Indexed OCR Text
Pages 141-160
٢١ - باب كفران العشير
الحديث: ٢٩
وقالَ: قُولوا: فسقُوا، قولُوا: ظَلَمُوا.
وهذا قول ابْنِ المباركِ وغيرِهِ من الأئمةِ .
/ وقد ذَكَرَ بعضُ النَّاسِ أن الإيمانَ قسمان:
أحدُهما: إيمانٌ بالله، وهُو الإقرارُ والتصديقُ بهِ.
والثاني: إيمانٌ للهِ، وهُو الطاعةُ والانقيادُ لأَوامرِهِ.
فَنَقِيضُ الإيمانِ الأولِ: الكُفُرُ، ونَقيضُ الإِيمانِ الثاني: الفِسْقُ؛ وقد
يُسمَّى كُفْرًا ؛ ولكن لا ينقلُ عن الملَّة.
وقَد ورَدَتْ نُصوصٌ اختلف العلماءُ في حَمَلِهَا عَلَى الكُفرِ الناقلِ عن
الملة أو عَلى غيرِهِ مثل الأحاديثِ الواردة في كُفْرِ تارك الصلاة، وترددَ
إسحاقُ بنُ رَاهويه فيما وردَ في إتيانِ المرأةِ فِي دُبُرُها أَنْه كفرٌ هَل هُو
مُخرجٌ عنِ الدينِ بالكليةِ أم لا؟.
ومِن العلماءِ مَن يَتوقَّى الكلامَ في هذهِ النصوصِ تَورعًا ويُمرُّها كَما
جَاءتْ من غيرِ تَّفسيرٍ مع اعتقادِهِم أَن المعاصيَ لا تُخرِجُ عَن اللَّهِ.
وحكاهُ ابنُ حامدٍ روايةً عن أحمدَ، ذَكر صالحُ بنُ أحمدَ وَأَبُو
الحارث أَن أحمدَ سُئِلَ عن حديث أبي بكر الصديقِ ((كُفْرٌ باللهِ تبري من
نسبٍ وإن دَقَّ، وكفرٌ بالله ادعاءٌ إلى نسبٍ لا يُعلَمُ)) (١) قال أحدُهما: قالَ
(١) أخرجه البزار فى ((البحر الزخَّار)) (١٣٩/١، ١٦٨ - ١٦٩) وقال: ((وهذا الكلام لا
نعلمه يروي عن النبي وَّل إلا عن أبي بكر، عنه)) وقال في موضع آخر: (( ..... فتركناه
لذلك إذا لم يصح عندنا عن رسول الله {َلاقت)).
وذكره الدارقطنى فى ((العلل)) (٢٥٤/١ - ٢٥٥)، (٢٦١/١ - ٢٦٣) وقال: ((والموقوف أشبه
بالصواب)). وقال في موضع آخر (٢٦٣/١): ((والصواب قول من رواه عن الأعمش
موقوفًا)) وأخرجه الخطيب في ((التاريخ)) (١٤٤/٣).
١٤١
الحديث: ٢٩
كتاب الإيمان
أحمدُ: قد رُويَ هذا عن أبي بكرٍ، واللهُ أعلم، وقال الآخرُ: قال ما
أَعلمُ، قد كتبناها هكذا.
قال أبو الحارث: قيلَ لأحمدَ: حديثُ أَبي هريرةَ ((مَن أَتى النساءَ في
أَعجازهنَّ فقدْ كَفَرَ))(١) فقالَ: قد رُوِيَ هذا. ولم يَزَدِ على هذا الكلامِ.
وكذا قالَ الزهريُّ لَّا سُئِلَ عن قولِ النبيِّ وَّ: ((لَيس مِنا مَن لَطم
الخدودَ) وما أَشبهَهُ من الحديث فقالَ: مِنَ اللهِ العلمُ وعَلَى الرسولِ البلاغُ
و(٢)
وعلينا التسليم (٢).
ونقلَ عبدوسُ بنُ (١٩٩ - ب / ف) مالك العطَّر عن أحمدَ أنه ذكر
هذه الأحاديثَ التي ورد فيها لفظُ الكفر فقال: نُسلِّمُها وإن لم نعرف
تفسيرَها ولا نتكلمُ فيه ولا نفسرُها إلا بما جاءت (٣).
/ ومنهم من فرَّق بين إطلاق لفظ الكفرِ فجَوَّزَهُ في جميع أنواع الكُفر
سَواء كانَ ناقلا عنِ الملةِ أو لَم يَكُن وبَينَ إطلاقِ اسمِ الكافرِ، فَمنعهُ إلا
في الكُفرِ الناقلِ عن الملَّةِ؛ لأن اسم الفاعلِ لا يُشتق إلا من الفعلِ
الكاملِ، ولذلك قال في اسم المُؤْمن: لا يقال إلا للكامل الإيمان، فلا
يستحقه من كان مرتكبا للكبائرِ حال ارتكابه وإن كان يقال: قد آمن،
ومعه إيمانٌ.
وهذا اختيار ابن قُتِيبةً .
وقريبٌ منه: قولُ مَنْ قال: إن أهلَ الكتاب يقال: إنهم أشركُوا،
وفيهم شركٌ كما قال تعالى ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] ولا
١
(١) وراجع ((أطراف الغرائب)) (٥١٠٧) بتحقيقنا.
(٢) ((تعظيم قدر الصلاة)) (١ / ٤٨٧)، و((السير)) (٣٤٦/٥).
(٣) ((طبقات الحنابلة)) (٢٤٥/١).
١٤٢
٢١ - باب كفران العشير
الحديث: ٢٩
يدخلون في اسم المشركينَ عند الإطلاق؛ بل يُفَرَّق بينهم وبين المشركين
كما في قوله تعالى ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ والْمُشْرِكِينَ﴾
[البينة: ١] فلا يدخل الكتابية في قوله تعالى ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَات
[البقرة: ٢٢١].
حتى يؤمن ﴾
وقد نص على ذلك الإمامُ أحمدُ وغيرُه.
وكذلك كره أكثرُ السَّلف أن يقول الإنسان: أنا مؤمنٌ، حتى يقولَ:
إن شاءَ اللهُ، وأباحوا أَنْ يقول: آمنتُ باللهِ.
وهذا القول حسن، لولا ما تأوَّلَهُ ابنُ عباس وغيرُه في قوله تعالى
﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]،
واللهُ أعلمُ.
١٤٣
الحديث: ٣٢
كتاب الإيمان
٢٣ - فَصْل١٣)
خرَّج البخاريُّ ومسلمٌ(٢) مِنْ حديثٍ:
٣٢ - ابْنِ مَسْعُود قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِمَانَهُمْ
بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله ◌ِِّ: أَيْنَا لَمْ يَظَلِمْ نَفْسَهُ (٣)،
فَأَنزَلُ اللهُ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
معنى هذا: أَنَّ الظلمَ يختلف:
فيه ظلمٌ، ينقل عن الملة كقوله تعالَى ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمُ﴾
[لُقْمان: ١٣] وقوله تعالى ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]؛
فإِنَّ الظلمَ وَضْعُ الشيء في غيرِ موضعِه، وأعظمُ ذلك: أن يُوضَع
المخلوقُ في مقام الخالقِ ويُجْعَلَ شريكًا له في الربوبيةِ وفي الإلهيةِ
سبحانه وتعالى عما يشركون.
وأكثرُ ما يردُ في القرآن وعيدُ الظالمين يُرادُ به الكفَّارُ كقوله تعالى
﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ الآيات [إبراهيم: ٤٢]،
وقوله ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍ مِّن سَبِيلٍ﴾
(١) ترجم البخاري له بـ ((باب ظلم دون ظلم)).
ـ
وقد سقط قبل هذا الباب بابان وهما باب (٢٢): ((المعاصي من أمر الجاهلية))، وباب: ﴿وإن
طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ الآية، وعليه فقد سقط حديث (٣٠، ٣١).
(٢) (١٢٤) .
(٣) كلمة ((نفسه)) ليست في ((اليونينية))، وذكرها القسطلاني، وأشار العيني (١ / ٢٤٦) إلى
أنها في بعض النسخ.
١٤٤
٢٣ - باب ظلم دون ظلم
الحديث: ٣٢
الآيات [الشورى: ٤٤] ومثلُ هذا كثيرٌ.
ويُرادُ بالظلم: ما لا ينقل عن اللَّةِ، كقوله تعالى ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ
لِنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢] وقوله ﴿وَمَنْ
يَتَعَدَّ حُدُوَدَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
وحديثُ ابنِ مسعودٍ هذا صريحٌ في أن المراد بقوله تعالى ﴿الَّذِينَ
آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ أن الظلمَ هو الشركُ. وجاء في بعض
رواياته زيادةٌ: قال: ((إنَّما هو الشركُ))(١).
وروى حَمَّدُ بنُ سَلَمَةَ، عن عليٍّ بنِ زيدٍ، عن يُوسفَ بْنِ مهران،
عن ابنِ عباسٍ أنَّ عمرَ بن الخطّاب كان إذا دخلَ بيتَه نشر المصحف فقرأ،
فدخل ذات يوم فقرأَ فأتى على هذه الآية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم
بِظُلْمٍ﴾ إلى آخر الآية فانْتَعل وأخذ رداءَهُ ثم أتى أُبيَّ بنَ كَعْب فقال: يا
أبا المُنْذِرِ! أَتَيْتُ قبلُ على هذه الآية ﴿الذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَكِبِسُوا إِيمانَهُمْ
بِظُلمٍ﴾ وقد ترى أنَّا نظلمُ ونفعلُ، فقال: يا أمير المؤمنين! إن هذا ليس
بذلك، يقول الله تعالى ﴿إِنَّ الشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ -؛ إنما ذلك الشركُ.
خرَّجه مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرِ الْمَرْوزِيُّ(٢).
وخرَّجه - أيضًا - من طريقِ حَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عن عليّ بن زيدٍ، عن
سَعِيدِ بْنِ المسيّب أنَّ عمرَ أتى على هذه الآية، فذكره(٣).
وحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ مُقَدَّمٌ على حَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ في عليٌّ بْنِ زيدٍ خَاصةٌ (٤).
(٢) ((تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٥٢٤ _ ٥٢٥).
(١) (فتح: ٣٤٢٩).
(٣) ((تعظيم قدر الصلاة)) (٢ /٥٢٥). (٤) وراجع ما نقله المصنف - رحمه الله - في
((شرح العلل)) (١ / ٤١٤)، (٢ / ٦٩٠، ٧٨١).
١٤٥
الحديث: ٣٢
كتاب الإيمان
وروى - أيضًا - بإسناده، عن سُفْيان، عن (٢٠٠ - أ / ف) ابْن
جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءِ قال: كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ وَظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ، وفِسْقٌ دُونَ
فِسْقٍ(١).
يعني: أن الفسقَ قد يكون ناقلا عن الملة كما قال في حق إبليس
﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] وقال ﴿وَأَمَّا الَّذَّيْنَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ
النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ
الَّذِي كُنْتُم بِهِ تُكَذَّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠].
وقد لا يكون الفسقُ ناقلا عن الملة كقوله تعالى ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتبٌ
وَلَا شَهِيدٌ، وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوْقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقوله في الذين
يَرْمُونَ المحصناتِ ﴿وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
[النور: ٤] وقوله: ﴿فَلَا رَفَثَ ولا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ في الحجِّ﴾ [البقرة:
١٩٧]، وفسرت الصحابةُ الفُسوقَ في الحَجِّ بالمعاصي كلِّها، ومنهم مَنْ
خصَّها بما ينهى عنه في الإحرامِ خاصة .
وكذلك الشركُ: منه ما ينقل عن الملّة، واستعمالُه في ذلك كثيرٌ في
الكتاب والسُّنة.
ومنه: ما لا ينقلُ، كما جاء في الحديث: ((مَنْ حلَفَ بغيرِ الله فقدْ
أشرك))(٢)، وفي الحديث: ((الشِّرْكُ فِي هذه الأمةِ أخفَى مِنْ دبيبٍ
النمل)»(٣)، وسُميَ الرِّيَاءُ: شرْكًا.
(١) ((تعظيم قدر الصلاة)) (٢ / ٥٢٢). (٢) أخرجه الترمذي (١٥٣٥) من حديث ابن عمر.
(٣) أخرجه أبو يعلى في ((مسنده)) (١ / ٦٠)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٧ / ١١٢) من حديث
أبي بكر الصديق.
١٤٦
٢٣ - باب ظالم دون ظلم
الحديث: ٣٢
وتأول ابنُ عباسٍ على ذلك قوله تعالى ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِالله إلا
وَهُم مَّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] قال: إن أحدَهم يُشرك حتى يشرك
بكلبه: لولا الكلب لسُرقنا الليلة، قال تعالى ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ
فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةٍ رَبِّه أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
وقد رُويَ أنها نزلتْ في الرِّيَاءِ في العمل.
وقيل للحسنِ: يُشرك بالله؟ قال: لا؛ ولكن أشرك بذلك العمل
عملا یرید به الله والناس، فذلك يرد عليه.
١٤٧
كتاب الإيمان
٢٩ - فَصْلُ(١)
خرَّج الإمام أحمدُ من طريقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عن داودَ بْنِ الحُصَينِ، عن
عكرمةَ، عن ابن عباس قال: قيل لرسول الله وَّله: أيّ الأديان أحبَّ إلى
وُ
الله؟ قال: ((الحنيفيَّةُ السَّمْحةُ))(٢).
وخرَّجه الطبرانيُ ولفظه: أيُّ الإسلامِ أفضل؟(٣).
وخرَّجه البزارُ في («مسنده» ولفْظُه: أيُّ الإسلامِ - أو أيُّ الإيمانِ -
أفضلُ؟(٤).
وهذا الإسناد ليس على شرط البخاريِّ؛ لأنه لا يَحْتَجُّ بابنِ إِسْحَاقَ
ولا برواياتِ داودَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عن عِكْرمَةَ فإنها مناكيرُ عند ابنِ الَديِنِيِّ،
والبخاريُّ لا يُخالفُ في ذلك وإن كان قد خرّج لهما منفردينٍ.
وخرَّج البزارُ هذا الحديثَ من وجه آخر؛ لكن إسنادُه لا يصحُّ(٥).
(١) كذا، وهو ليس بابًا من ((أبواب الإيمان)) عند البخاري، وليس من عادته في شرحه، وهو
شرح لبعض ترجمة الباب (٢٩) من كتاب الإيمان باب ((الدين يسر))، وبذلك يكون قد
سقط عدة أبواب وهي :-
١ - باب: (٢٤) ((علامة المنافق)) وفيه حديثان: (٣٣ - ٣٤).
٢ - باب: (٢٥) ((قيام ليلة القدر من الإيمان)) وفيه حديث: (٣٥).
٣ - باب: (٢٦) ((الجهاد من الإيمان)) وفيه حديث: (٣٦).
٤ - باب: (٢٧) ((تطوع قيام رمضان من الإيمان)) وفيه حديث: (٣٧).
٥ - باب: (٢٨) ((صوم رمضان احتسابًا من الإيمان)) وفيه حديث: (٣٨).
وأخيرًا بغض شرحه على ترجمة الباب الذي نحن بصدده - كما نبهنا عليه سلفًا.
(٣) ((المعجم الكبير)) (١١ /٢٢٧)، و((الأوسط)) (١٠٠٦).
(٢) ((المسند (١/ ٢٣٦).
(٤) البزار (كشف: ٥٨/١). (٥) البزار (كشف: ١ / ٥٨ - ٥٩).
١٤٨
٢٩ - باب الدين يسر
الحديث: ٣٩
وخرّجه الطبرانيُّ من وجه ثالث، ولا يصحُ إسنادُه - أيضًا (١).
وخرَّجَ الإمام أحمدُ من حديث ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروةَ،
عن عائشةَ، عن النبي بَلّ قال لها يوم زفن(٢) الحبشة في المسجد:
((لتعلمَ يهودُ أَنَّ في ديننا فسحة؛ إني أرسلتُ بحنيفية سمحةٍ))(٣).
وخرَّجَ - أيضا - من رواية مُعان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن
القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي ◌َّ أنه قال: ((إني لم أبعثْ باليهودية
ولا بالنصرانية؛ ولكنِّي بُعثتُ بالحنيفية السمحة))(٤). إسنادٌ ضعيف.
وخرَّجَ البخاريُّ مِن حديث:
٣٩ - مَعْنِ بْنِ مُحَمَّد الْغِفَارِيِّ، عَنْ سَعِيدِ الَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
عَنِ النَّبِِّ﴿ قَالَ: ((إنَّ الدِّينَ يُسْرَّ، وَلَنْ يُشَادَّ الَّدِّينَ أَحَدٌ إلاَّ غَلَبَّهُ فَسَدِّدُوا
وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِنُوا بِالْغُدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ)).
وهذا الحديثُ تفرَّدَ به البخاريُّ، وتفرد بالتخريج لمعن الغفاري.
ومعنى الحديث: النهي عن التشديدِ في الدينِ بأن يحمل الإنسانُ
نفسَه من العبادة مالا يحتمله إلا بكُلفة شديدة، وهذا هو المراد بقوله
وَاخْه: ((لن يشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه)) يعني: أن الدينَ لا يُؤخذ بالمغالبةِ
فمن شادّ الدينَ غلَبه وقطَعه(٥).
(١) الطبراني في ((الكبير)) (١١ / ٢٢٧).
(٢) كتب فوقها فى ((ف)) علامة تعليق وقال فى الهامش: ((أي لعبوا ورقصوا)).
(٣) (المسند)) (١١٦/٦، ٢٣٣).
(٤) ((المسند)) (٥ /٢٦٦) وسبق أن تكلمنا على هذا الإسناد (ص١٠٣).
(٥) أحال المصنف (ص١٦٥) تحت شرحه للحديث رقم: (٤٣) إلى شرحه على هذا
الحديث. وقد تكلم هناك بما يفيد في هذا الباب.
١٤٩
الحديث: ٣٩
كتاب الإيمان
وفي «مسند الإمام أحمدَ) (٢٠٠ - ب/ف) عن محجن بنِ الأدْرَع
قال: أقبلت مع النبيِّ وَّهِ حتى إذا كنَّا بباب المسجد إذا رجلٌ يُصلى قال:
((أتقوله صادقًا؟)) قلت: يا نبيَّ الله! هذا فلانٌ وهذا من أحسنِ أهلِ المدينةِ
أو مِنْ أكثرِ أهلِ المدينةِ صلاةً، قال: ((لا تُسمعهُ فتهلكهُ - مرتين أو ثلاثا -
إنكم أمَّةٌ أُرِيد بكم اليسرَ)(١).
وفي روايةٍ له: قال: ((إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ، إِنَّ خَيْرَ دِيْنِكُمْ
أَيْسَرُهُ)(٢).
وفي رواية له - أيضًا -: قال: ((إنَّكُمْ لَنْ تَنَالُواْ هَذَا الأمرَ بالمُغَالَبَةِ)).
وخرَّجه حميد بن زَنْجُويَه وزاد: ((اكلفُوا مِنَ العملِ ما تُطيقونَ؛ فإِنَّ
اللهَ لا يملُّ حَتَّى تَمَلُّوا، الغُدْوَةَ وَالرَّوْحَةَ وشيءٍ مِنَ الدُّلْجَّةِ)).
وخرَّجه ابن مَرْدُويَه وعنده: قال: ((إن اللهَ إنَّما أرادَ بهذه الأمة اليسرَ
ولم يُرد بها العسر)(٣).
وفي ((المسند)) - أيضا -، عن بريدة قال: خرجت فإذا رسولُ الله ؛
وسيا
صَلى الله
يَمْشي فلَحِقْتُهُ فإِذا نحنُ بينَ أيدِينَا برجلٍ يصلِّي يُكثرُ الركوعَ والسجودَ
فقال لِي: (أَثْرَاهُ يُرائِي؟)) قلتُ: اللهُ ورسولُه أعلمُ قالَ: فتركَ يدَهُ مِنْ
يَدي ثم جمعَ بينَ يدَيْهِ فجعل يُصَوِّبُهما ويرفعُهما ويقول: ((عليكمْ هَدْيًا
قاصدًا، عليكم هديًا قاصدًا، عليكم هديًا قاصدًا؛ فإنه مَنْ يُشادَّ (٤) هذا
الدينَ يغلبْه))(٥).
(١) ((المسند)) (٣٢/٥).
(٢) ((المسند)) (٣٣٨/٤).
(٣) أشار لذلك السيوطي في ((الدر المنثور)) (١/ ١٩٢).
(٤) فى ((ف)): ((يشاذ)) - بالذال المعجمة.
(٥) («المسند)) (٣٥٠/٥، ٣٦١).
١٥٠
٢٩ - باب الدين يسر
الحديث: ٣٩
وفي ((المسند)) - أيضا -، عن عاصمٍ بنِ هلالٍ، عن غاضرة بنِ عروةَ
الفقيمي، عن أبيه قال: كنا ننتظرُ النبيَّ وَّهِ فخرَج فصلَى، فلما قضَى
الصلاةَ جعل الناسُ يسألونه: عَلَيْنَا حَرَجٌ في كَذَا؟ فقال رسولُ اللهِ وَله:
((إن دينَ اللهِ في يُسرٍ)) - قالها ثلاثًا(١).
وفي المعنى أحاديثُ أُخرُ.
وقوله بَّهُ: ((سدِّدُوا وقارِبُوا وأبشِرُوا)).
التسديدُ: هو إصابةُ الغرضِ المقصودِ، وأصلُه مِنْ تسديدِ السهمِ إذا
أصابَ الغرضَ المرمِيَّ إليه ولم يَخْطُهُ.
والمقاربةُ: أن يُقاربَ الغرضَ وإن لمْ يُصبْه؛ لكن يكون مُجتهدًا على
الإصابة فيصيبُ تارةً ويقاربُ أخرَى، أو تكون المقاربةُ لَمن عجزَ عن
الإصابة كما قال تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وقال
النبيِ وَّهِ: ((إذا أَمَرَّتُكُم بأمرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ))(٢).
وفي ((المسند)) و(سنن أبي داود))، عن الحكمِ بْنِ حَزْنِ الكُلَفِيِّ أنه
سمع النبيِّ ◌ََّ يقول على المنبرِ يومَ الجُمُعةِ: ((أيها الناس! إِنَّكُمْ لن
تُطِيقُوا - أَوْ لَنْ تَفْعلُوا - كلَّ ما أَمَرَّتُكم؛ ولكن سدِّدُوا وأَبْشِرُوا))(٣).
وقيل: أرادَ بالتَّسْديدِ: العملَ بالسدادِ - وهو القصدُ والتَّوسُّطُ في
العبادة - فلا يقصِّرِ فيما أُمَر به، ولا يتحمَّلَ منها مالا يُطيقُه.
قال النضرُ بْنُ شُمَيْل: السدادُ: القصدُ في الدينِ والسبيلِ، وكذلك
(١) ((المسند)) (٦٩/٥).
(٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة (فتح: ٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٦).
(٣) («المسند» (٢١٢/٤)، وأبو داود (١٠٩٦).
١٥١
الحديث: ٣٩
كتاب الإيمان
المقاربةُ المرادُ بهما: التَّوسِّطُ بين التفريط والإفراط، فهما كلمتان بمعنَى
واحد .
ء
وقيل: بل المرادُ بالتَّسْديد: التوسطُ في الطاعات بالنسبة إلى الواجبات
والمندوبات، وبالمقاربة: الاقتصارُ على الواجباتِ.
وقيل فيهما غيرُ ذلك.
وقوله ((أبشرُوا)) يعني: أن من قصد المرادَ فَلْيُبَشِّرْ.
وخرَّج البخاريُّ في موضعٍ آخرَ من ((صحيحِهِ)) من حديث عائشةً أن
النبيَّ مَّةِ قال: ((سدِّدُوا وقاربُوا وأبشرُوا))(١).
وقوله ((واسْتَعينُوا بالغُدْوَةِ والرَّوْحةِ وشَيءٍ من الدَّلْجة)) يعني أن هذه
الأوقات الثلاثةَ أوقاتُ العملِ والسيرِ إلى اللهِ، وهي: أولُ النهارِ وآخره،
وآخر الليل.
فالغُدْوَةُ: أول النَّهارِ، والروحةُ: آخره، والدُّلْجَةُ: سير آخر الليل.
وفي (سنن أبي داودَ))، عن النبي ◌َّ قال: ((إِذَا سَافَرْتُم فَعليْكُمْ
بالدُّجة؛ فإن الأرضَ تُطْوَى بالليلِ))(٢) .
فسيرُ آخر الليلِ محمودٌ في سيرِ الدنيا بالأبدانِ وفي سيرِ القلوب إلى
الله بالأعمالِ.
وخرَّجَ البخاريُّ (٢٠١ - أ/ف) هذا الحديثَ في أواخرِ كتابِهِ، وزادَ
فيه: ((والقصدَ القصدَ تبلغوا))(٣)، يعني أن من دام على سَيْرِهِ إلى اللهِ في
(١) (فتح: ٦٤٦٧).
(٣) (فتح: ٦٤٦٣).
(٢) أبو داود (٢٥٧١).
١٥٢
٢٩ - باب الدين يسر
الحديث: ٣٩
هذه الأوقات الثلاثة مع الاقتصاد بلغ، ومن لم يقتصد؛ بل بالغ واجتهد
فربما انقطع في الطريقِ ولم يبلغْ.
وقد جاء من رواية عبد اللهِ بنِ عمرو بنِ العاصِ مرفوعًا: ((إنَّ هذا
الدينَ متينٌ، فأوغِلْ فيه برفقِ ولا تُبَغِّضْ إلى نفسِكَ عبادَة الله؛ فإنَّ
المُنْبَتَّ لا سفَرًا قطعَ ولا ظهْرًا أبقى)(١).
والُنْبَتُّ: هو المنقطعُ في سفرِهِ قبلَ وصولِهِ، فلا سفره قطعَ ولا ظهره
الذي يسيرُ عليه أبقَى حتى يُمْكِنَه السيرُ عليه بعد ذلكَ؛ بل هو كالمنقطعِ
في المفاوزِ، فهو إلى الهلاكِ أقربُ، ولو أنه رفقَ براحِلَته واقتصدَ في
سيرِهِ عليها لقَطعتْ به سفرَه وبلغَ إلى المنزل.
كما قال الحسن: نفوسُكم مطايَاكم؛ فأصلِحوا مطايَاكم تُبْلِغْكُم إلى
ربّكم عزَّ وجلَّ، واللهُ أعلمُ.
(١) أخرجه ابن المبارك في ((الزهد)) (ص: ٤٦٩)، والبيهقي (١٩/٣).
١٥٣
الحديث: ٤٢،٤١
كتاب الإيمان
٣١ - فَصلٌ
خرَّج البخاريُّ مِنْ حديثِ :
٤١ - زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ (٢) عَطَاءِ بْنِ يَسَار، عَنْ أَبِيُ(٣) سَعيد
الْخُدْرِي٤ِّ) أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ◌ِّ يَقُولُ: (إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلاَمَةٌ
يُكَفِّرُ اللهُ عَنْهُ كُلَّ سَيْئَةٍ كَانَ أَزْلَفَهَا (٥)، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقَصَاصُ: الْحَسَنَةُ
بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَىْ سَبْعِمِائَةٍ ضِعْفٍ، وَالسَيَّةُ بِمِثْلِهَا؛ إِلا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللهُ
عَنْهَا)).
وخرَّج البخاريُّ - أيضًا - مِنْ حديثٍ :
٤٢ - هَمَّامِ بْنِ مِنِبِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عنِ النَّبِيِّ (٦) ◌َِّ قَالَ ((إِذَا أَحْسَنَ
أَحَدُكُمْ إِسْلامَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بَعشْرِ أَمْثَالِهَا إلَى سَبْعمائَة
ضعْف وَكُلُّ سيّئَة يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا)).
ء
إحسانُ الإسلامِ تُفسَّرُّ بمعنيينِ:
أحدُهما: بإكمالِ واجباتِه واجتنابِ محرماتِهِ .
ومنه: الحديثُ المشهورُ المروي في ((السننِ)): ((من حُسنِ إسلامِ المرءِ
(١) باب ((حسن إسلام المرء)). وتأخر عن الترتيب: الباب (٣٠)، فجاء بعد الباب (٣٣).
(٢) في ((اليونينية)): ((أن)) بدلا من: ((عن)).
(٣) قوله: ((عن أبي)) جاءت في ((اليونينية)): ((أخبره أن أبا)).
(٤) زاد في ((اليونينية)) في هذا الموضع: «أخبره)).
(٥) في ((اليونينية)): ((زلفها))، وأشار القسطلانى إلى أنها في بعض النسخ.
(٦) قوله: ((عن النبي)) جاءت في ((اليونينية)): ((قال: قال رسول الله)).
١٥٤
٣١ - باب حسن إسلام المرء
الحديث: ٤٢،٤١
تركُهُ ما لا يعنيه))(١) فكمالُ حُسن إسلامه - حينئذ - بتَرْك ما لا يَعْنيه
٠٠
وفعلِ ما يَعْنِيهِ .
ومنه: حديثُ ابن مسعودِ الذي خرَّجَاه في «الصَّحيحيْنِ)) أنَّ النَّبِي
مَهَا الله
سُئِلَ: أَنُؤَاخذ بأعمالنا في الجاهليَّةِ؟ فقال: ((من أحسنَ في الإسلامِ
وَسَلَمُ
لم يؤاخذْ بما عَمِلَ في الجاهليةِ، ومن أساءَ في الإسلامِ أُخِذَ بالأولِ
والآخرِ))(٢).
فإن المرادَ بإحسانِهِ في الإسلامِ: فعلُ واجباته والانتهاءُ عن مُحرَّماته،
وبالإساءةِ في الإسلامِ: ارتكابُ بعضِ محظُوراتِه التي كانت تُرتكَبُ في
الجاهليّة.
وفي حديثِ ابنِ مسعودٍ هذا مع حديث أبي سعيدٍ - الذي علَّقه
البخاريّ هنا في أول الباب(٣) - دليلٌ على أن الإسلامَ إنما يُكَفِّرُ ما كان
قبلهُ من الكُفْرِ ولواحقه التي اجتنبَها المسلمُ بإسلامِهِ، فأما الذنوبُ التي
فعلها في الجاهلية إذا أصرَّ عليها في الإسلامِ فإنه يُؤاخذُ بها؛ فإنه إذا
أصرّ عليها في الإسلامِ لم يكنْ تائبًا منها فلا يكفر عنه بدون التوبة منها.
وقد ذكر ذلك طوائفُ من العلماءِ من أصحابِنَا كأبي بكرِ عبدِ العزيزِ
ابن جعفر وغيرِه، وهو قولُ طوائفَ من المتكلِّمينَ من المعتزلةِ وغيرِهم.
وهو اختيارُ الحليمي.
(١) الترمذي (٢٣١٧)، وابن ماجه (٣٩٧٦)، وراجع ((علل ابن أبي حاتم))
(١٣٢/٢)، ((وعلل الدارقطني) (٢٨٢٥/٨) وقد تكلم المصنف عليه بتوسع في بيان أن
الصواب فيه الإرسالُ، في كتابه الحفيل ((جامع العلوم والحكم)) (٢٨٥/١) - طبعتنا.
(٢) (فتح: ٦٩٢١)، ومسلم (١٢٠).
(٣) قال: قال مالك، عن زيد .
١٥٥
الحديث : ٤٢،٤١
كتاب الإيمان
ثم وجدته مَنْصُوصًا عن الإمام أحمدَ؛ فنقل الَيْمُونِيّ في ((مسائله))
٠٠
عن أحمدَ قال: بلغني عَنْ أبي حنيفَةً أنه كان يقولُ: لا يُؤاخذُ بما كان في
الجاهليَّة، والنبي نَّهُ يقولُ في غير حديث: ((إنه يُؤاخذُ)، يعني: حديثَ
شقيق، عن ابن مسعودٍ: أزاد(١) ((إذا أحْسَنْتَ في الإسلامِ)). انتهى.
وكذلك حكى الجوز جانِيُّ عن أهلِ الرأيِّ أنهم قالوا: إنَّ من أسلم
وهو مُصِرٌّ على الكبائرِ، كَفَّرَ (٢٠١ - ب/ف) الإسلامُ كبائِرَهُ كلَّها، ثم
أنكرَ ذلك عليهم وجعله من جُملة أقوال المُرْجئَة.
وخالفَ في ذلك آخرونَ، وقالوا: بل يُغفرَ له في الإسلامِ كلٌّ ما
سبق منه في الجاهلية من كفرٍ وذنبٍ وإن أصرّ عليها في الإسلام.
وهذا قولُ كثير من المتكلمينَ والفقهاءِ من أصحابِنَا وغيرِهم كابنٍ
حَامدٍ والقاضي وغيرهما.
واستدلوا بقولِ النبيِّ وَّهِ: ((الإسلامُ يهدِمُ ما كان قبله)). خرجه
مسلم من حديثٍ عمرو بن العاص (٢).
وأجاب الأولون عنه: بأن المراد أنه يهدمُ ما كان قبله مما ينافيه
الإسلام من كفر وشركٍ ولواحقَ ذلك مما يكون الإسلامُ توبةً منه وإقلاعًا
عنه جمعًا بينه وبين الحديثين المتقدمينِ.
واستدلوا بقوله تعالى ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ
سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].
(١) في ((ف)): كأنها بالراء المهملة، ولعل ما أثبتناه أولى.
(٢) مسلم (١٢١).
١٥٦
٣١ - باب حسن إسلام المرء
الحديث: ٤٢،٤١
وأجاب الأولون بأن المرادَ: يُغْفر لهم ما سلف مما انتهوا عنه.
وتأوَّل بعضُ أهلِ القولِ الثانِي حديثَ ابن مسعودٍ على أن إساءتَه في
الإسلامِ ارتدادُه عنه إلى الكفرِ، فيؤاخذ بكفره الأول والثاني.
ومنهم من حمله على إسلام المنافقِ.
وهذا بعيدٌ جدّاً.
ومتى ارتد عن الإسلام أو كان منافقًا فلم يبقَ معه إسلام حتى يسيء
فيه .
والاختلافُ في هذه المسألةِ مبني على أصولٍ:
أحدُها: أن التوبةَ من ذنب تصح مع الإصرارِ على غَيْرِهِ.
وهذا قولُ جمهور أهل السُّنة والجماعة، والخلافُ فيه عن الإمامِ
أحمدَ لا يَثْبُتُ.
وقد تأَوَّل ما رُويَ عنه في ذلك المحققون من أصحابه كابن شَاقَلا،
والقاضي في كتاب ((المعتمد)) وابن عقيلٍ في ((فصوله)).
وأما المعتزلةُ: فخالفوا في ذلك، وقال من قال منهم كالجُبّائي(١) بِنَاءً
على هذا: إنَّ الكافرَ لا يصح إسلامُه مع إصراره على كبيرة كان عليها
في حال كفْرِه.
وهذا قولٌ باطلٌ لم يوافقهم عليه أحدٌ من العلماءِ.
(١) هو أبو علي محمد بن عبد الوهاب البصري، مات بالبصرة سنة ثلاث وثلاثمائة، كان
من شيوخ المعتزلة، ترجم له الذهبي في ((السير)) (١٤/ ١٨٣ - ١٨٤).
١٥٧
الحديث : ٤٢،٤١
كتاب الإيمان
الأصل الثاني: أن التوبةَ هل من شرط صحتها إصلاحُ العملِ بَعدَها
م لا؟
وفي ذلك اختلافٌ بين العلماء، وقد ذكره ابنُ حامد من أصحابنا
وأشار إلى بناء الخلاف في هذه المسألة على ذلك، والصحيحُ عنده وعندَ
كثير من العلماء: أن ذلك ليس بشرط .
والأصل الثالثُ: أن بعضَ الذنوب قد يُعفى عنها بشرط اجتنابٍ
غيرِها، فإن لم يحصلِ الشَّرْطُ لم يحصلْ ما علق به.
وهذا مأخذُ أبي بكرِ عبدِ العزيزِ من أصحابنا، وجعل من هذا الباب
أن الصغائر إنما تُكفر باجتنابِ الكبائرِ، فإن لم يجتنب الكبائر وقعت
المؤاخذة بالصغائرِ والكبائرِ .
وهذا فيه خلافٌ يذكر في موضع آخر إن شاء الله.
وجعل منه أن النظرة الأولى يُعفى عنها بشرط عدم المعاودَة، فإن أعاد
النظرة أُخذ بالأولى والثانية .
والأصلُ الرابعُ: أن التوبةَ من الذنبِ هي الندمُ عليه بشرطِ الإقلاعِ
و
عنه والعزم على عدم العودِ إليه، فالكافرُ إذا أسلم وهو مُصِرَّ على ذنبٍ
آخر صحتْ توبتُه مما تاب منه وهو الكفر دون الذنبِ الذي لم يتب منه؛
بل هو مُصِرٌّ عليه.
وخرَّج النسائيُّ حديثَ مالكِ الذي علَّقه البخاريُّ هنا، وزاد في
أوله: ((كَتَبَ اللهُ كلَّ حسنةٍ كان أَزْلَفَهَا)»(١).
(١) النسائي في (المجتبى)) (١٠٥/٨ - ١٠٦)، وفي ((الكبرى)) (٥٣٠/٦).
١٥٨
٣١ - باب حسن إسلام المرء
الحديث: ٤٢،٤١
وهذا يشبه قولَ النبيِّ وَّ لحكيمِ بنِ حزامٍ لَّا قال له: أرأيتَ أمورًاً
كُنْتُ أتحنثُ بها في الجاهليّةِ، هل لي منها من شيء؟ فقال رسولُ الله
وَخَّه: ((أسلمتَ على ما أسلفتَ من خيرٍ)).
خرَّجه مسلمٌ (١).
وكلاهما يدلُّ على أن الكافرَ إذا عَمِلَ حسنةً في حال كُفْره ثم أسلم
فإنه يثاب عليها ويكون إسلامُه المتأخرُ كافيًا له في حصول الثوابِ على
حسناته السابقة منه قبل إسلامه. (٢٠٢ - أ/ ف)
ورَجَّحَ هذا القولَ ابنُ بطالِ والقَرَظي وغيرُهما. وهو مقتضى قولٍ
مَنْ قال: إنه يُعاقَبُ بما أصرَّ عليه من سيئاته إذا أسلم - كما سبق.
وحُكِيَ مثله عن إبراهيمَ الحربيِّ.
ويدلُّ عليه - أيضا -: أن عائشةً لما سألتِ النبيَّ بِّهِ عن ابنِ جُدْعَانَ
وما كان يصنعه من المعروف هل ينفعه ذلك؟ فقال: ((إنَّهُ لَم يقلْ يومًا
قطُّ: ربِ اغفر لي خطيئَتَى يومَ الدينِ)»(٢).
وهذا يدلُّ على أنَّه لو قال ذلك يومًا من الدهر - ولو قبل موته
بلحظة لنفعه ذلك.
ومما يُستَدِلُّ به - أيضًا -: قولُ النبيِّ ◌ِّله في مؤمنِ أهلِ الكتابِ إذا
أسلم: ((إنه يُؤْتَى أجرَه مرتينٍ))(٣)؛ مع أنه لو وافى على عمله بكتابه
الأول لكان حابطًا، وهذا هو اللائقُ بكرم اللهِ وجُودِه وفضله.
(١) (١٢٣).
(٢) ((المسند)) (١٢٠/٦).
(٣) (فتح: ٩٧) ومسلم (١٥٤)، من حديث أبي موسى.
١٥٩
الحديث : ٤٢٫٤١
كتاب الإيمان
وخالف في ذلك طوائفُ مِنَ الُتكلمينَ وغيرُهم وقالوا: الأعمالُ في
حال الكفر حابطةٌ لا ثوابَ لها بكلِّ حال، وتأوَّلُوا هذه النصوصَ
الصحيحةَ بتأويلات مستكرهة مستبعدة، ولذلك(١) مَنْ كان له عملٌ
صالحٌ فَعَمِلَ سيئةً احبطتْهُ ثم تابَ؛ فإنه يعود إليه ثوابُ ما حَبِطَ من
عمله بالسيئاتِ.
وقد ورد في هذا آثارٌ عن السَّلْف، قال ابنُ مسعود: عَبَدَ اللهَ رجلٌ
سبعينَ سنةً ثم أصابَ فاحشةً فأحبط اللهُ عملَه، ثم أصابتْهُ زمانةٌ وأُقعد
فرأى رجلا يتصدقُ على مساكينَ فجاء إليه فأخذ منه رَغيفًا فتصدق به
على مسكينٍ فَغَفَرَ اللهُ له ورد عليه عملَ سبعينَ سنةً.
خرَّجه ابنُ المباركِ في كتاب ((البر والصلة)).
بل عودُ العملِ هاهنا بالتوبةِ أولَى؛ لأن العملَ الأولَ كان مقبولا،
وإنما طرأَ عليه ما يُحبطه بخلافِ عملِ الكافرِ قبل إسلامِهِ .
ومن كان مسلمًا وعَمِلَ صالحًا في إسلامهِ ثم ارتدَّ ثم عادَ إلى
الإسلامِ، ففي حبوطِ عملِهِ الأولِ بالردَّة خلافٌ مشهورٌ، ولا يبعدُ أن
يُقالَ: إنه يعود إليه بإسلامه الثاني على تقديرِ حبوطِه، واللهُ أعلم.
وقد وردت نصوصٌ أُخرُ تدلَّ على أن الكافرَ إذا أسلمَ وحسُنَ إسلامُه
فإنه تُبَدَّلُ سيئاتُه في حال كفره حسناتٍ، وهذا أبلغُ مما قبله، وهو يدل
على أن التائبَ من ذنبٍ تُبَدَّلُ سيئاتُه قبل التوبة بالتوبة حسنات كما دلت
عليه الآيةُ في سورة الفرقانِ، وفي ذلك كلامٌ يطول ذكرهُ هاهنا.
(١) كذا في ((ف))، ولعل الصواب: ((وكذلك)).
١٦٠