Indexed OCR Text

Pages 301-320

الطهارة
٣٠٠
الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: ٦] الآية، وهذا قائم إلى الصلاة، فوجب عليه
الوضوء.
ودليلنا من جهة المعنى أن الغالب من النوم مع الاستثقال خروج الحدث لاسترخاء
المفاصل، فأجری جمیعه مجری غالبه.
فرع: وليس النوم بحدث فى نفسه، لما روى ابن عباس أنه قال: بت عند خالتى
ميمونة، والنبى ﴿لَ﴾ عندهم فتوضأ، ثم قام يصلى، فقمت عند يساره، فأخذنى فجعلنى
عن يمينه، فصلى ثلاث عشرة ركعة، ثم نام حتى نفخ، وكان إذا نام نفخ، ثم أتاه المؤذن
فخرج وصلى ولم يتوضأ.
فرع: وحكم وجوب الوضوء به أن من استغرق فى النوم وطال أمره على أى حالة
كان، فعليه الوضوء. وقال أبو حنيفة: من نام على هيئات الصلاة، فالوضوء عليه، وقال
الشافعى: من نام جالسًا فلا وضوء عليه. ورواه ابن وهب عن مالك.
والدليل على صحة المشهور من المذهب أن هذا مستغرق النوم، فوجب عليه الوضوء
أصل ذلك المضطجع.
فرع: ولا وضوء ليسير النوم خلافًا لأبى إبراهيم المزنى فى قوله: إن الوضوء يجب
بقليل النوم وكثيره.
والدليل على ما نقوله أن النوم ليس بحدث فى نفسه، وإنما يجب الوضوء لما يخفى عنه
وقوعه كغيره من الحدث الذى يكون الغالب خروجه، وأما يسير النوم، فإنه يخلو من
ذلك ولا يخفى عليه ما يجرى له من ذلك ومن غيره.
إذا ثبت ذلك، فإن أحوال الإنسان تختلف فى النوم باختلاف هيئته على ضربین،
أحدهما: يكثر منه الحدث ويتهيأ خروجه. والثانى: لا يمكن معه فى الغالب، وهو
بمعنيين، أحدهما: لا يتهيأ معه الاستغراق فى النوم كحالة الركوع، والثانى: لا يتهيأ معه
خروج الحدث کحال الجلوس.
فإذا تهيأ أن يتفق المعنيان، فلا يمكن استغراق النوم، ولا يتهيأ خروج الحدث، فلا
وضوء على من نام على هذه الهيئة، وهى هيئة الاحتباء.
وإن انفردت إحدى الحالتين، فإن مالكًا، رحمه الله، راعى الهيئة التى لا يمكن معها
خروج الحدث، فيقول: لا وضوء على من نام جالسًا، ما لم يطل ذلك، ولا يراعى

٣٠١
........
الطهارة .
الهيئة الأخرى، فيوجب الوضوء على من نام راكعًا. وابن حبيب يراعى هذه الهيئة، ولا
يوجب عليه الوضوء.
٣٧ - مَالِك، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، أَنَّ تَفْسِيرَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا
قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ
وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] أَنَّ ذَلِكَ إِذَا قُمْتُمْ مِنَ الْمَضَاجِعِ، يَعْنِى النَّوْمَ.
الشرح: ذهب زيد فى هذه الآية إلى أن القيام إنما هو القيام من النوم خاصة، وذهب
إلى ذلك جماعة من المالكيين وغيرهم، واستدلوا على ذلك بأن الآية قد ورد فيها ذكر
سائر الأحداث الموجبة للوضوء، فيجب حمل أولها على القيام من النوم ليجتمع فى الآية
أنواع الأحداث الموجبة للوضوء.
وذهب غير زيد بن أسلم إلى أن الآية عامة فى كل قائم إلى الصلاة إلا ما خصه
الدليل، وليس هذا ببعيد؛ لأنه لا يمتنع أن يعم فى أول الآية جميع الأحداث، ثم يخص
بعضها بالذ کر بعد ذلك.
فصل: وقوله عز وجل: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: ٦]، قال القاضى أبو محمد:
معناه، فاغسلوا وجوهكم للصلاة. قال: وذلك دليل على اعتبار النية فى الطهارة، وإلى
ذلك ذهب مالك والشافعى وجمهور الفقهاء.
والدليل على ما نقوله الآية المتقدمة. ومن جهة السنة قوله ﴿165: ((إنما الأعمال بالنيات
وإنما لامرئ ما نوى))، وهذا ما لم ينو الوضوء، فلم يكن له. ودليلنا من جهة القياس أن
هذه طهارة تتعدى محل موجبها من جسم المكلف، فافتقرت إلى النية. أصل ذلك التيمم.
إذا ثبت ذلك، ففيه ثلاثة أبواب، الأول: فى تبيين ما يفتقر إلى النية من الطهارة، والباب
الثانى: فى إيضاح ما يجزئ فى ذلك من النيات، والباب الثالث: فى محل النية من
الطهارة.
٣٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤٢. أخرجه أبو داود ٤٣/١ كتاب الطهارة، باب
الرجل يصلى الصلوات بوضوء واحد برقم ١٧٢ عن بريدة. الترمذى ٨٩/١ برقم ٦١ كتاب
الطهارة، باب ٤٥ عن بريدة. النسائى ٨٦/١٠ عن بريدة بكتاب الطهارة. مسلم ٢٣٢/١
كتاب الطهارة، باب ٢٥ عن بريدة. ابن ماجه برقم ٥١٠ عن بريدة. أحمد ٣٥٠/٥ عن
بريدة. البيهقى فى السنن الكبرى ١٦٢/١ عن بريدة. أبو عوانة ٢٣٧/١ عن بريدة. ذكره
الزيلعى بنصب الراية ١٦٤/١ عن بريدة.

٣٠٢
...
. الطهارة
باب فيما يفتقر إلى النية من الطهارة
إذا ثبت ذلك، فإن غسل الجمعة يفتقر إلى النية عند جمهور أصحابنا، ويجىء على
قول أشهب والشيخ أبى إسحاق أنها لا تفتقر إلى نية.
فوجه القول الأول قوله: ﴿: ((إنما الأعمال بالنيات)). ومن جهة المعنى أن هذا الغسل
وإن كان أصله لما يكون بالإنسان من العرق والصنان الذى يلزم إزالته للصلاة التى شرع
لها النظافة والتجمل، فإنه قد اعتبر فيها من العدد وغير ذلك مما يعتبر فى العبادات
المحضة كالوضوء وغسل الجنابة، فثبت لها حكم العبادة، فافتقرت إلى النية، ولأنها
أيضًا تتعدى محل موجبها لأنها تلزم من لا عرق له ولا صنان، وتتعلق من الأعضاء بما
یعدم فيه ذلك کما تتعلق بما يوجد فيه ذلك.
ووجه قول أشهب وأبى إسحاق أنها طهارة لإزالة معنى، فاعتبرت إزالته دون النية
کغسل الجنابة.
مسألة: وأما غسل اليدين قبل إدخالهما فى الإناء، فإن افتقاره إلى النية يتخرج على
وجهين، من جعله من سنن الوضوء كابن القاسم، اعتبر فيه النية، ومن رأى غسلهما
علی سبیل النظافة کأشهب ویحیی بن یحیی، فلا يعتبر فى ذلك نية. وقد روى ابن وهب
عن مالك ما يقتضى الوجهين جميعًا.
مسألة: وأما غسل الذكر من المذى، فحكى الشيخ أبو محمد فى نوادره، أنه لا يفتقر
إلى النية كغسل النجاسة.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: والصحيح عندى أنه يفتقر إلى النية؛ لأنها
طهارة تتعدى محل وجوبها. وأما من خلع خفيه بعد المسح عليهما، فأراد أن يغسل
رجليه أو يمسح على خفين أسفلين.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: وقد انفصلت من جملتها، فلابد من تجديد
النية لها، وكذلك من نسى غسل عضو من أعضاء الطهارة الكبرى والصغرى، ثم ذكره
بعد أن جف وضوءه وطال أمره، فإنه لابد له فى غسله من النية.
مسألة: وأما من مس ذكره بيده فى أثناء غسله قبل غسل أعضاء الوضوء، فليس
عليه تجديد النية، وإن كان ذلك بعد غسل أعضاء الوضوء، فقد قال الشيخ أبو محمد:
يحتاج إلى تجديد نية الوضوء عند غسل أعضاء الوضوء، ومنع من ذلك الشيخ أبو

٣٠٣٠
الطهارة
الحسن، وسيأتى ذكره فى الوضوء من مس الذكر، إن شاء الله تعالى ..
باب فى إيضاح ما يجرى من النية
وأما الباب الثانى، فيما يجزئ من النية فى الطهارة، فإن الاعتبار فى ذلك بمعنيين،
أحدهما: بما يتناول من الأحداث والأسباب، والثانى: بما يتناول من العبادات، فإذا
تساوت الطهارتان فى أنفسهما وفيما تتناوله من الأحداث والأسباب، وفيما تمنعه من
العبادات، فلا خلاف أن نية إحدى الطهارتين تنوب عن الأخرى، وإن تساوتا فى
الغسل، واختلفتا فى أن إحداهما عن حدث، والأخرى سبب غسل الجنابة، والغسل
للرواح للجمعة، فقد اختلف أصحابنا فيمن اغتسل للجمعة ولم ينو الجنابة، فقال ابن
القاسم: لا يجزيه نية الغسل للرواح عن نية الجنابة، ورواه عن مالك، وبه قال ابن
عبدالحكم وأصبغ. وقال ابن وهب وابن كنانة وابن الماجشون ومطرف وابن نافع:
تجزیه. ورووه عن مالك.
فوجه قول ابن القاسم أن غسل الجمعة غير واجب، فلا تجزيه نية عن نية غسل
الجنابة، وهو واجب.
ووجه القول الثانى أن غسل الجمعة مشروع مأمور به، فوجب أن تجزى نيته عن نية
غسل الجنابة. قال ابن حبيب: كمن توضأ لنافلة، فإنه يصلى بها فريضة.
فرع: وإن نوى الجنابة، فهل يجزيه عن نية غسل الجمعة؟ ذهب أكثر أصحابنا إلى أنه
لا يجزيه. وقال محمد بن مسلمة وأشهب: يجزيه.
وجه قول الجماعة أن غسل الجمعة إنما يثبت بعد ارتفاع الحدث ولا ينتقض
بالحدث، ويحتمل أن يكون قول أشهب مبنيًا على أن غسل الجمعة لا تفتقر إلى النية،
فإن نوى الطهارتين معًا، ففى المدونة عن ابن القاسم: تجزيه. وقال محمد بن مسلمة: لا
نجزيه إلا أن يغتسل للجنابة ويجزيه ذلك عن غسل الجمعة.
مسألة: وأما من اعتقد أنه على وضوء يتوضأ محددًا للطهارة، ثم ذکر أنه قد أحدث،
فذکر الشیخ أبو محمد فی نوادره عن أشهب، أن ذلك یجزیه. وفی کتاب ابن سحنون:
أنه لا يجزيه؛ لأنه قصد النافلة.
وذكر أبو محمد عبدالحق: أن ما زاد على الفرض فى تكرار الوضوء يجب أن يفعل

٣٠٤
الطهارة
بنية الفرض لتنوب الغسلة الثانية عما نقص من الأولى، فإن أتى بالثانية والثالثة بنية
الفضل، فإنه يخرج على الخلاف المذكور فى تجديد الطهارة.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: إنه لا يكون التكرار بنية النفل، وإنما يؤتى به
بنية الفرض بمنزلة تطويل القراءة فى الصبح والركوع والسجود؛ لأن النفل ليس من
جنس الفرض فتتم به فضيلته، ألا ترى أن من صلى صلاة فرض فذًا ثم أراد أن يعيدها
فى جماعة للفضيلة، فإنه لا يعيدها إلا بنية الفرض، ولو صلاها بنية النفل لما كملت بها
فضيلة الأولى، والله أعلم وأحكم.
مسألة: ومن لم يذكر جنابة فاغتسل على أنه إن كانت به جنابة، فهذا الغسل يرفع
حكمها، ثم ذكر بعد ذلك جنابة، فقد روى عيسى عن ابن القاسم: لا يجزيه. وقال
عيسى: يجزيه، واحتج بأن ابن كتانة قال: من اغتسل للجمعة ناسيًا للجنابة أجزاه. قال
عیسی: فکیف بهذا.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: والذى عندى أنه أراد بذلك أن نية الطهارة
الواجبة لا تفتقر إلى نية الوجوب، وهذه المسألة تحتاج إلى نظر وتقسيم، وذلك أن الذى
يغتسل على هذا الوجه لا يخلو أن يشك هل أجنب بعد غسله أو رأى شيئا، فشك أهو
جنابة أو غيرها أو لم يشك، بل تيقن أنه على طهارة، فإن شك فى الجنابة بعد الغسل،
فهذا على مذهب ابن القاسم، يجب عليه الغسل، وهذا الشك عنده يقوم مقام تيقن
الجنابة، فلا يجوز أن يقول ابن القاسم: لا يجزيه، ولا أن يشبهه بغسل الجمعة، وإنما يجوز
أن يقال ذلك على مذهب من قال من أصحابنا: إن الطهارة مع هذا النوع من الشك
مستحبة، وأما من رأی بللاً فشك فيه، فإنه يتخرج على قول ابن نافع: إن الغسل يلزمه،
وعلى رواية ابن زياد أن الغسل لا يلزمه، وأما من تيقن الطهارة، فاغتسل مع ذلك
استظهارًا محددًا لغسله، فهو بمنزلة من توضأ مجددًا لوضوئه.
مسألة: فإذا تساوت الطهارتان عن حدث، واختلفت موانعهما كالجنابة والحيض،
فإن الحيض يمنع الوطء ولا تمنعه الجنابة، فإن اغتسلت الحائض تنوى الجنابة دون الحيض،
ففی کتاب ابن سحنون عن أبيه: لا يجزئ.
وفى كتاب الحاوى للقاضى أبى الفرج: يجزى. وقال محمد بن عبدالحكم: وجه قول
سحنون أن الحيض يمنع مما لا تمنع منه الجنابة، وإذا رفع موجب الجنابة لم يرتفع جميع
موجب الحيض، فوجب أن لا يجزيه.

٣٠٥
الطهارة
ووجه القول الثانى أن هذين حدثان موجبهما واحد، فوجب أن تنوب نية أحدهما
عن نية الآخر كالوضوء من النوم والبول واختلاف موانعهما لا يوجب التنافى بينهما؛
لأن الحائض لو نوت استباحة الصلاة خاصة لأجزأها ذلك من جميع موانع الحيض، وهذا
المعنى موجود فى مسألتنا، ولهذا اختلف قول مالك وأصحابه فى الجنب يتيمم ناسيًا
لجنابته، ينوى من الحدث الأصغر، فمنع منه مالك، وجوزه ابن مسلمة ورواه عن مالك.
مسألة: فإن نوت بغسلها الحيض دون الجنابة، فقد قال مالك: يجزيها عن غسل
الجنابة، وكذلك قال ابن القاسم فى المجموعة، وهذا مطرد على رواية من لا يرى
للحائض قراءة القرآن عند انقطاع الدم، وعلى رواية من لا يرى لها قراءة القرآن جملة.
أما من حمل قول أصحابنا فى ذلك على تجويز القراءة لها على الإطلاق، فإنه يتخرج
على قول سحنون أن نية الحيض لا تجزى عن نية الجنابة، والله أعلم وأحكم.
مسألة: وأما ما تختلف موجباته وموانعه كالجنابة والحدث الأصغر، فإن نية الأعم منه
تنوب عن نية ما هو أخص منه، فتنوب نية الجنابة عن نية الحدث الأصغر ولا تجزئ نية
الحدث الأصغر عن نية الأكبر فى الطهارة بالماء، وأما فى التيمم فقد اختلف فيه على ما
تقدم لاختلاف موانعهما واتفاق موجبهما.
فصل: وأما تناول النية للعبادات والأفعال، فإن نوى بالطهارة استباحة جميع ما يمنعه
حدثها أجزأ ذلك، وهو أعم وجوهها، فإن نوى استباحة فعل بعينه، فإن الأفعال على
ثلاثة أضرب، أحدها: ما تكون الطهارة شرطًا فى صحته، والثانى: ما شرعت فيه
الطهارة على وجه الاستحباب، والثالث: ما لم تشرع فيه طهارة بوجه، فإن نوى
استباحة فعل شرعت الطهارة فى صحته، فلا خلاف على المذهب أنه يجزى، ويستباح
بها ذلك الفعل مثل أن ينوى الجنب الصلاة أو مس المصحف وقراءة القرآن.
قال القاضى أبو الوليد، رضی الله عنه: وعندی أنه یجری محری ذلك أن ینوى
الجنب دخول المسجد أو ينوى المحدث صلاة نافلة.
فرع: وهل له أن يستبيح به سائر موانع ذلك الحدث؟ المشهور من المذهب أن من
نوى صلاة بعينها أو مس مصحف وما أشبه ذلك، فإنه يستبيح به كل ما يمنع منه ذلك
الحدث.
وقال القاضى أبو الحسن فيمن نوى بطهارته استباحة صلاة بعينها دون غيرها: أنه
يتخرج على روايتين عن مالك فى رفع نية الطهارة، فإن قلنا إن الطهارة لا ترفع، جاز

الطهارة
٣٠٦
له أن يصلى ما نوى وغيرها، وإن قلنا إنها ترفع، لم يجز له أن يصلى غيرها؛ لأنه قد
نوى رفض طهارته بعدها، فليس له أن يصلى شيئًا بعدها. وفرق القاضى بين أن ينوى
استباحة صلاة بعينها، وبين أن ينوى استباحة صلاة بعينها دون غيرها.
مسألة: وأما الضرب الثانى، فهو أن ينوى بطهارته فعلاً شرعت فيه استحبابًا مثل أن
يتوضأ المحدث لدخول المسجد أو لقراءة القرآن أو النوم، فقد حكى أبو الفرج فيمن
توضأ لقراءة القرآن: له أن يصلى بوضوئه ذلك ومثل ذلك فى المختصر فيمن توضأ
ليكون على طهر.
وحكى ابن حبيب أنه لم يختلف أصحابنا فى صحة الصلاة بالوضوء للنوم، ومثل هذا
يلزم فى الوضوء لدخول المسجد أو السعى أو الغسل للجمعة ودخول مكة والوقوف
بعرفة، وألحق ابن حبيب بذلك من توضأ ليدخل على الأمير ورواه فى المجموعة ابن
نافع عن مالك، وقال القاضى أبو محمد: لا يجوز شىء من ذلك.
مسألة: وأما الضرب الثالث، وهو أن ينوى بوضوئه استباحة ما لم تشرع فيه
الطهارة أصلاً، فإنه لا يستبيح بتلك الطهارة صلاة ولا خلاف فى ذلك نعلمه، ومن
توضأ ليعلم الوضوء أو ليتعلمه، قال ابن حبيب: لا يصلى به. وفى النوادر من قول
أصحابنا: مکرهًا لم يجزه.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فيلزم الجنب معنيان، أحدهما: أن ينوى بطهارته الجنابة أو ما
يغسل منه جميع الجسد وجوبًا أو استحبابًا، والثانى: أن ينوى استباحة جميع موانعها
وبعضها.
وأما الوضوء فيحتاج إلى نية الطهارة من معنى تجب منه أو شرعت فيه استحبابًا
وليس عليه تعيين الحدث ونية استباحة الموانع وبعضها، فإن اغتسل ولم يعين حدثًا،
فالظاهر من المذهب أنه لا يجزیه.
وقال الشيخ أبو إسحاق: من اغتسل ينوى التطهير ولا ينوى الجنابة، قال مالك مرة:
لا يجزيه. وقال مرة: يجزيه، وعلى ذلك أكثر أصحابنا. ويلزم فى التيمم تعيين الفعل
الذى يستباح به. وحكى ابن حبيب أن ذلك على الوجوب ويتخرج على قول مالك
وابن القاسم أن ذلك على الاستحباب، والله أعلم.

............. ٣
الطهارة
....
باب فى محل النية من الطهارة
ومحل النية من الطهارة على ما يقتضيه قول القاضى أبى محمد فى أولها عند التلبس
بها، وقد رأيت ذلك لغيره من أصحابنا، وظاهر قول القاضى أبى محمد يدل على أن
محلها عند ابتدائه بفرض الطهارة، وبه قال الشافعى.
وروى عيسى عن ابن القاسم فيمن توجه إلى البحر أو الحمام ینوی غسل الجنابة،
فلما أخذ فى الطهر نسى الجنابة، أنه يجزيه، وقال سحنون: يجزيه فى البحر، ولا يجزيه
فى الحمام، قال ابن القاسم: ومنزلته ذلك منزلة من يوضع له الماء، وهو يقصد الاغتسال
من الجنابة، فنسى حتى فرغ، فإن ذلك يجزئ عنه؛ لأنه على نيته ما دام مشتغلاً بالعمل،
فلا يؤثر فيه النسيان.
وفرق سحنون بين البحر والحمام بأن البحر لا يقصده فى الغالب إلا لغسل الجنابة،
وأما الحمام فيقصده ليغتسل فيه تنظفًا، وهذا التعليل صحيح إن شاء الله، غير أنه يحتاج
أن يفرق بينه وبين قوله فى نية الصلاة: أنها مقارنة لتكبيرة الإحرام.
ووجه ذلك أن من حكم نيات العبادة أن تقارن افتاحها إلا أن يمنع من ذلك مانع
كما يمنع من الصوم، وذلك أنه يجوز لمن أراد الصوم فى غرة أن يتوى ذلك فى أول
ليلته.
وأما الطهارة، فإنها تفتتح بنوافلها فلو قارنت النية الفرض لعرا غسل اليدين
والمضمضة والاستنشاق عن النية، فجاز له تقديم النية عند الشروع فى أمر الطهارة من
المشى إلى موضع الماء وغير ذلك مما يحتاج إليه الوضوء مع اتصال العمل به إلى الشروع
فى الوضوء.
وأما فى الصلاة، فإنها تفتتح بفرض من فروضها ولا يخفى على المكلف الدخول
فيها؛ لأنه يفعله، فوجب أن تقارن النية افتتاحها وكذلك الحج.
فصل: وأما ما يفعله فى غيره، فلا يفتقر إلى نية كغسل الميت، وغسل الإناء من
ولوغ الكلب وغسل الكتابية إذا انقطع عنها دم حيض أو نفاس ومن وضَّأ غيره لمرض
أو زمانه، فإن الشيخ أبا محمد قال: النية على الموضأ لا على الغاسل.
فصل: ذكر ابن الجهم أن فرض الوضوء نزل بالمدينة فى سورة المائدة، وكان الطهر
بمكة من النوادر، وهذا أمر لو صح لحملناه على ذلك غير أنه يحتاج إلى نقل صحيح،

٣٠٨
• الطهارة
، وواردًا من قبله، وإن كان
ويحتمل أن يريد بذلك أنه كان الوضوء بمكة أمر النبى
على الوجوب لكنه لم ينزل فيه القرآن إلا بالمدينة، والله أعلم وأحكم.
فصل: قوله: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو
لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ [النساء: ٤٣]، فذكر الملامسة
والمجىء من الغائط مع النوم، وهى أصول أسباب الطهارة، إلا أن فى الآية تقديمًا
وتأخيرًا تقديرها على التحقيق إذا قمتم إلى الصلاة أو جاء أحد منكم من الغائط أو
لامستم النساء، فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا برءوسكم وأرجلكم
إلى الكعبين، وإن كنتم جنبًا فاطهروا، وإن كنتم مرضى أو على سفر فلم تجدوا ماء
فتيمموا، قال ذلك محمد بن مسلمة.
قَالَ مَالِك: الأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لا يَتَوَضَّأُ مِنْ رُعَافٍ (١)، وَلا مِنْ دَمٍ، وَلا مِنْ قَيْحٍ
يَسِيلُ مِنَ الْحَسَدِ، وَلا يَتَوَضَّأُ إِلا مِنْ حَدَثٍ يَخْرُجُ، مِنْ ذَكَرٍ أَوْ دُيُرٍ أَوْ نَوْمٍ.
الشرح: قد تقدم قولنا أن الأحداث المتفق عليها فى المذهب ثلاثة أضرب، ذهاب
العقل، وقد ذكرنا حكمه، والثانى: ما يخرج من السبيلين، ونحن نبين حكمه الآن،
والثالث: الملامسة، وما فى معناها، وسيأتى ذكرها بعد هذا إن شاء الله.
فأما ما يخرج من الجسد، فإنه على ضربين خارج من السبيلين، وخارج من غير
السبيلين، فأما الخارج من السبيلين، فإنه يوجب الطهارة على وجوه سنبينها بعد هذا إن
شاء الله، وأما الخارج من غير السبيلين، فإنه لا يجب به الوضوء، طاهرًا كان أو نجسًا،
وبه قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: كل نجاسة سالت من الجسد من أى موضع خرجت
منه، فالوضوء يجب بها.
والدليل على ما نقوله أن هذا خارج لا ينقض الطهارة قليله، فلم ينقضها كثيره
کالبصاق.
مسألة: وأما الخارج من السبيلين، فإنه لا يخلو أن يكون معتادًا أو غير معتاد، فإن
كان معتادًا فإنه تجب فيه الطهارة، وهو على ثلاثة أضرب: البول والغائط والودى.
وروى ابن نافع عن مالك فى المجموعة: أنه ماء أبيض خائر يخرج بأثر البول يكون
من الجماع. وقال ابن حبيب: يكون من الرجل والمرأة لحمام أو أبردة.
(١) الرعاف: هو خروج الدم من الأنف.

٣٠٩
الطهارة
قال القاضى أبو محمد: هو بذال معجمة، وقيل بدال غير معجمة، وكل قد حكى
عن أهل اللغة، وقد استوعب الكلام فيه فى الاستيفاء، فهذه المعانى الثلاثة يجب بها
الوضوء خاصة، والذى هو ماء رقيق يخرج عند الالتذاذ عند الملاعبة أو التذكار، فإن فيه
الوضوء، وهل يجب فيه غسل الذكر أم لا؟ سيأتى ذكره بعد هذا إن شاء الله، وأما
المنى، فإنه تجب به الطهارة الكبرى.
فرع: وهذا كله إذا تيقن خروجه، فإن شك فى ذلك، فهو على ثلاثة أضرب،
أحدها: إن تيقن أنه أحدث ولا يدرى أن ذلك قبل الوضوء أو بعده، فهذا يجب عليه
الوضوء، والثانى: إن تيقن الوضوء، وشك أحدث بعده أم لا؟ فروى ابن القاسم عن
مالك: يعيد الوضوء، وروى عنه: لا يعيده.
واختلف فى تأويل ذلك، فذهب العراقيون إلى أنهما روايتان، إحداهما: إيجاب إعادة
الوضوء، والثانية: نفيه. وذهب المغاربة إلى أنه على الاستحباب.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: والأول أظهر عندى؛ لأن مالكًا قاسه على
من شك أصلى ركعتين أو ثلاثًا، وقال: عليه إتمام ما شك فيه. ولا خلاف أن ذلك على
الوجوب.
ووجه ذلك أنه قد لزمه أداء الصلاة بطهارة، فلا يبرأ منها إلا بيقين، ولا يحصل له
اليقين إلا باستئناف الطهارة. ووجه آخر وهو أنه ليس بحدث فى نفسه، وإنما يجب به
الوضوء للشك فى بقاء الطهارة، وهذا المعنى موجود فى مسألتنا.
فرع: فإذا قلنا بوجوب الوضوء بالشك فى الحدث، فإن شك خارج الصلاة فهذا
حكمه، وإن شك فى الصلاة، فقد روى القاضى أبو الحسن عن مالك فى ذلك روايتين،
إحداهما: يقطع ويتوضأ، والثانية: إن شك فى نفس الصلاة، فلا وضوء عليه، وإن شك
خارج الصلاة، فعليه الوضوء، وبه قال إبراهيم النخعى.
وجه الرواية الأولى أن هذا شك فى الطهارة، فوجب عليه الوضوء لما يلزمه من فعل
الصلاة، كالذى يشك قبل التلبس بالصلاة.
ـّ فى الذى يخيل إليه الشىء فى الصلاة لا
ووجه الرواية الثانية ما روى عنه
ینصرف حتی یسمع صوتًا أو يجد ريمًا.
ومن جهة المعنى أن المتلبس بالصلاة لم يبطل تيممه، وإذا وجده قبل التلبس بها بطل
تیممه، والله أعلم.

٣١٠
الطهارة
فصل: وأما الضرب الثالث، فهو أن يوجد منه أمر يشك، هل هو حدث أم لا؟ مثل
أن يتخیل له ريحًا وجدت منه أو يجد بللاً فلا یدری، فهذا قد اختلف أصحابنا فيه، فقال
ابن حبيب، فى المتخيل: لا طهارة عليه. وفرق بينه وبين الذى يشك بعد الطهارة فى
الحدث، وروى على بن زياد عن مالك فى الذى يجد البلل، فلا يدرى ما هو: لا غسل
علیه، ولعله عرق.
وروی ابن نافع عن مالك: إن وجد البلل فی الصلاة، فلا ینصرف حتی یستیقن،
قال: وإن وجده خارج الصلاة، فشك، فعليه الغسل.
مسألة: وأما غير المعتاد، فهو كالحصى والدم والدود، فإن المشهور عن مالك
وأصحابه أنه لا يجب به وضوء. وقال محمد بن عبدالحکم: يجب به الوضوء، وبه قال أبو
حنيفة والشافعى.
وجه القول الأول أنه خارج غير معتاد، فلم يجب به الوضوء کدم الفصادة. ووجه
القول الثانى أنه خارج من السبيلين، فوجب به الوضوء كالمعتاد.
٣٨ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَنَامُ حَالِسًا؛ ثُمَّ يُصَلِّى وَلا يَتَوَضَّأُ.
الشرح: معنى ذلك أن نومه كان يسيرًا يعلم معه أنه لم ينتقل عن مستوى جلوسه،
وهذا على ما يقتضيه مذهب مالك، ويحتمل أن يكون ابن عمر رأى فى ذلك رأى
المخالف.
*
الطهور للوضوء
٣٩ - مَالِك، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ سَلَمَةَ مِنْ آلِ يَنِى الأَزْرَقِ(١)،
٣٨ - أخرجه أبو داود ٥١/١ كتاب الطهارة، باب الوضوء من النوم برقم ٢٠٢ عن ابن عباس.
٣٩ - أخرجه الترمذى كتاب الطهارة برقم ٦٤. والنسائى كتاب المياه برقم ٣٣٢. وكتاب الصيد
والذبائح برقم ٤٣٤٨. وأبو داود كتاب الطهارة برقم ٨٣. وابن ماجه كتاب الطهارة وسننها
برقم ٣٨٦. وكتاب الصيد برقم ٣٢٤٦. وأحمد بالمسند برقم ٧١٩٢، ٨٥١٨، ٨٦٩٥،
٨٨٥، والدارمى كتاب الطهارة برقم ٧٢٨، ٧٢٩. وابن أبى شيبة بالمصنف ١٣٠/١ عن
عبدالله بن المغيرة، عن رجل من بنى مدلج ((أنه سأل النبى)). وأخرجه الحاكم عن المغيرة بن
أبى بردة، عن رجل من بنى مدلج ١٤١/١. وأخرجه عبدالرزاق فى المصنف، عن المغيرة بن
عبدالله بن أبى بردة ٥١٤/٤ برقم ٨٦٥٧. وأخرجه البيهقى بسنده، عن المغيرة بن أبى بردة،
عن رجل من بنى مدلج ٣/١.

........... ٣١١
الطهارة
عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِى بُرْدَةً(٢)، وَهُوَ مِنْ يَنِى عَبْدِ الدَّارِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةً(٣) يَقُولُ:
جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللّهِ ﴿ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ، إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنًا
الْقَلِيلَ مِنَ الَّمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفْنَتَوَضَّأُ من ماء البحرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
: (هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتُهُ(٤).
الشرح: قوله: ((إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء»، يحتمل أن ما يركبونه
لا يحمل أكثر من ذلك، ويحتمل أن يكون ذلك لغير هذا الوجه، فيكون اقتصارهم على
قليل الماء لهذا الوجه؛ لأن ذلك مباح، ويكون على الوجه الأول للضرورة.
وقوله: ((فإن توضأنا به عطشنا))، دليل على أن العطش له تأثير فى ترك استعمال الماء
المعد للشرب، ولذلك أقره النبى ﴿لَ﴾ على التعلق به.
فصل: وقوله 18: ((هو الطهور))، يعنى الذى يتكرر التطهير به، ولا يصح أن يكون
معنى طهور، طاهر لأنهم لم يسألوه هل هو طاهر، وإنما سألوه هل هو مطهر، فأجابهم
بأنه طهور، وهذا يقتضى أن لفظ طهور يتضمن معنى مطهر، ولا يكون مطهرًا حتى
يكون ماء طاهرًا، ولا خلاف فى جواز التطهير بماء البحر، إلا ما يروى عن عبدالله بن
عمر، وقد أنكر القاضى أبو الحسن أن يكون ذلك قولاً لأحد، والأصل فى جواز
(١) سعيد بن سلمة من آل بنى الأزرق: قال ابن عبدالبر: لم يرو عنه فيما علمت إلا صفوان
ابن سلیم ومن کانت هذه حاله فهو مجهول لا تقوم به حجة عندهم، وتعقب بأنه روى عنه
أيضًا الجلاح أبو كثير، ذكره الرافعى فى شرح المسند، وحديثه عنه فى مستدرك الحاكم. قال
الرافعى: وعكس بعض الرواة الاسمين فقال: سلمة بن سعيد وبدل بعضهم فقال: عبدالله بن
سعيد. انظر: (تنوير الحوالك صـ ٣٥).
(٢) قال ابن عبدالبر: سأل محمد بن عيسى الترمذى البخارى عن حديث مالك هذا، فقال:
هو حديث صحيح قال: قلت: هشيم يقول فيه المغيرة بن أبى بردة فقال: وهم فيه. انظر:
(تنوير الحوالك صـ٣٥).
(٣) قال الرافعى: روى الحديث بعضهم عن المغيرة عن أبيه عن أبى هريرة قال: ولا يوهم ذلك
إرسالا فى إسناد الكتاب قال: فيه ذكر سماع المغيرة من أبى هريرة. انظر: (تنوير الحوالك
صـ٣٥).
(٤) قال الرافعى لما عرف 8 اشتباه الأمر على السائل فى ماء البحر أشفق أن يشتبه عليه
حكم ميتته وقد يبتلى بها راكب البحر فعقب الجواب عن سؤاله بيان حكم الميتة، قال: والحل
بمعنى الحلال، وقد ورد بلفظ الحلال فى بعض الروايات انتهى. قلت: أخرجه الدارقطنى من
حديث جابر بن عبدالله وأنس وعبدالله بن عمر. انظر: (تنوير الحوالك صـ٣٥).

الطهارة
٣١٢
التطهير به هذا الحديث، وهو نص فى الحكم.
مسألة: والمياه على ضربين، مطلق ومضاف، فالمطلق ما لم يتغير بمخالطة ما ليس
بقرار له، وينفك الماء عنه غالبًا كماء السماء والآبار والأنهار والعيون والبحر، وهذا هو
الطاهر المطهر، وكذلك ما تغير من المياه والتراب والحمأة الذى هو قرار لها، وكذلك
ما جرى من المياه على كحل أو نورة أو شب أو كبريت أو زاج أو غير ذلك مما هو فى
معناه يغير صفاته، وعلى ذلك عمل الناس فى الحمامات، وكذلك ما تغير بالطحلب؛
لأنه لا ينفك الماء عنه غالبًا.
وأما إذا سقط ورق الشجر أو الحشيش فى الماء فتغير، فإن مذهب شيوخنا العراقيين
أنه لا يمنع الوضوء به. وقال أبو العباس الإبيانى: لا يجوز الوضوء به.
وجه القول الأول أنه مما لا ينفك الماء عنه غالبًا، ولا يمكن التحفظ منه ويشق ترك
استعماله كالطحلب. وقد روى فى المجموعة ابن غانم عن مالك فى غدر تردها
الماشية، فتبول فيها وتروث، فتغير طعم الماء ولونه: لا يعجبنى الوضوء به ولا أحرمه،
ومعنى ذلك أن هذا مما لا ينفك الماء عنه غالبًا، ولا يمكن منعه منه.
وأما مخالطة الملح الماء، فقد قال القاضى أبو الحسن: الملح من جنس الأرض، يجوز
التیمم علیه، فإذا غير الماء يمنع الوضوء به.
وقد رأيت الشيخ أبا محمد وأبا الحسن اختلفا فى مسألة الملح يخالط الماء، فأجاز
أحدهما الوضوء به، ومنعه الآخر، ولم يفصلا، ويحتمل كلام شيوخنا العراقيين أن الملح
المعدنى هو الذى حكمه حكم التراب، وهو الذى ذكره القاضى أبو الحسن.
وأما ما يجمد لصنعة آدمى، فقد دخلته الصناعة المعتادة، فلا يجوز التيمم به، وإن غير
الماء بمخالطته، منع الوضوء به، والله أعلم.
مسألة: وأما المضاف من المياه، فهو فى اللغة ما خالطه غيره وكان مضافًا إليه، ولكنه
عند الفقهاء ولاسيما المالكيين واقع على ما تغيرت صفاته بما أضيف إليه، فأما ما لم
تتغير صفاته، فلا يخلو أن يخالطه طاهر أو نجس، فإن خالطه طاهر كاليسير من الخل
والعسل والمذى، فلا خلاف بين الفقهاء نعلمه فى أنه لا يمتع الطهارة به، إلا ما روى
عن الشيخ أبى الحسن أنه قال: لا يطهر، وإذا توضأ مكلف بالماء، وأزال به حكم
الحدث، فإنه يكره أن تعاد طهارة للخلاف فى ذلك، ومن لم يجد غيره توضأ به
وأجزأه. قال ابن القاسم: وهذا يقتضى أنه طاهر مطهر.

٣١٣
الطهارة
والمشهور من مذهب مالك وأصحابه إلا أصبغ، فإنه قال: لا يرفع الحدث، وهو أحد
قولى الشافعى. وحكى القاضى أبو الحسن تأويلاً على رواية ابن القاسم: يتوضأ به
ویتیمم.
والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]،
وطهور على مثال شكور وصبور، وإنما يستعمل فيما يكثر منه الفعل، وهذا يقتضى
تكرار الطهارة بالماء.
ودليلنا من جهة القياس أن رفع الحدث بالماء مرة لا يمنع من رفعه به ثانية کرفعه من
آخر العضو بعد تطهير أوله.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: وقول أصبغ عندى مبنى على ما ذكر عن
الشيخ أبى الحسن أن يسير الطاهر يسلب الماء حكم التطهير، وإن لم يغيره لأنه لا يخلو
أن يكون على جسد الإنسان أثر يسير من عرق أو غبار أو غيره، فخالط الماء فيسلب
حكم التطهير، وإن لم يغيره.
فرع: إذا قلنا بقول أصبغ، فإن هذا الماء طاهر غير مطهر. وروى الحسن بن زياد عن
أبى حنيفة، أنه نجس، وبه قال أبو يوسف. والدليل على ما نقوله أن هذا ماء طاهر لاقى
أعضاء طاهرة، فلم ينجس بذلك كما لو توضأ به تبردًا.
مسألة: وإن كان المخالط للماء ولم يغيره نجسًا، فإن كان الماء كثيرًا فهو طاهر على
الإطلاق، وإن كان الماء قليلاً فالذى رواه أهل المدينة عن مالك، أنه طاهر مطهر. وابن
القاسم يطلق عليه اسم النجاسة فى روايته.
وقوله: ويرى على من توضأ به الإعادة فى الوقت دون غيره، وهو يعود إلى مذهب
مالك الذی حکاه أهل المدينة عنه.
وأما الخلاف ففى العبارة. وقال أبو حنيفة: كلما وردت عليه النجاسة، فإنه نجس،
وإن لم يتغير، فإن كان كثيرًا لم ينجس منه غير موضع النجاسة، وإن كان قليلاً نجس
جميعه، والكثير عنده الغدير الذى لا يتحرك أحد طرفيه بتحرك الآخر.
وقال الشافعى: إن بلغ الماء قلتين فهو طاهر، وإن كان أقل من قلتين فهو نجس،
والقلة عنده خمسمائة رطل.
ودليلنا ما روى المقدام بن شريح بن هانئ، عن أبيه، عن عائشة، عن النبى ﴿ قال:

٣١٤
الطهارة
((الماء لا ينجسه شىء)). ودليلنا ما رواه الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب، عن عبدالله
ابن عبدالرحمن بن رافع بن خديج، عن أبى سعيد الخدرى قيل لرسول الله : أنتوضأ
من بئر بضاعة وهى تطرح فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن؟، فقال رسول الله ﴾
«الماء طهور لا ينجسه شیء)).
ودليلنا من جهة القياس أن هذا ماء لم يتغير بمخالطة ما ليس بقراره وينفك الماء عنه
غالبًا، فوجب أن يكون طاهرًا مطهرًا كما لو زاد على القلتين.
فرع: إذا ثبت ذلك، فالظاهر من المذهب أنه مكروه لخوف الخلاف فيه، وهذا الماء
يسميه ابن القاسم نجسًا، ويحكم له بحكم الماء المكروه فى رفع الحدث به، بحكم الماء
النجس فى غسل الثوب والجسم منه، وتبعه على هذا جماعة من أصحابنا.
قال الشيخ أبو محمد فى نوادره: أعرف لبعض أصحابنا فيمن توضأ بماء نجس ثم
اغتسل فى البحر تبردًا، أنه يجزيه من طهارة أعضائه، يعنى من الماء النجس، ويصح
وضوؤه بالماء النجس، قال: إلا أن يكون نجسًا لا اختلاف فيه كالذى تغير لونه وطعمه،
فلا يجزيه حتى يعيد الوضوء بنيته.
وقال ابن الماجشون ومحمد بن مسلمة: هو ماء مشكوك فيه، وكذلك يقولون فى
سؤر الكلب. وأما سؤر النصرانى وفضل وضوئه، فهو من هذا الباب. وفى المدونة: لا
يتوضأ بواحد منهما. قال الشيخ أبو محمد: وذلك على الكراهية. وفى العتبية من رواية
أبی القاسم عن مالك: يتوضأ بسؤره ولا يتوضأ بفضل وضوئه.
ووجه ذلك أن الغالب عليه النجاسة لأنه لا يتدين بالتوقى منها لأنه يأكل الميتة
والخنزير ويشرب الخمر، فهو بمنزلة ما يأكل النجاسة من الدجاج المخلاة وغيرها التى
يمنع من الوضوء بسؤرها. وفى العتبية عن سحنون: إذا أمنت أن يأكل ميتة أو يشرب
خمرًا، فلا بأس بسؤره لغير ضرورة.
وأما البتر تقع فيها فأرة أو دجاجة أو هرة، ففى العتبية من رواية أشهب وابن نافع
عن مالك، فى البئر تقع فيه الهرة فتموت فينزح منها قدر ما يطيبها، وأشار إلى مثل
ذلك فى بئر وقعت فيها فأرة فتمعطت.
وروى على بن زياد فى المجموعة عن مالك: إن سال فى البئر من فرثها أو دمها
شىء، نزحت إلى أن يغلب الماء، وإن لم تتفسخ نزح منها شىء.

٣١٥
الطهارة
وفرق ابن الماجشون بين أن تقع فيها ميتة، وبين أن تقع فيها حية فتموت فيها، فقال:
إن وقعت ميتة لم يضر ذلك الماء، وإن تغيرت رائحته حتى يتغير لونه أو طعمه، ولم
يؤمر أهل البئر أن ينحوا منها شيئًا، وإن ماتت فيها نزح منها قدر ما يطيبها، وإن لم
یتغیر.
وحكى ذلك عنه أبو زيد فى ثمانيته، وحكى عن أصبغ أن كلا الوجهين يفسد الماء،
ويوجب عدم إباحتها، والتى تقع فيها ميتة أشد إفسادًا، وفى هذا ثلاثة أبواب، الأول:
فى حكم ذلك الماء المحكوم بالمنع من استعماله، والثانى: فى صفة تطهير المحل منه،
والثالث: فى الفرق بين هذا القليل وبين الكثير الذى لا يفسد إلا بالتغيير.
باب فى حكم الماء الممنوع من استعماله
يمنع منه مع وجود غيره، فإن لم يوجد غيره، فالذى عليه شيوخنا العراقيون وهو
المشهور من قول مالك أنه يستعمل فى كل ما يستعمل فيه الماء الطاهر، وقال ابن
الماجشون وسحنون: يجمع بين التيمم والوضوء لأنه ماء مشكوك فيه، وبه قال الثوری.
وقال ابن القاسم: يتيمم أحب إلى من الوضوء به، فأما القول، فهو على ما قدمناه
من أن الماء لا ينجس إلا بالتغيير، وإنما يكره مع القدرة على غيره للخلاف الظاهر فيه.
ووجه قول سحنون وعبدالملك أنه ماء مشكوك فى طهارته، فإن كان ماء طاهرًا فقد
توضأ به، وإن کان نجسًا فقد تیمم.
وما قاله ابن القاسم يحتمل معنيين، أحدهما: أن يسير الماء ينجسه قليل النجاسة، وإن
لم يغيره، والثانى: أن التيمم يلزم مع وجود الماء المكروه، وإنما يمنع مع وجود الماء
المطلق، وهذا أظهر لقوله: ((من توضأ به وصلى يعيد الصلاة مادام فى الوقت، ولا يعيدها
بعد الوقت)).
فرع: فإذا قلنا يجمع بين الوضوء والتيمم، فإن ابن سحنون روى عن أبيه قال: يتيمم
ويصلى، ثم يتوضأ بذلك الماء، ويعيد الصلاة. وقال ابن الماجشون: يتوضأ بالماء ويتيمم
ويصلى.
وجه قول سحنون ما احتج به من أنه إن بدأ بالوضوء، وكان الماء نجسًا، تنجست
أعضاؤه وثيابه، وإن أخر الوضوء صلى، وقد نجست أعضاؤه أيضًا، فيصلى بالتيمم أولاً

الطهارة
٣١٦
وأعضاؤه طاهرة، فإن كان الماء نجسًا صحت صلاته بالتيمم، وإن كان الماء طاهرًا توضأ
بعد ذلك وصلی.
ووجه قول ابن الماجشون انه لا یصح تیممه، وهو واحد للماء، فیتوضأ ثم یتیمم بعد
ذلك لعدم الماء، وقد رأيت لسحنون: يهريق الماء ثم يتيمم ويصلى.
مسألة: فإن توضأ بهذا الماء وصلى، فقد روى ابن القاسم وعلى بن زياد عن مالك
يعيد فى الوقت ولا يعيد بعده. وقال ابن حبيب: إن توضأ به جاهلاً أو عامدًا أعاد
الصلاة أبدًا، وإن توضأ به غير عالم، أعاد فى الوقت، وهذه طريقة ابن حبيب فيمن ترك
المسنون.
وروى يحيى بن يحيى فى عشرته عن ابن القاسم، فى الذى يتوضأ بماء وقعت به
دجاجة فتزلعت ثم صلى، وهو مما لو عجن به لطرح ذلك الطعام، لا يعيد الصلاة إلا
فی الوقت.
قال يحيى بن يحيى: هو كمن لم يتوضأ، ويعيد الصلاة أبدًا، وقول يحيى مبنى على أنه
نجس كالمتغير، ومثل هذا يلزم على قول ابن الماجشون وسحنون لمن توضأ به وصلى
دون تيمم لأنه لا يتيقن أداءه للصلاة حين توضأ لها بماء لا يعلم هل يرفع الحدث أم
لا؟.
مسألة: وأما ما امتزج بهذا الماء من عجين أو حنطة تبل، ففى العتبية من رواية
أشهب عن مالك: لا يؤكل ذلك الخبز. قال الشيخ أبو بكر: ذلك على الكراهية.
قال القاضى أبو الوليد: ويحتمل عندى وجهين، التحريم والكراهة، فأما ما يقتضى
التحريم، ففى العتبية لأشهب عن مالك: أن قومًا سألوه، وقد عجنوا به خبزًا بمثين من
دراهم ثم أعلموه بذلك، فأمرهم بطرحه أو علقه الدواب، ونھی عن أکله، ولو لم يكن
على التحريم لما أمرهم بطرحه لما فيه من إهانة أرفع الأقوات، والشرع يمنع من ذلك،
ولما فيه من إضاعة المال الكثير.
وأما ما يقتضى الكراهة، فقد حكى ابن حبيب، أن من عجن بالماء النحس المتغير لا
يطعم الدجاج، وهو كالميتة وهذا يقتضى أنه إنما أمرهم فى رواية أشهب بإطعامه
الدواب والإبل لما لم يكن عنده نجسًا.
وروى ابن حبيب عن ابن الماجشون وابن عبدالحكم وأصبغ: أن ما عجن من الخبز

٣١٧
الطهارة
بما لم يتغير أحد أوصافه، فلا بأس أن يطعمه رقيقه من اليهود والنصارى. وحكى ابن
سحنون عن أبيه: لا يطعمهم إياه ولا يمنعهم منه.
قال ابن حبيب: وما تغير لونه أو طعمه أو ريحه فلا يطعم ما عجن به شىء من
الحيوان. وحكى ابن القاسم فى المدونة، أن العسل النجس يعلفه النحل.
وهذا ظاهر فى أن الحرام النجس يعلفه الحيوان، ويجب أن لا يجوز ذلك على أصل
ابن حبيب. ووجه ذلك على قول ابن القاسم، أن النحل تأكل ذلك لأن العسل يغتذى
به ويجتنى عسلاً آخر من التوار، ويحكم له فى نفسه بحكم الطهارة لتغيبه عنا ووروده
المياه، كالهرة تتناول الميتة ثم تغيب عنا.
وقال المغيرة: سقى الدواب ذوات اللبن، والأشجار ذوات الثمر هذا الماء، قال يحيى
ابن عمر: فينجس بول الحيوان، ولا ينجس لبنه، ولا ثمر الشجر.
وأما ما طبخ من اللحم بهذا الماء، ففى العتبية من رواية معاوية بن موسى عن ابن
القاسم: يغسل ذلك ويؤكل. وروى أشهب عن مالك: لا يؤكل.
وجه قول ابن القاسم أن ما فى اللحم من المائية تقوى بالنار، فمنع الماء المكروه أن
يصل إلى باطنه، وإنما يتعلق بظاهره، والماء يزيل ذلك عنه.
ووجه قول مالك أن مائية اللحم تمتزج بهذا الماء المكروه، فیحصل له حكمه، ولا
سبيل إلى إزالة ذلك من باطن اللحم بالغسل، والله أعلم.
*
باب فى صفة التطهير من هذا الماء
وأما تطهير المحل من هذا الماء، فإنه على ضربين، أحدهما: أن يطهر مستقره،
والثانى: أن يطهر ما أصابه، فأما تطهير مستقره، فروى أشهب عن مالك: إن ماتت فى
البتر أخرج منها بقدر ما يطيبها، وقاله ابن الماجشون، قال: ولیس لذلك حد.
وروى على بن زياد عن مالك فى المجموعة: إن تفسخت فى البئر نزعت، إلا أن
يغلب الماء، وإذا لم تتفسخ نزع منها شىء. قال ابن كنانة: بقدر ما يطيبها. وروى أبو
زيد فى ثمانيته عن أصبغ قولاً هو عندى أصل هذه المسألة، والله أعلم، وذلك أنه يراعى
فى قدر ما ينزع من البئر قدرها وقدر ماء البئر وطول إقامتها فى الماء ودروجها فيه،
قال: وأصل ذلك أنه إنما يباح من الماء ما يرى أنه جاوزها وأصابها.

٣١٨
- الطهارة
.........
مسألة: وأما تطهير ما أصاب هذا الماء من جسم أو ثوب، فروى ابن القاسم عن
مالك يغسل منه الثوب والجسد، وقد قال إنه يرفع الحدث لأنه إنما يعيد المتوضئ مادام
فی الوقت.
وروى ابن حبيب عن ابن الماجشون: لا یغسل الثوب الرفيع الذی یفسدہ الغسل،
وله بيعه كذلك والصلاة فيه، ويستحب أن يغسل غيره من الثياب وجسده، وقد قال:
إنه مشكوك فى طهارته، وذلك يقتضى إعادة المتوضئ منه الصلاة أبدًا، وحكى الشيخ
أبو محمد فى نوادره عن ابن نافع عن مالك: ينضح منه الثوب.
*
باب فى الفرق بين الكثير والقليل منه
والفرق بين هذا الماء وبين الكثير الذى لا يؤثر فيه إلا التغيير يكون من وجهين،
أحدهما: القلة والكثرة، والثانى: البقاء والتجدد، فأما الكثرة والقلة، فحكى ابن حبيب
عن ابن الماجشون وابن عبدالحكم وأصيغ: أن الآبار الصغار مثل آبار الدور تفسدبما
مات فيها من شاة أو دجاجة، وإن لم تتغير ولا تفسد بما وقع فيها ميتًا حتى تتغير. وأما
آبار الزرانيق والسوانى، فلا يفسدها ما مات فيها، وإن لم يغيرها إلا أن تكون البرك
العظام جدًا.
وقد قال ابن وهب فى الدابة تموت فى جب فيه ماء السماء، فتنشق فيه وتتفسخ ولم
يتغير من الماء لكثرته إلا ما قرب منها: أنها تخرج وينزع منها ما ذهب دسم الميتة
والرائحة واللون، فتطيب بذلك إن كان الماء كثيرًا، وأنكر هذا ابن القاسم، وقال: لا
خير فيه، فيجب على قول ابن وهب أن الماء المتجدد والدائم سواء فى هذا الحكم، وإن
اختلفا فى الكثرة، وعند ابن القاسم وأصحابه أن الماء الدائم خلاف المتجدد فى هذا
الحكم إلا أن يكثر الدائم جدًّا.
فصل: ويجب أن يراعى فى ذلك فصلان، أحدهما: قلة النجاسة، والثانى: تخفيف
حكمها، فأما قلتها، ففى العتبية من رواية عيسى عن ابن القاسم، فى إناء وقعت فيه
قطرة من بول أو دم: إن كان مثل الجزار لم تفسده، وإن كان مثل إناء الوضوء
أفسدته.
وروى أبو زيد فى ثمانيته عن ابن القاسم: أن ذلك لا يفسد ماء بتر الدار، وأما
تخفيف حكمها، فروى عيسى عن ابن القاسم فى العتبية: أن إناء الوضوء يفسده روث

٣١٩٠
....
الطهارة
الدابة، وإن وجده طافئًا فى الجب لم يفسده، ولا تأثير له. ومعنى ذلك لاختلاف الناس
فی نجاسته.
وروى عن مالك فى الجب تجد فيه الروث طافيًا رطبًا أو يابسًا: لا خير فيه، ولعله
مبنى على قوله بنجاسة أرواثها. وقد اختلف قوله فى غسل الخف منها، فقال مرة:
يغسل، وقال مرة: لا يغسل، وعلل ذلك بعلتين، إحداهما: أنه لا يمكن التحرز منها،
والثانية: للاختلاف فى نجاستها.
فصل: ثم نعود إلى أصل التقسيم، وقد قضينا الكلام فى الماء المطلق، وأما الماء
المضاف، فهو الذى تغير بمخالطة ما ليس بقرار له، وينفك عنه الماء غالبًا، وتغيره يكون
فى المشهور من مذهب مالك من ثلاثة أوجه: لونه أو طعمه أو ريحه. وقال ابن
الماجشون: لا اعتبار فى تغير الرائحة، وإنما الاعتبار بتغير الطعم واللون.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فالمضاف ما تغير بمخالطة ما ليس بقرار له وينفك عنه الماء
غالبًا، فما تغير بنحاسة خالطته، فلا خلاف فى نجاسته وما تغير بطاهر كالزعفران
وغيره، فإنه طاهر غير مطهر، وبه قال الشافعى، وقال أبو حنيفة: هو طاهر مطهر.
والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ [النساء:
٤٣، المائدة: ٦]، فشرط عدم الماء المطلق فى جواز التيمم، ولم يجعل بينهما واسطة،
وأبو حنيفة يجعل بينهما واسطة، وهو ماء الزعفران.
ودليلنا من جهة القياس أنه ماء قد تغير بمخالطة ما ليس بقرار له، وينفك الماء عنه
غالبًا، فلم يكن مطهرًا كماء الباقلاء.
مسألة: فإن وجد مريد الطهارة الماء متغيرًا ولم يدر من أى شىء تغير أمن معنى يمنع
التطهير به؟ أم معنى لا يمنع ذلك؟ فإنه ينظر إلى ظاهر أمره، فيقضى عليه به، وإن يكن له
ظاهر، ولم يدر من أى شىء هو، حمل على الطهارة. روى ذلك ابن القاسم عن مالك
فى المجموعة.
وأما إذا کان له ظاهر، فقد روی فی العتبیة أشهب عن مالك فی بثر فی دار تغیرت،
ولم يدر من أى شىء تغيرت، قال: ينزف يومين وثلاثة، فإن طابت وإلا لم يتوضأ
منها، وقال فى موضع آخر: أخاف أن تسقيه قناة مرحاض، ولو علم أنه ليس منه لم أر
به بأسًا، يحكم بالظاهر من أمرها لقرب المراحيض من آبار الدور ورخاوة الأرض.