Indexed OCR Text
Pages 301-320
١٢ باب إذا جامع ثم عاود ومن دار على نسائه الحديث : ٢٦٨ حميدٌ، عن أنسِ أَنَّ النبيَّ بَِّ طَافَ على نسائِه في ليلةٍ بغسلٍ واحدٍ . وخَرجَّه مسلمٌ في ((صحيحِه)) (١) من روايةٍ مسكين بن بكير، عن شعبة، عن هشامٍ بن زيد، عن أنسٍ أَنَّ النَّبِيَّ بََّ كَانَ يطوفُ على نِسَائِه بغسلٍ واحد. وتابعه بقيةُ بن الوليد فرواه عن شعبةَ - أيضا خرّجهَ من طريقهِ الإمامُ أحمد (٢). ولم يرضَ البخاريّ هذا الحديثَ من أجلٍ مسكين بن بكير؛ فإنَّه ليس بذاك. قال الأثرمُ: قلت لأحمدَ: نظرتُ في حديثٍ مسكين، عن شعبةَ فإذا فيها خطأُ قال أحمد: مِنْ أينَ كان يضبطُ هو عن شعبة؟ قال البرديجيُّ: لا يلتفتُ (١٧ - أ/ ط) إلى روايةِ الفردِ عن شعبةٍ عَمَّن ليسَ له حفطٌ ولا تقدمٌ في الحديثِ من أهل الإتقان . وقد رُويَ الأمرُ بالوضوء للمعاودة من روايةٍ عاصم الأحول، عن أبي المتوكلٍ، عن أبي سعيد الخدري أَنَّ النبيَّ وَّ قَالَ: ((إذا أتى أَحَدُكُم أهلَه، ثم أرادَ أن يعودَ فليتوضَّأْ» . خرَّجَه مسلم ◌ٌ(٣) وفي روايةٍ («فليتوضَّأْ بينهما وضوءًا)). وخرَّجَهَ ابنُ خزيمةَ، والحاكم(٤) في ((صحيحهما))(٥) بزيادة في آخره (١) (٣٠٩) . (٢) ((المسند)» (٢٢٥/٣). (٣) (٣٠٨). (٤) ابن خزيمة (١٠٩/١)، والحاكم (١٥٢/١)، وانظر ((العلل)) لابن أبي حاتم (٣٤/١). (٥) كذا في ((ط)) والصواب: ((صحيحيهما)). ٣٠١ الحديث : ٢٦٨ كتاب الغسل وهي: ((فإنَّه أنشطُ للعودِ)). وخرَّجَهَ ابنُ خزيمة (١)- أيضًا - بلفظ آخر وهو: ((إذا أرادَ أحدُكم أن يعودَ فليتوضَّأ وضوءَه للصَّلاةِ)) يعني الذي يجامعُ ثم يعودُ قبل أن يغتسلَ. وفي إسناده بعضُ اختلاف. وقال الشَّافعيُّ: رُوِيَ فيه حديثٌ، وإن كانَ مما لا يثبتُ مثلُهُ (٢). واستحبَّ أكثرُ العلماء الوضوءَ للمعاودةِ. وهو مرويٌ عن عمر، وغيره(٣)، وليسَ بواجب عندَ الأكثرينَ، وأوجبَه قليلٌ من أهلِ الظَّاهر ونحوهم. ومن العلماء من أنكر الوضوءَ وحملَ الوضوءَ في هذا الحديثِ على الَّنظيفِ وغسلِ الفرج، وقد قال إسحاق: غسلُ الفرج لابدَّ منه. والأكثرونَ على أَنَّ المعاودةَ من غيرِ وضوءِ لاتكرهُ وهو قولُ الحسنِ، ومالك، وأحمدَ، وإسحاقَ. وقد رُويَ الاغتسالُ للمعاودةِ من حديث أبى رافعٍ أَنَّ النبيَّ وَلِّ طَافَ على نسائه جميعاً في يومٍ واحد واغتسلَ عند كلِّ واحدة منهنَّ غسلاً، فقلت: يارسولَ الله، ألا تجعلهُ غسلا واحدًا؟ قال: (( إن هذا أَزْكَى وأطهرُ (١) (١ / ١١٠). (٢) نقله البيهقي عن الشافعي في ((السنن الكبرى)) (١٩٢/٧) وقال: ((إن كان الشافعي - رحمه الله - أراد هذا الحديث، فهذا إسناد صحيح، ولعله لم يقف على إسناده)) ا. هـ. وختم ابن رجب كلامه بكلام الشافعي هذا يرد كلام البيهقي والله أعلم وراجع «التلخيص الحبير)) (١٤١/١). (٣) أخرجه عبد الرزاق (٢٧٦/١) وابن أبي شيبة (٧٩/١ - ٨٠) في ((مصنفيهما)). ٣٠٢ ١٢- باب إذا جامع ثم عاود ومن دار على نسائه الحديث : ٢٦٨ وأطيبُ)). خرَّجه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيّ، وابن ماجه(١) ، وفي إسناده بعضُ من لا يعرفُ حاله، قال أبو داودَ: حديثُ أنسِ أصحّ من هذا (٣) - يعني: حديثه في الغسل الواحد. وفي الباب أحاديثُ أخر أسانيدُها ضعيفةٌ. (١) ((المسند)) (٣٩١/٦)، وأبو داود (٢١٩)، والنسائي في ((الكبرى)) (٣٢٩/٥)، وابن ماجه (٥٩٠) . (٢) قال الحافظ ابن حجر قبل نقله لكلام أبي داود هذا: ((وهذا الحديث طعن فيه أبو داود)) ا. هـ ((التلخيص الحبير)) (١٤١/١). ٣٠٣ الحديث : ٢٦٩ كتاب الغسل ١٣ - بَابُ غَسْلِ الْمَذْيِ وَالوُضوءِ مِنْهُ ٢٦٩ - حَدَّثَنَا أُبُو الوَليد: ثنا زَائِدَةُ، عَنْ أَبِي حُصَيْنِ، عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمِنِ، عَنْ عَلَيِّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَأَمَرْتُ رَجُلاً أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ مَّ (١٧ - ب/ط) - لِمَكَانِ ابنتهِ- فَسَأَلَه، فَقَالَ: ((تَوضَّأَ واغْسِلْ ذَكَرَكَ)). وقد خرَّجَه البخاريَّ - فيما سبق (١) - في آخرِ ((العلم)) مختصرًا من حديثِ محمدِ ابن الحنفيةِ، عن أبيه عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - في بابِ من استحى فأمر غيرهَ أن يسألَ)). وقد استنبطَ البخاريُّ من هاهنا حكمينِ: أحدهما: غسلُ المذي؛ لقوله وَ له: ((اغسل ذكرك))، وقد اختلفَ العلماءُ في معنى الأمرِ بغسلِ الذَّكرِ من المذي هل المرادُ غسلُ ما أصابَ الذكرَ منه كالبولِ أو غسلُ جميع الذَّكرِ؟ وفيه قولانِ وهما روايتان عن مالك، والإمامِ أحمدَ وحُكِيَ عنه روايةٌ ثالثة بوجوبِ غسلِ الذَّكرِ كُلِّه مع الأنثيينِ. وقد رُوِيَ في حديثٍ عليٍّ أَنَّ النَّبِيَّ نَِّ قَالَ: ((يغسلُ ذكرَه وأُنثيبه، ويتوضَّأ))(٢) من وجوه قد تكلم فيها، واختارَ هذه الرواية أبو بكر عبدُ (١) (الفتح: ١٣٢). (٢) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٥٧/١) والإمام أحمد في ((المسند)) (١٢٤/١، ١٢٦)، وانظر ((الضعفاء)) للعقيلي (٣٤/١ - ٣٥)، و((العلل)) للدار قطني (٨٨/٣ - ٨٩)، و((مسائل أبي داود)) (ص/ ١٥). ٣٠٤ ١٣ - باب غسل المذي والوضوء منه الحديث : ٢٦٩ العزيز بن جعفر من أصحابنا، وذَكرَ أَنَّ الحديث صحَّ بذلكَ. ولو استجمَر منه بحجرٍ أجزأه كالبول. ذكره أصحابُنَا، وهذا على قولنا: ((يجبُ غسلُ ما أصابَ الذكر منه)) ظاهر، فأمَّا إن قلنا: ((يجبُ غسلُ الذكرِ جميعه أو الذكِر مع الأنثيين)) فلا ينبغي أَنْ يجزئ منه الاستجمارُ. وعند الشافعية أَنَّ المذيَ هل يجزئ فيه الاستجمارُ؟ فيه قولان؛ بناءً على أَنَّ الخارجَ النادرَ هل يجزئ فيه الاستجمارُ كالمعتاد؟ على قولين للشَّافعيِّ، أصحُّهما: الجوازُ لكنهم لا يوجبونَ زيادةَ على غسلِ ما أصابَ الذكر منه وهو قولُ أبي حنيفةَ وغِيرِهِ. وقال سعيدُ بن جبير (١) في المذي: يغسلُ الحشفةَ منه ثلاثًا . فأَمَّا إن أصابَ المذيُ غيرَ الفرجِ من البدنِ أو الثوب، فالجمهور على أَنَّه نجسٌ يجبُ غسلُه كالبول وعَن أحمدَ روايةٌ أنَّه يعفى عن يسيرِهِ كالدمٍ، وعنه روايةٌ ثالثةٌ: أَنَّ نجاستهَ مخففةٌ يجزئ نضحُهُ بالماء كبولِ الغلامِ الذي لم يَأْكلِ الطَّعامَ؛ لعموم البَلْوى به ومَشقةِ الاحترازِ منه. وفيه حديثٌ من روايةٍ سهلٍ بن حنيف، عن النَّبِيِّ نَّ أَنَّه سُئِلَ عما أصابَ الثَّوبَ من المذي قال: (( تَأْخذُ كفّا من مَاءِ فتنضحُ به (١٨ - أ/ ط) حیث تری أنَّه أصابك». خرَّجَهَ الإمامُ أحمد، وأبو داودَ، وابن ماجه، والترمذيَّ (٢) وقال: حسنٌ صحيح، ولا نعرفُه إلا من حديث ابن إسحاق. وقال الإمامُ أحمد في رواية الأثرم(٣): لا أعلمُ شيئًا يخالفُه ونقل عنه (١) أخرجه ابن أبي شيبة (٩٢/١)، وعبد الرزاق (١٥٨/١) في ((مصنفيهما)). (٢) ((المسند)) (٤٨٥/٣)، وأبو داود (٢١٠)، والترمذي (١١٥)، وابن ماجه (٥٠٦). (٣) انظر ((مسائل صالح)) (٤٨/٣)، و(«المغني)) (٤٩١/٢). ٣٠٥ الحديث: ٢٦٩ كتاب الغسل غيرُهُ أَنَّه قال: لم يروه إلا ابنُ إسحاق، وأنا أَتَهِيَبُه وقال مَرَّةً: إن كان ثابتًا أجزأه النَّضحُ وعن أحمدَ رواية: إن المذيَ طاهرٌ كالمنيِّ وهي اختيارُ أبي حفصٍ البرمكيِّ من أصحابنا، وأوجبَ مع ذلك نضحَه تعبدًا. ومن الأصحابِ من قالَ: إذا قلنا بطهارتهِ لم يجبْ غسلُ ما أصابَ الثوبَ منه، وهل يجبُ الاستنجاءُ منه؟ على وجهينِ كالمني. وهذا بعيدٌ، وهو مخالفٌ للأمر بغسله. والحكم الثانى: وجوب الوضوء منه. وقد أجمعَ العلماءُ على أَنَّ المذي يوجبُ الوضوءَ ما لم يكن سلسًا دائماً فإنه يصيرُ - حينئذٍ - كسلس البولِ ودمِ الاستحاضة ومالكٌ لا يوجب الوضوء منه - حينئذ -وخالفه جمهور العلماء. وأما إذا خرج على الوجه المعتاد، فإنَّه يوجبُ الوضوءَ باتِّفاقهم، ولا يوجبُ الغسلَ - أيضًا - بالاتفاقِ وقد حُكيَ عن ابنِ عمرَ فيه اختلافٌ، والصَّحِيحُ عنه كقولِ جِمهورِ العلماء أنَّه يكفي منه الوضوءُ وقد رُوِيَ عن النَّبِيِّ نَّهِ أنه قال في المذي: (« تَوضَّأَ وانْضَحْ فَرِجَك)). خرَّجْهَ مسلم (١) و غيرُهُ. فمن العلماء من حملَ ((نضحَ الفرجِ)) على غسلِه - كما في اللفظِ الآخر - («توضَّأْ وَاغسلْ ذکرَك)). ومنهم من حملَه على نضح الفرجِ بعدَ الوضوءِ منه؛ لتفتيرِ الشَّهوة ودفعِ الوسواس، وقد وَرَدَ في روايةِ التَّصريحُ بهذا المعنى؛ لكن في إسنادها ضعفٌ. وعلى هذا فالأمرُ بالنَّضح محمولٌ على الاستحبابِ . (١) (١٩/٣٠٣). ٣٠٦ الحديث: ٢٧٠، ٢٧١ ١٤ - بَابُ مَنْ تَطَيَّبَ ثُمَّ اغْتَسَلَ وَبَقِيَ أَثَرُ الطِّيبِ خرَّج فیه حدیثین أحدهما: حديث : ٢٧٠ - إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، عَنْ أَبِيه قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةً وَذَكَرْتُ لَهَا قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ «مَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبِحَ مَّحْرِمًا أَنْضَحُ (١) طِيبًا) فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَنَا طَيِّْتُ رَسُول الله ◌َّةِ، (١٨ - ب/ط) ثمَّ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ أَصْحَ مُحْرِمًا. الثَّاني: حديث: ٢٧١ - إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلى وبِيص الطِّيبِ فِي مَغْرِقِ النَّبِّ ◌ِ لٌ وَهُوَ مُحْرِمٌ. قال الإسماعيليّ في الحديث الأول: عامةُ من حدَّثنا قاله بالحاء غير معجمة يعني: ((ينضحُ طيبًا)) قال: والقول في يطوف ما قدمنا. قلتُ: الصَّوَابُ أَنَّ معنى طوافه للنِّساءِ: جماعُهنَّ - كما سبقَ. فالحديثُ - حينئذٍ - يدلُّ على أَنَّ من اغتسلَ من الجنابةِ وبَقِي على (١) هكذا في ((ط)) بالمهملة وفي ((اليونينية)): ((انضخ )) بالمعجمة، وراجع كلام المصنف تحت شرحه لحديث (٢٦٧)، وانظر ((النهاية)) لابن الأثير (٥/ ٧٠)، و ((الفتح)) (١ / ٣٧٧) لابن حجر. ٣٠٧ الحديث: ٢٧٠، ٢٧١ كتاب الغسل جَسده أثر طيب ونحوه مَّا لايمنعُ وصولَ الماءِ إلى ما تحته أَنَّه لا يضرُّه، وأَنَّ غسلهَ صحيحٌ. ووبيصُ الطيبِ: بريقُ لونِه ولمعاته(١) قال الخطابي(٢): يقالُ: وبصَ وبيصًا وبصَّ بمعنى واحد. وهذا يدلُّ على بقاء أجزاء من الطيب، فيستدلُّ بذلك على أَنَّه لا يمنعُ صحة الغسلِ إذا وصلَ الماءُ معه إلى البشرة، وهو مقصودُ البخاريِّ بهذا الباب، وعلى أنَّه لا يمنعُ المحرمَ من استدامته في الإحرام، ويأتي ذكر ذلك في موضعِه من ((الحج)) إن شاءَ الله تعالی. ويحتملُ أن يكون هذا الطيبُ الذي يبصُّ على شعر النَّبِيِّ وَلّ كما جاءَ في رواية أنه كان في مفارقِه وفي رواية: ((في رأسِه ولحيته)) فيستدلُّ بذلك على أَنَّ الشعرَ لا يجبُ غسلُه فى جنابةٍ ولا غيرِها كما ذهبَ إليه طوائفُ من العلماءِ كما سبقَ ذكرُه. (١) كذا في (ط) والجادة: ((ولمعانه)) بالنون. (٢) ((أعلام الحديث)) (٣٠٥/١). ٣٠٨ الحديث: ٢٧٣،٢٧٢ ١٥ - بَابُ تَخْلِيلِ الشَّعَرِ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشْرَتَهُ أَفَاضَ عَلَيْهِ. ٢٧٢ - ثَنَا عَبْدَانُ: ثَنَا(١) عَبْدُ الله - هُوَ ابْنُ الْبَارَكِ(٢): ثَنَاَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِِّ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَّهِ، وتَوضأَ وُضُوءَهَ الصَّلاةِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ، ثُمَّ يُخلِّلُ بِيَدِهِ شَعَرَهُ، حتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّه قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَ أَفَاضَ عَلَيْهِ المَاءَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ(٣) سَائِرَ جَسَدَه. ٢٧٣ - وقَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِلَّهَ مِنْ إِنَاءِ وَاحِدٍ نَغْرِفُ(٤) مِنْه جَمِيعًا. ماذُكِرَ في هذه الروايةِ أَنَّه توضَّأ، ثم اغتسلَ، ثم يخللُ بيده شعرهَ إلى آخرهِ هو من باب عطفِ التَّفصيلِ على الإجمال (١٩ - أ/ط)؛ فإنَّ ماذكرهَ من التَّخليلِ وما بعده هو تفصيلٌ للاغتسالِ الذي ذُكر مجملاً. والحديثُ يدلُّ على أن النَّبِيَّ نَّ كَانَ قبلَ أن يُفيضَ الماءَ على رأسه ثلاثًا يُخلِّلُ شَعرَه بيده بالماء حَتَىَّ يَظنَّ أنه قد أَرْوى بشرتَه،. وهذا ممَّا ذكر في حديث عائشةِ دون حديثٍ ميمونةً. وقد خرَّجه البخاريٌ (٥) في أولِ كتاب ((الغسل)) من حديثِ مالكٍ، عن (١) في ((اليونينية)): ((أخبرنا)). (٣) في ((ط)): ((يغسل)). (٥)(٢٤٨). (٢) ليست في ((اليونينية)). (٤) في ((ط)): ((نغترف)). ٣٠٩ الحديث: ٢٧٢، ٢٧٣ كتاب الغسل هشامٍ، وفى حديثهِ: («توضأ كما يتوضَّأَ للصَّلاة، ثم يدخلُ أصابَعه في الماءِ فيخللُ بها أصولَ الشَّعْرِ، ثم يصبُّ على رأسَهِ ثلاثَ غُرفٍ بيديه))، وهذا يُصرِّحُ بالمعنى الذي ذكرناه . وخرَّجَه مسلمٌ (١) من طريقِ أبي معاويةً، عن هشامٍ، وفي حديثِه: ((توضأ وضوءه للصَّلاةِ، ثم يأخذُ الماءَ فيدخلُ أصابعَه في أصولِ الشَّعرِ حتَّى إذا رأى أن قد استبرأَ حفنَ على رأسه ثلاثَ حفنات)) وكذلك رَوَى حمادُ بن زيدٍ، عن هشامٍ هذا الحديثَ وقال فيه بعد ذكرِ الوضوءِ: ((ثُمَّ يدخلُ يدَه في الإناءِ فيخللُ شعرَه حتى إذا رأى أَنَّه قد أصابَ البشرةَ أو أنقى البشرةَ أفرِغَ على رأسه ثلاثا)). خرَّجَه أبو داود، وخرَّجَه الإمامُ أحمدُ(٢) عن يحيى بن سعيد القطان، عن هشامٍ، به بنحوه، وفي حديثه: ((ثم يخللُ أصول شعرِ رأسه حتى إذا ظنَّ أنه قد استبرأَ البشرةَ اغترفَ ثلاثَ غرفات فيصبُّهنَّ على رَأْسه)) . وخرَّجه النَّسائيُّ(٣) من حديث سُفْيانَ، عن هشام، ولفظُ حديثه: ((أَنَّ النَّبِيَّ رَِّ كَانَ يُشَرِّب رأسَهُ، ثُمَّ يحثي عليه ثلاثا ثلاثا(٤) . وروى أيوبُ(٥) ، وعبيدُ الله بن عمرَ هذا الحديثَ عن هشامٍ وذكر أَنّ تخليلَ شعرِه كان مرَّتِين . ورُوِيَ عن أيوبَ قال: مرَّتَينِ أو ثلاثا. ورواه حمادُ بنُ سلمةَ(٦)، عن هشام، ولفظُ حديثه: ((أنَّ النبيَّ وَلَ كانَ وَسَّة (١) (٣١٦) . (٣) (١٣٥/١). (٥) ((التمهيد)) (٩٣/٢٢) . (٢))) المسند» (٥٢/٦)، وأبو داود (٢٤٢). (٤) ((ثلاثا)) الثانية ليست في ((السنن)). (٦) ((السنن الكبرى)) للبيهقي (١٧٥/١). ٣١٠ ١٥ - باب تخليل الشعر حتى إذا ظن أنه قد أروى الحديث : ٢٧٣،٢٧٢ يتوضَّأُ من الجنابة، ثم يُدْخلُ يدَه اليمنى في الماءِ، ثُم يخللُ به شقَّ رأسه الأيمن فيتبعُ بها أصولَ الشَّعْرِ، ثم يفعلُ بشقِّ رأسه الأيسر كذلك، وبيده اليسرى كذلك حَتَّى يستبرئ البشرةَ، ثم يصبُّ على رأسِه ثلاثا» . ورواه شريكٌ، عن هشام، وذكر أَنَّ تخليلَ شعرِه كانَ بعد الإفراغِ عليه ثلاثا . وشريكٌ سيئ الحفظ، لا يُقْبَلُ تفردُه بما يخالفُ الحفاظَ. وتابعَه سفيانُ ابن وكيعٍ عن أبيه، عن هشام وسفيانُ هذا ليسَ ممَّنْ يُلْتفتُ إلى قوله . وكذلك رَوَاه ابنُ لهيعةَ، عن أبي الأسودِ، عن عروةَ، عن عائشةَ. وابنُ لهيعةَ (١٩ - ب/ط) لا يقبل تفردُه فيما يخالفُ الحفاظ. وفي الجملةِ فهذا ثابتٌ عن النَّبِيِّ نَّ أَنَّه خللَ شعرَه بالماء حَتَّى إذا ظنَّ أَنَّه قد أرْوَى بشرَتَه أفاضَ الماءَ على شعرِ رأسِه؛ فكانَ التَّخليلُ أولا لغسلِ بشرةِ الرأسِ، وصَبُّ الماءِ ثلاثًا بعدَه لغسلِ الشعرِ. هذا هو الذي يدلُّ عليه مجموعُ ألفاظ هذا الحديث . وقال القرطبيَّ: إنما فعلَ ذلك ليسهل دخولُ الماءِ إلى أصولِ الشعر، وقيل ليتأنس بذلكَ حتى لا يجدَ بعدَه من صبِّ الماء الكثيرِ نفرةً . قلت: قولُ عائشةَ ((حَتَّى إذا ظَنَّ أنه قد أَرْوَى بشرتَه أَفاضَ عليه الماءَ ثلاثَ مرات)» يردُّ هذا كُلَّه ويُبينُ أَنَّ التخليلَ كان لغسلِ بشرةِ الرأس، وتبويبُ البخاريِّ يشهدُ كذلك أيضا . وهذه سنةٌ عظيمةٌ من سُئنِ غسلِ الجنابةِ ثابتةٌ عن النبيِّ وَّهِ لم يتنبّه ٣١١ الحديث: ٢٧٢، ٢٧٣ كتاب الغسل لها أكثرُ الفُقهاء مع تَوسَّعِهم للقولِ في سننٍ (١) الغسل وآدابِه، ولم أَرَ من صرّح به منهم إلا صاحبُ ((المغني))(٢) من أصحابنا وأَخذَه من عمومٍ قولٍ أحمدَ : الغسلُ على حديث عائشة (٣)، وكذلك ذكره صاحبُ ((المهذب)) من الشافعية، قال بعد ذكرِ الوضوء: ثم يدخلُ أصابعَه العشرَ في الماء فيغترفُ غرفةً يخللُ بها أصولَ شعره من رأسه ولحيتِه ويحثي على رأسِهِ ثلاث حثيات . وفي هذا زيادةٌ على ما في حديث عائشةً وهو تخليلُ اللحية. ومذهبُ الشَّافعيِّ وجوبُ إيصالِ الماءِ إلى باطنِ اللحية وإن كانتْ كثيفةٌ في الجنابةِ دُونَ الوضوء . وعن مالك في وجوبِ ذلك في الغسلِ روايتان . وَأَمَّا أصحابُنا فيجب ذلك عندهم في المشهورِ، ولهم وجهٌ ضعيفٌ أنه لا يجبُ. وحُكِيَ مثلُه عن المزني . وكلامُ أكثرِهم يدلُّ على أَنَّ المغتسلَ يتوضَّأُ، ثم يصبُّ على رأسِه الماءَ ثلاثا، ويخللُ أصولَ شعرِه مع ذلك. وقد وُجِد في كلامِ الأئمة كسفيانَ، وأحمدَ، وإسحاقَ مايدلُّ على ذلك . واتباعُ السُنّةِ الصَّحيحةِ التي ليس لها معارضٌ أولى . وقد روى قتَادةُ، عن عروةَ، عن عائشةَ أَنَّ رسولَ الله وَ جلو كان إذا أرادَ أن يغتسلَ من جنابةِ توضَّأَ وضوءَه للصَّلاةِ، ثم صبَّ على رأسِهِ ثلاثَ مرار، يخلِّلُ بأصابِعه أصولَ الشَّعْرِ . (١) في ((ط)): ((سنين)) خطأ. (٣) ((مسائل عبد الله)) (ص/ ٣٢). (٢) (٣٠١/١ - ٣٠٢) . ٣١٢ الحديث : ٢٧٣،٢٧٢ ١٥ - باب تخليل الشعر حتى إذا ظن أنه قد أروى خرَّجَه الإمامُ أحمدُ (١). وهذه (٢٠ - أ/ ط) الروايةُ تشهدُ لما قَالَه أكثرُ الفقهاء أنَّه يصبُّ الماءَ على رأسِه، ثم يخللُه بأصابعه؛ ولكن روايةُ هشام عن أبيه المتفق على صحتها مقدمةٌ على روايةٍ قَتَادةَ . وليس في تركِ ذكر هذا في حديثِ ميمونةَ مايوجبُ تركَه؛ لأنَّ ميمونةَ حكتْ غسلَ النبيِّ وَِّ في قضية معينة، وعائشةُ حَكَتْ ما كان النَّبِيُّ مَّ يفعلُه إذا اغتسل من الجنابةِ فالأخذُ بروايتِها متعينٌ، واللهُ أعلم. م (١) («المسند» (٢٥٢/٦). ٣١٣ الحديث : ٢٧٤ كتاب الغسل ١٦ - بَابُ مَنْ تَوَضَأْ فِي الْجَنَابَةِ ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ وَلَمْ يُعِدْ غَسْلَ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهُ مَرَّةً أُخْرَى . خرَّجَ فيه حديثَ : ٢٧٤ - مَيْمُونَةَ قَالَتْ: وُضِعَ لِرَسُولِ اللهِوَ لَهَ وَضُوءُ الجَنَابَةِ(١)، فَكَفَأَ بيمينه عَلَى شِمَالِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، ثُمَّ غَسَّلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ يَدَّهُ بِالأَرْضِ أَوِ الخَائِطِ مَرَتَيْنِ أَوْ ثَلاثا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْه ثُمَّ أَفَاضََ عَلَى رَأْسِهِ الَاءَ، ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ، ثُمَّ تَنَخَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ . قَالَتْ: فَأَتَيْتُهُ بِخِرْقَةٍ فَلَمْ يُرِدِهَا، فَجَعَلَ يَتْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ . خرَّجَهَ من طريقِ الفضلِ بن موسى، عن الأعمشِ بإسنادِه المتقدم . ووجُهُ دلالة الحديث على مابوَّبَ عليه أنَّهِ وَجَّ غسلَ وجهَه وذراعيه، ثُمَّ أفاضَ على رَأْسِهِ الماءَ، ثم غسلَ جسدَه ولم يُعِدْ غسلَ وجهِهِ وذراعيه؛ وإنَّما غسل رجليه أخيرًا لأَنَّه لم يكنْ غَسَلَهما أو لا . وقد خرَّجَ مسلمٌ(٢) هذا الحديثَ من روايةٍ عيسى بن يونسَ، عن الأعمشِ، وفي حديثه: ثُمَّ توضَّأ وضوءَه للصَّلاةِ، ثم أفرغَ على رأسِه ثلاثَ حفنات ملءَ كَفِّه، ثم غسل سائر جَسدِه . (١) في ((ط)): (للجنانة))، وهي نسخة، انظر ((اليونينية)). (٢) (٣١٧) . ٣١٤ ١٦ - باب من توضأ في الجنابة الحديث : ٢٧٤ وقوله ((غسلَ سائرَ جَسده)) يدلُّ على أَنَّه لم يُعدْ غسل ما كان غسلَه منه قبلَ ذلك؛ لأنَّ ((سائر)) إنَّما تسعملُ بمعنى الباقي؛ لابمعنى الكُلِّ على الأصحِّ الأَشْهرِ عندَ أهلِ اللُّغَةِ . وكذلك خرَّجَ مسلمٌ(١) حديثَ عائشةَ من حديث أبي معاويةَ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ فذكرتِ الحديثَ وفي آخرِه: ((ثم أفاضَ (٢٠ - ب/ط) على سائرِ جسدِه))، وهو - أيضًا - دليلٌ على أنَّه لم يُعِدْ غسلَ مامَضَى غسلُه منه . والعجبُ من البخاريِّ - رحمه الله - كيف ذكرَ في تبويِه ((مَنْ توضّاً للجنابةِ ثم غسلَ سائرَ جسدِه)) ولم يَسُقِ الحديثَ بهذا اللفظِ!؛ وإنما تتم ءَ الدلالة به . ومقصودُه بهذا الباب: أَنَّ الجنبَ إذا توضَّأَ فإنَّه يجبُ عليه غسلُ بقيةٍ بدنه، ولا يلزمُهُ إعادةُ غسلٍ ماغسلَه من أعضاءِ الوضوءِ . والجنبُ له حالتان : إحداهما: أنَّه لا يلزمُهُ سوى الغسلِ. وهو مَنْ أجنبَ من غير أن يُوجَدَ منه حدثٌ أصغر على قول من يقول: إِنَّ الجنابةَ المجرَّدَةَ لا توجبُ (٢) سوى الغسل - كما هو قولُ الشَّافعيِّ وابنِ حامد من أصحابنا - فهذا لا يلزمُه أكثرُ من الغسلِ، فإنْ بدأَ بأعضاء الوضوءِ فغَسلَها لَم يلْزمْه سوى غسلٍ بقية بدِنِه بغيرِ تَردُّدٍ وينوي بوضوئه(٣) الغسلَ لا رفعَ الحدثِ الأصغرِ صرّحَ به الشافعيةُ، وهو ظاهرٌ . (١) (٣١٦) . (٢) في ((ط)): ((يوجب)) بالياء . (٣) فى ((ط)): ((الوضوه)). ٣١٥ الحديث : ٢٧٤ كتاب الغسل الحالةُ الثّانيةُ: أن يجتمعَ عليه حدثٌ أصغر وجنابةٌ، إمَّا بأن يُحْدثَ ثم يجنبَ أو على قول من يقولُ: إنَّ الجنابةَ بمجردِها تنقضُ الوضوءَ وتوجبُ الغسلَ - كما هو ظاهرُ مذهب أحمدَ، وغيره - فهذه المسألةُ قد سبقت الإشارةُ إليها والاختلافُ فيها . وأكثرُ العلماءِ على تداخلِ الوضوءِ والغسلِ في الجملةِ. قال الحسنُ(١): إذا اغتمسَ في النهرِ وهو جنبٌ أجزأه عن الجنابةِ والحدث. فعلى هذا إذا غسلَ أعضاءَ الوضوءِ مرةً لم يحتجّ إلى إعادة غسلِها. قال أحمد: العملُ عندي في غسلِ الجنابة أن يبدأَ الرجلُ بمواضعِ الوضوءِ، ثم يغسلُ بعد ذلك سائرَ جسدِه . ولكن على هذا التقديرِ ينوي بوضوئه(٢) رفعَ الحدثين عن أعضاء الوضوءِ؛ فإن نوى رفعَ الحدثِ الأصغرِ وحدَه احتاجَ إلى إعادةِ غسلِ أعضاء الوضوءِ في الغُسلِ، ثم إنَّ المشهورَ عن أحمدَ عند أصحابه كالخرقيِّ ومن تابَعه أَنَّ الغسلَ والوضوءَ لايتداخلان إلا بأن يَنْويهما كالحجِّ والعمرةِ في القِرَانِ ، وهو وجهٌ للشَّافعية. وعلى هذا فينوي بالوضوءِ رفع الحدث (٢١ - أ/ ط) الأصغرِ، صرّح به ابنُ أبي موسى من أصحابنا . ويلزمُ من ذلك وجوبُ إعادةٍ غسلِ أعضاءِ(٣) الوضوءِ في الغسل مرةً أخرى، فإن نوى بالوضوءِ رفعَ الحدثين معًا لم يلزمه إعادةُ غسلهما مرةً أخرى، والمنصوصُ عن الشَّافعيِّ أنهما يتداخلان بدون نية . نصَّ على ذلك في ((الأم))، وحَكَاه أبو حفصِ البرمكيَّ روايةً عن أحمدَ كما لو كانا من جنسٍ واحدٍ عند أكثر العلماء . (١) ((المصنف)) لابن أبي شيبة (١ / ٧٤) . (٢) في ((ط)): ((بوضوه)). (٣) في ((ط)): ((أعضاء)) كذا . ٣١٦ ١٦ - باب من توضأ في الجنابة الحديث : ٢٧٤ فعلى هذا يُجْزِئُ الوضوءُ والغسلُ بنيةِ رفع الحدث الأكبر خاصةً، وإن نوى بالوضوءِ رفعَ الحدثِ الأصغرِ كَانَ أفضلَ. قَالَه بعضُ الشَّافعية . ولكن ينبغي أَنْ يقولوا بوجوبِ إعادةٍ غسلٍ أعضاءِ الوُضوءِ مرةً أخرى في الغسلِ . وعلى هذا التَّقَديرِ فإنَّ رفعَ الحدث الأصغرِ لايندرجُ فيه الأكبرُ بخلاف عكسه (١). وعن أحمدَ رواية: أَنَّه لا يرتفعُ الحدثُ الأصغرُ بدون الإتيانِ بالوضوءِ، وحُكِيَ مثلُه عن مالكٍ، وأبي ثورٍ، وداودَ، وهو وجهً للشافعية؛ لأنَّ سَبَبهما مختلفٌ فلم يتداخلا كحدِّ الزَّنَا وحَدِّ السَّرقة، وعلى هذا فيجبُ غسلُ أعضاء الوضوءِ مرَّتين: مرةً للوضوءِ، ومرةً في الغسلِ، ويَنْوي بالوضوءِ رفعَّ الحدثِ الأصغرِ وبالغسلِ رَفعَ الحدثِ الأکبرِ. وقالت طائفةٌ: إِنْ غَسَلَ أعضاءَ الوضوءِ مرتبةً متواليةً ارتفعَ عنهما الحدثان إذا نَوَى رفعهما فلا يجب عليه إلا غسلُ باقي بدنِهِ للجنابةِ، وإن لم يغسلْ أعضاءَ الوضوءِ مرتبةً متواليةً لم يرتفعْ عنها سوى حدث الجنابة وعليه أن يأتيَ بالوضوءِ على وجهِه لرفع الحدثِ الأصغرِ. وحُكيَ هذا عن إسحاق بن راهويه، وهو قولُ أبي بكر بن جعفر ومن اتَّبعه من أصحابِنا، واعتبروا - أيضًا - أن يمسحَ رَأْسَه . وقد سبقَ نصُّ أحمدَ على أنَّه لا يحتاجُ إلى (٢١ - ب/ ط) مسحٍ رأسِهِ؛ بل يكفيه صبُّ الماء عليه . وهو يدلُّ على أن خصائصَ الوضوء عندهُ كلَّها غيرُ معتبرَةٍ في وضوءٍ غسل الجنابةِ . وهو - أيضًا - وجهٌ لأصحاب الشَّافعيِّ؛ لكنهم لايعتبرونَ (١) في ((ط)): ((عسكه)) خطأ. ٣١٧ الحديث : ٢٧٤ كتاب الغسل الموالاةَ ولا نيةَ الحدث الأصغر على الصّحيح عندهم، وعندنا هما معتبران على الصّحيح، وزعم أبو بكرِ الخلالُ أَنَّ هذا القولَ هو مذهبُ أحمدَ ووَهمَ من حكى عنه خلافه؛ فإنَّ حنبلاً نقلَ عن أحمدَ في جنبٍ اغتسلَ وعليه خاتمٌ ضيقٌ لم يخرجه فصلَّى، ثم ذكر قَالَ: يغسلُ موضعَهُ ويعيدُ الصلاةَ(١). قال الخلالُ: هذا وهمٌ من حنبل لاشكَّ فيه؛ لأَنَّ أحمدَ عندَه أن من لم يُحَرِّكْ خاتَه الضيقَ في الوضوءِ وَصلَّى أَنَّه يعيدُ الوضوءَ والصَّلاةَ. قال أبو بكر بن جعفر في كتاب ((الشافي)): هذا يدلُّ على أنَّه لابدَّ في غسل الجنابة من الوضوء . قلتُ: إنَّما قال أحمدُ: يعيدُ الوضوءَ والصَّلاةَ في المحدث حدثًا أصغر؛ فأَمَّا الجنبُ: فإنَّ المنصوصَ عن أحمد: أَنَّه إذا انغمسَ في ماءٍ وتَمضمضَ واستنشقَ أَنَّه يجزئُه، بخلاف من يريدُ الوضوءَ فإنَّه يلزمُه الترتيبُ والمسحُ . ولكنَّ الخلالَ تأوَّلَ كلامَه على أَنَّ الجنبَ يجزتُه انغماسُه في الماءِ من غُسْلِ الجنابةِ وأَمَّا عن الوضوءِ فلا يجزئُهُ حَتَّى يُرتبَ كالمحدثِ الحدث الأصغر بانفراده، ويقولُ: إنَّ قولَ أحمد: ((إذا انغمسَ وأرادَ الوضوءَ لا يجزئُه)) عامٌّ فيمن أرادَ الوضوءَ وهو جنبٌ أو محدثٌ. والذي عليه عامةُ الأصحابِ كالخرقيِّ، وابن أبي موسى، والقاضي أبي يعلى وأصحابه خلافُ ذلك(٢)، وأَنَّ أحمدَ إنَّما أرادَ المحدثَ حدثًا أصغر . وروايةُ حنبل هذه صريحةٌ في هذا المعنى، وقولُ الخلال: إنَّها وهمٌ بلا شك ، غيرُ مقبول، واللهُ سبحانه وتعالى أعلم . (١) راجع ((مسائل أبي داود)) (ص/ ٨). (٢) كلمة: ((ذلك)) سقطت من أصل ((ط)) واستُدركت بالحاشية هكذا: ((لعله: ذلك)). ٣١٨ الحديث : ٢٧٥ ١٧ - بَابُ إِذَا ذَكَرَ فِي الْمَسْجِدِ أَنَّهُ هُبٌ يَخْرُجُ كَمَا هُوَ وَلَا يَتَيَمَّمُ ٢٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّد: ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ: ثَنَا(١) يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيّ هُرَيْرَةَ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَعُدَّلَت الصُّفُوفُ قِيَامًا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِوَّةِ، فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّ ذَكَرَ أَنَّهً جُنُبٌ فَقَالَ لَنَا: ((مَكَانَكُمْ) ثُمَّ رَجَعَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ (٢٢ - أ/ ط) خَرَجَ إِلَيْنَا وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَكَبَرَ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ . تَبَعَه عَبْدُ الأَعْلَىِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَرَوَه الأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْريِّ . قد خرَّجَه البخاريُّ في كتابِ ((الصلاة))(٢) من حديثِ الأوزاعيِّ، وفيه - أيضا - أنَّه كان جنبًا. وخرَّجَه - أيضًا - من رواية صالح بن كيسان(٣)، عن الزُّهريِّ، ولم يذكر أنَّه كان جنبًا؛ لكن رجوعه إليهم ورَأْسُه يقطرُ ما يدلُّ على ذلك . وقد استدلَّ البخاريُّ بهذا الحديث على أَنَّ من ذكرَ في المسجد أنَّه جنبٌ فَإِنَّه يخرجُ منه لِيَغْتَسلَ ولا يلزمهُ الثَّيممُ لمشيهِ للخروجِ، ومثلُهُ من كَانَ نائمًا فاحتلم في المسجد فإنَّه يخرجُ منه ليغتسلَ ولا يلزمُه أن يَتَيممَ (١) في ((اليونينية)): ((أخبرنا)). (٣) (الفتح: ٦٣٩). (٢) (الفتح: ٦٤٠) . ٣١٩ الحديث : ٢٧٥ كتاب الغسل للخروج. وقد نصَّ على هذه الصُّورِ أحمدُ في روايةٍ حرب . واستدلَّ طائفةٌ بأنَّ الصَّحابةَ كانوا ينامونَ في المسجدِ يعني: أنَّه لم يكن يَخْلو من احتلامٍ بَعْضِهِم فيه، ولم يُنْقَلْ عن أحدٍ منهم أَنَّه تَيَمَّمَ ولا أمرَ النَّبِيَّ بَّ أحدًا منهم بذلك مع علمِه بنومِهم وأَنّه لا يكاد يخلو من مُحتلمٍ منهم فيه . وقد كَانَ ابنُ عمرَ شابًا عزبًا ينامُ في المسجدِ على عهد رسول الله صَلىالله . وستِے وأصلُ هذه المسألة: أَنَّ الجنبَ هل يباحُ له المرورُ في المسجدِ من غيرِ تَيممٍ أم لا؟ وفي المسألةِ قولانِ: أحدُهما - وهو قولُ الأكثرينَ - أَنَّه يباحُ له ذلك. هو قولُ أكثرٍ السَّلْفِ، ومالكِ، والشَّافعيِّ، وأحمدَ، والأوزاعيِّ، وغيرهم. وقد تأوَّل طائفةٌ منَ الصَّحابة قولَ الله عز وجل: ﴿لا تقْرَبُوا الصَّلاةَ وأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُون ولا جُنُبًا إلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسلُوا﴾ [النساء: ٤٣] بأنَّ المرادَ: النَّهيُ عن قربانِ موضعِ الصّلاةِ - وهو المسجد - في حالِ الجنابةِ إلا أن يكونَ عابرَ سبيل وهو المجتازُ به من غيرِ و لبث فيه. وقد رُوِيَ ذلك عن ابن مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، وأنسٍ رضي(١) الله عنهم . وفي ((المسند))(٢) عن ابنِ عَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ سِدَّ أبوابَ المسجد غيرَ بابِ عليٍّ قال: فيدخلُ المسجد جنبًا وهو طريقُه ليس له طريقٌ غيره . (١) ((تفسير الطبري)) (٣/٥-٦)، و((الأوسط)) لابن المنذر (١٠٦/١ - ١٠٧). (٢) (١ / ١٧٥) . ٣٢٠