Indexed OCR Text
Pages 161-180
٣١ - باب حسن إسلام المرء الحديث: ٤٢،٤١ ولا يُستبعدُ إثابةُ المسلم في الآخرة بما عمل قبل إسلامه من الحسنات؛ فإنه لابد أن يثاب عليها في الدنيا. وفي إثابتِه عليها في الآخرة بتحقيق العذابِ نزاعٌ مشهور. فإذا لم يكن بُدُّ من إثابته عليها فلا يستنكر أن يثاب عليها بعد إسلامه في الآخرة؛ لأن المانعَ من إثابته عليها في الآخرة هو الكفرُ، وقد زال . وقد يُستدلُّ (١) لهذا - أيضًا - بقول الله عز وجل في قصة أُسارى بدر ﴿يَا أَيُّهَا النَِّيُّ قُل لَّمَن فِي أَيْدِيِكُمْ مِنَ الأُسَارَى (٢) إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٠] وقد كان العباسُ بنُ عبدِ الْمُطَّلب - وهو من جملة هؤلاء الأُسَارى - يقول: أمَّا أنا فَقَد أَتَانِي اللَّهُ خُيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنِّي وَوَعَدَنِي الْمَغْفِرَةَ(٣). فهذه الآيةُ تدل على أن الكافرَ إذا أُصِيب بمصيبةٍ في حال كُفْرِه ثم أسلم فإنه يثابُ على مُصيبته، فلأن يُثَابَ على ما سلف منه من أعماله الصالحة أولى؛ فإن المصائبَ يُثَابُ على الصبرِ عليها والرضَى بها، وأمَّا نفسُ المصيبة (٢٠٢ - ب/ف) فقد قيل: إنه يثاب عليها، وقيل: إنه لا يُثاب عليها؛ وإنما يُكَفَّرُ عنْهُ ذُنُوبُه. وهذا هو المنقول عن كثيرٍ من الصحابةِ . والمعنى الثاني - مما يُفَسَّرُ به إحسانُ الإسلام -: أن تقع طاعاتُ المسلمِ (١) في ((ف)) بالمثناة الفوقية والموافق للسياق ما أثبتناه. (٢) وهي قراءة أبي عمرو، وانفرد بها دون السبعة. قاله ابن عطية في ((تفسيره)) (١١٧/٨). (٣) أخرج هذا الأثر: ابن جرير في «تفسيره)) (٣٥/١٠). ١٦١ الحديث: ٤٢،٤١ كتاب الإيمان على أكمل وجوهها وأَتَمِّها بحيثُ يستحضرُ العاملُ في حال عملِهِ قُرْبَ الله منه واطّلاعَهُ عليه فيعملُ له على المراقبةِ والمشاهدةِ لربهِ بقلبهِ . وهذا هو الذي فسَّرِ النَّبِيّ وَخَلَّه به الإحسانَ في حديثِ سؤالِ جبريلَ عليه السلام. وقد دل حديثُ أبي سعيدٍ وحديثُ أبي هريرةَ المذكوران على أن مضاعفةَ الحسناتِ للمسلمِ بِحَسَبِ حُسنِ إسلامِهِ . وخرَّج ابنُ أبي حاتمٍ (١) من روايةِ عطيةَ العوفي، عن ابن عمر قال: نزلت ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] في الأعرابِ فقال رجلٌ: يا أبا عبد الرحمنِ! فما للمهاجرينَ؟ قال: ما هو أكثرُ ثم تَلا قولَه ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفَّهَا وَيُؤْتِ مِن لَُّنْهُ أَجْرًا عَظِيْمًا﴾ [النساء: ٤٠]. ويشهد لهذا المعنى: ما ذكره اللهُ عزَّ وجلَّ في حق أزواجٍ نبيِّهِ فقال ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ إلى قوله ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنٍ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيِمًا، يَاَ نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٠ - ٣٢] فدل على أنَّ مَنْ عظمتْ منزلتُه ودرجتُه عند الله فإن عملَه يُضَاعَفُ له أجره. وقد تأوَّلَ بعضُ السَّلْفِ مِنْ بني هاشم دخول آل النَّبِيِّ بَّ في هذا المعنى لدخول أزواجه؛ فلذلك(٢) من حَسُنَ إسلامُه بتحقيقِ إِيمانِه وعملِه (١) راجع (الدر المنثور)) فقد عزاه إليه (٦٤/٣). (٢) كذا في ((ف)»، ولعل الصواب: ((وكذلك)). ١٦٢ ٣١ - باب حسن إسلام المرء الحديث: ٤٢،٤١ الصالح فإنه يضاعفُ له أجرُ عملِه بِحَسَبِ حُسْنِ إِسْلاَمِهِ وتحقيقِ إِيمَانه وتَقْواه والله أعلمُ. ويشهدُ لذلك: أن اللهَ ضاعفَ لهذه الأمة لكونها خير أمة أخرجتْ للنَّاسِ أجرهَا مرتَيْن، قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وآمنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَّحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]. وفي الحديث الصحيح: ((إنَّ أهلَ التوراة عملُوا إلى نصفِ النَّهارِ على قيراط قيراط، وعَمِلَ أهلُ الإنجيلِ إلى العصرِ على قيراط قيراطٍ، وعَمِلْتُمِ أَنْتُم من العصرِ إلى غروبِ الشمسِ على قيراطين فغضبتِ اليهودُ والنصارى وقالوا: ما لنا أكثرُ عملا وأقلُّ أجرًا؟! فقال اللهُ: هل ظلمتُكم من أجورِكم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فذلك فَضْلِي أوتيهِ مَن أشاءُ)(١). وأما مَنْ أحسنَ عملَهُ وأتقنَهُ وعَمَلَهُ على الحضورِ والمراقبةِ، فلا ريبَ أنَّه يتضاعفُ بذلك أجرُهُ وثوابُهُ في هذا العملِ بخصوصهِ على مَنْ عملَ ذلكَ العملَ بعينهِ على وجهِ السهوِ والغفلةِ . ولهذا رُويَ في حديثِ عمارِ المرفوعِ: ((إنَّ الرجلَ ينصرفُ من صلاته وما كُتِبَ له إلا نصفُها، إلا ثلَثُها، إلَا رُبعُها، حتَّى بلغَ العُشْرَ)(٢)؛ فليس ثوابُ مَنْ كُتِبَ له عُشْرُ عمِلِه كثوابِ مَنْ كُتِبَ له نصفُه ولا ثوابُ مَنْ كُتِبَ له نصفُ عمله كثوابٍ مَنْ كُتْبَ له عملُه كلُّه، واللهُ أعلمُ. (١) (فتح: ٥٥٧). (٢) أخرجه أحمد في ((مسنده)) (٣٢١/٤)، وأبو داود (٧٩٦) ، وغيرهما؛ وهذا الحديث اختلف فيه اختلافًا كثيرًا على عمار، انظره في ترجمة عمار من ((التاريخ الكبير)) (٢٥/٧-٢٦)، والبزار في «مسنده)) (٢٥١/٤ - ٢٥٢)، والبيهقي (٢٨١/٢)، وذكر ابن المديني طرفًا من هذا الخلاف - نقله عنه المزي في ((تهذيبه)) (٣٩٣/١٥) ، ويروي عن أبي هريرة وهو أحد أوجه الخلاف فيه . ١٦٣ الحديث : ٤٣ كتاب الإيمان ٣٢ - فصلٌ (١) خرَّجِ البخاريُّ ومسلمٌ (٢) مِنْ حديثٍ: ٤٣ - عَائشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌ِ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ فَقَالَ: ((مَنْ هَذه؟)) فَقَالَتْ (٣): فُلانَةُ - تَذْكُرُّ مِنْ صَلاتِهَا -، فَقَالَ(٤): ((مَّهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللهِ لا يَمَلُّاللهُ حَتَّى تَمَلُّوا)). وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ: مَا دَامَ عَلَيْهِ صَّاحِبُهُ. قد وردُ في روايةٍ أخرى مخرجةٍ في غيرِ هذا الموضعِ أنَّ هذه المرأةَ اسمُها: الحولاءُ بنتُ تُوَيْت (٥) (٢٠٣ - أ/ ف) وأنَّ عائشةَ قالتْ عنها: زعموا أنها لا تنامُ الليل (٦). وقولُ النبيِّمَرِ ((مَهْ)) زَجْزٌ لعائشةَ عن قولها عن هذه المرأةِ في كثرةٍ صلاتها وأنَّها لا تنامُ الليلَ وأَمْرٌ لها بالكفِّ عما قالتْهُ في حقِّها؛ فيحتملُ. أنَّ ذلك كراهيةٌ للمدح في وجهها؛ حيثُ كانت المرأةُ حاضرةً، ويحتملُ - وهو الأظهرُ وعليه يدلُّ سياقُ الحديثِ - أن النَّهيَ إنما هو لمدحها بعملٍ ليس بممدوحٍ في الشرعِ. وعلى هذا فكثيرًا ما يُذْكرُ في مناقبِ العُبَّادِ مِنَ الاجتهادِ المخالفِ (١) هو باب ((أحب الدين إلى الله أدومه)). (٢) (٧٨٥/ ٢٢١). (٣) في ((اليونينية)): ((قالت)) وكذا في ((إرشاد الساري)) ولم يحكِ غيرها القسطلاني. (٤) في ((اليونينية)): ((قال))، ولم ينبه القسطلاني على غيرها. (٥) وضبط ((تويت)) بمثناتين فوق أوله وآخره، الأولى مضمومة، وهي الحولاء بنت تويت بن حبيب، صحابية، راجع ((الإكمال)) (٣٧٥/١)، و((توضيح المشتبه))، (٦٧٣/١). (٦) مسلم (٢٢٠/٧٨٥). ١٦٤ ٣٢ - باب أحب الدين إلى الله أدومه الحديث: ٤٣ للشرعِ يُنْهى عن ذكرِه على وجهِ التمدحِ به والثناءِ به على فاعله، وقد سبقَ شرحُ هذا المعنى في قولِهِ وَّهِ: ((الدينُ يسرٌ)(١). فإنَّ المرادَ بهذا الحديث: الاقتصادُ في العملِ والأخذُ منه بما يتمكنُ صاحبُه من المداومة عليه، وأنَّ أحبَّ العملِ إلى الله ما دامَ صاحبُه عليه وإنْ قلَّ. وقد رُويَ ذلك في حديثٍ آخرَ. وكذلك كان حالُ النبيِّ وََّ كان عملُه ديمةً، وكان إذا عملَ عملا ,و أثبتَهُ. وقد كانَ ينهى عن قطعِ العملِ وتركهِ، كما قال لعبدِ اللهِ بنِ عمرو: (لا تكنْ مثلَ فلانٍ كان يقومُ الليلَ فتركَ قيام الليلِ)»(٢) . وقوله ((إنَّ اللهَ لا يَمَلُّ حتى تَملُّو))(٣). وفي رواية: ((لا يَسْأُمُ حتَّى تَسْأْمُوا))(٤). المللُ والسآمةُ للعملِ يُوجبُ قطعَه وتَرْكَه، فإذا سَأَمَ العبدُ من العمل وملَّه قطعه وتركه فقطع اللهُ عنه ثوابَ ذلك العملِ؛ فإن العبدَ إنما يُجازى بعمله، فمن ترك عَمَلَهُ انقطع عنه ثوابُه وأجرُه إذا كان قَطْعُه لغير عذرِ من مرضٍ أو سفرٍ أو هَرَمٍ . كما قال الحسنُ: إن دور الجنَّة تبنيها الملائكةُ بالذكرِ فإذا فتر العبدُ انقطع الْملَكُ عن البناء فتقول له الملائكةُ: ما شأنك يا فلان؟ فيقول: إن (١) سبق (ص١٤٩) تحت حديث (٣٩). (٣) مسلم (٧٨٥/ ٢٢١). (٢) مسلم (١٨٥/١١٥٩). (٤) مسلم (٢٢٠/٧٨٥). ١٦٥ ٠ الحديث : ٤٣ كتاب الإيمان صاحبي فتر، قال الحسنُ: أمدوهم - رحمكم الله - بالنفقةِ. وأيضًا - فإن دوام العملِ وإيصالَه ربَّما حَصُلَ للعبدِ به في عمله الماضي ما لا يَحْصُلُ له فيه عند قطعه؛ فإن اللهَ يحُبَّ مواصلةَ العملِ ومداومتَه، ويجزي على دوامه ما لا يجزي على المنقطع منه. وقد صح هذا المعنى في الدعاء وأن العبدَ يُستجاب له ما لم يعجل فيقول: قد دعوتُ فلم يُستجبْ لي، فيدعُ الدعاءَ، فدلَّ هذا على أن العبدَ إذا أدام الدعاء وألحَّ فيه أُجيب وإن قطعه واستحسر مُنْعَ إجابتَهُ وسُمِّيَ هذا المنعُ من الله مللا وسآمةً مقابلةً للعبد على ملله وسامته، كما قال تعالى ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُم﴾ [التوبة: ٦٧] فسمى إهمالَهم وتركَهُم نسْيَانًا مقابلة لنسيانهم له . هذا أظهر ما قيل في هذا. ويشهدُ له: أنه قد رُويَ من حديث عائشةَ، عن النبيِّ وَِّ أنه قال: ((اكْلُفُوا من العملِ ما تُطِيقُون؛ فإن اللهَ لا يملَّ من الثواب حتى تَمَلُّوا من العملِ)). خرَّجِه بقيّ بْنُ مَخْلَدٍ؛ وفي إسنادِه: موسى بن عُبَيَدة. وقد قيل: إن ((حتَّى)) هاهنا بمعنى واو العطفِ؛ ولكن لا يصح دعوى كون ((حتى)) عاطفة؛ لأنها إنما تعطفُ المفردات لا الجملَ، هذا هو المعروف عند النَّحْوِيين، وخالف فيه بعضُهم. وقيل: إن ((حتى)) فيه بمعنى ((حين))، وهذا غير معروف. وزعم ابن قتيبة أن المعنى: ((لا يملّ إذا مللتم))، وزعم أن هذا ١٦٦ ٠ ٠٠- ٣٢ - باب أحب الدين إلى الله أدومه الحديث: ٤٣ الاستعمالَ معروفٌ في كلامِ العربِ، وقد يقال: إن ((حتى)) بمعنى لام التعليلِ، وأن المرادَ أن اللهَ لا يملّ لكي تملوا أنتم من العملِ . وفيه بعدُ - أيضًا. ولو كان كذلك لقال: حتى لا تملوا، ويكون التعليل - حينئذ - بإعلامهم بأنَّ اللهَ لا يملُّ من العطاءِ، فيكون إخبارهم بذلك مُقْتضيًا (٢٠٣ - ب/ف) لمداومَتِهم على العملِ وعدم مللهِم وسآمتهم. وقد يقال: إنما يدل هذا الكلامُ على نسبة المللِ والسآمةِ إلى الله بطريقِ مفهومِ الغايةِ . ومَنْ يقول: إنه لا مفهومَ لها فإنه يمنعُ من دلالةِ الكلامِ على ذلك بالكلية . ومن يقول بالمفهوم فإنه يقول: متى دلَّ الدليلُ على انتفائه لم يكنْ مرادًا من الكلامِ. وقد دلت الأدلةُ على انتفاءِ النقائصِ والعيوبِ عن الله تعالى، ومن جملة ذلك: لحوق السآمة والملَلِ له. ولكن بعض(١) أصحابِنَا ذكر أن دلالة مفهوم الغاية كالمنطوقِ؛ بمعنى: أنه لا يجوز أن يكون ما بعد الغاية موافقًا لما قبلَها بمفهومِ الموافقَةِ أو غيره . فعلى قوله يتعينُ في هذا الحديث أحدُ الأجوبة المتقدمة، واللهُ سُبحانه وتعالى أعلمُ. (١) اشتبهت في ((ف)) بـ ((نقض)). ١٦٧ كتاب الإيمان فَصْلٌ ( ١) ٥ قال البخاريّ: ٣٣ -باب زيادة الإيمان ونُقْصَانِه. وقول الله تَعالَى ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدَّى﴾ [الكهف: ١٣]، ﴿وَيَزْدَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١] وَقَالَ ﴿اليومَ أَكْمَلْتُ لَكُم دَيَّنَكُم﴾ [المائدة: ٣] فَإِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الكَمَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ. استدلَّ البخاريُّ على زيادةِ الإيمانِ ونقصانِه بقول الله عزَّ وجلَّ ﴿وَزَدْنَاهُمْ هُدَى﴾ وفي زيادةِ الهدَى إيمانٌ آخر كقولِه تعالى ﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوا هُدَّى﴾ [مريم: ٧٦]، ويُفَسَّر هذا الهدَى بما في القلوبِ من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليومِ الآخرِ وتفاصيلٍ ذلك. ويُفَسَّر بزيادة ما يترتب على ذلك من الأعمال الصالحة، إما القائمة بالقلوب كالخشية الله ومحبّته ورجائه والرضا بقضائه والتوكل عليه ونحو ذلك، أو المفعولة بالجوارح كالصلاة والصيامِ والصدقَةِ والحجِّ والجهاد والذكرِ والأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ ونحو ذلك، وكل ذلك داخلٌ في مُسمى الإيمانِ عند السلفِ وأهلِ الحديثِ وَمن وافقهم - كما سبق ذکرُه. واستدل - أيضا - بقوله تعالى ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: (١) جمع هنا بين كلمة ((فصل)) و((باب)) وذكر ترجمة الباب كاملة وقد نبهنا على ذلك في أوائل ((كتاب الإيمان)) . ١٦٨ ٣٣ - باب زيادة الإيمان ونقصانه ٣١] وفي معنى هذه الآية قوله تعالى ﴿وَإِذَا تُلَيَتْ عَلَيْهِم آيَاتُهُ زَادَتْهُم إِيْمَانًا﴾ [الأنفال: ٢] وقوله ﴿فَأَمَا الَّذِيْنَ آمَنُوا فَزَادَتْهُم إيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤]. ويُفَسَّرِ الإيمانُ في هذه الآياتِ بمثلٍ ما فُسِّرَ بِهِ الهُدَى في الآياتِ المتقدمة . واستدلَّ - أيضًا - بقول الله عزَّ وجلَّ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فدل على أن الدينَ ذو أجزاءٍ يَكْمُل بِكَمالها وينقص بفوات بعضها، وهذه الآية نزلتْ في آخر حياة النبيِّ بَّ في حجة الوداعِ، وقد قيل: إنه لم ينزلْ بعدها حلالٌ ولا حرامٌ - كما قاله السُّديُّ (١) وغيرُه. وكذا قال علي بن أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قال: بعثَ اللهُ نبيّه بشهادة أنْ لا إله إلا اللهُ، فلما صدَّق بها المؤمنون زادهم الصلاةَ، فلما صدَّقوا بها زادهم الصيامَ، فلما صدَّقوا به زادهم الزكاةَ، فلما صدَّقوا بها زادهم الحجَّ، فلما صدَّقوا به زادهم الجهادَ، ثم أكمل الله لهم دينهم فقال ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾(٢) [المائدة: ٣]. ومعلومٌ أنَّ النبيَّ ◌َِّهِ وأصحابَه لم يحجوا حجةَ الفرضِ إلا ذلك العامَ، فلما حجوا حجةَ الإسلامِ كَمُلَ لهم الدينُ بتكميلهم أركانَ (١) ذكره ابن جرير في ((تفسيره)) (٥١/٦). (٢) راجع ((صحيفته)) عن ابن عباس (ص: ١٧٠)، والطبري في «تفسيره)) (٥٢/٦)، ورواية علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس مُتْكلَّمٌ فيها؛ فإنه لم يسمع من ابن عباس، قاله أبو حاتم. راجع ((مراسيل)) ابنه (ص: ١٤٠)، ورواية معاوية بن صالح عنه لا يعتمد عليها. راجع ((الصحيفة)) (ص: ٤٤). ١٦٩ كتاب الإيمان الإسلامِ - حينئذٍ - ولم يكن الدينُ قبل ذلك ناقصا كنقصٍ مَنْ ترك شيئًا من واجبات دينه؛ بل كان الدينُ في كل زمان كاملا بالنسبة إلى ذلك الزمانِ بما فيه مِنَ الشَّرائعِ والأحكامِ، وإنما هو ناقصٌ بالنسبةِ إلى زمانٍ الذي بعده الذي تَجددَ فيه من الشرائعِ والأحكامِ ما لم يكنْ قبل ذلك، كما يقال: إن شريعةَ الإسلامِ أكْمَلُ مِنْ شريعَةِ مُوسى وعيسى، وإن القرآن أكملُ من التوراةِ (٢٠٤ - أ/ ف) والإنجيلِ، وهذا كما سمى النبيّ وَّه النساءَ ناقصات دين وفسَّر نُقْصان دينهنَّ بتركِ الصلاة والصيامِ في زمن حيضِهِنّ مع أنها قائمةٌ في تلك الحالِ بما وجب عليها من غير الصلاة؛ ولكن نقصان دينها بالنسبة إلى من هي طاهرة تصلي وتصوم، وهذا مبني على أن الدينَ هو الإسلامُ بكماله - كما تقدم ذكره - والبخاريّ عنده أن الإسلامَ والإيمانَ واحدٌ - كما تقدم ذكره. وقد احتجَّ سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ وأبو عبيد وغيرُهما بهذه الآية على تفاضل الإيمان(١)، قال أبو عبيد: قد أخبر اللهُ أنه أكمل الدينَ في حَجَّةٍ الوداعِ في آخر الإسلامِ، وزعم هؤلاء أنه كان كاملا قبل ذلك بعشرين سنةً في أول ما نزل الوحي، قال: وقد اضطر بعضُهم حين أُدخلت عليه هذه الحجة إلى أن قال: الإيمانُ ليس هو مجموع الدينٍ؛ ولكنَّ الدينَ ثلاثةُ أجزاء، فالإيمانُ جزءٌ، والفرائض جزءٌ، والنوافل جزءٌ. قال أبو عبيد: وهذا غيرُ ما نطقَ به الكتابُ؛ فإن اللهَ أخبرَ أن الإسلامَ هوُ الدينُ بِرُمَّتِهِ، وزعم هؤلاءِ أنه ثُلُثُ الدينِ . انتهى . ء فالْمُرْجئَةُ عندهم: الإيمانُ: التصديقُ، ولا يدخل فيه الأعمالُ، وأما (١) راجع ((الإيمان)) لأبي عبيد (ص: ٦٥) تحقيق الشيخ الألباني - حفظه الله - مع رسائل أُخر. ١٧٠ ٣٣ - باب زيادة الإيمان ونقصانه الحديث : ٤٤ الدينُ: فأكثرُهم أدخل الأعمالَ في مُسَمَّاه، وبعضُهم خالفَ في ذلكَ - أيضًا -، والآية نصٌّ في رد ذلك، واللهُ أعلمُ. ثم خرَّج البخاريُّ في هذا البابِ حديثينِ: أحدُهما : حديثُ: ٤٤ - هِشَامِ الدَّسْتُوَئِيِّ: ثنا قَتَادَةُ، عن أنس، عن النَّبِيِّ بَِّ قالَ: (يَخْرُجُ مِنَ النَّارِّ مَنْ قالَ: لا إلهَ إلا اللهُ وَفِي قلبه١ً) وزن بُرَّةً مِنْ خَيْرِ، وَيَخْرُجُ مِّنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إِله إِلا اللهُ وفِي قَلْبِه وزَنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرِ)). خرَّجه عن مسلمٍ بن إبراهيمَ، عن هشامٍ، به. ثم قال: قال أبانُ: ثنا قتادةُ: ثنا أنسٌ، عَنِ النَّبِيِّ وَّ (( مِنْ إِيمَانِ)) مكان (خَيْر))(٢) ففي هذه الروايةِ التي ذكرَها تعليقًا التصريحُ بتفاوتِ الإيمانِ الذي في القلوبِ - وأيضًا - فيها التصريحُ بسماعٍ قتادةَ له من أنسٍ، فزالَ ما كان يُتَوهم من تَدْلِيس قتادةَ. وقد خرّج البخاريَّ هذه اللفظةَ في حديث أنسِ في أواخرِ كتابه مسندَةً من رواية مَعْبَد بنِ هلالِ العنزي، عن أنسٍ (٣). وخرَّج حديث أبي سعيدِ الخَدْرِيِّ، عن النبيِّ وَّ في هذا المعنى - فيما تقدم من كتابِهِ (٤) - باختلاف لفظ الخیر والإیمان کاختلاف حديث أنسٍ . (١) حدث هنا سقط في متن الحديث وهو في ((اليونينية)): ((وزن شعيرة من خيرٍ ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه)) . (٢) في ((اليونينية)): ((من خير)) ووضع فوق قوله ((من)) رمز (ص) وهو للأصيلي، وكذا نبه القسطلاني وقال: وللأصيلي: ((من خير)). (٣) فتح: ٧٥١٠). (٤) حديث (٢٢) . ١٧١ الحديث : ٤٥ كتاب الإيمان والحديثُ نصٌ في تفاوتِ الإيمانِ الذي في القلوبِ، وقد سبق القولُ في تفاوتِ المعرفةِ وتفاضُلِها - فيما تقدم(١). الحديثُ الثاني الذي خرَّجه في هذا الباب: حديثُ: ٤٥ - طارق بن شهاب، عن عُمَرَ بنِ الخطّابِ أنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ قالَ لَهُ: يَا أميرَ المُؤْمِنَيْنَاَ آَيَّةٌ فِيٌّ كِتَابِكُمْ تَقْرِءُونَها لو عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَّلَتْ لا تَخَذْنَا ذَلِكَ الَيَوْمَ عِيدًا، قَالَ: أيُّ آيَةِ؟ قالَ: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لكُمَّ دِينَكُم وأَتَمْتُ عَلَّيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لكُمُ الإِسلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فقال عمرُ: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيْومَ وَالمَكانَ الذِي نَزَلَتْ فَهِ عَلَى النَّبِّ ◌َ﴿ِ، نَزَّلَتْ على النَّبَِِّّ وهو واقفٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ الجمعةِ. وقد خرَّجَه ابنُ جرير الطبري في ((تفسيره)) (٢) من وجه آخر عن عُمَرَ، وزاد فيه أنه قال: وكلاهما بحمد الله لنا عید. وخرَّجَ الترمذيُّ، عن ابنِ عباس أنه قرأ هذه الآيةَ وعنده يهوديٌّ فقال: لو أنزلتْ هذه الآيةُ علينا لاتَّخَذنا يومَها عِيدًا، فقال ابنُ عباسٍ: فإنها نزلت في يومٍ عِيدينِ: في يومٍ جمعَةٍ ويومٍ عرفة (٣). (٢٠٤ - ب/ ف). فهذا قد يُؤخذُ منه أن الأعيادَ لا تكونُ بالرأي والاختراع كما يفعله أهل الكِتابَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا؛ إنما تكون بالشَّرع والاتِّباع، فهذه الآيةُ لَّا تضمنت (١) (ص ١٠ - ١١) عند شرحه لترجمة الباب الأول من ((كتاب الإيمان)) عند شرحه لقول البخاري: ((ويزيد وينقص)). (٢) (٦ / ٥٣ - ٥٤). (٣) الترمذي (٣٠٤٤). ١٧٢ ٣٣ - باب زيادة الإيمان ونقصانه الحديث: ٤٥ إكمالَ الدينِ وإتمامَ النعمةِ أنزلها اللهُ في يومٍ شرعه عيدًا لهذه الأمة من وجهين : أحدُهما: أنه يومُ عيدِ الأسبوعِ وهو يومُ الجمعة . والثاني: أنه يومُ عيدِ أهل الموْسِمِ وهو يومُ مجمعِهم الأكبرِ وموقفهِم الأعظم، وقد قيل: إنه يومُ الحجِّ الأكبرِ. وقد جاء تسميتُه عيدًا في حديث مرفوع خرجه أهلُ السُّنْنِ من حديث عقبةَ بنِ عامٍ، عن النبي ◌ََّ قال: ((يومُ عرفةَ ويومُ النَّحرِ وأيامُ التَّشريقِ عيدنا أهلَ الإسلامِ، وهي أيام أكل وشربٍ))(١). وقد أُشكلَ وجهُه على كثيرٍ من العلماءِ؛ لأنه يدل على أن يومَ عرفةَ يومُ عيد لا يُصامُ، كما رُويَ ذلك عن بعضِ المتقدمينَ، وحملَهُ بعضُهم على أهلِ الموقفِ وهو الأصحُّ؛ لأنه اليومُ الذي فيه أعظمُ مجامعِهم ومواقِفِهِم بخلافِ أهلِ الأمصارِ فإن يومَ اجتماعِهم يومُ النحرِ، وأما أيامُ التشريقِ فيشارك أهلُ الأمصارِ أهلَ الموسمِ فيها؛ لأنها أيامُ ضحاياهم ء وأكلهم من نُسكهم. هذا قولُ جمهورِ العلماءِ. وقال عطاء: إنما هي أعيادٌ لأهلِ الموسمٍ، فلا يُنهى أهل الأمصار عن صيامها . ءِ وقولُ الجمهورِ أصح. (١) أخرجه أبو داود (٢٤١٩)، والنسائي في ((المجتبى)) (٢٥٢/٥)، والترمذي (٧٧٣). ١٧٣ الحديث : ٤٥ كتاب الإيمان ولكنَّ الأيامَ التي يحدثُ فيها حوادثُ من نعم الله على عباده لو صامَها بعضُ النَّاس شكرًا من غير اتخاذها عيدًا كان حسنًا استدلالا بصيام النبيِّ وَّ عاشوراءَ لما أخبره اليهودُ بصيامٍ موسى له شكرا، وبقول النبي ◌ِّ لما سُئل عن صيامٍ يوم الاثْنَيْن، قال: ((ذلكَ يومٌ وُلدتُ فيه وأُنزل عليَّ فيه))(١). فأما الأعيادُ التي يجتمع عليها النَّاس فلا يتجاوز بها ما شَرَعَه اللهُ لرسوله وشَرَعَه الرسولُ لأمَّتَه. والأعيادُ: هي مواسمُ الفرحِ والسرورِ؛ وإنما شرعَ اللهُ لهذه الأمَّةَ الفرحَ والسرورَ بتمام نعمته وكمال رَحْمته، كما قال تعالى ﴿قَلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبَرَحْمَتَهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرِحُوا﴾ [يونس: ٥٨] فشرعَ لهم عِيدينِ في سنةٍ وعِيدًا في كل أسبوعٍ، فأمَّا عيدًا السنة: فأحدُهما: تمامُ صيامهِم الذي افترضه عليهم كلّ عامٍ، فإذا أتموا صيامَهُم أعتقَهم من النَّار، فشرع لَهمْ عِيدًا بعد إِكمالِ صيامِهِم وجعله يومَ الجوائزِ يرجعونَ فيه من خروجهِم إلى صلاتِهم وصدقَتِهم بالمغفرةِ وتكونُ صدقةُ الفطرِ وصلاةُ العيدِ(٢) شكرًا لذلكَ. والعيدُ الثاني: أکبرُ العیدیْنِ عند تمامٍ حجِّهم بإدراك حجِّهم بالوقوف بعرفةَ وهو يومُ العِثْقِ من النَّار، ولا يَحْصُلُ العتقُ مِنَ النَّارِ والمغفرةُ للذنوبِ والأوزارِ في يومٍ من أيامِ السَّنَة أكثرَ منه، فجعل اللهُ عَقبَ ذلك عيدًا؛ بل هو العيدُ الأكبرُ، فَيُكْمِلُ أهلُ المَوْسِمِ فيه مناسكَهم ويقضوا فيه (١) مسلم (١١٦٢ / ١٩٨)، وأشار البخاري في ((التاريخ)) (١٩٨/٥) إلى انقطاعه. (٢) تشتبه في ((ف)) بـ ((العبد)) والصواب ما أثبتناه. ١٧٤ ٣٣ - باب زيادة الإيمان ونقصانه الحديث: ٤٥ تَفَتَهُم ويُوفُونَ نذورَهم ويطُوفُونَ بالبيتِ العتيقِ ويشاركهم أهلُ الأمصارِ في هذا العيدِ؛ فإنهم يشاركونَهُم في يومٍ عرفةَ في العِتْقِ والمغفرةِ وإن لم يُشاركُوهم في الوقوف بعرفةَ؛ لأن الحجَّ فريضةُ العمرِ لا فريضةَ كلِّ عامٍ، بخلاف الصيامِ ويكون شُكْر(١) عندَ أهلِ الأمصارِ: الصلاة والنحر، والنحرُ أفضل من الصدقة التي في يومِ الفطرِ؛ ولهذا أمر اللهُ نبيَّهِ وَلِّ أن يَشْكُرَ نعمتَه عليه بإعطائه الكوثَرَ بالصلاة لهُ والنَّحرِ كما شرعَ ذلك لإبراهيمَ خليلِه عليه السلام عند أمرِهِ بذبحِ ولَدِهِ وافتدائِه بذبحٍ عظيمٍ. وأمَّا (٢٠٥ - أ/ ف) عيدُ الأسبوع: فهو يومُ الجمعة، وهو متعلق بإكمال فريضة الصلاة؛ فإن الله فرض على عباده المسلمينَ الصلاة كلَّ يومٍ وليلةٍ خمسَ مراتٍ، فإذا كملتْ أيامُ الأسبوعِ التي تَدُور الدنيا عليها وأکملُوا صلاتهم فيها شرع لهم يوم إكمالها - وهو اليوم الذي انتهى فيه الخلقُ وفيه خُلقَ آدمُ وأُدْخِل الجنة - عيدًا يجتمعون فيه على صلاة الجمعةِ، وشرع لهم الخطبةَ تذكيرًا بنعم الله عليهم وحثًا لهم على شكرها، وجعلَ شهودَ الجمعة بأدائها كفارةً لذنوبِ الجمعةِ كلِّها وزيادة ثلاثةِ أیامٍ. وقد رُويَ أن يومَ الجمعةِ أفضلُ من يومِ الفطرِ ويومِ النحرِ . خرَّجه الإمام أحمدُ في ((مسنده))(٢)، وقاله مجاهد وغيرُه. ورُويَ أنه حجُّ المساكين(٣)، ورُويَ عن عليٍّ أنه يومُ نسكِ المسلمينَ. قال ابنُ الْمُسَيّب: الجمعةُ أحبُّ إليَّ من حَجِّ التطوعِ. (١) كذا في ((ف))، ولعل الصواب: ((شُكْرُهُ)). (٢) (٣/ ٤٣٠) عن أبي لبابة. (٣) انظر ((الضعيفة)) للألباني (١٩١). ١٧٥ الحديث : ٤٥ كتاب الإيمان وجعلَ اللهُ التبكيرَ إلى الجمعةِ كالهَدْي؛ فالمبكرُ في أولِ ساعة كالُهدي بدنةً، ثم كالمهدي بقرةً، ثم كالمُهدي كبشًا، ثم کالمهدي دجاجةً، ثم کالمهدي بيضةً. ويومُ الجمعة يومُ المزيد في الجنة الذي يزور أهلُ الجنّة فيه ربّهم ويتجلَّى لهم في قدر صلاة الجمعة. وكذلكَ رُويَ في يومِ العيدين أن أهلَ الجنَّة يَزورونَ رَبَّهم فيهما وأنه يتجلَّى فيهما لأهلِ الجنةِ عمومًا يشاركُ الرجالَ فيها النساءُ. فهذه الأيامُ أعيادٌ للمؤمنينَ في الدنيا وفي الآخرةِ عُمومًا. وأما خواص المؤمنينَ: فكلُّ يومٍ لهم عيدٌ كما قال بعض العارفين. ورُويَ عن الحرم(١): كل يوم لا يعصى اللهُ فيه فهو عيدٌ. ولهذا رُويَ أنَّ خواصَّ أهل الجنّة يزورونَ رَبّهم وينظرون إليه كل يوم مرَّتَين بكرةً وعشيّا. وقد خرَّجه الترمذيَّ من حديثِ ابْنِ عُمرَ مرفوعًا وموقوفًا(٢). ولهذا المعنى - واللهُ أعلمُ - لَّا ذكر النبيُّ وَّ الرؤيةَ في حدیثِ جَریرِ ابنِ عبدِ اللهِ البجلي (٣) أَمَرَ عَقبَ ذلكَ بالمحافظَةِ على الصلاةِ قبل طلوعِ الشّمسِ وقبل غروبِها؛ فإن هذين الوقتين وقت لرؤيةٍ خواصِّ أهلِ الجنَّةِ رَبَّهم، فمَنْ حافظَ على هاتين الصلاتَيْنِ على مواقيتِهما وأدائهِما وخشوعهِما وحضورِ القلبِ فيهما رُجيَ له أن يكونَ مِمَّنْ ينظرُ إلى اللهِ (١) كذا. (٢) الترمذي (٣٣٣٠)، واستغرب رفعه، وانظر (علل الدار قطني)) (٤/ ق٦٣ - أ، ب). (٣) البخاري (فتح: ٥٥٤)، ومسلم (٢١١/٦٣٣). ١٧٦ ٣٣ - باب زيادة الإيمان ونقصانه الحديث: ٤٥ في الجنَّةِ في وقتهِما. فتبين بهذا: أن الأعيادَ تتعلَّقُ بإكمال أركانِ الإسلامِ؛ فالأعيادُ الثلاثةُ المجتمعُ عليها تتعلقُ بإكمالِ الصلاة والصيام والحجِّ؛ فأما الزكاةُ: فليس لها زمانٌ معينٌ تكملُ فيه، وأما الشهادتانِ: فَإِكْمَالُهما هو الاجتهادُ في الصدق فيهما، وتحقيقهِما والقيامِ بحقوقهما. وخواصّ المؤمنينَ يجتهدونَ على ذلك كلَّ يومٍ ووقتٍ؛ فلهذا كانتْ أيامُهم كلُّها أعيادًا، ولذلك كانتْ أعيادُهم في الجنَّةِ مستمرةً، واللهُ أعلمُ. ١٧٧ الحديث : ٤٠ كتاب الإيمان ٣٠ - فَصْل ١٣) خرَّج البخاري ومسلم(٢) من حديث: ٤٠ - أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِه - أَوْ قَالَ: أَخْوَاَلَه - مِنَ الأَنْصَارِ وأَنَّه صَلَّىَ قِبَلَ بَيَّتِ الْمَقْدس ستَّةَ عَشَرَ شَهْرًا - أو سَبَّعَّةَ عَشَرَ شَهْرًا وكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قبْلَتُهُ قَبَلَ الَبَيْت وَأَنَّه(٣) أَوَّلُ صَلاة صَلَّهَا صَلَاةُ الْعَصْرِ وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ فَخَرَجَّ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُّمْ رَاكِعُونَ فَقَالَ: أَشْهَدُ باللهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِّهِ قَبَّلَ مَكَّةَ فَدَارُوا كَمَا هُمْ قَبَلَ الْبَيْت، وَكَّانتِ الْيَهُودُ (٤) أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَّلِّي (٢٠٥-ب/ف) قِبَل بَّتِ الْمَقْدِسِ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، فَلَمَّا وَلَّىَ وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ. قَالَ زُهَيْرٌ: ثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ في حديثِهِ هَذَا أَنَّه مَاتَ عَلَى الْقَبْلَة قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رجَالٌ وَقُتِلُوا فَلَّم نَدرِ مَا نَقُولُ فِيَهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانكم﴾ [البقرة: ١٤٣] . قَالَ الْبُخَارِيُّ: يَعْنِي صَلاَتَكُمْ (٥). (١) باب ((الصلاة من الإيمان))، كما سينبه المصنف - رحمه الله - بعد الحديث وقد ذكر المصنف ماالباب متأخراً عن مكانه بعد باب (٣٣). (٢) (٥٢٥). (٣) زاد في ((اليونينية)) كلمة: ((صلى)) ولم ينبه القسطلاني، ولا الحافظ، ولا العيني على سقوطها من إحدى النسخ. (٤) زاد في ((اليونينية)) كلمة ((قد)) وهي كالتي قبلها. (٥) قول البخاري بعد الحديث حقَّهُ أن يكون قبل الحديث مع الترجمة كما في ((اليونينية)) وغيرها، وصنع مثله في الحديث رقم: (٢٩). ١٧٨ ٣٠ - باب الصلاة من الإيمان الحديث: ٤٠ وبوَّبَ على هذا الحديثِ: باب ((الصَّلاةِ مِنَ الإِيمَانِ))(١). والأنصارُ لِلنَّبِيِّ بَّهِ فِيهِمْ نَسَبٌ؛ فإنَّهُمْ أَجدَادُهُ وأخوَالُهُ مِن جهةٍ جَدِّ أبيهِ هاشمٍ بنِ عبدِ منافٍ؛ فإنَّه تَزوَّجَ بالمدينة امرأة من بني عديِّ بنِ النَّجَّارِ يُقالُ لها: سلمى، فولدتْ له ابنهُ عبدَ الَّمَطَّلِبِ وَفِي رَأْسِهِ شَيْئَةٌ فَسُمِّيَ شَيْبَةَ، وذكر ابن قتيبةَ أَنَّ اسمَهُ : عَامِرٌ. والصَّحيحُ: أَنَّ اسمَهُ: شَيْبَةُ؛ وإِنَّمَا قِيْلَ لَهُ ((عبدُ المُطَّلب)) لأَنَّ عَمَّهُ المُطَّلِبَ بنَ عَبْد مَنَافٍ قَدِمَ بهِ من المدينةِ إلى مكةً فقالت قريشٌ: هذا عبدُ المطلب، فقال: ويحكم؛ إِنَّما هو ابن أخي شيبة بن عمرو، وهاشم اسمه عمرو. ففي حديثِ البَرَاء هذا: أنَّ النَّبِي وَلَّ لما قدم المدينةَ نزل على أجدادِهِ - أو قال: أخواله - من الأنصار، وظاهره يدل على أنه نزل على بني النَّجار؛ لأنهم هم أخوالُهُ وأجدادُهُ؛ وإنما أراد البَرَاءُ جنسَ الأنصارِ دون خصوص بني النجَّار. وقد خرَّج البخاريُّ في كتاب ((الصَّلاة))(٢) و ((أبواب الهجرة))(٣) من حديث أنسٍ أن النبي ◌ُّ لما قدم المدينةَ نزل في علو المدينة في حي يقال لهم: بنو عمرِو بْنِ عَوْفٍ، فأقام فيهم أربعَ عشرةَ ليلةً، ثم أرسل إلى ملا بني النجّار فجاءوا متقلدين سيوفهم، قال: وكأني أنظر إلى رسولِ اللهِ وَلِّ على راحلته وأبو بكر رِدْفُه وملأ بني النجار حوله حتى ألقى بفناء أبي أيوبَ، وذكر الحديثَ. (١) وسيأتي (٨٨/٣) الإحالة إلى هذا الباب تحت حديث (٣٩٩) في كتاب الصلاة. (٣) (فتح: ٣٩٣٢). (٢) برقم: (٤٢٨). ١٧٩ الحديث : ٤٠ كتاب الإيمان وخَرَّجَ - أيضًا - معنى ذلك من حديث الزهريِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ يره الزبيرِ . وأما ما ذكر البَرَاءُ في حديثه أن النبي ◌َّ صلى بالمدينةِ قِبَلَ بيت المقدسِ ستةَ عشرَ أو سبعةَ عشرَ شهرًا(١): فهذا شكٌّ منه في مقدار المدةِ. ورُويَ عن ابنِ عباسِ أن مدة صلاتِه بالمدينةِ إلى بيتِ المقدسِ كانت ستةَ عشرَ شهراً. خرَّجَه أبو داود(٢). وخَرَّجَ - أيضًا - من حديث مُعاذ أن مدة ذلك كان ثلاثةَ عشرَ شهرًا(٣) . وروى كثيرُ بْنُ عبد الله المزني - وهو ضعيفٌ -، عن أبيهِ، عن جده عمرو بن عوفٍ قال: كنا مع رسول الله وَل حين قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس سبعةَ عشرَ شهراً(٤). وقال سعيدُ بنُ المسيّب: صلى رسول الله وَّله نحو بيت المقدس تسعةَ (١) في ((ف)): ((شهر)) وما أثبتناه هو الصواب. (٢) لم نجده في المطبوع من ((سنن أبي داود)) بعد بحث في مظانه وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١٣/٢)، وعزاه غير واحد - كابن كثير، والحافظ وغيرهما - للإمام أحمد في («المسند» (٣٢٥/١). وهو في ((صحيفة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس)) (ص: ٨٩ - ٩٠). (٣) أبو داود (٥٠٧). (٤) أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) (٢٤٢/١)، والبزار ((كشف)» (١/ ٢١٠)، والطبراني في ((الكبير)) (١٧/ ١٢). ١٨٠