Indexed OCR Text
Pages 321-340
.. الطهارة ٣٢٠. وقد روى عنه على بن زياد فى المجموعة: رب بئر فى الصفا والحجر لا يصل إليها شىء، ورب أرض رخوة يصل منها، فهذا أيضًا من المعانى التى يجب أن تراعى فى مثل هذا. وفى المجموعة من رواية ابن وهب عنه فى البئر يمتلئ من النيل إذا زاد ثم تقيم بعذر واله شهرًا لا يستقى منها، فتتغير رائحتها بغير شىء: لا بأس بالوضوء منها. وقد روى أشهب عنه فى العتبية فى خليج الإسكندرية الذى تجرى فيه السفن، فإذا جاء النيل صفا ماؤه وابيض، وإذا ذهب النيل ركد وتغير والمراحيض إليه خارجة، قال: لا يعجبنى إذا خرجت إليه المراحيض وتغير لونه، وقال بإثر هذا: اجعل بينك وبين الحرام سترًا من الحلال لا تحرمه، فظاهر هذا أنه منع منه كراهية واستظهارًا لا الحكم بنجاسته لأنه بحری المراحيض إليه يجوز أن يكون لها تأثير فيه. مسألة: ومن كان عنده مياه ماء فأكثر، فعلم نجاسة أحدها، ولم يعلم عينه، فذلك على ضربين، أحدهما: أن يتغير أحدها بنجاسة وسائرها بما لا يمنع الطهارة، والثانى: أن يكون سقط فى أحدها نجاسة يسيرة لم تغيره إلا أنه يمنع التطهير به عند ابن القاسم، فحکی ابن سحنون عن أبيه: يتيمم ويتركها، وبه قال المزنى. ويروى عنه: يتوضأ بأحدها ويصلى ثم يتوضأ بالآخر ويصلى، وبه قال ابن الماجشون. وقال محمد بن مسلمة: يتوضأ بأحدها، ويصلى ثم يغسل من الآخر مواضع الطهارة ثم يتوضأ به ويصلى. واختاره القاضى أبو محمد، وقال محمد بن المواز: يتحرى أحدها، فيتوضأ به ويصلى به ويجزئه، وبه قال أبو حنيفة والشافعى. وقال القاضى أبو الحسن: إن كان عدد المياه قليلاً لا يشق عليه أن يتوضأ من كل إناء منها ويصلى بطهارته، فلا يجوز التحرى، وإن كانت كثيرة يؤدى استعمال ذلك إلى المشقة، جاز له التحری. وجه منع التحرى أنه أمر يتعلق بأداء الصلاة اشتبه عليه، وله طريق يوصله إلى اليقين فيه، فلزمه كما لو نسى صلاة واحدة لا يدرى أى صلاة هى، فإنه يجوز له صلاة يوم ولیلة، ولا يجوز له التحری. ووجه قول سحنون أنه إذا توضأ بأحدها لم يؤد الصلاة بيقين، وإذا توضأ بكل واحد منها وصلى لزمه صلاتان للظهر، وهو خلاف الأصول، فوجب العدول إلى التيمم. ........... ٣٢١ الطهارة قال القاضى أبو محمد: وهذا أضعف الأقوال؛ لأنه يلزمه على هذا من نسى صلاة وجھل عینھا. ووجه قول ابن المواز بالتحرى، أن هذه عبادة تؤدى تارة بيقين، وتارة بظاهر، فجاز دخول التحرى فيها عند الاشتباه كاستقبال القبلة عند معاينتها. والظاهر مع عدم المعاينة واليقين فى الوصول أن يتوضأ من البحر والنيل، والظاهر أن يتوضأ بماء متغير لا يدرى ای شیء غيره. فرع: وأما إذا قلنا بقول ابن الماجشون ومحمد بن مسلمة فى الوضوء بكل إناء، فوجه قول عبدالملك فی تر که غسل أعضاء الوضوء بماء الإناء الثانى قبل الوضوء به، أن الماء الثانى إذا غلب على آثار الماء الأول فى الأعضاء، صار له حكم فى نفسه، فإمرار اليد معه على هذه الصورة يجزى من الوضوء به، ولا يلزمه نقله إلى العضو لرفع الحدث خاصة، بدليل من نزل عليه المطر، فأمر يده معه على أعضاء الوضوء، أجزأه. وقول محمد بن مسلمة مبنى على أنه يجب غسل العضو من النجاسة، ثم يستأنف غسله بعد ذلك للوضوء. وقال القاضى أبو محمد فى هذه المسألة: إن لم يغسل ذراعيه، جاز؛ لأنه ليس بمتحقق، وبناه على أن ذلك مذهب محمد بن مسلمة، وقد رأيت لمحمد ابن مسلمة مثل ما قدمته فيمن كانت فى ذراعيه نجاسة فتوضأ، ولم ينقلها: أنه يعيد أبدًا. فرع: وإذا قلنا بقول ابن المواز فى التحرى، فإنه يجوز ذلك مع تساوى المحظور والمباح مع كون المحظور أكثر، وهذا حكم الثياب، وبه قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: ذلك فى الثياب، ومنع ذلك فى المياه، وقال: لا يجوز التحرى فيها إلا إذا كان عدد المباح أكثر. والدليل على ما نقوله أن هذا جنس يجوز فيه التحرى إذا كان عدد المباح أكثر، فجاز فیه التحری وإن تساویا أو كان عدد المحظور أکثر کالثياب. فصل: وقوله: ((الحل ميتته))، يريد ما مات من حيوانه المنسوب إليه من غير ذكاة، والحيوان جنسان، بحرى وبرى، أما البحرى فنوعان، نوع لا تبقى حياته فى البر كالحوت، ونوع تبقى حياته فى البر كالضفدع والسرطان والسلحفاة. فأما الحوت، فإنه طاهر مباح على أى وجه فاتت نفسه، وبهذا قال مالك والشافعى. وقال أبو حنيفة: ما مات منه حتف أنفه، فإنه غير مباح. · الطهارة ٣٢٢ . والدليل على صحة قولنا قوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ [المائدة: ٩٦]، فقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وهو من أهل اللسان: صيده ما صدته، وطعامه ما رمى به. ودليلنا قوله ﴿﴿ فى البحر: ((هو الطهور ماؤه، الحل ميتته))، واسم الميتة إذا أطلق فى الشرع، فإنما يطلق على ما فاتت نفسه من غير ذكاة، ولذلك قال تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [المائدة: ٣]. مسألة: وأما ما تدوم حياته كالضفدع والسلحفاة، فهو عند مالك طاهر حلال لا يحتاج إلى ذكاة. وقال ابن نافع: هو حرام تجس، إن مات حتف أنفه. ووجه قول مالك، أن هذا من دواب الماء، فلم يفتقر إلى ذكاة کالحوت. ووجه قول ابن نافع أنه حیوان تبقى حياته فى البر كالطير. مسألة: وأما حيوان البر، فعلى نوعين أيضًا، ما له نفس سائلة كالطير والفأرة والحية والوزغة وشحمة الأرض. وزاد القاضى أبو الحسن: والبراغيث، فإن ذلك كله ينجس بالموت، وهذا الذى ذكره فى البراغيث، يحتاج إلى تحقيق لأن من هذا الخشاش ما يكون فيه دم ينتقل إليه وغيره، وليس له دم من ذاته كالبراغيث والبعوض. وقد قال سحنون فی برغوث وقع فی ترید: لا بأس أن يؤ كل. وفى كتاب ابن حبيب عن مالك: ما ليس له لحم ولا دم سائل كالخنفساء والنمل والدود والبعوض والذباب وما أشبه ذلك، من احتاج شيئا منها للدواء وغيره فلیذکه، بما يذكى الجراد، فجعل البعوض من صنف ما ليس له دم، وفيه دم ينتقل إليه، فعلى هذا إنما يراعى فى الدم أن يكون من نفس الحيوان، فيكون فيما ليس فيه دم قول واحد، أنه لا ینجس بالموت، وما له دم قول واحد، أنه ينجس بالموت، وفيما فيه دم وليس له دم القولان، ينجس على قول القاضى أبى الحسن، ولا ينجس على قول سحنون ومالك. ويحتمل ذلك وجهًا آخر، وهو أن يكون البرغوث ينجس بالموت إذا كان فيه الدم ولا ینجس إذا لم یکن فیه دم، وذكر اللحم فیما يعتبر به مع الدم والحلزوم لحم وحكمه حکم الجراد، والله أعلم. مسألة: وأما فأرة المسك، فقد قال أبو إسحاق: هى ميتة ويصلى بها. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: وتفسير ذلك عندى أنها كخراج يحدث ٣٢٣ الطهارة بالحيوان يجتمع فيه مداد ثم يستحيل مسكًا، ومعنى كونها ميتة أنها تؤخذ منه حال الحياة أو بذكاة من لا تصح تذكيته من أهل الهند؛ لأنهم ليسوا أهل كتاب، وإنما حكم لها بالطهارة، والله أعلم؛ لأنها قد استحالت عن جميع صفات الدم، وخرجت عن اسمه إلی صفات واسم يختص بها، فطهرت بذلك كما يستحيل الدم وسائر ما يتغذى به الحيوان من النجاسات إلى اللحم، فيكون طاهرًا ويستحيل الخمر إلى الخل، فيكون طاهرًا، وكما يستحيل ما يدمن به من العذرة والنجاسة تمرًا أو بقلاً فيكون طاهرًا، وإنما لم تنجس فأرة المسك بالموت لأنها ليست بحيوان، ولا جزء منه، فتنجس بعدم الذكاة، وإنما هى شىء يحدث فى الحيوان كما يحدث البيض فى الطير، والله أعلم. وقد أجمع المسلمون على طهارته، وهو أقوى فى إثبات طهارته من كل ما يتعلق به مما ذكرنا، وإنما ذلك معنی تبین به وجه حکمه، والله أعلم وأحكم. والنوع الثانى ما ليست له نفس سائلة كبنات وردان والصرار والخنفساء والذباب والحشرات، فإن ذلك لا ينجس بالموت. وقال الشافعى: ينجس بالموت. والدليل على ما نقوله، قوله 18: ((إذا وقع الذباب فى إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه، فإن فى أحد جناحيه داء، وفى الآخر دواء»، وإنه يؤخر الدواء ويقدم الداء، فلو كان ينجس بالموت، وينجس ما مات فيه لما أمرنا أن نفسد الطعام والشراب بغمسه فيه، فإنه بذلك يموت فى الغالب. ومن جهة المعنى أن هذا ليست له نفس سائلة، فلم ینجس بالموت كالجراد. ٤٠ - مَالِك، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ حُمَيْدَةَ بِنْتِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةً(١)، عَنْ خَلَيْهَا كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ أَبِى قَتَادَةً(٧) ٤٠ - أخرجه الترمذى كتاب الطهارة برقم ٥٨. والنسائى برقم ٦٨. وأبو داود برقم ٧٥. وابن ماجه كتاب الطهارة وسننها برقم ٣٦٧. وأحمد بالمسند برقم ٢٢٠٢٢، ٢٢٠٧٤، ٢٢١٣٠. والدارمى كتاب الطهارة برقم ٧٣٦. والحاكم ١٥٩/١ عن كبشة كتاب الطهارة، باب سور الهرة. والدارقطنى ٧٠/١ عن كبشة. والبيهقى فى السنن ٢٤٥/١ كتاب الطهارة، باب سور الهرة، عن كبشة. وابن أبى شيبة ٣١/١ كتاب الطهارات، باب من رخص فى الوضوء بسؤر الهرة، عن كبشة. والحميدى برقم ٤٣٠ عن كبشة. وابن خزيمة برقم ١٠٢ عن كبشة. والبغوى بشرح السنة ٦٩/٢ عن کیشة. (١) حميدة بنت أبى عبيد بن فروة: قال ابن عبدالبر: هكذا قال يحيى وهو غلط منه لم يتابعه عليه أحد، وإنما يقول رواة الموطأ كلهم ابنة عبيد بن رفاعة إلا أن زيد بن الحباب، قال فيه := · الطهارة ... ٣٢٤ الأنْصَارِىِّ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهَا: أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا، فَسَكَبَتْ لَهُ وَضُوءًا فَجَاءَتْ هِرَّةٌ لِتَشْرَبَ مِنْهُ، فَأَصْغَى لَهَا الإِنَاءَ حَتّى شَرِبَتْ، قَالَتْ كَبْشَةُ: فَرَآنِى أَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِى، قَالَتْ: فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((إِنْهَا لَيْسَتْ بِنَحَسٍ إِنَّمَا هِىَ مِنَ الطّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ أَوِ الطََّّقَاتِ(٣). الشرح: قوله: ((إن أبا قتادة دخل عليها))، يريد دخل عليها منزلها، وعلى هذا المعنى يستعمل هذا اللفظ. وقوله: ((فسكبت وضوءًا)) على معنى إكرام الحم، وإنما جاز له ذلك لأنه كان ذا محرم منها. فصل: وقوله: ((فجاءت هرة لتشرب منه، فأصغى لها الإناء))، يريد أنه أماله لها يمكنها من الشرب ابتغاء الأجر فى ذلك لأنها من ذى الكبد الرطبة، قالت كبشة: («فرآنى أنظر إليه)»، وإنما كان نظرها إليه تعجبًا من أن مكنها من أن تشرب من وضوئه، وقد شرعت فيه الطهارة مع ما علم أن الهرة تتناول من الميتة. وقوله: ((أتعجبين يا ابنة أخى))، يحتمل أن يكون على معنى التحقيق لما ظنه من تعجبها لجواز أن يكون نظرها إليه لغير ذلك، فلما قالت: ((نعم))، قال لها: ((إن رسول الله ﴾ قال: إنها ليست بنجس))، وهذا اللفظ ينفى نجاسة العين، فكل حى طاهر، فالهرة عند مالك طاهرة العين، وبه قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: هى نجسة العين، ولكنه لما لم يمكن الاحتراز منها عفى عن -عن مالك: حميدة بنت عبيد بن رافع نسبة إلى حدها وهو عبيد بن رافع بن مالك بن العجلان الأنصارى، وقال يحيى أيضًا حميدة بفتح الحاء، وأن عبيد الله بن يحيى ومحمد بن وضاح عنه وغير يحيى من رواة الموطأ عن مالك يقول حميدة بضم الحاء، وحميدة هذه امرأة إسحاق، وكذلك قال يحيى القطان ومحمد بن الحسن الشيباني عن مالك وكنيتها أم يحيى. انظر: (تنوير الحوالك صـ ٣٥، والتمهيد، حديث خامس عشر لإسحاق، عن حميدة). (٢) قال ابن عبدالبر: ورواه ابن المبارك، عن مالك، عن إسحاق، بإسناده مثله، إلا أنه قال: كبشة امرأة أبى قتادة، وهذا وهم منه، وإنما هى امرأة ابن أبى قتادة، وأما حميدة، فامرأة إسحاق، وكنيتها أم يحيى. انظر: (التمهيد، حديث خامس عشر لإسحاق، عن حميدة). (٣) قال ابن عبدالبر: معنى الطوافين علينا، الذين يداخلوننا ويخالطوننا، ومنه قول الله عز وجل فى الأطفال: ﴿طوافون عليكم بعضكم على بعض﴾. .... ٣٢٥ الطهارة سؤرها، وظاهر قوله : ((إنها ليست بنجس)) ينفى نجاسة العين، والله أعلم وأحکم. وأما نجاسة المجاورة، فهو أمر طارئ، والأصل عدمه، فإذا ظهرت النجاسة فى فيها أو علمت بتناولها الميتة فهى نجسة بالمجاورة، وإذا شربت فى إناء ماء، فغلب الماء النجاسة طهر فمها، وكان الماء طاهرًا بحسب ما تقدم. فصل: وقوله: ﴿: ((إنما هى من الطوافين عليكم)) تنبيه على تعذر الاحتراز منها وإشارة إلى تأكد طهارتها لعلة مؤثرة فيها. وقوله: ((أو الطوافات)) يحتمل أن يكون على معنى الشك من الراوى، ويحتمل أن يكون ﴿4 قال ذلك، يريد أن هذا الحيوان لا يخلو أن يكون من جملة الذكور الطوافين أو الإناث الطوافات. قَالَ مَالِك: لا يَأْسَ بِهِ إِلا أَنْ يُرَى فِى فَمِهَا نَجَاسَةٌ. الشرح: ومعنى ذلك: لا بأس باستعمال سؤرها، إلا أن يرى فى فيها نجاسة. وقال ابن حبيب: وإن وجدت عنه غنى، فهو أحب إلى، ومعنى ذلك التوقى مما يحصل فى الماء من ريقها، وربما غلب عليه وهذا على معنى الاختيار، وأما الإباحة فمتفق عليها. ٤١ - مَالِك، عَنْ يَحْبَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِىِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ فِى رَكْبٍ، فِهِمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، حَتّى وَرَدُوا حَوْضًا، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لِصَاحِبِ الْحَوْضِ: يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ، هَلْ تَرِدُ حَوْضَكَ السِّبَاعُ؟ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ لا تُخِْرْنَا، فَإِنَّا فَرِدُ عَلَى السِّبَاعِ، وَتَرِدُ عَلَيْنَا. الشرح: قوله: ((حتى وردوا حوضًا))، الورود مستعمل فى الشرب، وقد يحتمل أن يريد به الطهارة، والحوض مجتمع الماء. وقد روى عمرو بن دينار أن هذا الحوض محنة. ٤١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤٥. وأخرجه من طرق أخرى البيهقى عن أبى سعيد ٢٥٣/١. والنسائى عن أبى سعيد الخدرى ١٧٩/٧. وذكره بالكنز برقم ٢٨٣٠، ٤٨/١ وعزاه لأحمد، والنسائى، والحاكم، عن أبى سعيد الخدرى. وأحمد ٢٤/٣ عن أبى سعيد. ٣٢٦ • الطهارة ..... وقول عمرو بن العاص: ((هل ترد حوضك السباع»، استخبار لهم عن حال الماء إذ كان يختلف عنده ما ترده السباع، وما لا ترده. وقول عمر بن الخطاب: ((يا صاحب الحوض لا تخبرنا، فإنا نرد على السباع، وترد علينا))، إنكار لقول عمرو بن العاص، وإخبار أن ورود السباع على المياه لا تغير حكمها. ويحتمل قوله: ((فإنا نرد على السباع وترد علينا)»، معنيين، أحدهما: قصد تبيين علة منع الاعتبار بورودها لأن ما لا يمكن الاحتراز منه فمعفو عنه، والمعنى الثانى: أن يريد أن ورود السباع علينا، وورودنا عليها مباح لنا. مسألة: وقول عمر رضى الله عنه يقتضى أن أسآر السباع طاهرة، وبه قال مالك. وقال الشافعى: هى طاهرة إلا الكلب والخنزير. وقال أبو حنيفة: هی نجسة، واستثنى سؤر سباع الطير وكذلك سؤر الهوام. والدليل على ما نقوله أن هذا سبع، فوجب أن يكون سؤره طاهرًا كالهر. فرع: إذا ثبت أن أسآر السباع طاهرة، فإنها قد تكره لمعان، أحدها: أن يكون الماء يسيرًا يخاف عليه من غلبة ريقها عليه لكثرة ريق الكلب وما جانسه منها. وروى على بن زياد عن مالك فى المدونة من توضأ بما ولغ فيه كلب لم يعد فى وقت ولا غيره. وروى عنه على بن زياد عن مالك فى المجموعة. الكلب كالسباع لا يتوضأ بسؤرها إلا الهر، وهى من المعانى التى تقتضى الكراهية. قال سحنون: إلا أن الهر فى ذلك أيسر من الكلب، والكلب أيسر حالاً من السباع، وذلك بقدر الحاجة إليه؛ لأن النبى ﴿ علل طهارتها بتطوافها علينا. وفى المختصر: لا بأس بفضل جميع الدواب والطير، إلا أن يكون بموضع يصيب فيه الأذى، ولا بأس بسؤر الهر ما لم يكن بخطمه أذى، فبين أن حكم سائر الحيوان أشد؛ لأنه يعتبر فيه تمكنه من الأذى ولا يعتبر فى الهر إلا بمعاينة الأذى فى خطمه. فرع: وحكى ابن حبيب أن بعض العلماء كره أسار الدواب التى تأكل أروائها. وحكى ابن القاسم أنه قال: لا بأس به ما لم ير ذلك فى أفواهها عند شربها، إلا أن أكثرها يفعل ذلك. ٠ ٣٢٧ الطهارة وأما الجلالة التى تأكل القذر، فلا يتوضأ بسؤرها وليتيمم، فجعل الدواب لما كانت الحاجة إليها عامة، وكان أكلها أروائها فيها شائعًا بمنزلة الهرة التى تعم الحاجة إليها، وجميعها تأكل الميتة، وقد قال ابن القاسم فى المدونة: لا بأس بسؤر البرذون والبغل والحمار. مسألة: وأما سؤر الخنزير، فيكره لما ذكرناه، وروى أبو زيد فى حياض الريف: لا بأس بالوضوء والشرب منها، وإن ولغت فيها الكلاب، فإن ولغت فيها الخنازير، فلا يتوضأ ولا يشرب منها، وذلك أن كراهيتها أشد من كراهية الكلاب؛ لأنه لا يجوز اتخاذها بوجه. وقد حكى القاضى أبو الحسن أن الخنزير طاهر حال حياته، وهذا حقيقة المذهب، وغير ذلك محمول على الكراهية، وممنوع من الماء القليل لما يخاف أن يغلب عليه من ریقه. مسألة: والمقدار الذى لا يكره استعماله من الماء الذى ولغت فيه السباع كالحوض، ونحوه، قاله فى المختصر؛ لأن مثل هذا المقدار لا يغلب عليه ريقها ولا تغيره أفواهها، ويحتمل أن يريد بالسباع هاهنا غير الخنزير، ويريد برواية أبى زيد، الخنزير خاصة، ويحتمل أن يكون اختلافًا بين الروايتين فى الكراهية، ويكون الاختلاف فى حد القليل والكثير، والله أعلم. ٤٢ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: أَنْ كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِى زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ لَيَتَوَضَُّونَ جَمِيعًا (١). ٤٢ - أخرجه البخارى كتاب الوضوء برقم ١٩٣. والنسائى كتاب الطهارة برقم ٧١. وأبو داود برقم ٧٩. وابن ماجه كتاب الطهارة وسننها برقم ٣٨١. وأحمد بالمسند برقم ٤٤٦٧، ٥٧٦٥، ٥٨٩٢، ٦٢٤٧. وذكره بالكنز ٥٨٠/٩ برقم ٢٧٥١٦ وعزاه للطبرانى، عن ابن عمر. (١) قال ابن عبدالبر: رواه هشام بن عمار، عن مالك، فقال فيه: من إناء واحد، حدثنا خلف ابن قاسم، حدثنا على بن الحسن بن على الحرانى، حدثنا محمد بن معافى، ومحمد بن محمد. وحدثنا خلف، حدثنا عبدالله بن عمر بن إسحاق، حدثنا أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين، قالوا: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان الرجال والنساء يتوضئون على عهد رسول الله # من إناء واحد. ليس فى الموطأ من إناء ٣٢٨ الطهارة ..... الشرح: قوله: ((يتوضئون جميعًا))، يعنى مجتمعين فى فور واحد، هذا أظهر ما يحمل عليه هذا اللفظ، وقد يحتمل اللفظ الإخبار عن جميعهم أنهم كانوا يتوضئون، والأول أولى؛ لأن الفائدة فى الإخبار عنه، وأكثر الفقهاء على إباحة أن يتوضأ الرجال والنساء فى فور واحد من إناء واحد ويغتسل الرجل بفضل المرأة. وقال أحمد بن حنبل: لا يغتسل الرجل بفضل المرأة. والدليل على ما نقوله ما روى ابن عباس عن ميمونة أنها قالت: اجنبت أنا ورسول الله، فاغتسلت من جفنة، وفضلت منها فضلة، فجاء النبى ﴾ ليغتسل منها، فقلت له: قد اغتسلت منها، قالت: فأغتسل منها، وقال: ((إن الماء ليس عليه جنابة)). ودليلنا من جهة القياس أن هذين شخصين، فجاز أن يتوضأ أحدهما بفضل الآخر كالمرأة تغتسل بفضل الرجل. ما لا يجب منه الوضوء ٤٣ - مَالِكِ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أُمِّ وَلَدٍ = واحد، والمعنى فى ذلك سواء. =حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا بن محمد بن الحسين العسكرى، حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا الشافعى، أخبرنا مالك، عن نافع، عن عبدالله بن عمر، أنه كان يقول: إن الرجال والنساء كان يتوضئون فى زمن رسول الله ﴿، فى هذا الحديث دليل واضح على إبطال قول من قال: لا يتوضأ بفضل المرأة لأن المرأة والرجل إذا اغترفا جميعًا من إناء واحد فى الوضوء فمعلوم أن كل واحد منهما متوضئ بفضل صاحبه، وقد وردت آثار مرفوعة بالنهى عن أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة؛ وزاد بعضهم فى بعضها، ولكن ليغترفا جميعًا، فقالت طائفة: لا يجوز أن يغترف الرجل مع المرأة فى إناء واحد، لأن كل واحد منهما متوضئ حينئذٍ بفضل صاحبه. وقال آخرون: إنما كره من ذلك أن تنفرد المرأة بالإناء، ثم يتوضأ الرجل بعدها بفضلها، وكل واحد منهم روى ما ذهب إليه أثرًا. انظر: (التمهيد حديث تاسع وعشرون لنافع عن ابن عمر). ٤٣ - أخرجه الترمذى كتاب الطهارة برقم ١٣٣. وأبو داود برقم ٣٨٣. وابن ماجه كتاب الطهارة وسننها برقم ٥٣١. وأحمد بالمسند برقم ٢٥٩٤٩. والبيهقى بالسنن الكبرى ٤٠٦/٢ عن أم سلمة. كتاب الطهارة. وابن أبى شيبة ٥٦/١ عن أم سلمة. والبغوى بشرح السنة ٩٤/٢ عن أم سلمة. وأبو نعيم فى الحلية ٣٣٨/٦ عن أم سلمة. وذكره بالكنز ٢٧٢٧٨، ٥٢٧/٩ وعزاه لابن أبى شيبة. ٣٢٩ الطهارة .. الإِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنْهَا سَأَلَتْ أُمَّ سَلَمَةَ، زَوْجَ النّبِىِّ ﴿)، فَقَالَتْ: إِى امْرَأَةٌ أُطِيلُ ذَيْلِى، وَأَمْشِى فِى الْمَكَانِ الْقَذِرِ، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﴿َ: (يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ(١). الشرح: قوله: ((إنى امرأة أطيل ذيلى))، تريد أنها كانت تطيل ثوبها الذى تلبسه؛ ليستر قدميها فى مشيها على عادة العرب، ولم يكن نساؤهم يلبسن الخفاف، فكن يطلن الذيل للستر، ورخص النبى ﴿﴿ فى ذلك لذلك المعنى. فصل: وقولها: ((أمشى فى المكان القذر))، تريد أنها لا يمكنها ترك المشى فيه؛ لأن المتصرف الماشى يمشى على موضع قذر، وغير قذر؛ لأن الطريق لا يخلو فى الأغلب من هذا، وترك المشى فى مثل هذا يمنع التصرف جملة، والمرأة تحتاج من إرخاء ذيلها وستر قدميها فى المكان القذر إلى ما تحتاج إليه فى غيره. فصل: وقول أم سلمة: قال رسول الله : ((يطهره ما بعده))، أفتتها بالحديث وأخبرتها بما عندها فى ذلك من العلم ليجتمع لأم ولد إبراهيم معرفة الحكم، ونقل الحديث الموجب له، وهذا لما رأته أم سلمة من حفظها وضبطها، وأنها ممن تصلح لنقل العلم وفهمه، وهكذا يجب أن يكون حكم العالم إذا سأله من يفهم، ويصلح للتعليم عن مسألة بينها له، وذكر أدلتها وفروعها ما أمكنه، وبحسب ما يليق به ويصلح له. وإذا سأله عن مسألة من ليس من أهل العلم، ولا يصلح لنقله أجابه بحكم الذى سأله عنه خاصة. وقد اختلف أصحابنا فى معنى هذا الحديث وتفسير الموضع القذر الذى يطهر الذيل ما بعده، فروى ابن نافع عن مالك: أن ذلك فى الموضع اليابس الذى لا يعلق بالثوب. قال أبو بكر بن محمد: وقال بعض أصحابنا: إن معنى ما روى فى المرأة من جر ذيلها أن الدرع يظهره ما بعده، أنها تسحب ذيلها على الأرض ندية نجسة، وقد أرخص لها أن ترخيه وهى تجره، بعد تلك الأرض على أرض طاهرة، فذلك له طهور. قال الداودى: وقد قال بعض أصحاب مالك بظاهر الحديث، ورووه فى الرطب (١) يطهره ما بعده: قال ابن عبدالبر وغيره: قال مالك: معناه فى العن اليابس والقذر الجاف الذى لا يلصق منه بالثوب شىء وإنما يعلق فيزول المتعلق بما بعده لأن النجاسة يطهرها غير الماء. انظر: (تنوير الحوالك صـ٣٧). الطهارة .... ٣٣٠ واليابس، فأما من ذهب إلى أنه فى القشب اليابس، فإن القشب اليابس لا ينجس الثوب مجاورته، فلا يحتاج إلى تطهيره، فكذلك إذا مر الثوب على أرض يابسة، فإنه يحتاج إلى تطهيره؛ لأنه لا ينجس مروره ذلك. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: وأما معنى ذلك عندى، والله أعلم، أن النجاسة التى فى الطرقات لا يمكن الاحتراز منها مع التصرف الذى لابد منه للناس، فخفف أمرها إذا خفى عينها، فإذا مر الذيل على موضع نجس، ثم مر بعد ذلك على موضع طاهرًا خفى عين النجاسة، فأسقط عن اللابس حكم التطهير، ولو لم يمر على موضع يطهره بإخفاء عين النجاسة لظهرت عين النجاسة، ولوجب تطهيرها، وإنما معنى ذلك أن ما لم تظهر عين النجاسة لا يجب غسله. وإن جوزنا وجود نجاسة خفيت عينها به، وهذه بمنزلة الطرقات من الطين والمياه التى لا تخلو من العذرة والأبوال وأرواث الدواب، فإذا غلب عليها الطين، وأخفى عينها لم يجب غسل الثوب منها، فكان ذلك تطهيرًا لها، ولو ظهرت عين النجاسة، فإن رأتها لم يطهره إلا الغسل. وإنما معنى يطهره ما بعد أنها لم تعلم بالنجاسة، وإنما تخاف أن يكون ثوبها قد أصاب ما لا تخلو الطرقات منه، فقيل لها: إن خفاء عين النجاسة بما يتعلق بالثوب من الطين والتراب يمنعك من مشاهدة العين، وتحقق وصولها إليه، فيسقط عنك فرض تطهير ثوبك، وكان ذلك بمنزلة تطهيره، ولو مر رجل بطين فيه نجاسة فطارت على ثوبه وعلم بها ثم تطاير عليها طين، وأخفى عينها لم يكن له بد من غسلها، وإنما يسقط عنه غسلها إذا لم ير عينها فى ثوبه ولا علم بوصولها إليه. وهذا يقتضى أن سؤال المرأة إنما كان على ما يتوقع من النجاسات لمشيها فى المكان القذر ولا تعلم هل يتعلق بثوبها منه نجاسة أم لا؟، ولم تسأل عن مشيها على نجاسة معلومة مشاهدة بتيقن تعلقها بذيلها وأن تلك لابد من غسلها. ٤٤ - مَالِك، أَنْهُ رَأَى رَبِيعَةَ بْنَ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقْلِسُ (١) مِرَارًا، وَهُوَ فِى ٤٤ - أخرجه أبو داود برقم ٣٨٣، ١٠٢/١ كتاب الطهارة، باب الأذى يصيب الذيل، عن أم سلمة. والترمذى برقم ١٤٣، ٢٢٦ عن أم سلمة، كتاب الطهارة، باب الوضوء من الوطئ. وابن ماجه برقم ٥٣١، ١٧٧/١ كتاب الطهارة، باب الأرض يطهر بعضها بعضا، عن أم سلمة. وأحمد ٢٩٠/٦ غن أم سلمة. والبيهقى فى السنن الكبرى ٤٠٦/٢ عن أم سلمة،= ....... ٣٣١ الطهارة . الْمَسْجِدِ، فَلا يَنْصَرِفُ وَلا يَتَوَضَّأُ، حَتَّى يُصَلّىَ. الشرح: وهذا مما تقدم، أن ما خرج من غير السبيلين فلا ينقض الطهارة، نجسًا كان أو غيره، والقلس ماء أو طعام يسير يخرج إلى الفم، فلا يوجب وضوءًا وليس بنجس، فوجب غسل الفم، ولكن إن قلس طعامًا، فإنه يستحب تنظيف فمه منه بالغسل؛ لأن تنظيف الفم مشروع للصلاة كالسواك، وإنما كان ربيعة لا ينصرف حتى يصلى؛ لأنه كان يقلس، وذلك أمر خفيف يذهب بالبصر، وأما الطعام فإنه يبقى له أثر، فيستحب المضمضة منه. وقال أبو حنيفة: القلس أول القىء. فصل: وقوله: ((فلا ينصرف ولا يتوضأ))، يحتمل أن يريد وضوء الحدث، ويحتمل أن يريد به أنه لا يتمضمض، وهكذا روى هذا الحديث يحيى، وأكثر رواة الموطأ ورواه ابن حبيب، عن مطرف، عن مالك، أنه قال: كنت أرى ربيعة كثيرًا ما يقلس فى صلاته، فيمضی ولا ینصرف. سُئِلَ مَالِك عَنْ رَجُلٍ قَلَسَ طَعَامًا، هَلْ عَلَيْهِ وُضُوءٌ؟ فَقَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ وُضُوءٌ، وَلْيَتَمَضْمَضْ مِنْ ذَلِكَ وَلَيَغْسِلْ فَاهُ. الشرح: وهذا على معنى ما تقدم من أنه ليس عليه وضوء حدث وليست المضمضة عليه بواجبة، ولكنه يستحب أن يتمضمض من ذلك ويغسل فمه؛ لأن القلس لا يكون طعامًا متغيرًا، وإنما يستحب منه تنظيف الفم، وإزالة ما عسى أن يكون فيه من رائحة الطعام. ٤٥ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ خَقْطَ(١) ابْنَا لِسَعِيدٍ بْنِ زَيْدٍ، وَحَمَلَهُ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ. = كتاب الطهارة. وابن أبى شيبة ٥٦/١ عن أم سلمة. والبغوى فى شرح السنة ٩٤/٢ عن أم سلمة. وأبو نعيم فى الحلية ٣٣٨/٦ عن أم سلمة. وذكره فى الكنز ٢٧٢٧٨، ٥٦٧/٩ وعزاه لابن أبى شيبة. (١) القلس: قال فى النهاية: القلس بالتحريك. وقيل بالسكون ما خرج من الجوف ملأ الفم أو دونه وليس بقىء فإن عاد فهو القىء. انظر: (تنوير الحوالك صـ ٣٧). ٤٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤٨. وأخرجه ابن عدى فى الكامل ٣٤٧/١ عن ابن عباس. (١) الحنوط: نوع من الطيب يُطَيَّب به الميت. الطهارة ٣٣٢ الشرح: لا خلاف أن من حنط ميتًا لا وضوء عليه، ومن حمله فلا وضوء عليه عند جمهور الفقهاء. وما روى فى ذلك: من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ، فليس بثابت، ولو صح كان معناه أن يتوضأ إن كان محدثًا ليكون على وضوء، فیصلى عليه مع المصلين. قال يحيى: وسُئِلَّ مَالِك هَلْ فِى الْقَىْءٍ وُضُوءٌ؟ قَالَ: لا، وَلَكِنْ لِيَتَمَضْمَضْ مِنْ ذَلِكَ وَلْيَغْسِلْ فَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ وُضُوءٌ. الشرح: وهذا مما ذكرناه؛ لأنه لا ينتقض الوضوء بالقىء؛ لأنه خارج من غير السبیلین. وقوله: «يتمضمض من ذلك وليغسل فاه)»، ولا يخلو أن يكون القىء متغيرًا أو غير متغير، فإن كان غير متغير فغسل الفم منه على وجه الاستحباب لإزالة رائحته على ما تقدم، وإن كان تغير فهو نجس وغسل الفم منه واجب. * ترك الوضوءمما مست النار ٤٦ - مَالِك، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ الشرح: قوله: ((أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ))، يمنع وجوب الوضوء مما مست النار، وإن كان لم يذكر أنه مطبوخ، إلا أنه معلوم من حاله، فاستغنى عن ذكره كذكاة الشاة، وعلى ترك الوضوء مما مست التار جميع الفقهاء فى زماننا، وإنما كان الخلاف فيه فى زمان الصحابة والتابعين، ثم وقع الإجماع على تر که. وقد روى عن النبى و﴿﴾، بأسانيد لا بأس بها أنه قال: ((توضئوا مما أنضجت النار))، واختلف أصحابنا فى تأويل ذلك، فمنهم من قال: إنه لم يكن قط الوضوء مما أنضجت النار واجيًا، وإنما كان معناه المضمضة وغسل الفم على وجه الاستحباب. ٤٦ - وأخرجه البخارى كتاب الوضوء برقم ٢٠٧. ومسلم برقم ٣٥٤. والنسائى كتاب الطهارة ١٨٤. وأبو داود برقم ١٨٧. وابن ماجه كتاب الطهارة وسننها برقم ٤٨٨. وأحمد بالمسند برقم ١٩٨٩، ٢١٥٤، ٢٢٨٦، ٢٣٣٥، ٢٤٠٢، ٢٥٢٠، ٢٥٤١، ٣٠٠٥، ٣٢٧٧، ٣٤٤٣،٣٣٩٣. ٣٣٣ الطهارة . ومنهم من قال: قد كان واجبًا ثم نسخ، وتعلقوا فى ذلك بما رواه شعيب بن حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبدالله أنه قال: كان آخر الأمرين من رسول الله ﴿5﴾ ترك الوضوء مما مست النار. وقد قال قوم من أصحاب الحديث: إن شعيب بن أبى حمزة اختصر حديث ابن المنكدر الذى يأتى بعد هذا، فغير معناه، والله أعلم وأحكم، وقد ألحق بنواقض الطهارة معان نبين منها ما يليق بهذا الكتاب، فمتها أكل لحوم الإبل. قال مالك: لا ينقض الطهارة، وبه قال أبو حنيفة والشافعى وفقهاء الأمصار. وقال أحمد بن حنبل: ينقض ذلك الطهارة. والدليل على ما نقوله أن هذا لحم، فلم يجب بأكله وضوء كلحم الضأن. فرع: القهقة فى الصلاة لا تنقض الطهارة، وبه قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: تنقض الطهارة. والدليل على ما نقوله أن ما لا ينقض الطهارة خارج الصلاة، فإنه لا ينقضها داخلها کالكلام وقذف المحصنات. فرع: ورفض الطهارة ينقضها فى رواية أشهب عن مالك؛ لأنه روى عنه من تصنع للنوم، فعليه الوضوء، وإن لم ينم. قال الشيخ أبو إسحاق: وهذا يدل على أن رفض الوضوء يصح، وابن القاسم يخالف فى هذا ويقول: هو كالحج لا يصح رفضه من مختصر ما ليس فى المختصر. وجه رواية أشهب أن هذه عبادة يبطلها الحدث الأصغر، فصح رفضها كالصلاة. ووجه قول ابن القاسم أن هذه طهارة، فلم تبطل بالرفض كالطهارة الكبری. فرع: وأما الردة، فقال فى العتبية موسى بن معاوية، عن ابن القاسم، فيمن ارتد وهو على وضوء، ثم تاب وراجع الإسلام: الإسلام أحب إلى أن يأتنف الوضوء. قال يحيى: ذلك واجب عليه؛ لأن الشرك أحبط عمله. ووجه قول ابن القاسم أن هذه طهارة، فلم تبطلها الردة كالطهارة الكبرى. ووجه قول يحيى بن عمر قوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ [الزمر: ٦٥]، وهذا عام فى كل عمل إلا ما خصصه الدليل. ٣٣٤ الطهارة ..... ٤٧ - مَالِكِ، عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، مَوْلَى يَنِى حَارِثَةَ، عَنْ سُوَيِّدِ بْنِ النِّعْمَانِ، أَنْهُ أَخْرَهُ أَنْهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ه ◌َامَ خَيْيَرَ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالصَّهْبَاءِ(١) وَهِىَ مِنْ أَذْنَى خَيْبَرَ، نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ دَعًا بِالأَزْوَادِ، فَلَمْ يُؤْتَ إِلا بِالسَِّيقِ(٢) فَأَمَرَ بِهِ فَثُرِّىَ(٣) فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ وَأَكَلْنَا، ثُمَّ قَامَ إِلَى الْمَغْرِبِ فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا ثُمَّ صَلّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ. الشرح: قوله: «خرجنا مع رسول الله ټ عام خیبر))، یرید فتح خيبر. وقوله: ((بالصهباء، وهى من أدنى خيبر))، يريد أنها أدنى من أعمال خيبر إلى المدينة. وقوله: ((فأمر بالأزواد))، يريد أنه ﴿3﴾ أمر بها على التواسى فيها لما ضاقت الأزواد، وخاف أن یکون فیھم من لا زاد له، مثل ما روی أبو بردة، عن أبی موسی، قال النبى ـّ: ((إن الأشعريين إذا أرملوا فى الغزو، وقل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما عندهم فى ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم بالسوية، فهم منى وأنا منهم». ومثل هذا يجوز للإمام أن يفعله فى الأسفار والمواضع التى لا يوجد فيها الطعام. وقد فعل ذلك أبو عبيدة فى جيش الخبط، وسيأتى ذكره إن شاء الله. فهذا ما للإمام فعله لاسيما إذا فعل ذلك بزاد من يخصه، ومن يعلم مسارعته إلى ما يدعوه إليه من ذلك، ويحتمل أنه إنما أمر بخلط ما كان معه من الزاد ليطعم أصحابه وأهل الفقر ومن قرب منه. فصل: وقوله: ((فمضمض))، يريد لإزالة ذفر السمن والسويق للتنظيف للصلاة. وقد روى ابن عباس أن رسول الله و شرب لبنًا، فدعا بإناء فمضمض منه، وقال: ((إن له دسمًا)). ٤٧ - وأخرجه البخارى كتاب الإيمان برقم ٩، وكتاب الوضوء برقم ٢٠٩، ٢١٥، وكتاب الجهاد والسير برقم ٢٩٨١، وكتاب الأطعمة برقم ٥٣٨٤، ٥٣٩٠، ٥٤٥٥، والنسائى كتاب الطهارة برقم ١٨٦. وابن ماجه كتاب الطهارة وسننها برقم ٤٩٢. وأحمد بالمسند برقم ١٥٣٧٢، ٠١٥٥٦٠ (١) الصهياء: بفتح المهملة والمد، وهى من أدنى خيبر، أى: طرفها مما يلى المدينة، قال أبو عبيد البكرى فى معجم البلدان: هى على بريد من خيبر، وبين البخارى أن هذه الجملة من قول يحيى ابن سعيد أدرجت. انظر: (تنوير الحوالك صـ ٣٧). (٢) السويق: طعام يتخذ من مدقوق الحنطة والشعير. (٣) ثرى: أى مزج بالماء. ........... ٣٣٥ الطهارة وروى محمد بن يحيى أن مالكًا استحب لمن أكل طعامًا مسته النار أن يتمضمض قبل الصلاة، وهو من الفاكهة أخف، والصلاة بأثر الأكل أشد؛ لأنه إذا طال ذلك أزال الريق الرائحة. فصل: وقوله: ((ثم صلى ولم يتوضأ))، يريد وضوء الحدث، وهو دليل بين على أن لا وضوء مما غيرت النار، وأن ما رواه أبو هريرة من ذلك إن كان منسوخًا، فلم يشاهده، وإنما رواه عن غيره؛ لأن أبا هريرة لم يحضر التوجه إلى خيبر. ٤٨ - مَالِكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، أَنْهُمَا أَخْبُرَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ الَّيْمِىِّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُدَيْرِ، أَنْهُ تَعَشَّى مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ثُمَّ سَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. الشرح: ذکر فی هذا الحدیث أنه تعشی مع عمر بن الخطاب، ثم صلی ولم يتوضأ، ولم يذكر إن كان ما تعشى به مما مسته النار، وقد يجوز أن يكون تمرًا لم تمسه النار، إلا أنه حمله على الأغلب من أحوال الطعام، أنه لا يستبد بما مسته النار. ٤٩ - مَالِكِ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْمَازِيِّ، عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَكَلَ خُبْزًا وَلَحْمًا، ثُمَّ مَضْمَضَ، وَغَسَلَ يَدَيْهِ، وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ. الشرح: قوله: ((ثم مضمض))، يريد لإزالة رائحة الطعام من الفم على ما روى من فعل النبى ﴿﴾ وقوله: ((وغسل يديه ومسح بهما وجهه))، يريد أنه مسحه ببلل يديه ليزيل عنه الشعث. وقوله: ((ثم صلى ولم يتوضأ))، من باب ما ذكرناه من أنه لا ينقض الوضوء كل ما مسته النار. ٥٠ - مَالِك أَنّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانًا لا يَتَوَضَّفَانِ مِمَّا مَسَّتِ النّارُ. ٤٨ - الحديث فى الموطأ برقم ٤٩. ٤٩ - أخرجه أبو داود، عن جابر بن عبد الله برقم ١٩٢ جـ ٤٨/١. ٥٠ - الحديث فى الموطأ برقم ٥١. ٣٣٦ الطهارة ٥١ - مَالِك، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنْهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةً، عَنِ الرَّجُلِ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ يُصِيبُ طَعَامًا قَدْ مَسَّنْهُ النّارُ، أَيْتَوَضَّأُ؟ قَالَ: رَأَيْتُ أَبِى يَفْعَلُ ذَلِكَ وَلا يَتَوَضَّأُ. الشرح: سأل يحيى بن سعيد، عبدالله بن عامر عن ما عنده فى الوضوء مما مسته النار، فأجابه بعمل أبيه عامر بن ربيعة فى هذا، وهذا يدل على أخذه به وموافقته له علیه، ولولا ذلك ما أجابه. ٥٢ - مَالِكِ، عَنْ أَبِى نُعَيْمٍ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِىَّ يَقُولُ: رَأَيْتُ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ أَكَلَ لَحْمًا ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ. الشرح: وإنما اختلف مالك، رحمه الله، فى هذه الآثار كلها، وفعل الصحابة وفتوى التابعين بعدهم بخلاف جماعة من الصحابة والتابعين فى ذلك لاسيما أهل المدينة. روى ذلك عن عائشة، وأم حبيبة، وزيد بن ثابت، وابن عمر وعمر بن عبدالعزيز، وابن شهاب، فلذلك اختلف مالك، رحمه الله، فيما عنده فى ذلك من الأحاديث وعمل الأئمة من الصحابة، والله أعلم. ٥٣ - مَالِك، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، أَنَّ رَسُولَ اللَِّ ﴿ دُعِىَ لِطَعَامِ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْزٌ وَلَحْمٌ، فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى، ثُمَّ أُتِىَ بِفَضْلٍ ذَلِكَ الطّعَامِ، فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّا(١). الشرح: وضوؤه 18 بعد أن أكل من الخبز واللحم، يحتمل أن يكون لأجل الطعام الذى مسته النار، ثم يكون ترك الوضوء منه فى الصلاة الثانية ناسخًا له، ويحتمل أن ٥١ - الحديث فى الموطأ برقم ٥٢. ٥٢ - أخرجه ابن ماجه كتاب الطهارة وسنتها برقم ٤٨٩. ٥٣ - أخرجه الترمذى كتاب الطهارة برقم ٧٥. والنسائى برقم ١٨٥. وأبو داود برقم ١٩١، ١٩٢. وابن ماجه كتاب الطهارة وسننها برقم ٤٨٩. وأحمد بالمسند برقم ١٤٠٤٤. وقال السيوطى فى تنوير الحوالك: وصله أبو داود من طريق ابن جريج والترمذى من طريق سفيان بن عيينة كلاهما عن محمد بن المنكدر عن جابر، وفيه: أن الداعى امرأة من الأنصار. (١) قال ابن عبدالبر عند هذا الحديث: مرسلات مالك كلها صحيحة مسندة. انظر: (تنوير الحوالك صـ٣٨). ٣٣٧٠ ... .... الطهارة .. يكون وضوؤه أولاً؛ لأنه لم يكن على طهارة ثم بين بتركه الوضوء بعد هذا أن ما فعله أولاً لم یکن لما مسته النار. ٥٤ - مَالِك، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ الأنْصَارِىِّ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَدِمَ مِنَ الْعِرَاقِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو طَلْحَةَ وَأَبِىُّ ابْنُ كَعْبٍ، فَقَرَّبَ لَهُمَا طَعَامًا قَدْ مَسَّنْهُ النَّارُ، فَأَكُلُوا مِنْهُ، فَقَامَ أَنَسٌ فَتَوَضَّأَ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ وَأَبَىُّ بْنُ كَعْبٍ: مَا هَذَا يَا أَنْسُ، أَعِرَافِيَّةٌ﴾(١) فَقَالَ أَنَسَ: لَيْتَنِى لَمْ أَفْعَلْ، وَقَامَ أَبُو طَلْحَةَ وَأَبَىُّ بْنُ كَعْبٍ، فَصَلَّا وَلَمْ يَتَوَضَّأَ . الشرح: قوله: ((إن أنس بن مالك قدم من العراق فدخل عليه أبو طلحة وأبى بن كعب))، هذه سنة فى زيارة القادم من السفر. وقول أبى طلحة وأبى بن كعب: ((ما هذا يا أنس أعراقية))، إنكار منهما لوضوئه مما مست النار، ونسبا ذلك الموضع الذى جاء منه بمعنى أنه مخالف للسنة التى تستفاد بالمدينة، وتتعلم من أهلها بمعنى أن هذا مما أخذته من أهل العراق، أو رأيته من بعض أهلها. وقول أنس: ((ليتنى لم أفعل))، انقياد منه لقولهما، ورجوع لرأيهما وموافقتها، ونبذ لما فعله من الوضوء مما مست النار. ويحتمل أن يكون أنس فعل ذلك تجديدًا للوضوء لا لاعتقاد وجوب الوضوء مما مست النار، فأنكر عليه موافقة من خالف السنة عندهما فى ذلك، وإن وافقهم فى الصورة دون المعنى، فقال أنس: ليتنى لم أفعل، لما ظهر له من موافقته من غير الصواب فى الوضوء مما مست النار، فيجب ترك النوافل التى تدعى فيها الفرائض، ويكثر فى ذلك الخلاف حتى يخاف عليه منه اعتقاد الخطأ لاسيما إذا كان ممن يقتدى به، ويعتمد على قوله. ٥٤ - أخرجه من طرق أخرى ابن عدى فى الكامل ٣٤٧/١ عن ابن عباس. (١) أعراقية: قال ابن رشيق أى أبالعراق استفدت هذا العلم، يعنى: وتركت عمل أهل المدينة. ٣٣٨ الطهارة ..... جامع الوضوء ٥٥ - مَالِكِ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ سُئِلَ عَنِ الاسْتِطَابَةِ(١)، فَقَالَ: ((أَوَ لا يَجِدُ أَحَدُكُمْ ثَلاثَةَ أَحْجَارٍ(٢). الشرح: الاستطابة هى الاستجمار بالأحجار، مأخوذ من الطيب، فلما سئل عن ذلك قال : ((أو لا يجد أحدكم ثلاثة أحجار))، يريد بذلك تسهيل الأمر وتيسيره؛ لأن المحدث لا يكاد يعدم مثل هذا، وعلقه بالثلاثة من الأحجار؛ لأنه مما يقع به الإنقاء فى الغالب، وإنما قصر على الأحجار؛ لأن أكثر ما يستعمل فى الاستطابة وتتهيأ إزالة عين النجاسة به. وقد روى ابن عبدالحكم، عن مالك أنه تستحب الاستطابة بها. ووجه ذلك لفظ الحديث؛ لأنه متفق عليه. مسألة: فإن استحمر بغير ذلك من الخرق والقشب وما فى معناهما جاز، خلافًا لزيد فى قوله: لا يجوز شىء من ذلك. ودليلنا أن هذا ظاهر منفصل منق لا حرمة له، فجاز الاستجمار به كالأحجار. مسألة: وأما الاستجمار بالعظم والروثة والحمئة، فروى ابن القاسم عن مالك النهى عن الاستجمار بالعظم والروث، وروى عنه مثل ذلك فى الحمئة. وروى عنه أشهب أنه قال: ما سمعت فى العظم الروث نهيًا عامًا، وأما أنا فى علمى، فما أرى به بأسًا. واختار القاضى أبو الحسن أن الاستجمار بذلك يجزئ. ٥٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٠. وهو حديث مرسل، وصله أبو داود عن عائشة كتاب الطهارة، باب الاستنجاء بالحجارة. والنسائى كتاب الطهارة باب الاجتزاء فى الاستطابة بالحجارة دون غيرها. وأخرجه أبو داود برقم ٤٠ عن خزيمة بن ثابت ١٠/١ كتاب الطهارة، باب الاستنجاء بالحجارة، عن عائشة أم المؤمنين. والنسائى فى كتاب الطهارة، باب الاستنجاء بالحجارة، عن أم المؤمنين عائشة ٤٢/١. وذكره فى مجمع الزوائد ٢١١/١ عن سهل بن سعد، وعزاه للطبرانى فى الكبير. (١) الاستطابة: التطهر بعد قضاء الحاجة بالماء. (٢) قال ابن عبدالبر: هكذا رواه عن مالك جماعة الرواة مرسلا إلا ما ذكره سحنون فى رواية بعض الشيوخ عنه عن ابن القاسم عن مالك عن هشام عن أبيه عن أبى هريرة، قال: وقد روى عن ابن بکیر أيضًا فى الموطأ هكذا، وهو غلط فاحش، ولم يروه واحد كذلك لا من أصحاب هشام ولا من أصحاب مالك ولا رواه أحد عن عروة عن أبى هريرة وإنما رواه مسلم بن قرظ عن عروة عن عائشة، قلت: ومن طريقها أخرجه أبو داود والنسائى. ٣٣٩ الطهارة وجه القول الأول أنها ممنوعة لحق الغير لما روى عن النبى ﴿﴿ أنه قال: ((إنها زاد إخوانكم من الجن))، وما منع من الاستجمار به لحق الغير لا يمنع صحة الاستجمار كمن تمسح بثوب لغيره، أو استجمر بحجارة لغيره. مسألة: ويمنع الاستجمار بما كان نجسًا أو مكروهًا، وبكل شىء مأكول، قال الشيخ أبو بكر: فإن فعل، فلا أعرف فيه نصًا لمالك ولا لأحد من أصحابنا، وعندى أنه قد أساء، ولا شىء علیه کمن استنجی بیمینه. وقال أصبغ: يعيد فى وقت الصلاة، أى المفروضة. وقولنا فى القياس المتقدم: لا حرمة له، يقتضى أنه لا يجوز له ذلك ولا يجزى؛ لأن له حرمة والله أعلم، وقد رأيت القاضى أبا محمد يشترط الطهارة فيما يستجمر به. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: والذى عندى أنه إن كان ما يستجمر به نجس العين، فإنه لا يجوز الاستجمار به، فقد طرأت على المحل نجاسة بنجاسة ما استجمر به، وزوال ما أراد إزالتها، ولا ترتفع هذه النجاسة إلا بالغسل؛ لأنها نجاسة واردة غير معتادة، فلا يؤثر فيها الاستجمار، وإنما يؤثر فى إزالتها وتطهير المحل منها الماء الطاهر المطهر، وإن كان ما استجمر به نجسًا بالمجاورة كالحجر، فإن باشر الاستجمار بالموضع الذى فيه النجاسة، فحكمه ما تقدم، وإن باشر الاستجمار بموضع طاهر منه كالحجر الواحد منه فى أحد جهاته نجاسة، فيستجمر هو بجهة طاهرة، فإن الاستجمار به يصح ولا يضره وجود النجاسة فى جهة غير الجهة التى باشر الاستجمار بها، وبالله التوفيق. وقوله ﴿: ((أو لا يجد أحدكم ثلاثة أحجار)) اختلف العلماء فى اعتبار العدد، فذهب مالك إلى الاعتبار بالإنقاء دون العدد، وبه قال أبو حنيفة. وقال أبو الفرج والشيخ أبو إسحاق: الاعتبار بالعدد مع الإنقاء، وبه قال الشافعى. وجه قول مالك ما روى عن النبى ﴿﴿ أنه قال: ومن استحمر فليوتر، والوتر يكون واحدًا، وهو أقل من الثلاثة. ومن جهة المعنى أن هذه إزالة نجاسة، فلم يعتبر فيها العدد کالغسل. ! فى حديث سلمان: ونهانا أن نستنجی ووجه قول أبى الفرج ما روى عن النبى بأقل من ثلاثة أحجار. فإن قلنا بقول مالك، ووقع الإنقاء بأقل من ثلاثة أحجار، فإنه يستحب له أن يكمل