكم الفذ على رواية ابن القاسم، وعلى رواية غيره عن مالك: يسلم تسليمتين،
إحداهما: يشير بها عن يمينه، والثانية: يشير بها عن يساره.
ووجه ذلك حديث سعد بن أبى وقاص «كنت أرى رسول الله لا يسلم عن يمينه
وعن يساره حتى يرى بياض خده)). وأما المأموم، فالذى قاله ابن القاسم وغيره عن
مالك أنه يسلم الأولى ويتيامن بها قليلاً، ولم يذكروا قبالة وجهه، ويقصد بها الإمام،
وإن لم يكن إمامه، ويسلم التى يرد بها على المأموم ويشير بها عن يساره.
٢٠١ - مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النّبِىِّ
﴿ أَنْهَا كَانَتْ تَقُولُ إِذَا تَشَهَّدَتِ: التَّحِّاتُ الطََّاتُ الصَّلَوَاتُ الزَّكِيَاتُ لِلّهِ،
أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، السَّلامُ
عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِىُّ وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكَأْتُّهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ
السَّلامُ عَلَيْكُمْ.
الشرح: قوله عائشة رضى الله عنها: ((وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم)»
حتى وصلت السلام بآخر التشهد، الشافعى يقول: إنها شرط فى صحة الصلاة، وهذه
مقالة لا نعلم أحدًا تقدم الشافعی قال بها.
٢٠٢ - مَالِكِ، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدِ الأنْصَارِىِّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ أَخْبُرَهُ
أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النّبِىِّ ﴿ كَانَتْ تَقُولُ إِذَا تَشَهَّدَتْ: التَّحِيَّاتُ الطََّّاتُ الصَّلَوَاتُ
الرَّاكِيَاتُ لِلَّهِ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ
٢٠١ - انفرد به مالك.
٢٠٢ - انفرد به مالك.

كتاب الصلاة
٨٠ ٠٫
اللَّهِ وَرَسُولُهُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النّبِىُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادٍ
اللَّهِ الصَّالِحِينَ، السَّلامُ عَلَيْكُمْ.
الشرح: فإن قال قائل: فقد أثبتم أن تشهد عمر بن الخطاب هو الصواب المأمور به،
وأن ما عداه ليس بمأمور به، ورددتم بدليلكم ذلك حديث عبدالله بن مسعود وحديث
عبدالله بن عباس، وهما مسندان عن النبى )، فلم أدخل مالك، رحمه الله، حديث
عائشة وحديث عبدالله بن عمر وهما أشد خلافًا لحديث عمر بن الخطاب مع كونهما
موقوفين.
فالجواب أن مالكًا، رحمه الله، إنما اختار تشهد عمر بن الخطاب على سائر ما روى
فیه بالدليل الذی ذ کرناه إلا أنه مع ذلك يقول: من أخذ بغیرہ لا یأثم، ولا یکون تار کا
للتشهد فى الصلاة، وإنما ذلك بمنزلة من غير شيئا من الأدعية التى علمها رسول الله ﴾
الناس، وحضهم عليها، وأتوا بمعانيها، ونقل شىء من ألفاظها، فإنه يقال له: قد تركت
الأفضل من الدعاء المأمور به، ولم يقل له: إنك تركت الدعاء جملة، ولم يأمر النبى
بالتشهد على الوجوب، ولا جعله شرطًا فى صحة الصلاة، فتكون ألفاظه المختصة به
شرطًا فى صحة الصلاة.
٢٠٣ - مَالِكِ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ وَنَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَجُلٍ دَخَلَ مَعَ
الإمَامِ فِى الصَّلاةِ، وَقَدْ سَبَقَهُ الإِمَامُ بِرَكْعَةٍ، أَيْتَشَهَّدُ مَعَهُ فِى الرَّكْعَتَيْنِ وَالأَرْبَعِ، وَإِنْ
كَانَ ذَلِكَ لَهُ وِتْرًا؟ فَقَالا: لِيَتَشَهَّدْ مَعَهُ.
قَالَ مَالِك: وَهُوَ الأَمْرُ عِنْدَنَا.
الشرح: وجه ما رواه من ذلك أن المأموم يتبع الإمام فى الأفعال، وإن لم يعتد بها
والأقوال تتبع الأفعال، ألا ترى أنه متى سقطت عن المأموم الأفعال، سقطت الأقوال،
بأن یدر که را کعًا فيما أسر فيه بالقراءة، وإن لم تسقط الأفعال بأن یدر که فى أول
الركعة، لم تسقط الأقوال، فإذا كان المأموم يتبع الإمام فى الجلوس، وإن كان لا يتعبد
أ به، فكذلك فی التشهد وإن لم يعتد به.
٢٠٣ - انفرد به مالك.

............. ٨١
كتاب الصلاة
ما يفعل من رفع رأسه قبل الإمام
٢٠٤ - مَالِك، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ مَلِيحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
السَّعْدِىِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنْهُ قَالَ: الَّذِى يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَخْفِضُهُ قَبْلَ الإِمَامِ فَإِنَّمَا نَاصِيَتُهُ
بَدٍ شَيْطَانٍ.
الشرح: معنى هذا الحديث الوعيد لمن رفع رأسه وخفضه فى صلاته قبل إمامه،
وإخبار عنه أن ذلك من فعل الشيطان، وأن انقياده له وطاعته إياه فى المبادرة بالخفض
والرفع قبل إمامه، انقياد لمن كانت ناصيته بيده، وفى رفع المأموم وخفضه مع الإمام
ثلاث صفات، إحداها: أن يخفض ويرفع بعده، فهذه هى السنة. والأصل فى ذلك
الحديث الذى يأتى بعد هذا ((إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع
فارفعوا)). والثانية: أن يخفض ويرفع معه، فهذا يكره، ولكنه لا تبطل بذلك صلاته.
والثالثة: أن يرفع ويخفض قبل الإمام، وذلك غير جائز لما روى عن أنس أنه قال: ((صلى
بنا رسول الله ﴿﴿ ذات يوم، فلما قضى صلاته أقبل علينا بوجهه، فقال: أيها الناس إنى
إمامکم، فلا تسبقونی بالركوع ولا بالقيام ولا بالانصراف».
قَالَ مَالِك فِيمَنْ سَهَا فَرَفَعَ رَأُسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ فِى رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ: إِنَّ السُّنَّةَ فِى
ذَلِكَ أَنْ يَرْجِعَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا وَلا يَنْتَظِرُ الإِمَامَ وَذَلِكَ خَطٌَّ مِمَّنْ فَعَلَهُ لأَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ ﴿ قَالَ: (إِنْمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ) وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: الَّذِى
يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَغْفِضُهُ قَبْلَ الإِمَامِ إِنَّمَا نَاصِيَتُهُ بِيَدٍ شَيْطَانٍ.
الشرح: وهذا كما قال، وقد تقدم بأن السنة أن يتبع الإمام فى الركوع والسجود،
فإن رفع رأسه قبل إمامه ساهيا، فلا يخلو أن يرفع رأسه من الركوع قبل ركوع إمامه أو
بعد ركوعه، فإن رفع رأسه قبل ركوعه، فعليه الرجوع لاتباع إمامه، إن أدرك ذلك،
وحكمه فى ذلك حكم الناعس والغافل يفوته الإمام بركعة، فيتبعه ما لم يفت، فإن رفع
من ركوعه بعد ركوع إمامه، فلا يخلو من إحدى حالتين، إحداهما: أن يكون قد تبع
الإمام فی ر کوعه مقدار فرضه أو رفع قبل ذلك.
قال القاضى أبو الوليد، رضی الله عنه: فإن رفع قبل ذلك، فحکمه عندی حکم من
٢٠٤ - أخرجه أحمد فى مسنده برقم ٤٧٥ عن أبى هريرة. وذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد ٧٨/٢
وعزاه للبزار. والطبرانى بالأوسط عن أبى هريرة.

كتاب الصلاة
٨٢
رفع قبل ركوع الإمام، وإن كان قد تبع الإمام فى مقدار الفرض فركوعه صحيح؛ لأنه
قد اتبع إمامه فی فرضه.
فرع: ولا يخلو أن يدرك الإمام راكعًا إن رجع لاتباعه أن يفوته ذلك، فإن علم أنه
يدركه راكعًا، فإنه يلزمه أن يرجع إلى متابعته كما قال مالك، رحمه الله؛ لأن ترك ذلك
مخالفة للإمام، وقد قال ﴿4﴾: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه)). وإن علم أنه
لا يدركه راكعًا، فهل يرجع أم لا؟ قال أشهب: لا يرجع. ورواه ابن حبيب عن مالك.
وروى ابن سحنون عن أبيه: يرجع، ويبقى بعد الإمام بقدر ما انفرد الإمام بعده.
وجه قول مالك أنه قد أدى فرضه من اتباع الإمام، فكان اتباعه فيما ينتقل إليه أولى
من مخالفته ما ینتقل عنه.
ووجه قول سحنون أن اتباع الإمام يلزمه فى فضيلة الركعة، كما يلزمه اتباعه فى
فريضتها، ولو فاته فرضها معه لعاد إليه، فكذلك إذا فاته فضلها. ووجه آخر، وهو أنه
يصح أن يبنى هذا القول على أن الرفع من الركوع مستحق، فيجب أن يرجع لاتباع
الإمام فيه، ولكن لا يمكث على هذا التعليل بمقدار ما أقام الإمام بعده.
مسألة: هذا حكم الرفع، فأما الخفض قبل الإمام الركوع أو سجود، فإنه غير مقصود
فى نفسه بلا خلاف عن المذهب، وإنما المقصود منه الركوع أو السجود، فإن أقام بعد
ركوع الإمام راكعًا أو ساجدًا، مقدار فرضه صحت صلاته إلا أنه قد أساء فى خفضه
قبل إمامه، وإن لم يقم بعد ركوع إمامه راكعًا أو ساجدًا، مقدار فرضه لم تصح
صلاته، وعليه أن يرجع لاتباع إمامه بر کوعه وسجوده.
مسألة: وهذا فى الأفعال، فأما الأقوال، فعلی ضربین، فرائض وفضائل، فأما
الفرائض، فتكبيرة الإحرام والسلام، ومتى تقدم المأموم فى تكبيرة الإحرام، ساهيًا أو
عامدًا بطلت صلاته لأن الإحرام دخول فى الصلاة، فإذا دخل فيها قبل إمامه لم يصح
أن يتبعه فيها لأنه عقدها غير مؤتم، وأما السلام، فإن سلم قبل إمامه عامدًا بطلت
صلاته، وإن سلم ساهيًا لم تبطل صلاته وحمل عنه الإمام سهوه.
*
*
ما يفعل من سلم من ركعتين ساهيًا
٢٠٥ - مَالِك، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِى تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانِىِّ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ
٢٠٥ - أخرجه البخارى فى الصلاة حديث رقم ٤٨٢. ومسلم فى المساجد ومواضع الصلاة حديث
رقم ٥٧٣, والترمذى فى الصلاة حديث رقم ٣٦٥. والنسائى فى السهو حديث رقم=

............. ٨٣
كتاب الصلاة
أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ انْصَرَفَ مِنَ اثْنَيْنِ فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: أَقَصُرَتِ الصَّلاة
أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: (أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ»؟ فَقَالَ النّاسُ:
نَعَمْ. فَقَامَ رَسُولُ اللّهِ ﴿ فَصَلَى رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيْنٍ ثُمَّ سَلْمَ ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدٌ مِثْلَ
سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ.
الشرح: قوله: ((إن رسول الله ﴿﴿ انصرف من اثنتين)، يعنى انصرف وخرج عنها
من ركعتين، وكانت رباعية على ما روى أنها كانت صلاة العصر، وأن صلاته كانت
فى المسجد، وذلك يقتضى الحضر، فقال له ذو اليدين، واسمه الخرباق: ((أقصرت
الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟)) إنكارا لفعله مع أنه شرع الشرائع، وعنه تؤخذ الصلاة
إلا أن ذا اليدين جوز عليه النسيان وجوز أن يكون حدث فيها تقصير، فطلب منه بيان
ذلك، فصادف سؤاله من رسول الله ! يقينًا أن صلاته قد كملت أو شكًا فى ذلك،
على ما سنذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى، فقال: ((أصدق ذو الیدین)).
وقوله يحتمل معنيين، أحدهما: أن يقول ذلك وهو يتيقن كمال صلاته، فيستشهد
على رد قول ذى اليدين، بقول من شهد معه الصلاة، وبين هذا قوله فى الخبر الآخر
کل ذلك لم یکن تيقنًا، لتمام صلاته، ولو کان شاکًا فى تمام صلاته و کمالها لأخذ فى
الإتيان بما شك فيه، ولا التزم من الصمت ما يلتزمه المصلى.
فلما أخبر الصحابة بتصديق قول ذى اليدين، طرأ عليه الشك أو الذكر، فأخذ فى
إتمام صلاته والتزام الصمت الذى هو شرط فى صحتها ما لم تدع إلى غير ذلك ضرورة
لسببها، ويحتمل أن يقول ذلك وقد دخله الشك فى إتمام صلاته بقول ذى اليدين، فأراد
أن يتيقن أحد الأمرين بخبر من شهد معه الصلاة، فلما صدقوا ذا اليدين وتيقن أن
صلاتهم لم تتم أخذ فى إتمامها والتزم شروطها.
وإنما جاز له الكلام مع الشك على هذا القول لأنه قد تيقن كمال صلاته، واعتقد
الخروج منها وبرئت ذمته منها، فحدوث الشك بعد ذلك لا يوجب عليه الرجوع إليها،
وهذا أصل مختلف فيه ترد لأصحابنا مسائل تدل على أن الشك بعد السلام على يقين
= ١٢٢٤، ١٢٢٥، ١٢٢٦، ١٢٢٧، ١٢٢٨، ١٢٢٩، ٠١٢٣٠ وأبو داود فى الصلاة
حديث رقم ١٠٠٨، ١٠١٤، ١٠١٥. وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم
١٢١٤. وأحمد فى المسند حديث رقم ٧١٦٠، ٧٧٦١، ٨٧٨٣، ٩١٨١، ٠٩٦٠٩
والدارمى فى الصلاة حديث رقم ١٤٩٦، ١٤٩٧.

كتاب الصلاة
٨٤
مؤثر، وترد مسائل تدل على أنه غير مؤثر، قال ابن حبيب: إذا سلم الإمام على يقين،
ثم شك بنى على يقينه، فإن سأل من خلفه، فأخبروه أنه لم يتم، فقد أحسن، وليتم ما
بقی ريجزيهم.
ولو کان الفذ سلم من اثنتین علی یقین ثم شك، فقد قال أصبغ: لا يسأل من حوله،
فإن فعل فقد أخطأ بخلاف الإمام الذى يلزمه الرجوع إلى يقين من معه، فهذه المسألة
مبنية على أن الشك بعد السلام على اليقين مؤثر، ويوجب الرجوع إلى الصلاة إلا أنه
مع ذلك لم يجعلوا له حكم الشك داخل الصلاة لأنه لو شك قبل السلام، لم يجز له أن
يسأل أحدًا، فإن فعل استأنف الصلاة، قاله ابن حبيب. وكذلك لو سلم على شك ثم
سألهم، وقاله ابن القاسم وأشهب وابن وهب. وقال عبدالملك فى الواضحة وكتاب ابن
سحنون: یجزیه.
وجه قول ابن القاسم أن حكم الشاك أن يبنى على يقينه ويتم صلاته، فإذا سلم على
شك، فقد أبطل صلاته لأنه تعمد الكلام وقطع الصلاة فى وقت يلزمه التمادى فيها.
وجه قول عبدالملك أنه سلام لو قارنه تيقن بتمام الصلاة كملت الصلاة، فإذا قارنه شك
ثم تيقن كمال صلاته، وجب أن يكمل به الصلاة. أصل ذلك من صلى ركعتين من
الظهر، ثم شك فى الوضوء، فأتم الصلاة على ذلك ثم تيقن أنه على وضوئه، فإن
صلاته تجزئه. رواه عيسى عن ابن القاسم فى العتبية.
فصل: وقوله: ((فقام رسول الله (48 فصلى ركعتين أخريين))، يقتضى أحد أمرين،
إما أن يكون سلم، ولم يقم من مكانه حتى قال له ذو اليدين ما قال، فمن كان هذا
حاله، فذكر على تلك الهيئة التى كان عليها فى صلاته، فهذا ليس عليه من استئناف
الهيئة شىء.
وأما إن قام من مجلسه، فعاد إلى الجلوس لما علم بالسهو ثم قام إلى صلاته بعد ذلك
لأنه تحلل من صلاته فى حال جلوسه، فكان قيامه فى غير صلاة وقيامه للصلاة
مستحق، فيجب أن يعود إلى الهيئة التى تحلل من صلاته فيها، ثم يكون قيامه إلى الركعة
الثالثة، وهو فى صلاة.
وقد اختلف أصحابنا فيمن سلم ثم قام من مجلسه، فذهب ابن القاسم إلى أنه يجلس
ثم یقوم ویتم صلاته. وقال ابن نافع: لا يجلس.
وجه ما قاله ابن القاسم ما ذكرناه من أن النهوض مستحق عليه فى نفس الصلاة،

........... ٨٥
كتاب الصلاة
وهو لم يفعله فى الصلاة، وبذلك احتج ابن القاسم لقوله هذا. ووجه ما قاله ابن نافع
أنه لم يفته ركن من أركان الصلاة والنهوض إلى القيام ليس بمقصود، وليس عليه فعله
إذا فات محله بالقيام. قال ابن حبيب: ولو سلم من ركعة أو ثلاث ركعات دخل
بإحرام، ولم يجلس، وهذا مطرد على مذهب ابن نافع، ولا فرق بين أن يسلم من ركعة
أو ركعتين لأن الجلوس للركعتين، قد انقضى والقيام من ركعتين كالقيام بعد السجود
من ركعة.
مسألة: ويجوز للعامى إذا لم يفهم عنه الإمام بالتسبيح موضع السهو أن يكلم بذلك،
ويعلمه بموضع السهو، ولا يفسد ذلك صلاته على نحو ما فعل ذو اليدين فى خبر أبى
هريرة. قال ابن القاسم: سواء كان سهوه فى ذلك فى سلامه من اثنتين أو غير ذلك من
السهو. وهذا المشهور من مالك، وعليه تناظر شيوخنا بالعراق. وقال سحنون: إنما يجوز
ذلك فيمن سها، فسلم من اثنتين على مثل خبر ذى اليدين. وهذا الحكم مقصور عليه.
وقال عبدالله بن وهب وابن نافع: لا يجوز لأحد أن يفعل مثل ذلك اليوم، فإن فعله
أحد، فلا إعادة عليه. وقال ابن كنانة: لا يجوز لأحد أن يفعله اليوم، ومن فعله، فعليه
الإعادة، وبه قال أبو حنيفة والشافعى.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: ويحتمل عندى وجهًا آخر، وهو أن يكون
ذلك ممنوعًا اليوم وأن يكون حكم الإجابة يختص بالنبى ﴿ لقوله تعالى: ﴿يا أيها آمنوا
استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ [الأنفال: ٢٤] ولم يخص صلاة من
غيرها، وقد أنكر النبى ◌َ﴾ على أبىَّ إذ لم يجبه حين دعاه، وهو فى الصلاة ونبهه على
إباحة ذلك بالآية المذكورة، فيكون قول ابن كنانة على هذا التأويل هو الأظهر، والله
أعلم.
مسألة: والتكبير للرجوع إلى الصلاة مستحق، قاله ابن القاسم عن مالك. وكل من
جاز له أن یینی بعد انصرافه بقرب ذلك، فليرجع بإحرام. وقال ابن نافع: إن لم يكبر
بطلت صلاته؛ لأنه قد خرج عنها بالسلام، فلا يعود إليها إلا بإحرام.
وحکی الشیخ أبو محمد نكتة عن بعض القروبين أنه إذا سلم من اثنتين، وذكر ذلك،
وهو جالس فى مقامه لم يكن عليه أن يحرم إذا رجع إلى صلاته بالقرب؛ لأنه لم
ينصرف ولم يعمل عملاً، وإنما حصل منه السلام فقط، فهو كلام تكلم به فى حال
صلاته سهوًا، فإنه يتمادى من غير إحرام يجدده، ولو ذكر ذلك، وهو قائم لم ينصرف
من موضعه، لزمه أن يحرم کالمنصرف.

٨٦
كتاب الصلاة
وهذا الذى قال، فيه نظر مع مخالفته لقول مالك وابن القاسم، وذلك أن السلام من
الصلاة سهو على ضربين، أحدهما: أن لا يقصد التحلل، فهو بمنزلة من تكلم فى
الصلاة ساهيًا، فهذا لا يحتاج إلى تجديد إحرام يعود به إلى صلاته لأنه لم يوجد منه
التحلل منها. والثانى: أن يقصد بسلامه التحلل يظن أنه قد أكمل صلاته، فهذا يحتاج
إلى إحرام يعود به إلى صلاته لأنه لم يوجد، وإلا كان بناؤه عاريًا من الإحرام.
وأما الذى يتكلم ساهيًا، فلا يقصد التحلل من صلاته، ولو قصد ذلك لأبطل
صلاته. وأما ما اعتبره من الفعل، فإن الأفعال لا يقع التحلل بها، فلا تأثير لها فى
وجوب الإحرام.
فرع: ومتى يكبر؟ حكى أبو محمد فى نكته عن ابن القاسم: أنه يكبر ثم يجلس،
قال: رواه بعض الأندلسيين، ومعنى ذلك أنه لا يجوز له تأخير التكبير عن وقت ذكره.
وحکی ابن شبلون أنه یجلس أولا ثم يكبر.
ووجه ذلك أنه يكبر على الحالة التى فارق عليها صلاته، وهو الجلوس. وقال على
ابن عيسى الطليطلى، فيمن ذكر بعد أن سلم، وهو جالس: أنه يكبر تكبيرة، ینوی بها
الرجوع إلى الصلاة ثم یکېر تكبيرة اخری یقوم بها.
فصل: وقوله: ((فصلى ركعتين أخریین))، يفيد اعتداده بالركعتين الأوليين، وإضافة
الركعتين الأخريين إليهما لأن أحدًا لا يشك أن الركعتين الأوليين اللتين صلى بعد
سهوه، غير الركعتين اللتين صلى قبله من جهة الفعل، ولكنه لما جاز أن يصليهما على
سبيل القضاء والبدل من الركعتين الأوليين، وأن يصليهما على سبيل البناء عليهما،
والإضافة إليهما احتاج إلى أن یبین علی أی وجه صلاهما.
فصل: وقوله: ((فسلم ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع ثم كبر،
فسجد مثل سجوده أو أطول))، بيان واضح فى أن السجدتين كانتا بعد السلام من
الصلاة، وبيان واضح فى مقدار سجوده فيهما وأنهما كسجوده فى صلاته أو أطول،
وقد بين مع ذلك الفصل بينهما والرفع من آخرهما ولم يذكر التشهد بعدها، ولا
السلام منهما، ويقتضى ذلك التكبير فى الخفض والرفع لسجود السهو، وكذلك روى
ابن القاسم عن مالك. وروى على زياد عن مالك أن الإمام يسمع من خلفه التكبير
والسلام فی سجدتی السهو ويفعلون کفعله.

٨٧٠٠
..........
كتاب الصلاة .
٢٠٦ - مَالِك، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ أَبِى سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِى أَحْمَدَ أَنَّهُ
قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةً يَقُولُ: صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﴾ صَلاةَ الْعَصْرِ فَسَلَّمَ فِى رَكْعَتَيْنٍ
فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: أَقْصُرَتِ الصَّلاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ نَسِيتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ
◌َ﴾: ((كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ». فَقَالَ: قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ
اللّهِ ﴿ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ:((أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟) فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿
فَأَتَمَّ مَا بَقِىَ مِنَ الصَّلاةِ ثُمَّ سَحَدَ سَحْدَتْنٍ بَعْدَ الْتّسْلِيمِ وَهُوَ جَالِسٌ.
الشرح: بين أبو هريرة بهذا الحديث الصلاة التى جرت فيها قصة ذى اليدين أنها
صلاة العصر. وقد روى عنه أنه قال: إحدى صلاتى العشى.
وقوله ﴿﴾، لذى اليدين لما قال له: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ ((كل ذلك لم يكن»
بیان أنه لم ینسخ حكم الصلاة ولم یقصر شیء منها، فثبت بذلك عند ذی الیدین ومن
معه من الصحابة القسم الآخر، وهو أنه نسى إلا أنه ﴿﴿ أخبر عن يقينه، وما كان يعتقد
أنه فعله من إتمام الصلاة، فقال ذو اليدين: ((قد كان بعض ذلك))، يريد أنه قد كان أحد
الأمرين، وهو النسيان.
وقوله : ((أصدق ذو اليدين)) استبعاد لقوله، وقطع منه أنه لا يذهب على الجماعة
الصحة فى ذلك.
و قوله: «فأتم ما بقى من الصلاة»، يقتضى اعتداه ما صلى منها.
٢٠٧ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِى حَثْمَةَ قَالَ:
بَلْغَنِى ((أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﴿ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ مِنْ إِحْدَى صَلاَيِ النَّهَارِ الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ،
فَسَلَّمَ مِنَ اثْنَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو الشِّمَالَيْنِ: أَقَصُرَتِ الصَّلاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ نَسِيتَ؟
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: مَا قَصُرَتِ الصَّلاةُ وَمَا نَسِيتُ. فَقَالَ ذُو الشِّمَالَيْنِ: قَدْ
كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﴿ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: أَصَدَقَ ذُو
الْيَدَّيْنِ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ مَا بَقِىَ مِنَ الصَّلاةِ ثُمَّ
سَلِّمَ».
٢٠٦ - انظر: تخريج الحديث السابق.
٢٠٧ - أخرجه النسائى فى الصغرى فى السهو حديث رقم ١٢٣٢.

كتاب الصلاة
٨٨
مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَّبِ، وَعَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
مِثْلَ ذَلِكَ.
الشرح: قول ابن شهاب فى هذا الحديث: ((ذو الشمالين))، فيه نظر. وقال ابن
خيثمة: ذو الشمالين عمير بن عمرو بن نضلة من خزاعة، حليف لبنى زهرة بن كلاب،
قتل يوم بدر، وذو اليدين هو الخرباق، وهو غير ذى الشمالين. والجمع بينهما فى
حديث الزهرى معًا خالفه فيه الحفاظ من الرواة عن أبى هريرة، محمد بن سيرين وأبو
سفيان وغيرهما، وكذلك رواه الحفاظ عن أبى سلمة.
وبين هذا أن أبا هريرة يقول فى هذا الحديث ((صلى لنا رسول الله ﴿﴿)). وكذلك
رواه أبو مصعب وغيره، وهذا يقتضى مشاهدة أبى هريرة لهذه الصلاة، وذو الشمالين
قتل يوم بدر وإسلام أبى هريرة بعد ذلك بأعوام جمة.
فصل: ولم يذكر ابن شهاب فى حديثه هذا فى الموطأ سجود السهو، وقد ذكره
جماعة من الحفاظ عن أبى هريرة، والأخذ بالزائد أولى إذا كان راويه ثقة.
قَالَ مَالِك: كُلُّ سَهْوٍ كَانَ نُقْصَانًا مِنَ الصَّلاةِ فَإِنَّ سُجُودَهُ قَبْلَ السَّلامِ، وَكُلُّ
سَهْرٍ كَانَ زِيَادَةٌ فِى الصَّلاةِ فَإِنَّ سُجُودَهُ بَعْدَ السَّلامِ.
الشرح: هذا مذهب مالك ومن تبعه رحمهم الله. وقال الشافعى: السجود قبل
السلام. وقال أبو حنيفة: السجود كله بعد السلام. والدليل على أن سجود الزيادة بعد
السلام حديث أبى هريرة المتقدم، وهو نص فيما ذكرناه، فإن قيل يحتمل أن يراد بذلك
السلام الذى فى التشهد. فالجواب أن السلام إذا أطلق فى الشرع، وأضيف إلى الصلاة
اقتضى السلام من الصلاة، لأنه لا خلاف أنه الأظهر فيه، فيجب أن يحمل عليه حتى
يدل الدليل على خلافه.
وجواب ثان، وهو أنه لو تساوى مع الإطلاق، لكان قوله بعد السلام، يقتضى
استغراق جنس السلام، فيجب أن يكون السجود بعد كل ما ينطلق عليه هذا الاسم.
والدليل على ذلك من جهة المعنى أن سهو الزيادة لا يجوز أن يوجب سجود سهو
فيها؛ لأن النقص إنما دخل فى الصلاة بالزيادة فى فعلها، فلا يصح أن يزال ذلك النقص
ويجبر بزيادة أخرى لأنها من جنس ما أدخل النقص فيها.
فرع: إذا ثبت ذلك، فهل يحرم لهما أو لا؟ عن مالك فى ذلك روايتان، إحداهما:

٨٩٠
......
كتاب الصلاة
أنه يحرم لهما. والثانية: نفى ذلك. وفى العتبية من رواية عيسى: لا يحرم لهما، قال: ثم
رجع ابن القاسم، فقال: لا يرجع إليهما إلا بإحرام.
وجه الرواية الأولى أن سجود السهو بعد السلام صلاة فى نفسها لأنها تفتقر إلى
طهارة، وتفعل بعد شهر من السهو، ويسلم منها، فوجب أن يكون التكبير فى أولها
تكبير إحرام، وأن تفتقر إلى النية كسائر الصلوات. ووجه الرواية الثانية أن هذا سجود
يفعل خارج الصلاة مفردًا كسجود التلاوة.
فرع: ومذهب مالك أنه يتشهد لهما ويسلم، وقال الحسن البصرى: لا يتشهد لهما.
والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك، ما روى عن عمران بن حصين ((أن رسول
الله ◌َ﴾، العصر، فسلم من ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له
الخرباق، وكان فى يديه طول، فقال: يا رسول الله، فذكر له صنيعه، فخرج غضبانًا،
يجر رداءه حتى انتهى إلى الناس، فقال: أصدق هذا؟ فقالوا: نعم، فصلى ركعة ثم سلم،
ثم سجد سجدتین، ثم سلم)).
وهذا نص فى السلام بعد سجدتي السهو اللتين بعد السلام.
ومن جهة المعنى أن السجود إذا كان شفعًا لم يكن إلا فى صلاة وكل موضع شرع
فيه السجود فى غير صلاة، فإنما شرع وترا كسجود التلاوة وسجود الشكر عند من
يراه، فإذا ثبت أنه فى صلاة، فإنه لا يتحلل منها إلا بسلام بعده كسجود الصلاة.
فرع: إذا ثبت ذلك، فقد اختلف قول مالك، رحمه الله، فى صفة السلام منها،
فروى عنه ابن القاسم وعلى بن زياد أنها فى السر والإعلان كسائر الصلوات. وروى
عن مالك أنه یسر ولا يجهر بها.
وجه الرواية الأولى أنه سلام عقب سجود سهو، فجاز أن يجهر به كسلام الصلاة
نفسها بعد سجدتي السهو قبل السلام. ووجه الرواية الثانية أنها صلاة يقتصر فيها على
ركن واحد من أفعال الصلاة، فكانت سنة السلام منها الإسرار كصلاة الجنازة،
والخلاف فى الجنازة كالخلاف فى هذا، وسيأتى بعد هذا ذكر السجود السهو النقص،
والدليل على أنه قبل السلام.