Indexed OCR Text

Pages 481-500

١٠
كتاب الصلاة
وقوله: ((ولا شىء)»، يحتمل أن يريد سائر الحيوان لأنه الذى يصح أن يسمع صوته،
ومعنى فائدة المؤذن فى ذلك أن يكون من يشهد له به أعظم أجرًا فى الآخرة ممن أذن،
فلم يسمعه من يشهد له به.
١٤٨ - مَالِك، عَنْ أَبِىِ الرِّنَادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
قَالَ: ((إِذَا نُودِىَ لِلصَّلاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ، لَهُ ضُرَاطٌ (١)، حَتَّى لا يَسْمَعَ النّدَاءَ، فَإِذَا
قُضِىَ الَنِّدَاءُ، أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا تُوَّبَ بِالصَّلاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قُضِىَ التّْوِيبُ، أَقْبَلَ، حَتّى
يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، لِمَا لَمْ يَكِّنْ يَذْكُرُ، حَتِّی
يَظَلَّ الرَّجُلُ لَنْ يَدْرِى كَمْ صَلَّى)).
الشرح: قوله: #: ((إذا نودى بالصلاة أدبر الشيطان له ضراط)) إخبار عن انزعاجه
وفراره حين الأذان عن سماعه يجوز أن يكون البارئ تعالى أجرى العادة بتأذيه بالأذان
حين سماعه، وقد روى أنه يبعد إلى مثل الروحاء عن المدينة.
فصل: وقوله: ﴿1: ((فإذا قضى الأذان أقبل))، يريد أقبل إلى الإنسان ليوسوس له
ويدهيه عن أعمال الطاعة.
فصل: وقوله: ﴿: ((حتى إذا ثوب بالصلاة)). قال عيسى بن دينار: معناه إذا أقيمت
الصلاة، وقال يحيى عن ابن نافع: معناه إذا نودى لها، يريد النداء الثانى.
وقول عيسى أبين، وقد روى مفسرا من حديث الأعمش عن أبى صالح عن أبى
هريرة، قال: ((فإذا سمع الإقامة ذهب حتى لا يسمع صوته، فإذا سكت رجع
فوسوس».
فصل: قوله: ((حتى إذا قضى التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه)) يريد حتى يمر
١٤٨ - أخرجه البخارى كتاب الأذان برقم ٦٠٨. ومسلم كتاب الصلاة برقم ٣٨٩. والترمذى
كتاب الصلاة برقم ٣٦٣. والنسائى كتاب الأذان برقم ٦٧٠، وكتاب السهو برقم ١٢٥٣.
وأبو داود كتاب الصلاة برقم ٥١٦. وابن ماجه كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها برقم
١٢١٧. وأحمد بالمسند برقم ٢٧٣٥٦، ٨٩١٩، ٢٧٤٩٥، ٩٦١٥، ٩٨٩٣، ١٠١٦٥،
١٠٤٩٥. والدارمى كتاب الصلاة برقم ١٢٠٤، ١٤٩٤.
(١) له ضراط: جملة اسمية وقعت حالا بدون واو الحصول الارتباط بالضمير، وفى رواية
للبخارى وله بالواو. وقال القاضى عياض: يمكن حمله على ظاهره لأنه جسم منفذ يصح منه
خروج الريح، ويحتمل أنه عبارة عن شدة خوفه ونفاره. انظر: (تنوير الحوالك صـ ٦٨).

........... ١١
كتاب الصلاة
بين المرء ونفسه، فيحول بينه وبين ما يريده منها، والإقبال على صوته والاهتبال بمعرفة
ما قضى منها وما بقى عليه، فيقول له: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن ذكره فى
صلاته فيشغله بذلك عنها حتى يظل الرجل لن يدرى كم يصلى، معناه يبقى متحيرًا لا
يدرى كم صلى، يقال ظل فلان يفعل كذا إذا أقام يفعله. قال الداودى: ويروى حتى
يضل الرجل، ومعناه يتحير، ومنه قوله تعالى: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما
الأخرى﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولا أعلم أحدًا روى ذلك غير ما قال أبو جعفر، والله أعلم
وأحكم.
١٤٩ - مَالِك، عَنْ أَبِى حَازِمٍ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ؛ أَنَّهُ قَالَ:
سَاعَتَانِ يُفْتَحُ لَهُمَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَقَلَّ دَاعٍ تُرَدُّ عَلَيْهِ دَعْوَتُهُ: حَضْرَةُ النِّدَاءِ لِلصَّلاةِ،
وَالصَّفْتُّ فِى سَبِيلِ اللَّهِ.
الشرح: قوله: ((ساعتان تفتح لهما)) يحتمل أن يريد تفتح فيهما، ويحتمل أن يريد تفتح
أبواب السماء من أجل فضيلتها.
وقوله: ((وقل داع ترد عليه دعوته حضرة النداء للصلاة))، إخبار بأن الإجابة فى
ذینك الوقتین هی الأكثر وان رد الدعاء فيهما یندر ولا یکاد یقع.
وسُئِلَ مَالِك عَنِ الّدَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، هَلْ يَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الْوَقْتُ؟ فَقَالَ: لا يَكُونُ
إِلا بَعْدَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ.
الشرح: وهذا كما قال أن الجمعة لا يؤذن لها قبل وقتها، ووقتها زوال الشمس
كالظهر فى سائر الأيام. قال ابن نافع عن الجمعة: من صلاها قبل الزوال أعاد الخطبة
والصلاة. قال ابن حبيب عن مطرف عن مالك: ولو خطب بهم قبل الزوال وصلى
١٤٩ - قال ابن عبدالبر: هكذا هو موقوف على سهل بن سعد فى الموطأ عند جماعة الرواة، ومثله لا
يقال من جهة الرأى؛ وقد رواه أيوب بن سويد، ومحمد بن مخلد، وإسماعيل بن عمرو، عن
مالك مرفوعًا. وذكره بطرق متعددة عن أبى حازم عن أبى سهل بن سعد. انظر: (التمهيد،
کتاب الصلاة، حدیث تاسع لأبى حازم).
وقال السيوطى: ومن بعض طرقه المرفوعة، أخرجه الحاكم فى المستدرك، ولأبى نعيم فى الحلية
من حديث عائشة مرفوعًا: «ثلاث ساعات للمرء المسلم ما دعا فيهن إلا استجيب له ما لم
يسأل قطيعة رحم أو مأثمًا، حين يؤذن المؤذن بالصلاة حتى يسكت، وحين يلتقى الصفيان
حتى يحكم الله بينهما، وحين ينزل المطر حين يسكن)). انظر: (تنوير الحوالك صـ ٦٩).

كتاب الصلاة
١٢
بعده لم يجزهم ويعيدون الجمعة بخطبة ما لم تغرب الشمس. زاد ابن سحنون: ويعيدون
الظهر أفذاذًا أبدًا، وهو قول جمهور الفقهاء. وقال أحمد بن حنبل: يؤذن لها وتصلى قبل
الزوال.
والدليل لنا على ذلك أن هذه صلاة فرض يجوز الأذان لها بعد الزوال، فلم يجز
الأذان لها قبل الزوال كالظهر فى سائر الأيام. وقال ابن حبيب: كان النبى ﴿3﴾ إذا دخل
المسجد رقى المنبر فجلس، فأذن المؤذن على المنار واحدًا بعد واحد، فخطب، قال: ثم
أمر عثمان لما كثر الناس أن يؤذن عند الزوال بالزوراء، وهو موضع السوق ليرتفع منها
الناس، فإذا خرج وجلس على المنير أذن المؤذنون على المنار، ثم إن هشام بن عبدالملك
فى إقامته نقل الأذان الذى فى الزوراء فجعله مؤذنًا واحدًا يؤذن عند الزوال على المنار،
فإذا خرج هشام وجلس على المنبر، أذن المؤذنون بين يديه، فإذا فرغوا خطب. قال ابن
حبيب: وفعل النبى 18 أحق أن يتبع.
سُئِلَ مَالِك عَنْ تَتْيَةِ الأَذّانِ وَالإِقَامَةِ، وَمَتَّى يَجِبُ الْقِيَامُ عَلَى النّاسِ حِينَ تُقَامُ
الصَّلاةُ؟ فَقَالَ: لَمْ يَبْلُغْنِى فِى النِّدَاءِ وَالإِقَامَةِ إِلا مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ عَلَيْهِ. فَأَمَّ الإِقَامَةُ،
فَإِنْهَا لا تُتَِّى، وَذَلِكَ الَّذِى لَمْ يَزَّلْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا. وَأَمَّا قِيَامُ النّاسِ، حِينَ
تُقَّامُ الصَّلاَةُ، فَإِنِّى لَمْ أَسْمَعْ فِى ذَلِكَ بِحَدِّ يُقَامُ لَهُ، إِلا أَنِّى أَرَى ذَلِكَ عَلَى
قَدْرِ طَاقَةِ الَّاسِ. فَإِنَّ مِنْهُمُ التَّقِيلَ وَالْخَقِيفَ، وَلا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَكُونُوا كَرَجُلٍ
وَاحِدٍ.
الشرح: وهذا كما قال أنه لا يصح فى الأذان والإقامة إلا ما أدرك الناس عليه،
واتصل العمل به فى المدينة وهو أصل يجب أن يرجع إليه وفى الأذان والإقامة، خمس
مسائل.
الأولى: أنه يقال فى أول الأذان: الله أكبر الله أكبر، مرتين، ولا يقال أربعا، وقال
أبو حنيفة والشافعی یربع.
والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك ما أشار إليه فى هذا الكتاب وصرح به فى
غيره أن الأذان بالمدينة أمر متصل يؤتى به فى كل يوم وليلة مرارًا جمة بحضرة الجمهور
العظيم من الصحابة والتابعين الذين أدركهم مالك، رحمهم الله، وعاصرهم، وهم عدد
كثير لا يجوز على مثلهم التواطؤ ولا يصح على جميعهم النسيان والسهو عما ذكر

......... ١٣
كتاب الصلاة
بالأمس من الأذان ولا يجوز عليهم ترك الإنكار على من أراد تبديله أو تغييره كما لا
يجوز ولا يصح علی جمیعهم نسیان یومهم الذی هم فيه ولا شهرهم الذى يؤرخون به،
واهتمامهم بأمر الأذان ومثابرتهم على مراعاته أكثر من اهتمامهم بذكر اليوم والشهر
ومراعتهم.
فإذا رأينا الجماعة الذين شهدوا بالأمس الأذان قد سمعوه اليوم ولم يكن لأحد منهم
إنكار لشىء منه علم أنه هو الأذان الذى كان بالأمس، ولو جاز أن يكون هذا حكمه
من التكرار والانتشار، ويصح مع ذلك عليه التبديل والتغيير، ويذهب ذلك على جميعه
جاز أن يذهب عليهم تبديل مسجد النبى ﴿﴿ وهو ما لا يقوله عاقل فكيف أن يرضى
بالتزامه مسلم، وهذا أمر طريقه القطع والعلم وهو أشهر من أن يحتاج فيه إلى الاستدلال
بأخبار الآحاد التى مقتضاها غلبة الظن وقد استدل أصحابنا فى ذلك بما أخرجه مسلم
من حديث أبى محذورة ((أن نبى الله ﴿﴿ علمه هذا الأذان: الله أكبر الله أكبر أشهد أن
لا إله إلا الله، إلى آخره.
أما المسألة الثانية: فإن الترجيع مسنون، وبه قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: ليس
مسنون.
والدليل على ما نقوله النقل المستفيض بالمدينة والخبر المتواتر بها على حسب ما
قدمناه وبيناه. ودليل آخر، وهو حديث أبى محذورة فى الأذان وفيه: ثم يعود فيقول:
أشهد أن لا إله إلا الله.
وأما المسألة الثالثة: فهى أن قوله: الصلاة خير من النوم، مسنون فى الأذان الصلاة
الصبح، وبه قال الشافعى فى أحد قوليه، وقال أبو حنيفة: ليس ذلك مسنون.
والدليل على ما نقوله النقل المستفيض بالمدينة والعمل المتصل على ما قدمناه
و بیناه.
فرع: إذا ثبت ذلك، فهل يقال الصلاة: خير من النوم مرة أو مرتين؟ قال مالك:
يقال مرتين، وقال ابن وهب: يقال مرة واحدة.
فوجه قول مالك، رحمه الله، العمل المستفيض بالمدينة، وما روى ((أنس أمر بلال أن
يشفع الأذان ويوتر الإقامة)). ومن جهة المعنى أن هذا أحد النداءين فوجب أن يكون
اللفظ المختص به من جنسه فى شفع أو وتر. أصله قوله: قد قامت الصلاة، فى الإقامة.

١٤
كتاب الصلاة
ووجه قول ابن وهب أنه لفظ يختص بأحد النداءين فوجب أن تكون سنته الإفراد،
أصل ذلك كله قد قامت الصلاة، فى الإقامة.
وأما المسألة الرابعة: فهى أن الإقامة لا تثنى فى قول مالك، وبه قال الشافعى. وقال
أبو حنيفة: تٹنی کالأذان.
والدليل على ما نقوله نقل أهل المدينة المتواتر وعلمهم المستفيض على ما تقدم،
والدليل على ذلك ما أخرجه البخارى من حديث أنس ((أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر
الإقامة))، وهذا نص فى موضع الخلاف.
وأما المسألة الخامسة: فإن المشهور من المذهب أن المقيم يقول: قد قامت الصلاة مرة
واحدة، وروى عنه المصريون فى مختصر ابن شعبان، يقول: ذلك مرتين، وبه قال
الشافعى. وجه القول الأول عموم قول أنس: أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر
الإقامة.
فصل: وقوله: وأما قيام الناس حين تقام الصلاة، فلم أسمع فى ذلك بحد يقام له،
يعنى أنه لم يرد فيه حد، لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه، وإنما ذلك على قدر أحوال
الناس، فمنهم الخفيف فلا حرج عليه فى التقديم، ومنهم الثقيل فلا حرج عليه فى
التأخير، وإنما يراد أن يتكامل الناس قيامًا فى صفوفهم فى آخر الإقامة. وقال الشافعى:
إن القيام يكون إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، وما احتج به مالك، رحمه الله، بين
لأن من الناس من يخف عليه القيام فيدرك الإمام قبل التكبير ومنهم من يثقل عليه ويحتاج
فيه إلى التأنى والتكليف فلا حرج عليه فى أن يشرع فى القيام قبل ذلك ليدرك التكبير
مع الإمام.
وسُئِلَ مَالِك عَنْ قَوْمٍ حُضُورٍ أَرَادُوا أَنْ يَجْمَعُوا الْمَكْتُوبَةَ، فَأَرَادُوا أَنْ يُقِيمُوا وَلا
يُؤَذّنُوا؟.
قَالَ مَالِك: ذَلِكَ مُجْزِئٌّ عَنْهُمْ، وَإِنْمَا يَحِبُ النّدَاءُ فِى مَسَاجِدِ الْحَمَاعَاتِ الَّتِى
تُحْمَعُ فِيهَا الصَّلاةُ.
الشرح: وهذا كما قال وهو أن الأذان ليسٍ بشرط فى صحة الصلاة، وبه قال
جمهور الفقهاء. وقال عطاء: من صلى دون أذان ولا إقامة أعاد. وقال داود: الأذان
والإقامة فرض فى الجماعة وليس على الفذ ولا على المرأة أذان ولا إقامة.

١٥
كتاب الصلاة
ودليلنا من جهة القياس أن كل ذكر لا يكون شرطًا فى صحة صلاة الفذ، فإنه لا
يكون شرطًا فى صحة صلاة الجماعة كسائر الأذكار.
مسألة: إذا ثبت أن الأذان ليس بشرط فى صحة الصلاة، فقد قال الشيخ أبو محمد:
إنه واجب فى المساجد والجماعات الراتبة. وقال القاضى أبو محمد: معنى ذلك أنه من
مؤكد السنن.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: وحمل لفظ مالك على ظاهره عندى أولى
وأن الأذان واجب وليس بشرط فى صحة الصلاة ووجوبه على الكفاية، ولو أن
أهل مصر اتفقوا على ترك الأذان لأثموا بذلك ولوجب جبرهم عليه وأخذهم
به ووجوبه لمعنيين، أحدهما: أنه شعار الإسلام؛ ولذلك روى أنس فى هذا
الحديث المتقدم ((أن النبى ﴿4 كان إذا أراد أن يغير اسمتع، فإن سمع أذانًا أمسك، وإلا
أغار».
والوجه الثانى: أنه دعا إلى الصلاة فى المساجد التى لا يجوز الاتفاق على ترك الصلاة
فيها والإعلام بأوقات الصلوات التى لا يجوز الاتفاق على ترك مراعاتها إلا أن بعض
الناس يحمل مراعاتها عن بعض، فإذا علم بأوقات الصلوات أعلم بها بالأذان، فعلى هذا
تحمل الإخبار بالأمر بالأذان على ظاهرها، ومالك على قول من قال من أصحابنا: أنه
ليس بواجب، أراد به إلا أنه ليس بشرط فى صحة الصلاة، والله أعلم.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن الأذان مأمور به فى أوقات الصلوات خاصة فى المواضع
التى يلزم الدعاء فيها إليها، وهى المساجد ومواضع الأئمة، وهذه المواضع التى نصبت
الإقامة الصلوات وأمر الناس بإتيانها لذلك، وأما الفذ والجماعة فى غير مسجد ودون
ائتمام، فإن كان ذلك فى الحواضر لم يجب عليهم أذان لأن معنى شعار الإسلام قد
سقط عنهم بقيام أهل المصر به، ولا يجب ذلك عليهم للدعاء إلى الصلاة لأن موضعهم
ليس بموضع منصوب لإقامة الصلاة فيدعى الناس إليه، فإن أذنوا فحسن لأنه ذكر الله
تعالى وإعلام بوقت الصلاة وأخذ بحظ من إظهار شعار الإسلام.
وأما إن كان ذلك فى أرض قفر أو سفر، فقد قال الشيخ أبو محمد: لا أذان عليه لأنه
ليس من أهل الجماعة، وهذا يحتاج إلى تفصيل، فإن كان الأمير مع جماعة فى سفر أو
وحده، فإن من سنته الأذان لأنه جماعة، وقد نصب موضعه لإقامة الصلاة فلزم أن يدعو
إلى الصلاة.

١٦
كتاب الصلاة
قال القاضى أبو الوليد: وإن كان غير إمام، فالظاهر عندى أن الأذان مشروع لأنه
شعار الإسلام على ما تقدم فی حدیث أبى سعيد الخدرى، وقد قاله ابن حبيب، وسيأتى
بعد هذا إن شاء الله.
فرع: وأما الإقامة، فقد قال أصحابنا: هى غير واجبة. وقد قال ابن سحنون عن ابن
كنانة: إن من تركها عامدًا أعاد الصلاة. وقال ابن القاسم فى العتبية: لا يعيد.
قال القاضى: وإن ابن كنانة قصد بذلك التغليط على المتعمد.
وسُئِلَ مَالِك عَنْ تَسْلِيمِ الْمُؤَذِّنِ عَلَى الإِمَامِ وَدُعَائِهِ إِّاهُ لِلصَّلاةِ، وَمَنْ أَوَّلُ مَنْ
سُلَّمَ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: لَمْ يَبْلُغْنِى أَنَّ الْتّسْلِيمَ كَانَ فِى الزَّمَانِ الأَوَّلِ.
الشرح: وهذا كما قال مالك لأن هذا أمر لم يكن فى الزمان الأول من رسول الله
﴿﴿ وأبى بكر وعمر وعثمان رضى الله عنهم أجمعين وإنما كان المؤذنون يؤذنون، فإن
كان الإمام فى شغل جاء المؤذن فأعلمه باجتماع الناس للصلاة دون تكلف ولا
استعمال، فأما ما كان يتكلف اليوم للأمير من وقوف المؤذن ببابه والسلام عليه والدعاء
للصلاة بعد ذلك، فإنه المباهاة والتكبر، والصلاة يجب أن تنزه عن جميع ذلك، وقد قال
القاضى أبو إسحاق فى مبسوطه، عن عبدالملك بن الماجشون: إن كيفية السلام: السلام
عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته، حى على الصلاة، حى على الصلاة، حى على
الفلاح، حى على الفلاح، يرحمك الله. قال: وأما فى الجمعة، فيقول: السلام عليك أيها
الأمير ورحمة الله وبركاته، قد حانت الصلاة، قد حانت الصلاة. قال الشيخ أبو
إسحاق: وروى أن عمر أنكر ذلك على أبى محذورة دعاه إياه للصلاة وأول من فعله
معاوية بن أبى سفيان رضی الله عنه.
وسُئِلَ مَالِك عَنْ مُؤَذِّنٍ أَذْنَ لِقَوْمٍ، ثُمَّ انْتَظَرَ هَلْ يَأْتِيهِ أَحَدٌ، فَلَمْ يَأْتِهِ أَحَدٌ؛ فَأَقَامَ
الصَّلاةَ، وَصَلَّى وَحْدَهُ، ثُمَّ جَاءَ النَّاسُ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ، أَيْعِيدُ الصَّلاةَ مَعَهُمْ؟ قَالَ: لا
يُعِيدُ الصَّلاةَ، وَمَنْ جَاءَ بَعْدَ انْصِرَافِهِ، فَلْيُصَلٌّ لِنَفْسِهِ وَحْدَهُ.
الشرح: وهذا كما قال، وأصل هذا أن الإمام الراتب للمسجد له إقامة الصلاة فيه
دون غيره، فإذا جمع فيه الصلاة ثم أتت طائفة أخرى لم يكن لها أن تجمع فيه لأن
الأئمة يجب الاجتماع إليهم والاتفاق على تقديمهم، فإذا ثبت ذلك لم يجز الاختلاف
عليهم، ولو جاز الجمع فى مسجد مرتين لكان ذلك داعية إلى الافتراق والاختلاف

١٧٠
....
...
كتاب الصلاة
ولكان أهل البدع يفارقون الجماعة بإمامهم ويتأخرون من جماعتهم ثم يقدمون منهم،
ولو جاز مثل هذا لفعلوا مثل ذلك بالإمام الذى تؤدى إليه الطاعة، فيؤدى ذلك إلى
إظهار منابذة الأئمة ومخالفتهم ومفارقة الجماعة، فوجب عليهم سد هذا الباب.
ووجه آخر، أنه لو وسع فى مثل هذا الأمر لأدى إلى أن لا تراعى أوقات الصلوات
ولأخر من شاء وصلى بعد ذلك فى جماعة وقصر الناس على إمام واحد داع إلى مراعاة
صلاته والمبادرة إلى إدراك الصلاة معه.
مسألة: فإن كان فى مسجد إمام راتب يجمع فيه بعض الصلوات ولا يجمع سائرها،
فهل يجمع فيه غير الإمام الراتب فى تلك الصلوات وغيرها أم لا؟ وروى أشهب عن
مالك: يجمع فيها غير صلوات الإمام الراتب مرة بعد مرة.
وجه رواية أشهب أن الإمام الراتب إنما يراعى الخلاف عليه فى الصلوات التى
يجمعها، وأما غير ذلك من الصلوات فلا خلاف عليه فيها لأنه ليس بإمام فيها.
ووجه رواية ابن القاسم(١) أن الإمام إذا رتب لبعض الصلوات فى المسجد كان إمامه
فى جميعها، فلا يجوز أن يفتات عليه فى الجمع فى ذلك المسجد.
فصل: وقوله: ((فى مؤذن أذن لقوم ثم انتظر أن يأتيه أحد)) إلى آخر المسألة، لم يسأل
مالك، رحمه الله، إن كان المؤذن إمام المسجد أو غير إمامه، ولا يخلو من أحد الأمرين،
فإن كان إمام المسجد فأذن وانتظر الجماعة، فلم يأته أحد فصلى وحده، ثم أتت
الجماعة بعده، فإنها لا تجمع فيه، لأن الاعتبار فى الجماعة بالإمام لا بالمأمومين بدليل أن
أمرها مصروف إليه واتباعه واجب عليهم، ولو تعمد إفساد صلاتهم فسدت صلاتهم
ولو تعمدوا إفساد صلاتهم لم تفسد صلاته، فثبت أنهم تبع له، فإن صلی وحده، فقد
قضيت الجماعة فى ذلك المسجد فلا يصليها فيه غيره.
مسألة: وإن كان المؤذن لا يؤمهم، فهل تقوم صلاته مقام صلاة الجماعة؟ قال
عيسى ابن دينار، فى ذلك: حكم الجماعة. وقال يحيى عن ابن نافع: حكمه حكم الفذ.
وجه ما قاله عيسى بن دينار أن المؤذن إمام وإليه يرجع فى أوقات الصلاة، فإذا جمع
فى موضعه، فقد أقام الجماهة فى ذلك المسجد من يؤم فيه فلا يجمع فيه ثانية.
ووجه قول ابن نافع أن المؤذن ليس بإمام فى الصلاة وإنما يؤتم به فى مراعاة الأوقات
والدعاء إلى الصلوات.
(١) لم يذكر القاضى أبو الوليد الباجى ما قاله ابن القاسم فى شرحه واكتفى هنا بذكر ما
بنی عليه قوله. المحقق.

١٨
كتاب الصلاة
..
قال القاضى أبو الوليد: والذى يظهر لى أن قول عيسى إنما هو فى مسجد له مؤذن
راتب وليس له وإمام راتب ولو كان له إمام راتب لكان حكم الجماعة يتعلق به دون
المؤذن.
وسُئِلَ مَالِك عَنْ مُؤَذِّن أَذْنَ لِقَوْمِ، ثُمَّ تَنَقْلَ. فَأَرَادُوا أَنْ يُصِلُّوا بِقَامَةٍ غَيْرِهِ؟ فَقَالَ:
لا بَأْسَ بِذَلِكَ، إِقَامَتُهُ، وَإِقَّامَةٌ غَيْرِهِ سَوَاءٌ.
الشرح: سؤاله عن مؤذن أذن لقوم ثم تنفل هكذا رواه يحيى بن يحيى وابن القاسم
والقعنبى ورواه ابن بكير، ثم تنفل، فأما تنفله بعد الأذان، فإن تنفله وتنفل غيره بعد
الأذان جائز. وقال ابن حبيب: يستحب التنفل بعد الأذان إلا فى المغرب.
قال القاضى: وعندى أنه يجب أن يزاد وبإثر الأذان للجمعة، والأصل فى ذلك أن
صلاة المغرب مأمور بتقديمها بإثر الأذان للاختلاف باختصاصها بذلك الوقت ولما فى
تعجيلها من الرفق بالناس لفطر الصائم وانصراف المتصرف جميع نهاره إلى بيته فكان
تعجيلها أولى من التنفل قبلها، فمن آثر التنفل تنفل بعدها وأما الجمعة فإن الأذان تتعقبه
الخطبة وهى تمنع التنفل، والله أعلم.
فصل: وأما قوله: ((إقامته وإقامة غيره سواء»، فهذا مذهب مالك، وكرهه الشافعى،
ودليلنا على جواز ذلك أن هذا مؤذن، فجاز أن يقيم غيره كالمؤذن الثانى والثالث.
قَالَ مَالِك: لَمْ تَزَلِ الصُّحُ يُنَادَى لَهَا قَبْلَ الْفَحْرِ. فَأَمَّا غَيْرُهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ، فَإِنّا
لَمْ ذَرَهَا يُنَادَى لَهَا، إِلا بَعْدَ أَنْ يَجِلَّ وَقْتُهَا.
الشرح: وهذا كما قال أنه لا ينادى لشىء من الصلوات قبل وقتها لأن الأذان دعاء
إلى الصلوات، وقد تقدم الكلام فيه، وأما صلاة الصبح فإنه ينادى لها قبل وقتها، وبهذا
قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: لا ينادى لها قبل الفجر. وقال أبو الحسن الكرخى، من
أصحاب أبى حنيفة: كان أبو يوسف يقول فى هذه المسألة بقول أبى حنيفة حتى أتى
المدينة فسمع الأذان، فعلم أنه علمهم المتصل، فرجع فى ذلك إلى قول مالك كما رجع
فى مسألة الصاع بما شهد من النقل المتواتر، ما وقع له به العلم.
والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك قوله 48: ((إن بلالا ينادى بليل فكلوا
واشربوا حتى ينادى ابن أم مكتوم)» وهذا الذى ذكره أصحابنا فى هذه المسألة.
قال القاضى أبو الوليد: والذى يظهر لى أنه ليس فى الآثار ما يقتضى أن الأذان قبل

١٩
كتاب الصلاة
الفجر هو لصلاة الفجر، إن كان الخلاف فى الأذان ذلك الوقت، فالآثار حجة لمن أثبته،
وإن كان الخلاف فى المقصود به، فيحتاج إلى ما بين ذلك من اتصال الأذان إلى الفجر
أو غير ذلك مما يدل عليه، والله أعلم.
فصل: واختلف أصحابنا فى وقت الأذان لها، فقال ابن وهب وسحنون: لا يؤذن
لها حتى يبقى السدس الآخر من الليل. وقال ابن حبيب: يؤذن لها بعد آخر أوقات
العشاء، وذلك نصف الليل. وقال الوقار: يؤذن لها بعد العشاء وإن كان من أول الليل،
وهذا قول فيه بعد، والأظهر قول ابن وهب، والله أعلم.
١٥٠ - مَالِكِ أَنّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ جَاءَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يُؤْذِنُهُ لِصَلاةِ
الصُّبْحِ، فَوَحَدَهُ نَائِمًا، فَقَالَ: الصَّلاةُ خَيْرٌ مِنَ الْنّوْمِ، فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَجْعَلَهَا فِى نِدَاءِ
الصُّبْحِ(١).
الشرح: قوله: ((فأمره عمر أن يجعلها فى نداء الصبح))، يحتمل أن يكون عمر قال
ذلك إنكارًا لاستعماله لفظة من ألفاظ الأذان فى غير الأذان، فأنكر ذلك عليه، وقال له:
اجعل هذه اللفظة فى الأذان، يعنى لا تستعملها فى غيره، وقد أنكر جماعة من أهل العلم
هذا التثويب الذى يكون بين الأذان والإقامة وهو أن يقول المؤذن إذا استبطأ الناس: حى
على الفلاح؛ لإفراد بعض ألفاظ الأذان والنداء به فى غير الأذان الذى يختص به.
وقد روى ابن وهب وابن حبيب عن مالك: التنويب بعد الأذان والفجر فى رمضان
وغيره مكروه، فعلى هذا الوجه أنكر عمر قول المؤذن: الصلاة خير من النوم، فقال:
اجعلها فى نداء الصبح، يعنى لا تستعملها فى غيره.
مسألة: ولا يترك المؤذن قوله: الصلاة خير من النوم، فى نداء الصبح فى سفر ولا
حضر ومن أذن فى ضيعته متنحيًا عن الناس، فتركه فلا بأس به، وأحب إلينا أن لا يأتى
به، قاله مالك فى مختصر ابن شعبان.
١٥٠ - انفرد به مالك.
(١) قال ابن عبدالبر: لا أعلم أحداً روى هذا عن عمر من وجه يحتج به وتعلم صحته وإنما
جاء من حديث هشام بن عروة عن رجل يقال له إسماعيل لا أعرفه. وقال السيوطى: روى
ابن ماجه من حديث ابن المسيب عن بلال أنه أتى النبى 8 # يؤذنه لصلاة الفجر فقيل هو نائم
فقال: الصلاة خير من النوم مرتين، فأقرت فى تأذين الفجر فثبت الأمر على ذلك. انظر:
(تنوير الحوالك صـ ٧١).

٢٠
...
كتاب الصلاة
١٥١ - مَالِك، عَنْ عَمِّهِ أَبِى سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنْهُ قَالَ: مَا أَعْرِفُ
شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ النَّاسَ، إِلا النّدَاءَ بِالصَّلاةِ(١).
الشرح: قوله: ((ما أعرف شيئًا مما أدركت عليه الناس))، يريد الصحابة لإِنه قد أنكر
أكثر أفعال أهل عصره، ورأى أنها مخالفة لما أدرك من أفعال الصحابة، وذلك أن التغيير
يمكن أن يلحق صفة الفعل، كتأخير الصلاة عن أوقاتها، ويمكن أن يلحق الفعل جملة،
كترك الأمر بكثير من المعروف والنهى عن كثير من المنكر مع علم الناس بذلك كله.
فصل: وقوله: ((إلا النداء))، يريد أنه باق على ما كان عليه ولو دخله تغيير لعرف
الناس ذلك ولعرفوا أول من غَيَّره، فاتصل الخبر بالمدينة على ما كان عليه لم يدخله تغيير
ولا تبدیل.
١٥٢ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ سَمِعَ الإِقَامَةَ وَهُوَ بِالْبَقِيعِ فَأَسْرَعَ
الْمَشْىَ إِلَى الْمَسْجِدِ.
الشرح: إسراع عبدالله بن عمر كان من غير جرى ولا خروج عن حد الوقار
والسكينة المأمور بهما فى إتيان الصلاة، وهذا جائز فعله ومندوب إليه، وقد تقدم ذكره.
وقال مالك فيمن سمع مؤذن الحرس فحرك فرسه ليدرك الصلاة: لا بأس به.
قال القاضى أبو الوليد: ومعنى ذلك عندى أن يحركه للإسراع فى المشى دون جرى
ولا خروج عن حد الوقار، والله أعلم.
*
*
*
النداء فى السفر وعلى غير وضوء
١٥٣ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عُمَرَ أَذْنَ بِالصَّلاةِ فِى لَيْلَةٍ ذَاتٍ بَرْدٍ
١٥١ - انفرد به مالك.
(١) ((أدركت الناس عليه)): يريد الصحابة. (إلا النداء بالصلاة)) يريد أنه باق على ما كان عليه
لم يدخله تغيير ولا تبديل بخلاف الصلاة فقد أخرت عن أوقاتها وسائر الأفعال دخلها التغيير.
والكلام للباجى. انظر: (تنوير الحوالك صـ٧١).
١٥٢ - انفرد به مالك.
١٥٣ - أخرجه البخارى كتاب الأذان ٦٣٢، ٦٦٦. ومسلم كتاب صلاة المسافرين وقصرها برقم
٦٩٧، ٦٩٧. والنسائى برقم ٦٥٤. وأبو داود كتاب الصلاة ١٠٦٠، ١٠٦١، ١٠٦٢،=

٢١٠
كتاب الصلاة
وَرِيحٍ، فَقَالَ: أَلا صِّلُوا فِى الرِّحَالِ(١). ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَّ كَانَ يَأْمُرُّ
الْمُؤَذِّنَ؛ إِذَا كَانَتْ لَّيْلَةٌ بَارِدَةٌ، ذَاتُ مَطَرٍ، يَقُولُ: (أَلَا صَلُوا فِى الرِّحَالِ)(٢).
الشرح: قوله: ((ألا صلوا فى الرجال)) دليل على السفر، فأذن لهم أن يصلوا فى
رحالهم بصلاته إذا كان إمامًا لذلك احتاج أن يبيح لهم الصلاة فى الرحال لشدة البرد
والريح، ويحتمل أن يكون أذن لهم أن يصلوا فى رحالهم أفذاذًا أو يؤم كل طائفة منهم
رجل منهم، فأراد التخفيف عنهم بالأذان بالصلاة فى الرحال.
واستدل ابن عمر على ذلك بما كان النبى 8 يأمر مؤذنه فى الليلة الباردة ذات
المطر، والنبى ◌َ﴾ إمامًا لهم، فقاس ابن عمر حال الريح بحال المطر، والعلة الجامعة بينهما
المشقة اللاحقة، ويحتمل أن يكون قال المؤذن: ألا صلوا فى الرحال، بعد حال الأذان،
وهو الأول لأن الأذان متصل لا يجوز أن يتخلله ما ليس منه؛ لأنه علم على الوقت،
ودعاء إلى الصلاة، وإنما يكون ذلك باتصاله، ولو تفرق وتخلله كلام آخر لما وقع به
الإعلام لأن مثل ألفاظه تتكرر فى كلام الناس فى جميع الأوقات، وقد ورد ذلك مفسرًا
فى هذا الحديث.
١٥٤ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لا يَزِيدُ عَلَى الإِقَامَةِ فِى
=١٠٦٣. وابن ماجه كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها برقم ٩٣٧. وأحمد بالمسند برقم
٤٤٦٤، ٤٥٦٦، ٥١٢٩، ٥٢٨٠، ٥٧٦٦. والدارمى كتاب الصلاة برقم ١٢٧٥.
(١) الرحال: جمع رحل وهو المنزل والمسكن. وقال الرافعى: وقد يسمى ما يستصحبه الإنسان
فى سفره من الأثاث رحلا. انظر: (تنوير الحوالك صـ٧١).
(٢) قال ابن عبدالبر: وفى هذا الحديث من الفقه الرخصة فى التخلف عن الجماعة، فى ليلة
المطر والريح الشديدة، وقيل: إن هذا إنما كان فى السفر. وعلى ذلك تدل ترجمة مالك للباب
الذى ذكر فيه هذا الحديث، وقيل: إن ذلك كان يوم جمعة، وإذا كان فى السفر فلا معنى
لذكر يوم الجمعة، وجائز أن يكونوا ذلك الوقت كانوا يصلون بصلاة الإمام فى رحال لهم،
وجائز أن تكون لهم رخصة فى سفرهم يتخلفون عن الجماعة لشدة المضرة فى السفر، وفى
ذكر الرحال دليل على أنه كان فى سفره - والله أعلم - وقيل إن ذلك جائز فى الحضر
والسفر، ولا فرق بين الحضر والسفر، لأن العلة المطر والأذى، والحضر والسفر فى ذلك سواء،
فيدخل السفر بالنص، والحضر بالمعنى، لأن العلة فيه المطر. انظر: (التمهيد، باب النداء فى
السفر وعلى غير وضوء).
١٥٤ - انفرد به مالك.

كتاب الصلاة
٢٢
السَّفَرِ إِلا فِى الصُّبْحِ، فَإِنَّهُ كَانَ يُنَادِى فِيهَا، وَيُقِيمُ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّمَا الأَذَانُ لِلإِمَامِ
الَّذِى يَحْتَمِعُ النَّاسُ إِلَيْهِ(١).
الشرح: قوله: ((إن عبدالله بن عمر كان لا يزيد على الإقامة فى السفر))، يحتمل أن
يكون غير أمير فى هذا السفر، وإنما كان أميرًا فى الرفقة إذا أذن فيها فى الليلة الباردة،
وقال بعد أذانه: ألا صلوا فى الرحال، ولذلك أباح للناس فى تلك الليلة أن يصلى كل
واحد منهم فی رحله لما كان يلزمهم من الاجتماع إلیه.
وقال فى هذا الحديث: إنما الأذان للإمام الذی يجتمع إليه الناس، فكان هو لا يزيد
على الإقامة التى تختص بصلاة الفرض على كل حال لا يلزم الناس من الاجتماع إليه،
وكان يؤذن فى صلاة الصبح على معنى إظهار شعار الإسلام لما كان فى وقت الإغارة،
وهو الوقت الذى كان رسول الله ﴿﴿ يغير إذا لم يسمع الأذان ويمسك إذا سمعه،
فکان ابن عمر يؤذن لذلك.
وقال ابن حبيب: ومن أمَّ جماعة فى غير مسجد ولا مع الإمام الذى تؤدى إليه
الطاعة، فلا يستحب له الأذان إلا لمسافر أو وحيد فى فلاة، فيرغب أذانه، وهو لما
ذكرناه شعار الإسلام، وقد تقدم ذكره.
١٥٥ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ؛ أَنَّ أَبَاهُ قَالَ لَهُ: إِذَا كُنْتَ فِى سَفَرٍ، فَإِنْ
شِْتَ أَنْ تُؤَذِّنَ وَتُقِيمَ فَعَلْتَ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَقِمْ وَلا تُؤَذِّن.
الشرح: وهذا يدل على نحو ما ذكرناه عن أصحابنا أن الأذان لا يلزم المسافر لأن
السفر موضع تخفيف ولعدم المسجد والإمام، وأما ما شرع من أذان المسافر فى الصبح
(١) قال ابن عبدالبر: اختلف العلماء فى وجوب الأذان، فالمشهور من مذهب مالك عنه وعن
أصحابه أن الأذان إنما هو للجماعات حيث يجتمع الناس للأئمة، فأما سوى ذلك من أهل
الحضر والسفر فإن الإقامة تجزيهم، واختلف المتأخرون من أصحاب مالك على قولين فى
وجوب الأذان، فقال بعضهم: الأذان سنة مؤكدة واجبة على الكفاية، وليس بفرض، وقال
بعضهم: هو فرض على الكفاية فى المصر خاصة، وقول أبى حنيفة، وأصحابه: أنه سنة مؤكدة
على الكفاية، وقال الشافعى: لا أحب لأحد أن يصلى إلا بأذان وإقامة والإقامة عنده مؤكدة،
وهو قول الثورى، واختلف أصحاب الشافعى، فمنهم من قال: هو سنة على الكفاية، ومنهم
من قال: هو فرض على الكفاية. انظر: (التمهيد، باب النداء فى السفر وعلى غير وضوء).
١٥٥ - انفرد به مالك.

............. ٢٣
كتاب الصلاة
أو غيرها لإظهار شعار الإسلام، فلا يلزم لزومه فى مساجد الجماعات وموضع الإمام.
قَالَ يَحْتَى: سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ: لا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ الرَّجُلُ وَهُوَ رَاكِبٌ.
الشرح: وهذا كما قال: إن الراكب يؤذن، وذلك أنها حالة لا تمنع الإبلاغ وليس
من سنة الأذان الاتصال بالصلاة، فيفصل بينهما بالنزول والمشى إلى موضع الصلاة.
مسألة: وهل يؤذن القاعد أم لا؟ قال فى المدونة: لا يؤذن القاعد. وفى كتاب
القاضى أبى الفرج: لا بأس أن يؤذن القاعد.
وجه ما فى المدونة أن الإبلاغ والاستعلاء فى الأذان مشروع، ولذلك شرع الأذان
فى المنار، والقعود ضد الاستعلاء.
ووجه رواية أبى الفرج أن الاستعلاء مشروع فى المكان دون حال المؤذن، بدليل أنه
يؤذن الراكب.
فرع: وهل يقيم الراكب أم لا؟ فى ذلك روايتان، إحداهما: لا يقيم؛ لأن من شروة
الإقامة الاتصال بالصلاة، ونزوله من دابته، ومشيه إلى موضع صلاته عمل يفصل بين
الإقامة والصلاة، قاله الشيخ أبو بكر.
والرواية الثانية: يقيم الراكب لأن نزوله إلى الصلاة عمل يسير، فلم يعد فاصلاً
كأخذ الثوب وبسط ما يصلى عليه، رواه ابن وهب عن مالك.
١٥٦ - مَالِكِ، عَنْ يَحْبِى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:
مَنْ صَلَّى بِأَرْضٍ فَلَاةٍ صَلَّى عَنْ يَمِينِهِ مَلَكْ وَعَنْ شِمَالِهِ مَلَّكْ، فَإِذَا أَذْنَ وَأَقَامَ الصَّلاةَ
أَوْ أَقَامَ صَّلَّى وَرَاءَهُ مِنَ الْمَلائِكَةِ أَمْثَالُ الْجِبَالِ.
الشرح: قوله: ((صلى عن يمينه ملك وعن شماله ملك))، يحتمل أنت يبلغ بالملكين
درجة الجماعة إذا كان بموضع لا يقدر عليها، وهو راغب فيها، وأن هذا المصلى إن أذن
وأقام، صلى وراءه من الملائكة عدد عظيم، فيكون فضل صلاته أكثر لكثرة عدد من
يصلى وراءه، ويقتضى هذا أن للجماعة الكبيرة من الفضيلة ما ليس للجماعة اليسيرة،
وإلا فلا فائدة لهذا المصلى فى ذلك، وهذا يقتضى أن تكون هذه الصلاة صلاة فرض،
ولذلك يتم فضيلتها بالأذان والإقامة.
١٥٦ - قال السيوطى: هذا مرسل له حكم الرفع فإن مثله لا يقال من جهة الرأى، وقد روى
موصولاً ومرفوعًا. انظر: (تنوير الحوالك صـ ٧٢).

٢٤
كتاب الصلاة
فصل: وقوله: ((صلى عن يمينه ملك وعن يساره ملك))، وليس هذا مقام الآدميين مع
الإمام عند مالك وإنما يقفان وراءه، وسنبين، حكمه بعد هذا إن شاء الله، وهذا الحديث
ليس مسندًا فيحتج به فى موضع الخلاف، ولا طريق لسعيد بن المسيب إلى أن يعرف
هذا بنظر فيقلده فيه من فرضه التقليد، ويحتمل أن يكون هذا فرضًا يختص بالملائكة،
وحكم الآدميين مخالف لذلك لأن أنسًا صلى مع النبى ، فقال: قمت أنا واليتيم وراءه
والعجوز من ورائنا، ويحتمل أن يكون الملكان هما الحافظان وأن ذلك مكانهما من
المكلف فى الصلاة وغيرها وإذا أذن وأقام، فإنما يصلى وراءه غيرهما من الملائكة، والله
أعلم وأحكم.
فصل: وقوله: ((فأذن وأقام الصلاة أو أقام، صلى وراءه من الملائكة أمثال الجبال))،
هذه رواية يحيى وأبى مصعب وغيره، يقول: فإن أذن وأقام صلى وراءه أمثال الجبال من
الملائكة.
قال القاضى أبو الوليد رضى الله عنه: وهذه الرواية عندى هى الأصل، ورواية يحيى
تحتمل الشك، ولو كانت للتقسيم وقلنا: إن ذلك فى صلاة فرض اقتضتها أن صلى
بأذان وإقامة أو بإقامة فقط، صلى وراءه أمثال الجبال من الملائكة، ومن صلى الفرض
دون أذان ولا إقامة صلى عن يمينه ملك وعن يساره ملك، وترك الإقامة منهى عنه
وذلك ينافى الفضيلة.
قال: صلى عن يمينه ملك وعن يساره ملك، إلا أن يريد به أنه إن صلى نافلة فلم
يؤذن ولم يقم، صلى عن يمينه ملك وعن يساره ملك، وإن صلى فريضة فاقتصر على
الإقامة صلى وراءه أمثال الجبال من الملائكة.
وقول أبى مصعب يحتمل أن تكون الصلاتان صلاتى فرض، فيكون معناه إن اقتصر
على الإقامة صلى عن يمينه ملك وعن يساره ملك، تتم بهما فضيلة الجماعة وإن أضاف
إلى الإقامة الأذان، صلى وراءه من الملائكة أمثال الجبال.
قدر السحور من النداء
١٥٧ - مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ
١٥٧ - أخرجه البخارى كتاب الأذان برقم ٦١٧. ومسلم كتاب الصيام برقم ١٠٩٢. والترمذى
كتاب الصلاة برقم ١٨٧. والنسائى كتاب الأذان برقم ٦٣٧، ٦٣٨. وأحمد بالمسند برقم=

٢٥
كتاب الصلاة
قَالَ: ((إِنَّ بِلالا يُنَادِى بِلَيْلِ(١)، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِىَ ابْنُ أُمِّ مَكْثُومٍ).
الشرح: قوله: ((إن بلالا ينادى بليل)) دليل على ما ذكرناه، وجواز الأذان الصلاة
الصبح قبل الفجر، ولذلك قال ﴿1: ((فكلوا واشربوا حتى ينادى ابن أم مكتوم)) فأباح
الأكل والشرب فى وقت يؤذن فيه بلال، ولا خلاف أنه لا يجوز الأكل بعد طلوع
الفجر.
١٥٨ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ
قَالَ: ((إِنَّ بِلالا يُنَادِى بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِىَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) قَالَ: وَكَانَ
ابْنُ أُمّ مَكْتُومٍ رَجُلا أَعْمَى لا يُنَادِى حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ. أَصْبَحْتَ.
=٤٥٣٧، ٥١٧٣، ٥٢٩٤، ٥٤٠١، ٥٤٧٤، ٥٨١٨، ٦٠١٤. والدارمى كتاب الصلاة
برقم ١١٩٠.
(١) قال الحافظ ابن حجر: فى صحيح ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما من حديث أنيسة
مرفوعًا: أن ابن مكتوم يناذی بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال. وادعى ابن عبدالبر وجماعة
من الأئمة أنه مقلوب وأن الصواب حديث الباب. وجاء عن عائشة أيضًا أنها كانت تنكر
حديث ابن عمر وتقول: إنه غلط أخرج ذلك البيهقى من طريق الدراوردى عن هشام عن أبيه
عنها مرفوعًا: أن ابن أم مكتوم يؤذن بلبل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال. قالت عائشة:
وكان بلال لا يؤذن حتى يبصر الفجر. قال: وكانت عائشة تقول: غلط ابن عمر. انظر:
(تنوير الحوالك صـ٧٢).
١٥٨ - أخرجه البخارى كتاب الأذان برقم ٦١٧، وكتاب الشهادات برقم ٢٦٥٦. ومسلم كتاب
الصيام برقم ١٠٩٢. والترمذى كتاب الصلاة برقم ١٨٧، ٢٠٣. والنسائى كتاب الأذان
برقم ٦٣٨، ٦٤٢. وأحمد بالمسند برقم ٤٥٣٧. والدارمى كتاب الصلاة برقم ١١٩٠،
١٢١٦.
وقال ابن عبدالبر: هكذا رواه يحيى مرسلاً، وتابعه على ذلك أكثر الرواة، عن مسالك، ووصله
القعنبى، وابن مهدى، وعبدالرزاق، وأبو قرة موسى بن طارق، وعبدالله بن نافع، ومطرف بن
عبدالله الأصم، وابن أبى أويس، ومحمد بن عمر الواقدى، وأبو قتادة الحرانى، ومحمد بن حرب
الأحرش، وزهير بن عباد الرواسى، وكامل بن طلحة كل هؤلاء وصلوه، فقالوا فيه: عن سالم،
عن أبيه، وسائر رواة الموطأ أرسلوه، وممن أرسله: ابن قاسم، والشافعى، وابن بكير، وأبو
المصعب الزهرى، وعبدالله بن يوسف التنيسى، وابن وهب فى الموطأ، ومصعب الزبيرى،
ومحمد بن الحسن، ومحمد بن المبارك الصورى، وسعيد بن عفير، ومعن بن عيسى، وجماعة
يطول ذكرهم، وقد روى عن ابن بكير متصلاً، ولا يصح عنه إلا مرسلاً كما فى الموطأ له.
انظر: (التمهيد، حديث سابع لابن شهاب، عن سالم مرسل عند يحيى وأكثر الرواة).

٢٦
كتاب الصلاة
.......
..
الشرح: قوله: ((فكلوا واشربوا حتى ينادى ابن أم مكتوم)) يقتضى منع الأكل إذا
أذن على قول القاضى أبى بكر بدليل الخطاب فى الغاية، ويدل هذا الحديث على جواز
اتخاذ مؤذنین فی مسجد، يؤذنان لصلاة واحدة.
وروى على بن زياد عن مالك: لا بأس أن يؤذن للقوم فى السفر والحرس والمركب
ثلاثة مؤذنين وأربعة، ولا بأس أن يتخذ فى المسجد أربعة مؤذنين وخمسة.
قال ابن حبيب: ولا بأس فيما اتسع وقته من الصلوات كالصبح والظهر والعشاء أن
يؤذن خمسة إلى عشرة، واحد بعد واحد، وفى العصر من الثلاثة إلى الخمسة ولا يؤذن
فی المغرب إلا واحد.
فصل: وقوله: ((وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى))، دليل على جواز أذان الأعمى إذ
كان النبى ولَ﴾ قد اتخذه مؤذنًا لأن عماه لا يمنعه من الإعلام بالصلاة إذا كان له من
يعلمه بالأوقات ويرقبها له فيجزئ عنها على حسب ما كان يخبر به ابن أم مكتوم.
قال مالك: إن المؤذن إمام والأعمى يجوز أن يكون إمامًا، ومعنى ذلك أنه يقال وقت
الصلاة إلى الأئمة إقامتها ويقتدى بهم فيها.
فصل: وقوله: ((لا ينادى حتى يقال له أصبحت أصبحت))، قال ابن وضاح: قال
بعض أهل العلم فى قوله: أصبحت أصبحت: ليس معنى ذلك أن الصبح قد ظهر
وانفجر، ولكنه على معنى التحذير من طلوعه.
قال القاضى أبو الوليد: وهذا الذى ذكره يحتاج إلى تأمل، والأولى عندى أنه كان لا
يؤذن حتى يقول له من يرقب الفجر: أصبحت، بمعنى أن الفجر قد بدا، فيؤذن حينئذ،
ولو كان على ما قاله ابن وضاح أذان ابن أم مكتوم فى بقية من الليل قبل انفجار
الصبح، ولكان لا يمنع من الأكل والشرب، فإن قيل لو لم يؤذن حتى يقول له من رأى
الفجر: أصبحت، وقد أباح النبى ﴿﴿ الأكل حتى يؤذن لكان أكل المنتظر لأذانه بعد
الفجر لا يمنع صحة الصوم؟.
فالجواب أن ذلك على معنى قوله: ﴿فكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض
من الخيط الأسود من الفجر﴾ [البقرة: ١٨٧] ومعنى ذلك أن من وقع أكله إلى وقت
يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، فإنه لا يمنع صحة صومه، ولم يرد أن للصائم أن
يأكل حتى يتبين له وأنه إن أكل بعد طلوع الفجر وقبل أن يتبين له الخيط الأبيض من
الخيط الأسود، فصومه صحيح.

.. ..............
كتاب الصلاة
وكذلك معنى قوله عليه الصلاة والسلام: ((فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)»
أن الأكل والشرب مباح إلى الوقت الذى أمر ابن مكتوم أن يؤذن فيه، إذا قيل له:
أصبحت، وهو أول طلوع الفجر.
*
*
ما جاء فى افتتاح الصلاة
١٥٩ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ عُمَرَ؛
أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﴿ كَانَّ إِذَا افْتَحَ الصَّلاةَ، رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِيْهِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ
مِنَ الرُّكُوعِ، رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ أَيْضًا، وَقَالَ: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلْكَ
الْحَمْدُ، وَكَانَ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِى السُّجُودِ (١).
الشرح: قوله: ((أن رسول الله (48 كان إذا افتح الصلاة))، افتتاح الصلاة يكون
بالنطق بالتكبير، ولا يكون بمجرد النية لمن يقدر على النطق، والأصل فى ذلك ما روى
عن أبى هريرة ((كان رسول الله ﴿قَّه إذا أقام الصلاة يكبر حين يقوم ثم يكبر حين يركع))
وذكر الحديث وأفعال النبى ﴾ على الوجوب.
مسألة: ولا يجزئ من النطق غير التكبير، وبه قال الشافعى وجمهور الفقهاء، وقال أبو
حنيفة: يجزئ من ذلك كل لفظ فيه تعظيم الله تعالى، نحو الله أجل وأعظم، والله
الكبير، والله العظيم.
والدليل على ما ذهب إليه الجمهور الحديث المتقدم، والدليل على ذلك أيضا ما روى
عن نافع أن ابن عمر كان إذا دخل فى الصلاة كبر ورفع يديه، وإذا قال: سمع الله لمن
حمده، رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه، ورفع ذلك ابن عمر إلى النبى ﴿ـ
١٥٩ - أخرجه البخارى كتاب الأذان برقم ٧٣٥. ومسلم كتاب الصلاة برقم ٣٩٠. والترمذى
كتاب الصلاة برقم ٢٣٧. والنسائى كتاب الافتتاح برقم ٨٧٦، ٨٧٧، ٨٧٨، ١٠٢٥،
وكتاب التطبيق ١٠٥٩، ١٠٨٨، ١١٤٤. وأبو داود كتاب الصلاة برقم ٧٢١، ٧٢٢.
وأحمد بالمسند برقم ٤٥٢٦، ٤٦٦٠، ٥٠٦١، ٥٢٥٧. والدارمى كتاب الصلاة ١٢٥٠،
١٣٠٨.
(١) قال ابن عبدالبر: وفى هذا الحديث من الفقه رفع اليدين فى المواضع المذكورة فيه، وذلك
عند أهل العلم تعظیم لله، وابتهال إليه، واستسلام، له وخضوع للوقوف بين يديه، واتباع
لسنة رسوله *.. انظر: (التمهيد، باب افتتاح الصلاة).

٢٨
كتاب الصلاة
ودليلنا من جهة القياس أن هذا اللفظ عرا من لفظ التكبير وبنيته مع القدرة عليه لم
يكن إحرامًا بالصلاة، أصل ذلك: اللهم اغفر لى وارحمنى، وليس من سنن الصلاة، ولا
من فضائلها التوجيه على ما قبل الإحرام، فقد قال ابن حبيب: لا بأس به، وأما بعد
الإحرام، ففى مختصر ابن شعبان عن ابن وهب: صليت مع مالك فى بيته فكان يقول
ذلك عند افتتاح الصلاة: وجهت وجهى للذى فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا
من المشركين.
وقال مالك: أكره أن أحمل الناس على ذلك، فيقول جاهل: هذا من فرض الصلاة.
فرع: إذا ثبت أنه لا يجزئ فى الإحرام إلا التكبير، فلا يجزئ من ذلك، الله أكبر،
الله أكبر. وقال الشافعى: يجزئ الله أكبر.
والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك أن هذه زيادة غيرت من بنية قوله: الله أكبر،
فمنعت صحة افتتاح الصلاة بها، أصل ذلك الله أكبر.
فصل: وقوله: ((رفع يديه حذو منكبيه))، فى الرفع ثلاث مسائل، إحداها: بيان
مواضع الرفع، فالخلاف فيه فى موضعين، أحدهما: عند تكبيرة الافتتاح . وذهب
جمهور الفقهاء إلى أن رفع اليدين عندها مشروع. وروى عن بعض المتقدمين المنع من
ذلك، وقد تأول ذلك أصحابنا على رواية ابن القاسم عن مالك فى المدونة وهو قوله:
وكان رفع اليدين ضعيفا إلا فى الافتتاح. وصرح بها الشيخ أبو إسحاق فى مختصره من
رواية ابن القاسم عن مالك.
والدليل على أن الرفع مشروع عند تكبيرة الافتتاح حديث ابن عمر هذا. ومن جهة
المعنى أن هذا ذكر فى أحد طرفى الصلاة، فكان من حكمه أن يقترن به عمل كالسلام،
وبيان ذلك أن التكبير شرع فى الصلاة عند عمل قرن به للانتقال من حال إلى حال
فلما لم يكن عند تكبيرة الإحرام عمل من الانتقال من حال إلى حال قرن به رفع اليدين
کما قرن بالسلام الإشارة بالرأس والوجه إلى اليمين.
فرع: وأما الموضع الثانى، فعند الانحطاط للر کوع وعند الرفع منه، وروى ابن
القاسم عن مالك المنع منه، وبه قال أبو حنيفة. وروى ابن وهب وأشهب عنه الرفع،
وبه قال الشافعی.
وتعلق أصحابنا فى رواية ابن القاسم بما روى عبدالرحمن بن سليمان النهشلى عن
عاصم بن كليب، عن أبيه، عن على بن أبى طالب، عن النبى 18: ((أنه كان يرفع يديه

٢٩
کتاب الصلاة
فى أول الصلاة ثم لا يعود)) وهذا الحديث موقوف على علىّ رضى الله عنه.
ومن جهة المعنى أن هذا تكبير للانتقال من حال إلى حال، فلم يكن معه رفع اليدين
كالانتقال من الجلوس إلى السجود.
وجه رواية ابن وهب وأشهب حديث ابن عمر المتقدم، وهو صحيح متفق على
صحته. ومن جهة القیاس أن تکبیرة الر کعة [الثانية](١) تکبیرة تجعل مدر کها مدركًا
للركعة الأولى، فشرع فيها رفع اليدين كتكبيرة الإحرام.
فرع: وأما التكبيرة عند السجود، فلم يشرع الرفع معه، وقد رويت فى ذلك
أحادیث.
مسألة: وأما نهاية الرفع، فالمشهور عن مالك أنه يرفع يديه إلى منكبيه، وبه قال
الشافعى. وروى أشهب عن مالك: يرفع إلى صدره. وقال أبو حنيفة: يرفع إلى أذنيه.
والدلیل علی نهایة الرفع إلى المنکبین حديث ابن عمر المتقدم، وفيه (« کان یرفع یدیه حذو
منکبیه».
وأما ما روى مالك بن الحويرث ((أن رسول الله * كان إذا كبر رفع يديه حتى
يحاذى بهما أذنيه)) فلنا على ذلك جوابان، أحدهما: الترجيح، والثانى: الجمع بين
الحديثين.
فأما الترجيح، فإن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر، أصح من قتادة عن نصر بن
عاصم عن مالك بن الحويرث.
وأما الجمع بينهما، فإنا نقول: كان يحاذى بكفيه منکبیه، وبأطراف أصابعه أذنيه،
فیجمع بین الحدیثین، ویکون أولى من إطراح أحدهما.
مسألة: وأما صفة الرفع، فالذى عليه شيوخنا العواقيون أن تكون يداه قائمتين تحاذى
كفاه منكبيه وأصابعه أذنيه. وروى عن سحنون أنهما تكونان منصوبتين ظهورهما إلى
السماء وبطونهما إلى الأرض.
قال القاضى أبو الوليد: والأول عندى أولى؛ لأنا نتمكن بذلك من الجمع بين
الحديثين ولأنه أبعد فى التكلف وأيسر فى الرفع.
فصل: وقوله: ((وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضًا)، لم يذكر يحيى
(١) ما بين المعفوقتين غير موجود بالأصل، وأضفناه لاستقامة المعنى.