Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠٠
الطهارة
الشرح: قوله: ((لقد شق علىَّ اختلاف أصحاب النبى ﴿﴿ فى أمر إنى لأعظم أن
أستقبلك به))، يريد أن الخلاف شق عليه، ولم يشق عليه إلا لقوته ولقوة موجبه،
والأخبار الصحاح التى يتعلق بها الفريقان، فيشق عليه ترك بعضها والتعلق بسائرها، ولا
يصح ذلك إلا بدليل، وأعظم أن يستقبلها به لما فيه من التصريح بمجامعة النساء، فنبهته
على أن حرمتها مؤبدة، وأنها فى ذلك بمنزلة الأم وأن كل ما يجوز للرجل أن يستقبل به
أمه إذا رجا عندها منه علمًا، فلا عليه أن يستقبل به أم المؤمنين.
فصل: وقوله: ((الرجل يصيب أهله))، يريد بذلك الجماع.
وقوله: ((ثم يكسل ولا ينزل))، يقال: أكسل الرجل إذا فتر عن الجماع، فقالت: ((إذا
جاوز الختان الختان، فقد وجب الغسل))، فأجابته بعلمها فى ذلك، وما توفى عنه النبى
﴿﴾، وهى كانت أعلم الناس بذلك، وبما تقدم منه، وما تأخر لمكانها من النبى
ولذلك قال لها أبو موسى: «لا أسئل عن هذا أحدًا بعدك»، يريد أنه قد أخذ بقولها فى
ذك ووثق بعلمها.
١٠٣ - مَالِكِ، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ
عَفَّانَ، أَنَّ مَحْمُودَ بْنَ لَبِيدِ الأَنْصَارِىَّ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ عَنِ الرَّحُلِ يُصِيبُ أَهْلَهُ ثُمَّ
يُكْسِلُ(١) وَلا يُنْزِلُ، فَقَالَ زَيْدٌ: يَغْتَسِلُ، فَقَالَ لَهُ مَحْمُودٌ: إِنَّ أُبَىَّ بْنَ كَعْبٍ كَانَ لا
= وهذا خطأ، والصواب ما فى الموطأ، وهذا الحديث يدخل فى المسند بالمعنى والنظر لأنه محال
أن ترى عائشة نفسها فى رأيها حجة على غيرها من الصحابة فى حين اختلافهم فى هذه
المسالة النازلة بينهم، ومحال أن يسلم أبو موسى لعائشة قولها من رأيها فى مسألة قد خالفها
فيها من الصحابة غيرها برأيه؛ لأن كل واحد ليس بحجة على صاحبه عند التنازع؛ لأنهم
أمروا إذا تنازعوا فى شىء أن يردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله، وهذا يدلك على أن تسليم
أبى موسى لعائشة فى هذه المسألة إنما كان من أجل أن علم ذلك كان عندها عن رسول الله
## فلذلك سلم لها، إذ هى أولى بعلم مثل ذلك من غيرها؛ ومع ما ذكرناه من جهة
الاستدلال، فقد روى هذا الحديث عن عائشة عن النبى # مسندا؛ وروى أن سعيد بن
المسيب دخل مع أبى موسى على عائشة فى هذه القصة، فبان بذلك حقيقة قولنا وصحة
استدلالنا، وبالله التوفيق. انظر: (التمهيد، باب وجوب الغسل بالتقاء الختانين، حديث ثان
لیحیی بن سعيد).
١٠٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٩. وأخرجه من طرق أخرى البيهقى فى السنن،
عن محمود بن لبيد ١٦٦/١.
(١) يكسل: الإكسال: قطع الجماع قيل الإنزال. وقال فى النهاية: أكسل الرجل إذا جامع ثم
أدر که فتور فلم ینزل ومعناه صار ذا کسل. انظر: (تنوير الحوالك صـ ٥٢).

........... ٤٠١
الطهارة .
يَرَى الْغُسْلَ، فَقَالَ لَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: إِنَّ أَبَىَّ بْنَ كَعْبٍ نَزَعَ عَنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ
يَمُوتَ.
الشرح: سؤال محمد بن لبيد، زيد بن ثابت عن هذا الحكم؛ لأن الأنصار كانت
تقول: لا يجب الغسل إلا بالإنزال، وكان المهاجرون يقولون: يجب الغسل بالتقاء
الختانين، فأرسلوا أبا موسى الأشعرى إلى عائشة، رضى الله عنهما، ليعلموا ما توفى عنه
النبى ﴿﴿، فلما أخبرتهم بموجب الغسل نزع أبى بن كعب وزيد بن ثابت وغيرهما ممن
كان ينفى الغسل إلى قول عائشة وعلموا أن ما كان عندهم من نفيه منسوخ أو
مخصوص.
وقد روى عن سهل بن سعد الساعدى عن أبى بن كعب أن النبى ﴿15 إنما جعل
ذلك رخصة للناس فى أول الإسلام لقلة الثبات، ثم أمرنا بالغسل ونهينا عن ذلك، يعنى
(الماء من الماء)). وروى عن ابن عباس أنه قال: إنما ذلك فى الاحتلام.
١٠٤ - مَالِك، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: إِذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ
الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ.
الشرح: قوله: ((كان يقول: إذا جاوز الختان الختان))، يدل على تكرر هذا القول عنه
واعتقاده له، وأخذه به، وهذا حكم الواطئ فى الفرج، فأما فى غير الفرج، فلا غسل
على الواطئ إلا أن ينزل، فيجب عليه الغسل بالإنزال، ولا غسل على المرأة إلا أن تنزل،
فإن وصل شىء من مائه إلى فرجها، ففى المدونة عن مالك: لا غسل عليها إلا أن تكون
التذت. قال ابن القاسم: يريد أنزلت. وقال الشيخ أبو إسحاق: وقد قيل عليها الغسل
وإن لم تنزل، وهو الاختيار احتياطًا.
وجه قول ابن القاسم أن غسل الجنابة إنما يجب بالتقاء ختانين أو إنزال، وقد عدما
فى حق المرأة، فلا غسل عليها.
ووجه الرواية الثانية أنه إذا وصل ماء الرجل قبلها والتذت أشكل عليها أمرها، فلم
تدر أنزلت أم لا؟ ولما كان غالب حالها الإنزال عند وجودها اللذة حمل أمرها على
الغالب.
١٠٤ - أخرجه مسلم فى كتاب الحيض، باب ٢٢ نسخ حديث (الماء من الماء) برقم ٨٨ عن أبى
موسى ٢٧٢/١ بنحوه. وأحمد ١٣٥ عن عائشة. والترمذى ١٨٢/١ عن عائشة فى كتاب
الطهارة، باب ٨٠ (إذا التقى الختانان وجب الغسل)).

الطهارة
٤٠٢
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: وهو عندى معنى قول مالك، والله أعلم
وأحكم.
وضوء الجنب إذا أراد أن ينام أو يطعم قبل أن يغتسل
١٠٥ - مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: ذَكَرَ
عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، لِرَسُولِ اللَّهِ ﴿، أَنَّهُ تُصِيبُهُ جَنَابَةٌ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ:
(تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ نَمْ(١).
الشرح: سؤال عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، فى هذا الحديث مخذوف؛ لأنه سأله
هل له أن ينام قبل أن يغتسل إذا أصابته الجنابة، فقال النبى ﴿®: ((توضأ واغسل ذكرك ثم
نم))، يريد والله أعلم، أن له تأخير الغسل ما لم يأتى وقت الصلاة، وندبه إلى أن يتوضأ
ويغسل ما بذكره من الأذى ثم ينام إن شاء، وليس هذا بواجب على من أراد النوم.
وروى ابن نافع فى المجموعة عن مالك: من لم يفعل فليستغفر الله تعالى. وقال
الداودى: من ترك ذلك لم تسقط عدالته، وهذا الأظهر من قول الفقهاء.
والأصل فى ذلك ما رواه أبو إسحاق السبيعى، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة
قالت: كان النبى ﴿﴿ ينام، وهو جنب من غير أن يمس ماء.
١٠٥ - أخرجه البخارى كتاب الغسل برقم ٢٨٧. ومسلم كتاب الحيض برقم ٣٠٦. والترمذى
كتاب الطهارة برقم ١١١. والنسائى برقم ٢٥٩، ٢٦٠. وأبو داود برقم ٢٢١. وابن ماجه
كتاب الطهارة وسننها برقم ٥٨٥. وأحمد بالمسند برقم ٢٦٥، ٣٦١، ٥٠٣٦، ٥١٦٨،
٥٢٩٢، ٥٤١٩، ٥٤٧٣، ٠٥٩٣١ والبيهقى بالسنن الكبرى ١٩٩/١ عن ابن عمر. والبغوى
بشرح السنة ٣٢٩/١ عن على.
(١) توضأ واغسل ذكرك ثم نم، قال ابن الجوزى: الحكمة فيه أن الملائكة تبعد عن الوسخ
والريح الكريهة وأن الشياطين تقرب من ذلك، وقال النووى: اختلف فى حكمة هذا الوضوء،
فقال أصحابنا: لأنه يخفف الحدث وقيل: لعله أن ينشط إلى الغسل إذا بل أعضاءه، وقيل ليبيت
على إحدى الطهارتين خشية أن يموت فى منامه، قلت: أخرج الطبرانى فى الكبير بسند لا
بأس به عن ميمونة بنت سعد، قالت: قلت: يا رسول الله، هل يأكل أحدنا وهو جنب، قال:
لا يأكل حتى يتوضأ، قلت: يا رسول الله، هل يرقد الجنب، قال: ما أحب أن يرقد وهو
جنب حتى يتوضأ فإنى أخشى أن يتوفى فلا يحضره جبريل عليه السلام. انظر: (تنوير الحوالك
صـ ٥٢، ٥٣).

٤٠٣
الطهارة .
وذكر الشيخ أبو محمد عن ابن حبيب وجوب ذلك قال: وما روى عن النبى ﴿5﴾ أنه
كان ينام جنبًا ولا يمس ماء، فحمله عندنا أنه لم يحضره ماء وأنه تيمم، وهذا الذى قاله
يبعد؛ لأنه لا يستعمل هذا اللفظ فى العادم الماء، ولذلك لا يقال كان رسول الله
يصلى ولا يمس ماء، ويريد به عدم الماء؛ لأنه إنما جرت العادة بذكر العلة المانعة من
ذلك، وهو عدم الماء، هذا عرف التخاطب.
ولما قالت: كان ينام بعد الجماع من غير أن يمس ماء، كان مقتضى اللفظ وظاهره
استباحة ذلك، ولذلك قلنا فيما روى أن ماعزًا زنا فرجم، أن الرجم کان لأجل الزنا،
ولیس لقائل أن يقول کان قتل.
وكذلك ما روى عن النبى ﴿5﴾ أنه سها فسجد، ظاهره أن سجوده كان لسهوه، ولا
يصح أن يقال أن سجوده كان على وجه الشكر أو لغير ذلك من المعانى، فلا يصرف
عن هذا اللفظ إلا بدليل.
مسألة: ولا يبطل هذا الوضوء ببول ولا غائط، قاله مالك فى المجموعة، ولا يبطل
بشىء إلا بمعاودة الجماع، فإن جامع بعد وضوئه أعاد الوضوء؛ لأن الجماع الثانى يحتاج
من أحدث الوضوء مثل ما احتاجه الأول.
١٠٦ - مَالِكِ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النّبِىِّ ◌َ، أَنْهَا
كَانَتْ تَقُولُ: إِذَا أَصَابَ أَحَدُكُمُ الْمَرََّةَ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَامَ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ فَلا يَنَّمْ خَنْى
يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ.
الشرح: قولها: ((وضوءه للصلاة))، يريد وضوءاً كاملاً كالوضوء الذى يستبيح به
الصلاة، وكذلك قال مالك. وقال ابن حبيب: إن أخذ يقول ابن عمر، فترك غسل
من إطلاق لفظ
رجلیه، فذلك واسع، وقول مالك أولی ما فی حدیث النبى
الوضوء، وذلك يقتضى الوضوء الشرعى.
١٠٦ - أخرجه البخارى كتاب الغسل برقم ٢٨٦، ٢٨٨. ومسلم كتاب الحيض برقم ٣٠٥.
والنسائى كتاب الطهارة برقم ٢٥٥، ٢٥٦، ٢٥٧، ٢٥٨، وكتاب الغسل والتيمم برقم
٤٠٤. وأبو داود كتاب الطهارة برقم ٢٢٢، وكتاب الصلاة برقم ٤٢٤. وابن ماجه برقم
٥٨٤. وأحمد بالمسند برقم ٢٣٥٥٠، ٢٤٠٧٨، ٢٤١٨٠، ٢٤١٨٥، ٢٤٣٤٥، ٠٢٤٦٣٣
والدارمى كتاب الطهارة برقم ٧٥٧.

٤٠٤
الطهارة
١٠٧ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَّامَ أَوْ يَطْعَمَ،
وَهُوَ جُنُبٌّ، غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ طَعِمَ أَوْ نَامَ.
الشرح: قوله: ((إذا أراد أن ينام أو يطعم وهو جنب))، كان عبدالله بن عمر يسوى
بينهما فى الوضوء لهما، وبه قال عطاء.
وأما مالك فقال: لا يتوضأ إلا من أراد أن ينام فقط، وأما من أراد أن يطعم ويعاود
الجماع، فلم يؤمر بالوضوء، وما روى الأسود بن يزيد عن عائشة قالت: كان رسول
الله ﴿﴿ إذا كان جنبًا، فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه.
فمعنى وضوئه هاهنا إذا أراد أن يأكل غسل يده من الأذى، ومعنى وضوئه إذا أراد
أن ينام الوضوء الشرعى، إلا أنه لما اشتركا فى اللفظ جمع بينهما، كقوله تعالى: ﴿إن
الله وملائكته يصلون على النبي﴾ [الأحزاب: ٥٦]، والصلاة من البارى رحمة ومن
الملائكة دعاء.
وقد روى ذلك مفسرًا أبو سلمة عن عائشة أن النبى ﴿ كان إذا أراد أن ينام، وهو
جنب توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام، فإذا أراد أن يطعم غسل فرجه ثم طعم.
وقد روى عن ابن عمر أنه لم يكن يتوضأ لشىء من ذلك، والفرق بين النوم والأكل
أن النوم وفاة، فشرع له نوع من الطهارة كالموت، وأما الأكل، فإنما يراد للحياة، فلم
یشرع له وضوء کسائر تصرفات الأحياء.
فصل: وقوله: «إنه کان یغسل وجهه ویدیه ومسح برأسه)»، لم يذكر غسل الرجلين
على ما تقدم من الخلاف فيه، وإنما فرق بين الرجلين وبين سائر الأعضاء على قول ابن
عمر لأنه عضو يسقط مباشرته بالماء لغير عذر، وذلك فى المسح على الخفين، والله أعلم
وأحكم.
*
*
إعادة الجنب الصلاة وغسله إذا صلى ولم يذكر وغسله ثوبه
١٠٨ - مَالِكِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِى حَكِيمٍ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ
١٠٧ - الحديث فى الموطأ برقم ١٠٧.
١٠٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٣.
وقال السيوطى فى تنوير الحوالك: قال ابن عبدالبر: هذا حديث مرسل وقد روى متصلاً-

٤٠٥
الطهارة .
رَسُولَ اللَّهِ ﴿، كَبَّرَ فِى صَلاةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ أَنِ امْكُنُوا،
فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ وَعَلَى جِلْدِهِ أَثَرُ الْمَاءِ.
الشرح: قوله: ((كبر فى صلاة من الصلوات)) يريد تكبيرة الإحرام لأنها أظهر ما
ينطلق عليه هذا اللفظ منها.
وقوله: ((ثم أشار إليهم أن امكثوا)) يريد أن يقيموا على حالهم، وهذه من سنة
الصلاة لا يتكلم الإمام إذا طرأ له ما يمنعه التمادى فى الصلاة ويستخلف إشارة أو يشير
إليهم بالمكث إلا أن يخاف أن لا يفهموا فليتكلم، ولو تكلم عامدا من غير ضرورة لم
تبطل صلاة من خلفه، وليس فى الحديث بيان عن تكبير أصحابه، فيحتمل أن يكون
النبى ﴿ أشار إليهم ((أن امكثوا)) بعد أن كبروا، وقد قال ابن نافع: إن المأمومين إذا
كانوا فى الصلاة، فأشار إليهم إمامهم بالمکث، فإنه يجب عليهم انتظاره حتى يأتى، فيتم
بهم الصلاة.
وروى عن على بن زياد عن مالك، أنه لا ينبغى لهم انتظاره وأما الذى فعله النبى
خا فهو له خاص، وهذا الذى روى عن مالك يحتاج إلى دليل فى اختصاص هذا الحكم
بالنبى ﴿﴿ إلا أن فى عبارة أصحابه عنه تجوزًا، فقد ينقلون العمل عن هذا الحديث وإنما
يريدون، ليس العمل على ظاهره عندهم وينقلون عنه: هذا خاص بالنبى ﴾، يريد أن
ظاهره لا يجوز لأحد بعده ويتورع عن تأويله فى خاصة النبى ﴿﴿ فيمسك عنه، ويقال
هذا خاص النبى ﴿﴾
وفى الجملتين القولان مبنيان على صحة بناء الصحابة على ما تقدم من تكبيرهم
للصلاة، وذلك يدل على صحة الطاهر خلف إمام محدث ناس حدثه. روی ابن أبی زیاد
فى نوادره عن بعض أصحابنا أن ما ورد «أن النبى ﴿﴿ خرج وانتظروه حتى اغتسل ثم
عاد)) أنه لم يحرم، وقال: هذا الثابت أنه لم يكن أحرم، وما ذهب إليه هذا القائل ليس
ببين لأن ما سئل عطاء فسنة يعمل بها عندنا لا سيما وقد روى مسندًا، والأبين أن
=مسندا من حديث أبى هريرة وأبى بكرة. قلت: حديث أبى هريرة أخرجه البخارى ومسلم
وأبو داود والنسائى، وحديث أبو بكرة أخرجه أبو داود، وفيه: أنها صلاة الفجر. وانظر:
التمهيد، باب إعادة الجنب الصلاة وغسله إذا صلی ناسیا أنه جنب وغسله ثوبه، حديث ثالث
لإسماعيل بن أبی حکیم مرسل.
أخرجه البخارى فى كتاب الغسل، باب ١٧ إذا ذكر فى المسجد أنه جنب ١٢٨/١ عن أبى
هريرة. ومسلم فى كتاب المساجد برقم ١٥٧، ١٥٨ ٤٢٢/١ عن أبى هريرة.

الطهارة
٤٠٦
تكبير النبى ﴿﴿ ثابت وتكبير من خلفه محتمل، فإن قلنا بما ذهب إليه مالك فتحمله أن
القوم لم يحرموا وأنه أشار إليهم أن ينتظروا لما لم يدخلوا فى الصلاة، وذلك حكم الإمام
مع الناس اليوم.
وقد قال ابن القاسم فى المدونة: ولو أحدث الإمام قبل أن يحرم أو بعد ما أحرم، أن
ذلك كله سواء ويستخلف من يتم بهم الصلاة، وإن قلنا بقول ابن نافع فى جواز ذلك
للناس اليوم، حملناه على الغالب من الحال لأن الإمام متى كبر، كبر الناس بأثره ولا
یکاد یتأخر تکبیرهم عن تكبيره.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فإنه يصح للإمام قطع صلاته ولا يفسد ذلك صلاة المأمون
غلبة الحدث أو ذكر حدث متقدم. وفى كتاب ابن سحنون: إذا صلى الإمام ركعة ثم
انفلتت دابته وخاف عليها أو على صبى أو أعمى أن يقع فى نار أو بئر أو ذكر متاعًا
خاف عليه أن يتلف، فذلك عذر يبيح له أن يستخلف ولا يفسد على من خلفه شيئًا.
١٠٩ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ زُبَيْدِ بْنِ الصَّلْتِ، أَنّهُ قَالَ:
خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِلَى الْجُرُفٍ (١)، فَتَظَرَ فَإِذَا هُوَ قَدِ إِحْتَلَمّ، وَصَلَّى وَلَمْ
يَغْتَسِلْ. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَانِى إِلاَ احْتَلَمْتُ وَمَا شَعَرْتُ، وَصَلَيْتُ وَمَا اغْتَسَلْتُ. قَالَ:
فَاغْتَسَلَ وَغَسَلَ مَّا رَأَى فِى ثَوْبِهِ وَنَضَحَ مَا لَمْ يَرَ وَأَذْنَ أَوْ أَقَامَ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ارْتِفَاعِ
الضُّحَى مُتَمَكّنًا.
الشرح: قوله: ((خرجت مع عمر بن الخطاب إلى الجرف»، الجرف موضع.
وقوله: «فنظر فإذا هو قد احتلم وصلی ولم يغتسل))، يريد أنه رأى فى ثوبه من أثر
النبى ما دله على الاحتلام، فقال: ((والله ما أرانى إلا وقد احتلمت وما شعرت))،
ظاهره أنه لم يذكر احتلامه جملة.
وقوله: ((وصليت وما اغتسلت))، يريد أنه فعل ما يقع عليه اسم الصلاة، وأن خروج
المنى على وجه الاحتلام يوجب الغسل لأنه خارج على وجه اللذة كخروجه حال
اليقظة بملاعبة أو تذكار وسواء ذكر أنه جامع فى نومه والتذ أو لم يذكر شيئًا إلا أنه
١٠٩ - الحديث فى الموطأ برقم ١٠٩.
(١) الجرف: بضم الجيم والراء وفاء، قال الرافعى: على ثلاثة أميال من المدينة من جانب
الشام. انظر: (تنوير الحوالك صـ ٥٣).

.............
الطهارة
من رأى المنى فى ثوبه، فإنه يجب عليه الغسل لأن الغالب خروجه على وجه اللذة،
فيحمل على المعتاد من حاله.
مسألة: وقد تتقدم اللذة المنى ثم يخرج بعد سكونها كالرجل يلاعب أهله فيجد اللذة
الكبرى ولا ينزل فيتوضأ ويصلى ثم ينزل، فروى على بن زياد عن مالك: يجب عليه
الغسل من المجموعة. وقال القاضى أبو الحسن: والظاهر من مذهب مالك أنه إذا لم
تقارنه لذة حال خروجه لم يجب عليه غسل.
وجه القول الأول، أن الماء انفصل عن مستقره باللذة، وذلك المراعى فى وجوب
الغسل دون ظهوره.
ووجه القول الثانى ما يتعلق به أبو الحسن من أن الاعتبار من اللذة ما قارن خروج
المنى لأنه حينئذ يكون له حكم المنى فى وجوب غسل الجنابة وثبوت الحدث، وأما قبل
ذلك فلا حکم له.
فرع: وإذا قلنا يجب عليه الغسل فهل عليه إعادة الصلاة، روى فى المجموعة عن ابن
القاسم عن مالك يعيد الصلاة، وبه قال ابن كنانة. وروى ابن المواز عن أصبغ: يغتس
ولا يعيد الصلاة. وفى المجموعة عن ابن القاسم عن مالك فيمن رأى أنه احتلم ولم
ينزل فتوضأ وصلى ثم أنزل لغير لذة.
فالرواية الأولى مبنية على أنه راعى اللذة حين انفصال الماء عن مستقره، فصلى على
حال جنابة لم يغتسل من ذلك فوجب عليه أن يستأنف الغسل والصلاة.
ووجه الرواية الثانية ما احتج به ابن المواز أنه إنما صار جنبا بخروج الماء وذلك بعد
تمام الصلاة وصحتها. وقال القاضى أبو الحسن: ومعنى هذه الرواية أن الماء خرج بلذة
ثانية.
قال القاضى أبو الوليد رضى الله عنه: وقول ابن المواز عندما ظاهر، يريد أنه لو
اغتسل قبل خروج الماء لم يجزه، والله أعلم.
مسألة: ومن جامع ولم ينزل فاغتسل لالتقاء الختانين وصلى ثم خرج منه المنى بعد
ذلك، ففى العتبية من رواية عيسى عن ابن القاسم: لا غسل عليه، وبه قال ابن المواز
وسحنون فی کتاب ابنه، وقد قال أيضا: یعید الغسل، وحکاه عن بعض أصحابنا.
وجه القول الأول ما احتج به ابن المواز وسحنون من أنه ماء اغتسل له مرتين،

٤٠٨
الطهارة
.
واحتج له يحيى بن عمر بأنه خرج لغير لذةٍ، والله أعلم، أنه لم يجد اللذة الكبرى التى
يقدر معها انفصال الماء عن مستقره، وإنما وجد لذة الإتعاظ خاصة والمباشرة.
ووجه القول الثانى الذى يوجب إعادة الغسل أن وجود لذة الجماع مع وجود
خروج المنى موجب للغسل، وهو بانفراده حدث، والتقاء الختانين حدث، فإذا اجتمعا
تداخلا وإذا انفصلا لزم بكل واحد منها الغسل.
فرع: وإذا قلنا أنه لا يجب بهذا المنى غسل، فروى عيسى عن ابن القاسم وابن وهب
عن مالك أنه يتوضأ. قال القاضى أبو الحسن: والظاهر من مذهب مالك أن الوضوء فيه
واجب، ومن أصحابنا من قال: هو مستحب.
وجه القول الأول أنه خارج من الفرج على وجه الصحة والعادة فوجب به طهارة
کالبول.
ووجه القول الثانى أن هذا متى فلم يجب به الوضوء كمنى السلس.
وإن قلنا: يجب عليه الغسل، فهل يجب عليه إعادة الصلاة؟ قال سحنون: قال بعض
أصحابنا: يعيد الصلاة. وقال آخر: يعيد الغسل ولا يعيد الصلاة. وبه قال قتادة، وتوجيه
القول فى ذلك كالذى تقدم، والله أعلم.
فصل: وقوله: ((فاغتسل عمر))، يريد من جنابة، ((وغسل ما رأى فى ثوبه))، يريد أنه
غسل ما تيقن فى ثوبه من المنى لنجاسته ونضح ما لم ير منه، يريد ما شك فيه من ثوبه
أن يصيبه منى، وهذا حكم ما يشك فيه من الثياب أن تنضح فى قول مالك. وقال أبو
حنيفة والشافعي: لا تنضح، وهو محمول على الطهارة.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فما شك فيه من النجاسة، ثلاثة أضرب، أحدها: أن يتيقن
وصول النجاسة إلى الثوب ويشك هل غسله بعد ذلك أم لا؟ والثانى: أن يشك هل
أصابه بول أو غير ذلك مما لو تيقن وصوله إليه لحكم بنجاسته. والثالث: أن يصيب
الثوب شىء لا يدرى أطاهر هو أو نجس؟.
فأما الأول، فلا خلاف أنه يجب غسله ولا يجزى نضحه لأن النجاسة متيقنة فلا
يزول حكمها إلا بيقين. وأما الثانى: فحكمه النضح على ما قدمناه. وأما الثالث: فليس
فیه نضح ولا غيره، وقد روى عن ابن عبدالملك ما يقتضى أنه ينضح.
فرع: إذا ثبت هذا، فهذا حكم الثوب، وأما الجسد، فاختلف أصحابنا فيه، فقال ابن

........ ٤٠٩
الطهارة .
شعبان: إن حكمه حكم الثوب فى النضح، وفى المدونة ما يدل على أن حكم الجسد
الغسل إذا شك فى نجاسته وذلك ما رواه على بن زياد عن مالك: ليس على الرجل
غسل أنثبيه من المذى إلا أن يخشى أن يصيبهما شىء، وهذا يقتضى إن خشى ذلك كان
عليه غسلهما، وفرق بينه وبين الثوب لأن الثوب يفسد بالغسل، والجسد لا يفسد
بالغسل.
١١٠ - مَالِك، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِى حَكِيمٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارِ، أَنَّ عُمَرَ
ابْنَ الْخَطَّابِ غَدَا إِلَى أَرْضِهِ بِالْحُرُفِ، فَرَأَى فِى ثَوْبِهِ احْتِلامًا، فَقَالَ: لَقِّدِ ابْلِتُ
بِالاحْتِلامِ مُنْذُ وُلِيتُ أَمْرَ النَّاسِ(١)، فَاغْتَسَلَ وَغَسَلَ مَا رَأَى فِى ثَوْبِهِ مِنَ الاحْتِلامِ،
ثَمَّ صَلّى بَعْدَ أَنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ.
الشرح: قوله: ((إن عمر بن الخطاب غدا إلى أرضه بالجرف))، يدل على أن لمن ولى
شيئًا من أمور المسلمين أن يخرج إلى أرضه ويتعاهد ضيعته وأمور دنياه. وقد روى ابن
حبيب عن مالك: لا بأس أن يطالع القاضى ضيعته فيقيم فى إصلاحها اليومين والثلاثة
وأكثر من ذلك، وهذا الذى قال صحيح لأنه لو منع ذلك لأدى إلى خراب ضيعته
وفساد حاله وذهاب قوت عياله.
فصل: وقوله: ((فرأى فى ثوابه احتلامًا))، يريد منيًا من احتلام، وهذا يقتضى أن
توب لبسه کان لنومه.
وقوله: ((لقد ابتليت بالاحتلام منذ وليت أمور المسلمين))، يحتمل أن يريد أن شغله
بأمر الناس واهتمامه بهم صرفه عن الاشتغال بالنساء وكثر عليه الاحتلام، ويحتمل أن
يريد أن ذلك كان وقتًا لابتلائه بالاحتلام لمعنى من المعانى لم يذكره ووقته بما ذكر من
ولا يته.
١١٠ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٤. وذكره بلفظه فى كنز العمال ٢٢٤٠١/٨
وعزاه للبيهقى فى السنن، عن مطيع بن الأسود وأنه أصاب وذكر أنه رأى أنه أصاب احتلاما،
وعزاه للبیهقی، وابن شیبة، وذکر رؤيته بللا.
(١) ابتليت بالاحتلام منذ وليت أمر الناس، قال الباجى: يحتمل أن يريد أن شغله بأمر الناس
واهتمامه بهم صرفه عن الاشتغال بالنساء فكثر عليه الاحتلام، ويحتمل أن يريد أن ذلك كان
وقتًا لابتلائه به لمعنى من المعانى لم يذكره ووقته بما ذكر من ولايته. انظر: (تنوير الحوالك صـ
٥٤).

٤١٠
الطهارة
فصل: وقوله: ((فاغتسل وغسل ما رأى فى ثوبه من الاحتلام))، يريد اغتسل من
حدث الجنابة وغسل ما بجسده منها وغسل ثوبه من منى الاحتلام، ثم صلى بعد أن
طلعت الشمس فقضى صلاته حينئذ إذ لم يكن صلاها على طهارة.
١١١ - مَالِك، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ
الْخَطّابِ صَّلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ، ثُمَّ غَدَا إِلَى أَرْضِهِ بِالْجُرُفٍ، فَوَحَدَ فِى ثَوْبِهِ اخْتِلامًا،
فَقَالَ: إِنَّا لَمَّا أَصَبْنَا الْوَدَكَ لاَنَتِ الْعُرُوقُ، فَاغْتَسَلَ وَغَسَلَ الاخْتِلامَ مِنْ ثَوْبِهِ، وَعَادَ
لِصَلَاِهِ(١).
الشرح: قوله: ((إنا لما أصبنا الودك لانت العروق))، قيل إن معنى ذلك أن عمر بن
الخطاب لما ولى كان يرد عليه أعيان الناس والعرب من البلاد وكان يطعمهم ويأكل
معهم استئلافا لهم، والمشهور من حال عمر أنه لم يتغير من حاله شىء بالولاية ولا كان
يصطنع لمن ورد عليه من الطعام إلا مثل ما كان يأكله تعليمًا لهم وإنكارا على الناس
السرف فيه، ويحتمل أن يكون معنى قول عمر، أن الناس كانوا قبل ذلك فى جهد من
الجدب فامتنع من أكل الودك والسمن ليكون حاله فى القلة حال المسلمين حتى روى
عنه أنه ضرب بطنه، وقال: (لتصبرن على أكل الزيت ما دام السمن يباع بالأواقى))،
وأنه جعل على نفسه أن لا يأكل سمنًا حتى يناله جميع الناس ثم إن الناس أخصبوا بعد
ذلك، فعاد إلى أكل السمن والودك، فكثر عليه الاحتلام، فقال: لما إنا أصبنا الودك
لانت العروق، وكان قبل الخلافة إذا أصاب الودك والخصب نال النساء ما يقطع عنه
١١١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٣.
(١) قال ابن عبدالبر: وأما اختلاف الفقهاء فى القوم يصلون خلف إمام ناس لجنابته، فقال
مالك، والشافعى وأصحابهما، والثورى، والأوزاعى: لا إعادة عليهم، وإنما الإعادة عليه وحده
إذا علم اغتسل وصلى كل صلاة صلاها وهو على غير طهارة، وعليه أكثر العلماء، وقال
حماد: أعجب إلى أن يعيدوا، وقال أبو حنيفة وأصحابه: عليهم الإعادة، لأن صلاتهم مرتبطة
بصلاة إمامهم، فإذا لم تكن له صلاة، لم تكن لهم، وروى إيجاب الإعادة على من صلى
خلف جنب أو غير متوضئ عن على بن أبى طالب، من حديث عبدالرزاق، عن إبراهيم بن
يزيد، عن عمرو بن دينار، عن أبى جعفر، عن على، وهو منقطع، وفيه عن عمر خبر ضعيف،
لا يصح، وهو قول الشعبى، وحماد بن أبى سليمان، وذكر الأثرم عن أحمد بن حنبل إذا صلى
إمام بقوم وهو على غير وضوء، ثم ذكر قبل أن يتم، فإنه يعيد ويعيدون، ويبتدؤون الصلاة،
فإن لم يذكر حتى يفرغ من صلاته، أعاد وحده، ولم يعيدوا. انظر: (التمهيد: باب إعادة
الجنب الصلاة وغسله إذا صلی ناسیا أنه حنب وغسله ثوبه).

٤١١
الطهارة
الاحتلام، فلما ولى الخلافة واشتغل عن الإكثار من الجماع ونال الودك أصابه الاحتلام.
فصل: وقوله: ((وعاد لصلاته))، يريد قضاء صلاته لأنه كان صلاها على غير طهارة،
وأما من كان صلى بصلاته، فقد اختلف العلماء فى ذلك، فقال: إن كان الإمام ناسيًا
الجنابته فصلاة من خلفه صحيحة، وإن كان عالمًا بها فصلاة من خلفه فاسدة.
وروى ابن الحكم فى المولدات عن أشهب: أن صلاة المأموم صحيحة فى الوجهين،
وهو قول الشافعى. وقال أبو حنيفة: صلاة المأموم فاسدة فى الوجهين. وقال أبو الفرج
فى حاويه: إن هذا قياس قول مالك فى قوله: إن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام.
والدليل على صحة صلاة المأموم إذا لم يعلم بجنابته حديث عطاء المتقدم ((أن رسول
الله كبر فى الصلاة فأشار إليهم أن امكثوا، فذهب ثم رجع وعلى جلده أثر الماء)).
ووجه الدليل منه أنه لم يعدل عن الكلام إلى الإشارة مع أن الكلام أعم وأبين فى
مثل هذا المعنى إلا لتصحيح صلاة من خلفه إذ لا فائدة لذلك غيرها، وما لا يمكن
التحرز منه من الحدث فى صلاة الإمام لا يفسد صلاة المأموم، أصل ذلك إذا سبقه
الحدث.
والدليل على فساد صلاة المأموم إذا كان الإمام عالمًا بجنابته، أن الصلاة خلف الفاسق
غير صحيحة.
وحكى ابن القصار عن أبى بكر الأبهرى أنه يعيد المصلى خلفه أبدًا، وهذا إذا تعمد
الصلاة بالناس جنبًا فاسق، فلا تصح الصلاة خلفه ولأن كل معنى لو علمه المأموم من
الأمام لم تصح صلائه، فإذا علمه الإمام من نفسه لم تصح صلاة المأموم كالكفر،
ويفرق بينهما أن ابتداء حدث الإمام عامدًا يبطل صلاة المأموم وابتداؤه سهوًا وغلبة لا
يبطل صلاة المأموم، فكذلك استدامة الصلاة به عمدًا تبطل صلاة المأموم واستدامة ذلك
سهوًا لا تبطل صلاة المأموم.
١١٢ - مَالِكِ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً، عَنْ أَبِهِ، عَنْ يَحْثَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنٍ
حَاطِبٍ؛ أَنَّهُ اعْتَمَرَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فِى رَكْبٍ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَأَنَّ
عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَرَّسَ بِيَعْضِ الطّرِيقِ، قَرِيبًا مِنْ بَعْضِ الْمِيَّاهِ فَاحْتَلَمَ عُمَرُ، وَقَدْ كَادَ
أَنْ يُصْبِحَ فَلَمْ يَجِدْ مَعَ الرَّكْبِ مَاءً فَرَكِبَ، حَتَّى جَاءَ الْمَاءَ، فَجَعَلَ يَغْسِلُ مَا رَأَى
١١٢ - الحديث فى الموطأ برقم ١١٢.

• الطهارة
.....
٤١٢
مِنْ ذَلِكَ الاخْتِلامِ حَتَّى أَسْفَرَ. فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: أَصْبَحْتَ وَمَعَنَا ثِيّابٌ،
فَدَعْ ثَوْيَكَ يُغْسَلُ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: وَاعَجْبًّا لَكَ يَا عَمْرُو بْنَ الْعَاصِ! لَئِنْ
كُنْتَ تَجِدُ ثِيَابًا أَفَكُلُّ النّاسِ يَجِدُ ثِيَابًا؟ وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُهَا لَكَانَتْ سُنّةٌ، بَلْ أَغْسِلُ مَا
رَأَيْتُ، وَأَنْضِحُ مَا لَمْ أَرَ.
الشرح: قوله: ((اعتمر عمر بن الخطاب فى ركب فيهم عمرو بن العاص))، خصه
بالذكر لما كان سببا لقول عمر ما احتاج إلى إيراده من العلم.
وقوله: ((إن عمر بن الخطاب عرس ببعض الطريق قريبًا من بعض المياه)) يريد أنه نزل
من آخر الليل بقرب بعض المياه التى بطريقه، ويجوز أن يمنعه من الوصول إلى الماء أنه لم
يكن على طريقه، ويجوز أن يمنعه بعد مسافة أو خوف سرف مع ما كان عنده من المياه
التى تجزئ فى رفع الحدث الأصغر ولا تجزئ فى رفع الحدث الأكبر.
فصل: وقوله: ((فاحتلم عمر، وقد كاد أن يصبح فلم يجد مع الركب ماء))، يقتضى
طلبه عندهم، وكذلك يجب لمن عدم الماء أن يطلبه عند رفقته إذا كانت عددًا يسيرًا.
فصل: وقوله: ((فركب حتى جاء الماء))، ذكر أن الماء الذى جاءه ماء الروحاء، ويحتمل
أن يكون نكب عن طريقه إليه، إما لقربه أو لمبالغته فى طلبه، وإن كان لا يلزمه.
وروى ابن القاسم عن مالك فى المسافر يكون الماء حائدا عن طريقه، أن ذلك على
قدرة قوة الرجل وضعفه وبعد الموضع وقربه، فإن كان فيه مشقة أجزأه التيمم ولم يكن
عليه أن يعدل إليه.
وقال سحنون: ليس عليه أن يعدل عن طريقه إلى الماء ميلين وإن لم يخف. وأما إن
كان الماء على طريقه ولا يقدر أن يصل إليه فى وقت الصلاة إلا بأن ينفرد عن أصحابه
الميل ونصف ويخاف فى ذلك لسلابة أو سباع، فروى ابن القاسم عن مالك: عليه ذلك
وسنذكر شيئًا من هذا التيمم إن شاء الله، ويحتمل أن يكون الماء على طريق عمر بن
الخطاب فعجل السير إليه حين احتلم بحاجته إلى الاغتسال، وقد روى ذلك عبدالرزاق.
فصل: وقوله: ((فجعل يغسل ما رأى من الاحتلام حتى أسفر))، يريد أنه تتبع ما كان
فى ثوبه من المنى حتى أسفر الصبح، رأى أن تطهير ثوبه الذى هو فرض أولى من مبادرة
أول الوقت الذى هو أفضل، وهذا يدل على نجاسة المنى لأن اشتغاله به وتتبعه له حتى
ذهب أكثر الوقت وخيف عليه من ضيقه، وأنكر عليه عمرو بن العاص التأخير وأمره

٤١٣
الطهارة .
باستبدال ثوب، دليل على نجاسة الثوب عندهم ولو لم يكن نجسا عندهم لما اشتغل عمر
بغسله، ولو اشتغل به لقيل له تشتغل عن الصلاة بإزالة ما لم تلزم إزالته وبنجاسة المنى.
قال أبو حنيفة وقال الشافعى: هو طاهر، والدليل على نجاسته فعل عمر بن الخطاب
بحضرة جماعة من الصحابة فى سفره، وأفعاله كانت تنقل ويتحدث بها ولم ينكر ذلك
عليه منكر فثبت أنه إجماع. ودليلنا من جهة القياس أنه مائع تثيره الشهوة فوجب أن
یکون نجسا کالمذی.
فصل: وقول عمرو بن العاص: ((أصبحت))، هذه اللفظة تقولها العرب على وجهين،
أحدهما: أن يكون ذلك قبل الصباح، بمعنى أنك قاربت الصباح، وتستعمل بمعنى تمكن
الصباح وتنبيهه على قرب فواته، كقول عمرو لعمر بن الخطاب: أصبحت وقد أسفر،
تنبيها على تمكن الوقت وخوف فواته.
فصل: وقوله: ((ومعنا ثياب))، يريد أن معهم ثيابا طاهرة يصلى بها ويترك ثوبه حتى
يغسل بعد صلاته لئلا يفوتهم الوقت أو يصيروا فى ضيق منه.
فصل: وقوله: ((واعجبا لك يا عمرو بن العاص لئن كنت تجد ثيابًا أفكل الناس يجد
ثيابًا))، تعجب عمر بن الخطاب من عمرو بن العاص حيث لم ينظر فى حال جميع الناس
الذى لا يجد أكثرهم إلا ثوبًا واحدا، وبنى قوله على حال نفسه وأهل الجدة مثله، وعمر
ابن الخطاب من الأئمة المقتدى بهم، فكان يجرى أمره مجرى يقتدى به الفقير والضعيف،
قال: فإذا كنت تجد ثيابًا تلبسها من احتلام ولا تشتغل بغسل ثوبك فمن أين يجد غيرك
ذلك.
فصل: ثم قال: ((والله فعلتها لكانت سنة))، يريد لو تركت الاشتغال بغسل ثوبى
لكان ذلك سنة يقتدى بها من بعدى، فيؤديهم ذلك إلى أحد أمرين: إما ترك غسل
الثياب والصلاة بها على نجاستها. وإما اتخاذ ثياب معدة لذلك ويكلف ما لا يلزم من
الاستكثار، وعمر بن الخطاب رضى الله عنه كان يؤثر التقلل.
فصل: وقوله: ((بل أغسل ما رأيت وأنضح ما لم أر))، على ما تقدم، والنضح هو
الرش. وقال الداودى: هو صب الماء وليس بالرش وهو ضرب من الغسل.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: وأنضح يستعمل عندى فى الوجهين فى هذا
الثوب لما خص به ما شك فيه من النجاسة فى الثياب على معنى التدفئة، ولو كان صب
الماء يبلغ مبلغ الغسل لقال: أغسل ما رأيت وما لم أر.

٤١٤
· الطهارة
.....
فصل: وقول عمر: ((بل اغسل ما رأيت وأنضح ما لم أر))، يقتضى وجوب النضح
لأنه لا يشتغل عن الصلاة بالناس فى ذلك الوقت مع ضيقه إلا لمعنى واجب مانع من
الصلاة، وصرح بذلك بحضرة الصحابة فلم يسمع منكرًا لقوله ذلك ممن حضره ولا ممن
بلغه، ويحتمل أن يكون عمر رضى الله عنه شك فى نجاسة ثوبه لشىء رآه فيه لا يدرى
أنجس هو أم طاهر؟ فهذا قد قلنا: إنه يجب نضحه، ويحتمل أن يكون كان يتضحه لما
يخاف أن يكون قد وصل إليه من المنى مع النوم وعدم التوقى. وقد قال ابن حبيب عن
ابن الماجشون: من صلى ولم يتضح ثوبه، فإن كان ذلك لغير شك كالجنب والحائض
فلا شىء وینضحه لما يستقبل.
وروى أبو زيد فى العتبية عن ابن القاسم: يعيد فى الوقت، وكلا القولين مبنى على
صحة الصلاة.
وإن كان لشك فى نجاسته، فقد قال ابن حبيب: إن صلی به جاهلاً أعاد أبدًا، وإن
صلى به ناسيًا أعاد فى الوقت لأن النضح لما شك فيه كالغسل لما تيقن، وليس يشبه
المحتمل هذا شك وذلك لم يشك. وفى المجموعة عن ابن القاسم: من شك فى نجاسة
ثوبه فصلی قبل أن ینضحه أعاد فی الوقت.
قَالَ مَالِك فِى رَجُلٍ وَحَدَ فِى ثَوْبِهِ أَثْرَ اخْتِلامٍ وَلا يَدْرِى مَتَى كَانَ وَلا يَذْكُرُ
شًَّا رَأَى فِى مَنَّامِهِ، قَالَ: لِيَغْتَسِلْ مِنْ أَحْدَث نَوْمَ نَامَهُ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ
النَّوْمِ فَلْيُعِدْ مَا كَانَ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ النَّوْمِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الرَّحُلَ رُبَّمَا اخْتَلَمَ وَلا يَرَى
شَيْئًا وَيَرَى وَلا يَحْتَلِمُ، فَإِذَا وَجَدَ فِى ثَوْبِهِ مَاءً، فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ وَذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ أَعَادَ مَا
كَانَ صَلَّى لَآَخِرِ نَوْمٍ نَامَهُ وَلَمْ يُعِدْ مَا كَانَ قَبْلَهُ.
الشرح: وهذا كما ذكر مالك، رحمه الله، فيمن وجد فى ثوبه احتلامًا، ولم يذكر
شيئًا رآه، فالذى عليه جمهور الفقهاء أن الغسل وجب عليه، وبه قال الشافعى والنخعى.
وقال مجاهد: لا غسل علیه.
والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور أنه غير متيقن لطهارته وهى شرط فى
صحة صلاته وإذا لم يتيقن طهارته لم تتيقن صحة صلاته ولم تبرأ ذمته منها.
فصل: وقوله ((فيمن وجد فى ثوبه احتلامًا ولا يدرى متى كان ولا يذكر شيئاً: أنه
يغتسل من أحدث نوم نامه))، لا يخلو أن يلبس ذلك الثوب أبدًا لا ينام إلا فيه أو يكون

٤١٥٠
....
الطهارة .
ينام فيه فى بعض الأوقات دون بعض، فإن كان ينام فيه فى بعض الأوقات دون بعض،
أعاد ما صلى من الصلوات بعد أحدث نومة نامها لأنه مما لا يشك أن تلك الصلاة
ـلاها على غير طهارة، سواء كان ذلك الاحتلام فى تلك النومة أو قبلها، وما قبل
تلك النومة من الصلوات فهو شاك فيها، وهذا الشك إنما طرأ على الصلاة بعد كمالها
وبراءة الذمة منها.
وفيه قولان، أحدهما: أنه غير مؤثر فيها كما لو سلم من الصلاة ثم شك هل أحدث
بعد طهارته أم لا، فلا شىء عليه لأنه شك طرأ بعد تمام العبادة وتيقن سلامتها، فهذا
القول فى هذه المسألة مبنى على هذا الأصل.
والقول الثانى: أن الشك يؤثر فيها ويوجب إعادتها فعلى هذا القول يجب عليه إعادة
الصلوات كلها من أول نومة نامها فى ذلك الثوب، فيلزمه إعادة ما صلى بعد أحدث
نومة نامها، فى ذلك الثوب قولاً واحدًا، وما قبل ذلك على قولين لما ذكرناه، وهذا لم
يغتسل فى طول هذه المدة، فإن اغتسل فيها ولو مرة واحدة تعلق الشك بجميع الصلوات
وجرى الاختلاف فى جميعها على ما تقدم.
مسألة: ولو كان لابس هذا الثوب لا ينام إلا فيه، فروى ابن حبيب عن مالك، أنه
یعید الصلاة من أول نومة نامها فیه.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: ورواه أكثر شيوخنا يحملون هذا على أنه
تفسير لمسألة الموطأ وأن المسألتين مفترقتان، فإذا كان ينام فى غير هذا الثوب، فإنه يعيد
الصلاة من أول ما نام فيه وهذا التأويل عندى غير بين ولا فرق بين المسألتين من هذا
الوجه لأن الذى ينام فيه أبدًا يتيقن أن أخرى الصلوات صلاها على حدث ويشك فيما
قبل ذلك كما يفعل الذى ينام فيه مرة وفى غيره أخرى.
قال القاضى أبو الوليد رضی الله عنه: والصواب عندی أن يكون اختلف قوله فى
المسألة ونقلها عنه الناقل على غير ذلك، وهذا على أن هذه المسألة الثانية مبنية على أنه
لم يغتسل فى جميع المدة من جنابة، فإن اغتسل من جنابة كان حكمه ما تقدم أيضا.
فصل: وقوله: ((من أجل أن الرجل ربما احتلم ولا يرى شيئًا، ويرى ولا يحتلم))، يريد
أن الرجل قد يكون منه الإنزال بما يراه فى النوم فينسى ذلك جملة ولا يذكره، فهذا عليه
الاغتسال لأنه أنزل ملتذًا وخرج منه المنى على الوجه الصحيح من مقارنة اللذة، وإنما
ذهب عنه ذکر ذلك.

٤١٦
الطهارة
فصل: وقوله: ((ويرى ولا يحتلم))، يريد يرى فى نومه يجامع ولا ينزل، فلا يجب عليه
غسل لأن الغسل إنما يجب على الرجل بأحد أمرين: إما بالتقاء الختانين على ما تقدم، أو
بأنزال الماء الدافق على الوجه المعتاد، فمتى رأى المحتلم أنه يجامع ولا ينزل، فلا غسل
علیه لأنه لم يوجد منه أحد أمرین.
فصل: وقوله: ((وذلك أن عمر بن الخطاب أعاد ما كان صلى لآخر نومة نامها ولم
يعد ما كان قبله))، احتج بذلك على إعادة ما صلى بعد النوم ولم يفرق فى هذه المسألة
بين أن يكون ينام فى هذا الثوب أو ينام فيه وفى غيره، وكذلك حديث عمر محتمل،
ويحتمل أيضا أن يكون قد اغتسل قبل أحدث نومة نامها، ويحتمل أن يكون ذكر
احتلامه لما رأى المنى فى ثوبه أو لعله قد وجد فيه ما دله على حدوثه من رطوبة أو
غيرها، ويحتمل أن يكون رأى فى ذلك رأى مالك، والله أعلم.
*
غسل المرأة إذا رأت فى المنام مثل ما يرى ارجل
١١٣ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةً بْنِ الزُّبِيْرِ، أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ قَالَتْ لِرَسُولِ
اللّهِ ﴿لَ: الْمَرْأَةُ تَرَى فِى الْمَنَامِ مِثْلَ مَا يَرَى الرَّجُلُ، أَتَغْتَسِلُ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ
﴿َ: (نَعَمْ فَلْتَغْتَسِلْ)) فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: أُفِّ لَكِ! وَهَلْ تَرَى ذَلِكَ الْمَرْأَةُ؟ فَقَالَ لَهَا
رَسُولُ اللَّهِ ﴿: ((تَرِبَتْ يَمِينُكِ وَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ؟)) (١).
الشرح: وقولها: ((المرأة ترى فى المنام مثل ما يرى الرجل))، تريد من الإنزال
: ((نعم، فلتغتسل)) فأخبرها أن حكمها فى
والاحتلام (أتغتسل) فقال لها رسول الله
ذلك الغسل حكم الرجل يرى ذلك، فقالت لها عائشة: ((أف لك))، على معنى الإنكار
١١٣ - الحديث فى الموطأ برقم ١١٣. الاستذكار برقم ٩٥. أخرجه مسلم كتاب الحيض برقم
٣١١. والنسائى كتاب الطهارة برقم ١٩٦. وأبو داود برقم ٢٣٧. وأحمد بالمسند برقم
٢٥٦٦٣. والدارمى كتاب الطهارة برقم ٧٦٣.
(١) قال ابن عبدالبر: هكذا هذا الحديث فى الموطأ عن عروة أن أم سليم، وقال فيه ابن أبى
أويس: عن مالك، عن أبى شهاب، عن عروة، عن أم سليم. وكل من روى هذا الحديث عن
مالك لم يذكر فيه عن عائشة فيما علمت، إلا ابن أبى الوزير، وعبدالله بن نافع أيضا، فإنهما
روياه عن مالك عن عروة عن عائشة. انظر: (التمهيد، باب غسل المرأة إذا رأت فى المنام
مثلما يرى الرجل، حديث خامس عشر لابن شهاب عن عروة).

الطهارة
لقولها والإغلاط عليها لما أخبرت به عن النساء، قالت: ((وهل ترى ذلك المرأة)»؟ فقال
لها رسول الله : ((تربت يمينك)).
قال عيسى بن دينار: ما أراه يريد بذلك إلا خيرًا وما الإتراب إلا الغنى، فرأى أن
ترب وليس من الإتراب بسبيل، وإنما هو من الترب. وقال ابن نافع: معناه أضعف
عقلك أتجهلين هذا، وقد قيل: إن معناه افتقرت يداك من العلم، ومعناه على هذا، والله
أعلم، إذ جهلت مثل هذا فقد قل حظك من العلم، وهو معنى قول ابن كيسان.
وقال الأصمعى: معناه الحض على تعلم مثل هذا كما تقول: انج ثكلتك أمك، لا
يريد أن تثكل. وقال أبو عمر: معنى تربت يداك، أصابها التراب، ولم يدع عليها
بالفقر. وقال الداودى: وقد قال قوم: إنه تربت بالتاء، يريد استغنت من التراب الذى
هو الثبج، وقال: هى لغة القبط صيروا التاء ثاء حتى جرى على ألسنة العرب كما أبدلوا
من التاء فاء، والأظهر أن النبى ﴿﴿ خاطبها على عادة العرب فى تخاطبها وهم
يستعملون هذه اللفظة عند الإنكار لمن لا يريدون فقره، وإن كان معناها افتقرت يداك،
يقال ترب فلان إذا افتقر فلصق بالتراب، وأترب إذا استغنى صار ماله كالتراب كثرة،
ويحتمل أن يفعل ذلك بعائشة على وجه التأديب لها لإنكارها ما أقر عليه، وهو لا يقر
إلا على الصواب.
وقد روى عن النبى ﴿3﴾ أنه قال: ((اللهم فأيما مؤمن سببته فاجعل ذلك له قربة إليك
يوم القيامة)). فلا يمتنع على هذه الأقوال أن يقوم ذلك لها النبى ﴿3﴾ لتؤجر وليكفر بها
ما قالته لأم سليم. وروى حبيب عن مالك: تربت بمعنى خسرت، وهو معنى ما قدمناه
وقيل معناه امتلأ ترابًا، والله أعلم.
فصل: وقوله: ((من أین یکون الشبه))، یرید شبه الابن لأحد أبویه أو لأقاربه منه)،
ومعنى ذلك أن للمرأة ماء تدفعه عند اللذة الكبرى كما للرجل ماء يدفعه عند اللذة
الكبرى، فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة خرج الولد يشبه عمومته، وإذا سبق ماء المرأة
خرج الولد يشبه خؤولته.
١١٤ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ
١١٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٦. أخرجه البخارى كتاب العلم برقم ١٣٠.
ومسلم كتاب الحيض ٣١٣. والترمذى كتاب الطهارة برقم ١١٣. والنسائى كتاب الطهارة
برقم ١٩٧. وابن ماجه كتاب الطهارة وسننها برقم ٦٠٠. وأحمد بالمسند برقم ٢٥٩٦٤،
٢٦٠٣٩، ٢٦٠٧٣، ٢٦٥٧٣.

٤١٨
• الطهارة
....
أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النّبِىِّ ﴿؛ أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَتْ أُّ سُلَيْمٍ، امْرَأَةُ أَبِى طَلْحَةَ الأنْصَارِىِّ،
إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ه، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْنِى مِنَ الْحَقِّ(١)، هَلْ
عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا هِىَ اخْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ: (نَعَمْ. إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ)(٢).
الشرح: قولها: ((يا رسول الله، إن الله لا يستحى من الحق))، يحتمل أن تريد بذلك
لا يأمر أن يستحيا من الحق ويحتمل أن تريد به لا يمتنع من ذكره امتناع المستحى، وإنما
قدمت ذلك بين يدى قولها لما احتاجت إليه من السؤال عن أمر يستحى النساء من
ذكره، ولم يكن لها بد منه لأنه من أهم أمر دينها، فقدمت هذا من قولها بمعنى أنه إن
كان أمرًا يستحيا منه إلا أنه حق واجب يلزم النساء السؤال عنه والتوصل إلى علمه.
وقد روى عن عائشة أنها قالت: نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن
یتفقهن فی الدین.
فصل: وقولها: ((هل على المرأة من غسل إذا هى احتلمت)) تريد هل يلزمها غسل
كما يلزم الرجال من الاحتلام، فقال: ((نعم إذا رأت الماء)) يريد الماء الدافق عند اللذة
الكبرى وما يخرج من الرجل على هذا الوجه هو المنى، بتشديد الياء، وذلك أن الاحتلام
منه ما يكون معه الإنزال فيجب به الغسل، فذلك بين لها وفرق بين الأمرين.
(١) إن الله لا يستحى من الحق، قال الباجى: يحتمل أن تريد: لا يأمر أن يستحى من الحق،
ويحتمل أن تريد لا يمتنع من ذكره امتناع المستحى، قال: وإنما قدمت ذلك بين يدى قولها لما
احتاجت إليه من السؤال عن أمر يستحى النساء من ذكره ولم يكن لها بدّ منه. وقال الرافعى:
معناه لا يتركه فإن من يستحى من الشر يتركه، والمعنى أن الحياء لا ينبغى أن يمنع من طلب
الحق ومعرفته، وقال ابن دقيق العيد: لعل لقائل أن يقول إنما يحتاج إلى تأويل الحياء فى حق الله
إذا كان الكلام مثبتًا كما جاء إن الله حيى كريم، وأما فى النفى فالمستحيلات على الله تنفى
ولا يشترط فى النفى أن يكون المنفى ممكنًا، وجوابه أنه لم يرد النفى على الاستحياء مطلقًا بل
ورد على الاستحياء من الحق وبطريق المفهوم يقتضى أنه يستحى من غير الحق. فيعود بطريق
المفهوم إلى جانب الإثبات. ويستحى بياءين فى لغة الحجاز وبياء واحدة فى لغة تميم. انظر:
(تنوير الحوالك صـ ٥٦).
(٢) إذا رأت الماء: أى المنى بعد الاستيقاظ. وقال السيوطى: وزاد البخارى من طريق آخر عن
هشام: فغطت أم سلمة يعنى وجهها، وقالت: يا رسول الله وتحتلم المرأةُ، قال: نعم، تربت
يمينك فبم يشبهها ولدها، ولأحمد أنها قالت: وهل للمرأة ماء، فقال: هنّ شقائق الرجل. قال
الرافعى: أى نظائرهم وأمثالهم فى الخلق. انظر: (تنوير الحوالك صـ ٥٦).

............ ٤١٩
الطهارة
مسألة: وماء المرأة مخالف لماء الرجل، ماء الرجل أبيض خاثر رائحته كرائحة الطلع،
وماء المرأة رقيق أصفر.
جامع غسل الجنابة
١١٥ - مَالِك، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ يَقُولُ: لا بَأْسَ أَنْ يُغْتَسَلَ
◌ِفَضْلِ الْمَرََّةِ، مَا لَمْ تَكُنْ حَائِضًا، أَوْ جُنُبًا.
١١٦ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ يَعْرَقُ فِى الثَّوْبِ وَهُوَ
جُنُبٌ ثُمَّ يُصَلِى فِهِ.
١١٧ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ يَغْسِلُ جَوَارِيهِ رِحْلَيْهِ،
وَيُعْطِينَهُ الْخُمْرَةَ(١)، وَهُنَّ خُيَّضٌ.
الشرح: قوله: ((لا بأس أن يغتسل الرجل بفضل المرأة))، يريد لا بأس أن يغتسل
الرجل بفضل وضوء المرأة وبفضل غسلها، ما لم تكن المرأة فى استعمال الماء حائضًا أو
جنبًا، فإن ابن عمر كان لا يرى أن يغتسل الرجل بفضل المرأة الحائض والجنب، وبه قال
أحمد، وقال مالك وأبو حنيفة والشافعى وجمهور الفقهاء بجواز ذلك وقد تقدم الكلام
فيه.
فصل: وقوله: ((كان يعرق فى الثوب وهو جنب ثم يصلى فيه))، لأن الجنابة حدث
١١٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٧. وأخرجه من طريق آخر البخارى فى كتاب
وضوء الرجل مع امرأته ٩٩/١ عن ابن عمر. والنسائى ١٧٩/١ عن ابن عمر فى كتاب
الوضوء، باب الرخصة فى فضل المرأة. وأبو داود برقم عن ابن عمر ٢٠/١ كتاب الطهارة،
باب الوضوء بفضل المرأة. وذكر بالكنز ٥٨٠/٩ برقم ٢٧٥١٦ وعزاه للطبرانى، عن ابن
عمر، وبرقم ٢٧٥١٧ وعزاه لابن البخارى، عن ابن عمر جـ ٥٨١/٩.
١١٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٨.
١١٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٩.
(١) الخمرة: قال فى النهاية: هى مقدار ما يضع الرجل عليه وجهه فى سجوده من حصير أو
نسجة أو نحوه من الثياب، ولا يكون حمرة إلا فى هذا المقدار وسميت حمرة لأن خيوطها
مستورة بسعفها. انظر: (تنوير الحوالك صـ ٥٦، ٥٧).