Indexed OCR Text
Pages 181-200
٣٠ - باب الصلاة من الإيمان الحديث: ٤٠ عشرَ شهرًا، ثم حُوِّلت القبلةُ بعد ذلك قِبَلَ المسجد الحرامِ قبل بدر بشهرین . ورواه بعضهم عن سعيد، عن سعد بن أبي وقاص. والحفاظ يرون أنه لا يصحّ ذكرُ سعدِ بنِ أبي وقاصٍ فيه(١). وقيل: عن سعيدِ بنِ المسيّب في هذا الحديث: ستةَ عشرَ شهراً (١). وكذا قال محمدُ بنُ كعب القرظي وقتادة وابن زيد وغيرُهم أن مدة صلاته إلى بيت المقدسِ كانت ستةَ عشرَ شهرًا(٢). وقال الواقديّ: الثبت عندنا أن القبلة حُوِّلَتْ إلى الكعبة يوم الاثنين للنصف من رجب على رأس سبعةَ عشرَ شهرًا(٣). وعن السُّدِّي: أن ذلك كان على رأس ثمانيةَ عشرَ شهرًا(٢). وقيل: كان بعد خمسةَ عشرَ شهرًا ونصف. ولا خلافَ أن ذلك كان في السنة الثانية من الهجرة؛ لكن اختلفوا (٢٠٦ - أ/ ف) في أي شهر كان؟ فقيل: في رجب - كما تقدم. وحُكيَ ذلك عن الجمهورِ(٤)، منهم: ابن إسحاق(٥) . وقيل: في يوم الثلاثاء نصف شعبان. (١) راجع ((علل الدار قطني)) (٣٦٥/٤). (٢) راجع ((تفسير الطبري)) (١٣/٢). (٣) ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٢٤٢/١). (٤) راجع ((تاريخ الطبري)) (٤١٦/٢). (٥) راجع «سيرة ابن هشام» (٢٤٣/٢). ١٨١ الحديث : ٤٠ كتاب الإيمان وحُكيَ عن قتادةَ، واختاره محمدُ بْنُ حَبيب الهاشمي وغيره. وقيل: بل كان في جمادى الأول(١). وحُكيَ عن إبراهيم الحربي، ورواه الزهريُّ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ كعبِ بنِ مالكٍ. وقوله ((وكانَ يُعْجِبُه)) يعني: النبيَّ ◌َِّـ((أَنْ تكونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البيتِ)) - يعني الكعبةَ - هذا يشهد له قول الله تعالى ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلَّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَولِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. ورَوَى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علي بْنِ أبي طلحة، عن ابن عباس قال: لما هاجر النبيّ وَلّ إلى المدينة - وكان أكثر أهلها اليهودُ - أمره اللهُ أن يستقبل بيتَ المقدسِ، ففرحت اليهودُ فاستقبلها رسولُ اللهِ وَ ظلهِ بضعةً عشرَ شهرًا، فكان رسول الله وَلَ يحب قبلةَ إبراهيم، فكان يدعو وينظر إلى السَّماء فأنزل اللهُ ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية (٢). [البقرة: ١٤٤]. قال مجاهدٌ: إنما كان يحب أن يُحوَّلَ إلى الكعبة؛ لأن يهودَ قالوا: يخالفنا محمدٌ ويتبع قِبْلَتَنَا(٣)؟ !. وقال ابن زيد: لما نزلت ﴿فَأيْنَمَا تُولُوا فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾ [البقرة: ١١٥] (١) راجع ((المنتظم)) لابن الجوزي (٩٣/٣). (٢) راجع ((صحيفة علي بن أبي طلحة)) عنه (ص: ٩٠)، وقد سبق (ص١٦٩) الكلام عليها وأنها متكلم فيها . (٣) أخرجها ابن جرير في «تفسيره))، (١٣/٢). ١٨٢ ٣٠ - باب الصلاة من الإيمان الحديث: ٤٠ قال رسول الله بِّهِ: ((هؤلاء قومُ يهود يستقبلونَ بيتًا مِن بيوتِ الله - لبيت مے المقدسِ - لو أنَّا استقبلنَاهُ)) فاستقبله النبيُّ ◌َِّ ستةَ عشرَ شهرًا، فبلغه أن اليهودَ تقول: والله مادرى محمدٌ وأصحابُه أين قبلتهم حتى هدیناهم، فكره ذلك النبيّ وَّ ورفع وجهه إلى السماء، فنزلت هذه الآية ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾(١). ويشهد لهذا: ما في حديث البَرَاء: ((وكانت اليهودُ قد أعجبَهم إذ كان يُصلِّي قِبَلَ بيت المقدسِ وأهلُ الكتابِ - يعني من غَير اليهودِ، وهم النَّصارى - فلما ولى وجهه قِبَلَ البيت أنكروا ذلكَ)). وقد اختلف الناس هل كان النبيُّ وَّه بمكةَ قبل هجرته يصلي إلى بيتِ المقدسِ أو إلى الكعبةِ؟ فرُويَ عن ابنِ عباسٍ: إنه كان يُصَلِّي بمكةَ نحو بيتِ المقدسِ والكعبةُ بين يديه. خرجه الإمام أحمدُ (٢) . وقال ابن جريجٍ: صلى أول ما صلى إلى الكعبة، ثم صُرُف إلى بيتِ المقدسِ وهو بمكةَ، فصلتِ الأنصارُ قبل قدومه وَلَّ إلى بيتِ المقدسِ ثلاثَ حجج وصلى بعد قدومه ستةَ عشرَ شهرًا، ثم وَجْهَهُ اللهُ إلى البيتِ الحرامِ. وقال قتادةُ: صلت الأنصارُ قبل قدومه وَّهُ المدينةَ نحو بيتِ المقدسِ حولين. (١) أخرجها ابن جرير في «تفسيره))، (١٣/٢). (٢) في («مسنده))، (٣٢٥/١). ١٨٣ الحديث : ٤٠ كتاب الإيمان واستدل من قال: إنما صلى النبي وَّ إلى بيت المقدس ستةَ عشرَ شهرًا أو سبعةَ عشرَ شهرًا فدل على أنه لم يصلِّ إليه غير هذه المدة(١) . لكن قد يقال: إنه إنما أراد بعد الهجرة. ويدل عليه - أيضا -: أن جبريلَ صلى بالنبيِّ وَلّ أول ما فرضتِ الصلاة عند باب البيت، والمصلِّي عند باب البيت لا يستقبل بيتَ المقدسِ إلا أن ينحرف عن الكعبة بالكلية ويجعلها عن شماله. ولم ينقل هذا أحدٌ [. ... ](٢). وهؤلاء منهم من قال: ذلك كان باجتهاد منه لا بوحي - كما تقدم عن ابن زید. وكذا قال أبو العالية: إنه صلى إلى بيت المقدس يتألف أهلَ الكتابِ. وفي ((صحيحِ الحاكم))(٣) عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: ﴿وَللهِ الْمَشْرِقُ والْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [البقرة: ١١٥] فاستقبل رسولُ اللهِ وَّهِ (٢٠٦ - ب/ف) فصلى نحو بيت المقدسِ وترك البيتَ العتيقَ فقال اللهُ تعالى ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢] يعنون: بيتَ المقدسِ، فنسخها اللهُ وصرفهُ إلى البيتِ العتيقِ . وقال: صحيحٌ على شرطهما. وليس كما قال؛ فإن عطاءً هذا هو الخُراساني، ولم يلقَ ابنَ عباسٍ؛ (١) الكلام هكذا لا يستقيم ولعل هناك سقطًا، ولم نستطع تقديره. (٢) بياض بقدر كلمتين. (٣) (٢٦٧/٢ - ٢٦٨). ١٨٤ ٣٠ - باب الصلاة من الإيمان الحديث: ٤٠ كذا وقع مصرحًا بنسبته في كتاب ((الناسخ والمنسوخ)) لأبي عبيد، ولابن أبي داود وغيرهما. وقول البَرَاء ((وكان أول صلاة صَلاها العصرُ)) يعني إلى الكعبةِ بعد الهجرة . وقد رُوِيَ عن عمارة بن أوس - وكان قد صَلَّى القبلتين - قال: كنا في إحدى صلاتي العشي ونحن نُصلي إلى بيتِ المقدسِ وقد قضينا بعض الصلاة إذ نادى مناد بالباب: إن القبلةَ قد حُوِّلت، فَأَشْهدُ على إمامنا أنه تَحَرَّفَ. خرَّجِه الأثرمُ وغيرُه(١). وخرَّج الأثرمُ وابنُ أبي حاتمٍ من حديث تويلة بنت أسلم قالت: صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثةَ فاستقبلنا مسجدَ إيلياء، فصلينا سجدتين ثم جاءنا من يخبرنا أن رسول الله وَله قد استقبل البيت الحرام فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء، فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن مُسْتقبلو البيتِ الحرامِ(٢). وقد رُويَ أن هذه الصلاةَ كانت صلاةَ الفجر؛ ففي ((الصحيحين)) عن ابنِ عمرَ قال: بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن رسولَ الله وَاخيه قد أُنزل عليه الليلة قرآن، وقد أُمرَ أن يستقبل الكعبةَ فاستقبلوها، وكانت وُجُوهُهُم إلى الشامِ فاسْتَدَارُوا إلى الكعبة(٣). (١) راجع ((الإصابة)) (٤ / ٥٧٧). (٢) أخرج هذا الحديث الطبراني في «الكبير)) (٢٠٧/٢٤) مع اختلاف في اللفظ. راجع («الإصابة)» (٥٤٦/٧). (٣) (فتح: ٤٠٣)، ومسلم (٥٢٦). ١٨٥ الحديث : ٤٠ كتاب الإيمان وخَرَّج مسلمٌ معنَاهُ من حديث أنس - أيضا(١). وقد قيل في الجمع بين هذه الأحاديث: إن التحويل كان في صلاة العصر ولم يبلغ أهلَ قُباء إلا في صلاة الصبح. وفيه نظر . وقيل: إن تلكَ الصلاة كانت الظهرَ. وقد خرّجه النسائي في ((تفسيره)) من حديث أبي سعيد بن المعلى، عن النبي وَلٍ﴾(٢). ورُويَ عن مجاهدٍ. وحديث البَرَاء يدل على أن النبيّ صلَّى صلاة العصر كلَّها إلى صَلىالّه وسام الكعبة وأن الذين صلوا إلى بيت المقدس ثم استداروا إلى الكعبةِ هم قومٌ کانوا في مسجدٍ لهم وراء إمامٍ لهم. وفي حديث ابنِ عمر: أنهم أهل مسجد قُباء، وفي حديث تويلة : مسجد بني حَارِثَةَ . وقد رُويَ أن النبيَّ بَّهِ ومن صلَّى معه هم الذين استداروا في صلاتهم وأن الكعبةَ حُوَّلَت في أثناءِ صلاتهم. وقد رُويَ نحوه عن مجاهدٍ وغيرِهِ. وقد ذكر ابنُ سعدٍ في كتابه قال: يُقال: إن رسولَ اللهِ وَلَه صِلَّى ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، ثم أُمرَ أن يتوجه إلى المسجد (١) مسلم (٥٢٧). (٢) النسائي في «الكبرى» (٢٩١/٦). ١٨٦ ٣٠ - باب الصلاة من الإيمان الحديث: ٤٠ الحرامِ واستدار إليه ودار معه المسلمون(١). ويقال: بل زار رسولُ الله وَلَّ أَمَّ بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة فصنعت لهم طعامًا وكانت الظهر فصلى رسول الله وقل له بأصحابه ركعتين، ثم أُمِرَ أن يوجه إلى الكعبة فاستدار إلى الكعبة واستقبل الميزاب، فسُميَ المسجد مسجد القبلتين(٢). وحُكيَ عن الواقديِّ أنه قال: هذا الثَّبتُ عندنا(٢). وروى أبو مالك النخعي عبدُ الملك بنُ حسين، عن زياد بن علاقة، عن عمارة بن رُوَيْبَةَ قال: كنا مع رسولِ اللهِ وَّلَه في إحدى صلاتي العشي حين صُرِفَتِ القلبةُ فدار النبيُّ نَّهِ وَدُرْنَا معه في ركعتين. خرَّجه ابن أبي داود. وأبو مالك: ضعيف جدّاً. والصواب: روايةُ قيس بن الربيع، عن زياد بن (٢٠٧ - أ/ ف) علاقة، عن عمارة بن أوس، وقد سبق لفظُ(٣). وروى عثمانُ بنُ سعد قال: ثنا أنس بن مالك قال: انصرف رسولُ الله وَ لّ نحو بيت المقدس وهو يصلِّي الظهرَ وانصرف بوجهه إلى القبلة. خرَّجِه البزارُ (٤)، وغيرُه. وعثمانُ هذا مُتْكَلَّمٌ فِيهِ(٥). وخرَّج الطبرانيّ من رواية عمارة بن زاذان، عن ثابت، عن أنس (١) ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٢٤١/١ - ٢٤٢). (٣) (ص ١٨٥) (٢) ابن سعد (٢٤٢/١). (٤) ((كشف)» (٢١٢/١). (٥) راجع ((الجرح)) (٦/ ١٥٣). ١٨٧ الحديث : ٤٠ كتاب الإيمان قال: صُرْفَ النبي ◌َّ عن القبلة وهم في الصلاة فانحرفوا في ركوعهم (١). وعمارة ليس بالقوي(٢). وخالف حماد بن سلمة؛ فَروَى عن ثابت، عن أنس أنَّ رسولَ اللهِ وَ خلَّ كان يصلي نحو بيتِ المقدسِ فنزلت ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية [البقرة: ١٤٤] فمر رجلٌ من بني سلمةَ وهم رُكُوعٌ في صلاة الفجر فنادى: أَلاَ إِنَّ القبلةَ قد حُوَّلَتْ، فَمَالُوا - كما هُم - نحو القبلةِ. خرَّجه مسلمٌ (٣) وهذا هو الصحيح. فإن كان التحويلُ قد وقع في أثناء الصلاة وقد بَنَى النبيّ وَّ على ما مضى من صلاتِهِ إلى بيتِ المقدسِ استدل بذلك على أن الحكم إذا تحول المصلي(٤) في أثناء صلاته انتقل ما تحول إليه وبنى على ما مضى من صلاته . فيدخل في ذلك الأَمَةُ إذا عُتْقَت في صلاتها وهي مكشوفة الرأس والسترةُ قريبة، والمتيممُ إذا وجد الماءَ في صلاته قريبًا وقَدَرَ على الطهارة به، والمريض إذا صلى بعض صلاته قاعدًا ثم قَدَرَ على القيام. وإِن كان التحويلُ وقعَ قَبْل صلاة النبيِّ بَلّ بأصحابِهِ؛ ولكن لم يبلغ غيرَهم إلا في أثناء صلاتهم فبنوا، استدل به على أن مَنْ دخل في صلاته باجتهادٍ سائغٍ إلى جهةٍ ثم تبيَّنَ له الخطأُ في أثناء الصلاة أنه ينتقل (١) الطبراني في ((الصغير)) (٣٩٨). (٢) راجع ((الجرح)) (٣٦٥/٦ - ٣٦٦)، و((الكامل)) (٥/ ٨٠). (٣) (٥٢٧). (٤) في ((ف)): ((للمصلي)) وما أثبتناه موافق للسياق. ١٨٨ ٣٠ - باب الصلاة من الإيمان الحديث: ٤٠ ويبني . ويستدل به على أن حكم الخطابِ لا يتعلقُ بالمكلف قبل بلوغه إياه، ويُسْتدل به - على التقديرين - على قبول خبرِ الواحدِ الثقةِ في أمورِ الدياناتِ مع إمكانِ السماعِ من الرسولِ وَّه بغير واسطةٍ، فمع تعذرِ ذلكَ أولى وأَحْرَىَ. وَمَا يُقال من أَنَّ هذا يلزم منه نسخُ المتواترِ - وهو الصلاة إلى بيتٍ المقدسِ - بخبرِ الواحدِ، فالتحقيقُ في جوابه: أن خبرَ الواحدِ يفيد العلم إذا احْتَفَّتْ به القرائن؛ فنداء صحابي في الطرقِ والأسواقِ بحيث يسمعه المسلمون كلُّهم بالمدينة ورسولُ اللهِ وَلَه بها موجودٌ لا يتداخلُ مَنْ سمعه شك فيه أنه صادقٌ فيما يقوله وينادي به، والله أعلم. وقول البَرَاء: ((إنه مات على القبلة قبل أن تحول رجالٌ وقُتْلُوا فلم يدر ما يقول فيهم فأنزل الله ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]: فهذا خرجه مسلم من طريق إسرائيل(١)، عن أبي إسحاق، عن البراء - أيضا . ورواه شَريك، عن أبي إسحاق، عن البراء موقوفا في قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ قال: صلاتكم إلى بيت المقدس (٢). وخرَّج الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والترمذيُّ وصححه من حديث سِمَاك، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عباسٍ قال: لَّا وُجِّ النبي ◌َّ إلى الكعبة قالوا: يا رسولَ الله! كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيتٍ (١) عند مسلم (٥٢٥) من طريق أبي الأحوص، عن أبي إسحاق. (٢) أخرجه الطبري في تفسيره)) (١١/٢). ١٨٩ الحديث : ٤٠ كتاب الإيمان المقدسِ؟ فأنزل اللهُ عز وجل ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ الآية(١). قال عُبيد الله بنُ مُوسى: هذا الحديث يُخبرك أَنَّ الصلاةَ من الإيمانِ. وهذا هو الذي بَوَّب عليه البخاريّ في هذا الموضع؛ ولأجله ساق حديث البراء فيه. وكذلك استدل به ابنُ عُيَيْنَةَ وغيرُه من العلماء على أن الصلاةَ من الإيمان(٢). وممن رُويَ عنه أنه فسَّر هذه الآية بالصلاةِ إلى بيتِ المقدسِ: ابنُ عباسٍ - من رواية العوفِي -، عنه، وسعيدٌ بنْ المسيّب، وابن زيد، والسُّدي، وغيرُهم(٣). وقال قتادة، والربيع بن أنس: نزلت هذه الآية لما (٢٠٧ - ب/ف) قال قوم من المسلمين: كيف بأعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الأولى؟(٤) وهذا يدل على أن المرادَ بها الصلاةُ - أيضا -؛ لأنها هي التي تختص بالقبلة من بين الأعمال. ولم يذكر أكثرُ المفسرينَ في هذا خلافًا وأن المراد بالإيمان هاهنا الصلاةُ؛ فإنها علمُ الإيمانِ وأعظمُ خِصَاله البدنية. وَرَوى ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة - أو (١) أخرجه أحمد في «مسنده))، (٣٤٧/١)، وأبو داود (٤٦٨٠)، والترمذي (٢٩٦٤)، ورواية سماك، عن عكرمة مشهورة بالإضطراب . (٢) راجع ((تعظيم قدر الصلاة)) (٣٤٤/١). (٣) ابن جرير (١١/٢ - ١٢)، والمروزي في ((تعظيم قدر الصلاة)) (٣٤١/١ - ٣٤٤). (٤) أخرجهما ابن جرير في «تفسيره)) (١١/٢ - ١٢). ١٩٠ ٣٠ - باب الصلاة من الإيمان الحديث: ٤٠ سعيدِ بنِ جُبير -، عن ابن عباسٍ ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ قال: أي القبْلة الأولى، وتَصْديقكم نَبِيَّكم واتِّباعه إلى الآخرة أي: لَيُعْطِيَنْكم أجرَهما جميعًا، إِنَّ اللهَ بالنَّاسِ لرُءُوفٌ رَحِيمٌ (١) . وعن الحسنِ في هذه الآية قال: ما كان الله ليُضيعَ محمدًاً مَله وانْصِرَافَكم معه حيث انصرف؛ إِنَّ اللهَ بالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ. وهذا القولُ يدل على أن المراد بالإيمان التصديق مع الانقياد والاتباع المتعلق بالقبلتين معًا فيدخل في ذلك الصلاة - أيضا. (١) محمد بن أبي محمد: مجهول . ١٩١ كتاب الإيمان فَصْلٌ ,(١) ءِ قال البخاريّ : ٣٦ - بَابُ(٢) خَوْفِ الْمُؤْمِنِ (٣) أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لا يَشْعُرُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّْمِيُّ: مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلا خشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذِّبًا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَدْرَكْتُ ثَلاثِينَ مِنْ أَصَّحَابِ النَّبِّ ◌َ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَّى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّه عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ. وَيُذْكَرُ عَنِ الْحَسَنِ: مَ خَافَهُ إِلا مُؤْمِنٌ وَلَا أَمِنَهُ إِلاَ مُنَافِقٌ. وَمَا يُخْذَرُ مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى النَّفَاقِ والْعِصَّانِ مِنَّ غَيْرِ قَوْبَةَ لِقَوْلِ اللهِ تَعَلَى ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَاً فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. مرادُ البخاريِّ بهذا الباب: الردُّ على المُرْجئَة القائلين بأنَّ المؤمنَ يقطع لنَفْسه بكمال الإيمان وأن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيلَ وأنه لا يخاف على نفسه النفاقَ العملي ما دام مؤمنا. فذكر عن إبراهيم التيميِّ أنه قال: ما عرضتُ قولي على عملي إلا (١) هكذا في ((ف)) كتب: ((فصل))، وبعده: ((قال البخاري))،: وبعده ((باب)). (٢) سقط قبل هذا الباب بابان: باب (٣٤) ((الزكاة من الإسلام))، وباب (٣٥) «اتباع الجنائز من الإيمان))، وفيهما حديثان (٤٦، ٤٧). (٣) سقط بعد كلمة ((المؤمن)) حرف ((من)) ولم ينبه القسطلاني في ((إرشاد الساري)) على سقوطها؛ بينما وضع عليها في ((اليونينية)) علامة تفيد أنها غير موجودة عند ابن عساكر و((عط)) وهي من الرموز التي لم يتبيَّن صاحبها، راجع لذلك مقدمة طبعة الشعب. وقال العيني في ((العمدة)) (٣١٤/١): ((وليس في بعض النسخ كلمة ((من)). ١٩٢ ٣٦ - باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله خشيت أن أكون مُكَذِّبًا. وهذا معروف عنه، وخرجه جعفر الفريابي بإسناد صحيح عنه؛ ولفظه: ((ما عرضتُ قولي على عملي إِلا خشيت أن أكون كذَّابًا))(١). ومعناه: أن المؤمنَ يصف الإيمانَ بقوله، وعمله نقص عن وصفه، فيخشى على نفسه أن يكون عملُهُ مُكذِّبًا لقولِه، كما رُويَ عن حذيفةَ أنه قال: المنافقُ: الذي يَصِفُ الإسلامَ ولا يعمل به. وعن عمرَ قال: إن أخوفَ ما أخافُ عليكم المنافقُ العليم، قالوا: وكيف يكونُ المنافقُ عليمًا؟ قال: يَتَكلَّم بالحكمة ويعملُ بالجورِ أو قال: بالمنكرِ(٢) . وقال الجعدُ أبو عثمان: قلت لأبي رجاء العطاردي: هل أدركتَ من أدركتَ من أصحاب رسول الله وَّ له يخشون النفاقَ؟ قال: نعم، إني أدركت بحمدِ اللهِ منهم صَدْرًا حسنا، نَعم شَدِيدًا نَعم شَدِيدًا (٣). وكان قد أدرك عمر . وممن كان يتعوذ من النفاق ويتخوفه من الصحابة: حذيفةُ، وأبو الدرداءِ، وأبو أيوبَ الأنصاريُّ (٤). وأما التابعون: فكثيرٌ، قال ابن سيرين: ما عليّ شيء أخوفُ مِنْ هذه (١) ((صفة المنافق)) للفريابي (ص: ١٢٩)، و((الزهد)) لأحمد (ص: ٤٢٧)، و((التاريخ الكبير)) للبخاري (٣٣٤/١ - ٣٣٥). (٢) انظر ((صفة المنافق)) للفريابي (ص: ٦٨). (٣) أخرجه أبو نعيم في «الحلية)» (٣٠٧/٢)، والفريابي في ((صفة المنافق)) (ص: ١١٨). (٤) راجع ((صفة المنافق)) فقد أخرج هذه الآثار (ص: ١١٣ - ١٢٢). ١٩٣ كتاب الإيمان الآية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آَمَنَّا بِاللهِ وبالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]. وقال أيوبُ: كل آية في القرآن فيها ذكر النفاق فإني أخافُها على نفسي .. وقال معاوية بن قُرة: كان عمرُ يخشاه وآمنه أنا(١)؟! وكلامُ الحسن في هذا المعنى كثيرٌ جدّاً. وكذلك كلامُ أئمةِ الإسلامِ بعدهم. قال زيد بن الزَّرقاء، عن سفيان الثوري: خلافُ ما بيننا وبين المرجئة ثلاث: نقولُ الإيمانُ قولُ وعملُ، وهم يقولون: الإيمانُ قول ولا عمل. ونقول: الإيمانُ يزيدُ وينقصُ، وهم يقولون: لا يزيد ولا ينقص. ونحن نقول: النفاقُ، وهم يقولون: لا نفاق (٢). وقال أبو إسحاقَ الفزاري، عن الأوزاعيِّ: قد خافَ عمرُ على نفسه النفاقَ (٢٠٨ - أ/ ف) قال(٣): فقلت للأوزاعي: إنهم يقولون: إن عمرُ لمْ يخفْ أن يكون يومئذ منافقا حين سأل حذيفةً؛ لكن خاف أن يبتلى بذلك قبل أن يموت، قال: هذا قولُ أهل البدع. وقال الإمام أحمدُ ـ في روايةِ ابنِ هانىءٍ وسُئل: ما يقولُ فيمن لا (١) أخرجه الفريابي في ((صفة المنافق))، (ص: ١٢٠). (٢) أخرجه الفريابي في ((صفة المنافق)) (ص: ١٢٧). (٣) كلمة ((قال)) تكررت في ((ف)). ١٩٤ ٣٦ - باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله يخافُ النِّفاقَ على نفسه؟ - فقال: ومَنْ يأمن على نفسه النفاقَ؟(١) وأصل هذا يرجع إلى ما سبق ذكره من أن النفاقَ أصغرُ وأكبرُ؛ فالنفاقُ الأصغرُ: هو نفاق العمل وهو الذي خافه هؤلاء على أنفسهم؛ وهو باب النفاق الأكبر، فيخشى على من غلب عليه خصال النفاق الأصغرِ: في حياته أن يخرجه ذلك إلى النفاق الأكبر حتى ينسلخَ من الإيمانِ بالكلية، كما قال اللهُ تعالى ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] وقال ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةً﴾ [الأنعام: ١١٠]. والأثر الذي ذكره البخاريّ عن ابن أبي مليكة: هو معروف عنه من رواية الصلت بن دينار، عنه(٢). وفي الصلت ضعف. وفي بعض الرواياتِ: عنه، عن ابن أبي مُلَيْكَةَ قال: أدركت زيادة على خمسمائة من أصحاب رسول الله وَ له ما مات أحدٌ منهم إلا وهو يخافُ النِّفاقَ على نفسه . وأما الأثر الذي ذكره عن الحسن: فقال: ويُذْكر عن الحسن قال: ما خافه إلا مؤمنٌ، ولا أمنهَ إلا مُنافقٌ، فهذا مشهورٌ عن الحسنِ، صحيح عنه . والعجب من قوله في هذا: ويُذكر، وفي قوله في الذي قبله: وقال (١) ((مسائل ابن هانىء)) (١٧٦/٢). (٢) أخرجه البخاري في ((تاريخه الكبير)) (١٣٧/٥) من طريق ابن جريج، عن ابن أبي ملیکة، به . ١٩٥ كتاب الإيمان ابنُ أبي مليكة - جَزَمًا(١). قال الإمام أحمدُ في كتاب ((الإيمان)) له: حدَّثَنا مؤمل قال: سمعتُ حمَّدَ بنَ زيد قال: ثنا أيوبُ قال: سمعتُ الحسنَ يقول: واللهِ ما أَصْبَح على وجه الأرض مؤمنٌ ولا أمسى على وجهها مؤمنٌ إلا وهو يخافُ النفاقَ على نفسِهِ، وما أمِنَ النِّفَاقَ إلا مُنافقٌ. حدثنا رَوْحُ بْنُ عبادة قال: ثنا هشامٌ قال: سمعتُ الحسنَ يقول: والله ما مضى مؤمنٌ ولا بقي إلا يخافُ النِّفَاقَ ولا أَمِنه إلا مُنافقٌ. وروى جعفرٌ الفريابي في كتاب ((صِفةِ المنافقِ)) من حديثِ جعفرِ بنِ سُلَيْمَانَ، عن معلى بن زياد قال: سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلا هو ما مضى مؤمنٌ قط ولا بَقِيَ إلا وهو من النفاقِ مشفقٌ، ولا مضى منافقٌ قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمنُ. قال: وكان يقول: مِنْ لم يخفِ النِّفَاقَ فهو منافقٌ (٢). وعن حبيبِ بنِ الشهيدِ، عن الحسنِ قال: إن القومَ لما رأوا هذا (١) قال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (١١١/١): ((وقد يستشكل ترك البخاري الجزم به مع صحته عنه، وذلك محمول على قاعدة ذكرها لي شيخنا أبو الفضل بن الحسين الحافظ رحمه الله، وهي: أن البخاري لا يخص صيغة التمريض بضعف الإسناد؛ بل إذا ذكر المتن بالمعنى أو اختصره أتى به - أيضًا - لما علم من الخلاف في ذلك، فهنا كذلك)) ا. هـ، وقال القسطلاني في ((إرشاد الساري) (١٣٦/١) (( ... وأتي بـ((يُذكر)) الدالة على التمريض مع صحة هذا الأثر؛ لأن عادته الإتيان بنحو ذلك فيما يختصره من المتون أو يسوقه بالمعنى؛ لا أنه ضعيف)) ا. هـ. (٢) أخرجه الفريابي في ((صفة المنافق)) (ص: ١٢١). ١٩٦ ٣٦ - باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله النفاقَ يغول الإيمان لم يكنْ لهم همٌّ غيرَ النِّفَاقِ(١). والروايات في هذا المعنى عن الحسن كثيرةٌ. وقولُ البخاريِّ بعد ذلك: ((وما يحذر من الإصرار على النفاق والعصيان من غير توبة لقول الله تعالى ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلِمُونَ﴾)) [آل عمران: ١٣٥]: فمراده: أن الإصرارَ على المعاصي وشعب النفاقِ من غير توبة يخشى منها أن يُعاقب صاحبها بسلب الإيمان بالكليةِ وبالوصولِ إلى النفاقِ الخالصِ وإلى سوءِ الخاتمةِ، نَعُوذ باللهِ من ذلك، كما يقال: إنَّ المعاصي بريد الكُفْر. وفي ((مسند الإمام أحمدَ))(٢) من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي بَّ قال: ((ويلْ لِأَقْمَاعِ القول، ويلٌ للذين يُصرُّونَ على ما فعلوا وهم يَعْلَمُونَ)). وأقماعُ القول: الذين آذانهم كالقمع يدخل فيه سماع الحق من جانب ويخرج من جانب آخر لا يستقر فيه. وقد وصف اللهُ أهلَ النَّارِ بالإصرارِ على الكبائرِ فقال ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦] والمراد بالحِنثِ: الذَّنْبُ الموقعُ في الحِنْثِ وهو الإِثْمُ. وتبويب البخاري لهذا الباب يُناسبُ (٢٠٨ - ب/ ف) أن يذكر فيه حبوطَ الأعمال الصالحة ببعض الذنوب كما قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ (١) المصدر السابق (ص: ١١٩). (٢) (١٦٥/٢، ٢١٩)، وأخرجه - أيضًا - البخاري في ((الأدب)) (٣٨٠)، والخطيب في ((التاريخ))، (٢٦٥/٨ - ٢٦٦). ١٩٧ كتاب الإيمان آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بالْقَوْلِ كَجَهْر بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ. وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]. قال الإمام أحمد: حدثنا الحسنُ بن موسى قال: ثنا حماد بن سلمة، عن حبيب بن الشهيد، عن الحسن قال: ما يرى هؤلاء أن أعمالا تُحبط أعمالا، والله عز وجل يقول ﴿لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ إلى قوله ﴿أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾. ومما يدل على هذا - أيضا -: قول الله عز وجل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ الآية [البقرة: ٢٦٤]، وقال ﴿أَيَوَدّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلِ وَأَعْنَابِ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٦]. وفي ((صحيح البخاريِ) أن عمرَ سأل النَّاس عنها فقالوا: الله أعلم، فقال ابن عباس: ضُرِبَتْ مثلا لعمل، قال عمرُ: لأي عمل؟ قال ابنُ عباس: لعمل، قال عمرُ: لرجل غَنِيٌّ(١) يعمل بطاعة الله ثم يبعث الله إليه الشيطان فيعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله . وقال عطاء الخُراسانيُّ: هو الرجلُ يُختم له بشركِ أو عمل كبيرةٍ فَيَحْبَطُ عملُه كلُّه. وصحَّ عن النبيِ وَّ أنه قال: ((مَنْ تركَ صلاةَ العصرِ حَبِطَ عملُه))(٢). وفي ((الصحيح)) - أيضا - أن رجلا قال: والله لا يغفرُ اللهُ لفلان، (١) في ((ف)): ((يعني))، والمثبت من البخاري (فتح: ٤٥٣٨). (٢) (فتح: ٥٥٣). ١٩٨ ٣٦ - باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله فقال اللهُ: ((مَنْ ذَا الذي يتألَّى عليَّ أن لا أغفرَ لفلان، قد غفرتُ لفلان وأحبطتُ عملَكَ))(١). وقالت عائشة: أبلغي زيدًا أنه أحبطَ جهادَهُ مع رسول الله وَلَّةٍ إلا أن يتوب . وهذا يدلُّ على أن بعض السيئات تُحبط بعض الحسناتِ، ثم تعود بالتوبة منها . وخرّج ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) من رواية أبي جعفر، عن الربيعِ ابنِ أنسٍ، عن أبي العالية قال: كان أصحابُ رسول الله وَلَّهِ يرونَ أنه لا يَضر مع الإخلاصِ ذنبٌ كما لا يَنْفِع مع الشركِ عملٌ صالِحٌ، فأنزل الله عز وجل ﴿يَا أَيَّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] فخافوا الكبائرَ بعدُ أن تُحبْطَ الأعمال(٢). وبإسناده، عن الحسنِ في قوله ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ قال: بالمعاصي. وعن مَعْمَر، عن الزهريِّ في قوله تعالى ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} قال : بالكبائرِ . وبإسناده، عن قتادةَ في هذه الآية قال: مَنِ استطاعَ مِنْكم أن لا يبطل عملا صالحًا عَمِلَه بعملٍ سيءٍ فليفعل ولا قوة إلا باللهِ؛ فإن الخيرَ ينسخ الشَّرَّ، وإن الشَّرَّ ينسخ الخيرَ، وإن ملاكَ الأعمال: خواتيمُها(٣). (١) مسلم (٢٦٢١). (٢) راجع ((الدر المنثور)) (٦/ ٦٧) فقد عزاه إليه. (٣) أخرجه ابن جرير في ((تفسيره))، (٢٦/ ٣٩). ١٩٩ كتاب الإيمان وعن السِّدِّيِّ قال في هذه الآية يقول: لا تعصَوا الرَّسولَ وَلِّ فيما يأمركم به من القتالِ فتبطلْ حسناتكم. وعن مُقاتل بنِ حَيَّان قال: بلغنا أنها نزلتْ فشقت على أصحاب النبيِ وَّ وهم يومئذ يرون أنَّه ليس شيءٌ مِنْ حسناتهم إلا هي مقبولةً، فلما نزلتْ هذه الآيةُ قال أبو بكر: ما هذا الذي يبطل أعمالَنَا؟ فبلغني - والله أعلم - أنهم ذكروا الكبائرَ التي وجبتْ لأهلها النارُ حتى جاءت الآية الأخرى ﴿إن اللهَ لا يغفرُ أن يُشْرِك به﴾ شيءٌ ﴿ويغفرُ ما دون ذلك لمن يشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فقال ابنُ عمرَ: لما كانت هذه الآية كففْنَا عن القول في ذلك ورددْنَا إلى الله عز وجل، وكنا نخاف على من ركب الكبائرَ والفواحشَ أنها تهلكهُ(١). والآثارُ عن السلفِ في حبوط بعض الأعمال بالكبيرة كثيرة جدّاً يطول استقصاؤُها. حتى قال حذيفة قذفُ المحصنَةِ يهدمُ عملَ مائة سنةٍ . وخرجه البزارُ عنه مرفوعا (٢). (٢٠٩ - أ/ ف). وعن عطاء قال: إن الرجل ليتكلم في غضبه بكلمة يهدم بها عمل ستين سنةً أو سبعين سنةً. وقال الإمام أحمدُ في رواية الفضل بن زياد، عنه: ما يؤمِّنُ أحدُكم أن ينظر النظرة فيحبط عملهُ. وأما من زعم أن القول بإحباط الحسنات بالسيئات قول الخوارجِ والمعتزلة خاصةً، فقد أبطلَ فيما قال ولم يقف على أقوالِ السلفِ الصالحِ في ذلك. نعم المعتزلة والخوارج أبطلوا بالكبيرة الإيمانَ كلَّه وخلدوا بها في (١) راجع ((تفسير ابن كثير)) (٣٠٥/٧). (٢) «البحر الزخَّار)» (٣٣١/٧). ٢٠٠