Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢ - باب دعاؤكم إيمانكم وفي ((الترمذيِّ) عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ بَّرِ قالَ: ((يقولُ الربُّ عزَّ وجلَّ: من شغلَهُ القرآنُ عن ذكري ومسألتِي أَعطيتُهُ أفضلَ ما أعطي السائلين))(١). وقالَ بعضُ التابعين: لو أطعتم اللهَ ما عصاكم، يعني: ما منعكُم شيئًا تطلبونَهُ منه. وكانَ سفيانُ يقولُ: الدعاءُ تركُ الذنوبِ - يعني: الاشتغالَ بالطاعة عنِ المعصيةِ. وأما قوله تعالَى ﴿مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤْكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧] فيه للمفسرينَ قولان: أحدُهُمَا: أن المرادَ: لولا دعاؤُكُم إياه، فيكونُ الدعاءُ بمعنى الطاعة - کما ذكرنا. والثاني: لولا دعاؤُه إياكم إلى طاعتِهِ كما في قوله تعالَى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلا لَيَعْبُدُون﴾ [الذاريات: ٥٦]. أي: لأدعوهم إلى عبادَتي. (١٧٩ - أ / ف) وإنما اختلفَ المفسرونَ في ذلكَ؛ لأن المصدرَ يضافُ إلى الفاعلِ تارةً وإلى المفعولِ أخرى. فَصْلٌ خَرَّجَ البُخَارِيَّ من حديثٍ : (١) الترمذي (٢٩٢٦)، وانظره في ((الموضوعات)) (١٦٦/٣)، واللآليء)) (٣٤٣/٢). ٢١ الحديث: ٨ كتاب الإيمان ٨ - عَكْرمَةَ بْنِ خَالدِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّ ◌َّهِ قَالَ: ((بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسَ: شَهَادَةَ أَنْ لا إِلَهَ إلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَام الصلاة، وَإِيْنَاءِ الزَّكَةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ)). وهذا الحديثُ دلَّ على أن الإسلامَ مبنيٌّ على خمسة أركان؛ وهذا يدلُّ على أن البخاريَّ يرى أن الإيمانَ والإسلامَ مترادفانِ . ومعنى قولِهِ وَّ ((بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ)): أن الإسلامَ مَثَله كبنيان، وهذه الخمسُ: دعائمُ البنيانِ وأركانُهُ التي يثبتُ عليها البنيانُ. وقد رُويَ في لفظٍ: ((بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ دعائمَ)). خرَّجهُ محمدٌ ابنُ نصرٍ المروزيُ(١) . وإذا كانت هذه دعائمَ البنيانِ وأركانَهُ، فبقيةُ خصالِ الإسلامِ كبقيةِ البنيان، فإذا فُقدَ شيءٌ من بقيةِ الخصالِ الداخلةِ في مسمى الإسلامِ 13 الواجبِ نقصَ البنيانُ ولم يسقط بفقدِهِ. وأما هذه الخمسُ؛ فإذا زالت كلُّهَا سقطَ البنيانُ ولم يثبت بعدَ زوالها وكذلكَ [إن] (٢) زالَ منها الركنُ الأعظمُ وهو الشهادتانِ، وزوالهما يكونُ بالإتيان بما يضادهما ولا يجتمعُ معهما. وأما زوالُ الأربع البواقي: فاختلفَ العلماءُ هل يزولُ الاسمُ بزوالها أو بزوالٍ واحدٍ منها؟ أم لا يزولُ بذلكَ؟ أم يفرقُ بينَ الصلاة وغيرها فيزولُ بترك الصلاة دُونَ غيرها؟ أم يختصّ زوالُ الإسلامِ بتركِ الصلاةِ (١) في ((تعظيم قدر الصلاة)) (١ / ٤١٩). (٢) ما بين المعقوفين طُمِسَ في ((ف)) ولم يظهر منه إلا حرف ((ن)) ولعلها كما أثبتناها. ٢٢ ٢ - باب دعاؤكم إيمانكم الحديث : ٨ والزكاة خاصةً؟ وفي ذلك اختلافٌ مشهورٌ؛ وهذه الأقوالُ كلها محكيةٌ عن الإمامِ أحمد(١). وكثيرٌ من علماءِ أهلِ الحديثِ يرى تكفيرَ تاركِ الصلاةِ. وحكاه إسحاقُ بنُ راهويه(٢) إجماعًا منهم حتى إنه جعلَ قولَ من قالَ: لا يكفرُ بترك هذه الأركانِ معَ الإقرارِ بها من أقوالِ المرجئةِ. وكذلك قالَ سفيانُ بنُ عيينةَ: المرجئةُ سَموا تركَ الفرائضِ ذنبًا بمنزلةٍ ركوبِ المحارمِ؛ وليسا سواء؛ لأن ركوبَ المحارمِ متعمدًا من غيرِ استحلال: معصيةٌ، وترك الفرائضِ من غيرِ جهلٍ ولا عذرٍ: هو كفرٌ. وبيانُ ذلك في أمرِ آدم وإبليسَ وعلماء اليهودِ الذين أقروا ببعثِ النبيّ وَالخلال بلسانهم ولم يعملوا بشرائعه. ٠ ورُويَ عن عطاءٍ ونافعٍ مولى ابنِ عمرَ أنهما سُئلا عمن قالَ: الصلاةُ فريضةٌ ولا أصلِّي، فقالا: هو كافرٌ. وكذا قال الإمامُ أحمدُ. ونقلَ حربٌ عن إسحاقَ قال: غَلَتِ المرجئةُ حتى صارَ من قولهم: إن قومًا يقولونَ: من تركَ الصلواتِ المكتوباتِ وصومَ رمضانَ والزكاةَ والحجّ وعامةَ الفرائضِ من غيرِ جحود لها لا نكفرُهُ، يرجى أمرُهُ إلى الله بعد؛ إذ هو مُقْرَّ؛ فهؤلاء الذين لا شكَّ فيهم - يعني في أنهم مرجئةٌ. وظاهرُ هذا: أنه يكفرُ بتركِ هذه الفرائضِ . (١) راجع ((المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة)) (٢ /٣٦، ٤٨، ٥١). (٢) ((تعظيم قدر الصلاة)) (٢ / ٩٢٩ - ٩٣١). ٢٣ الحديث : ٨ كتاب الإيمان وروى يعقوبُ الأشعريُّ، عن ليثٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرِ قالَ: من تركَ الصلاةَ متعمداً فقد كفرَ، ومن أفطرَ يومًا من رمضانَ (١٧٩ - ب /ف) متعمدًا فقد كفر، ومن تركَ الحجَّ متعمدًا فقد كفر، ومن تركَ الزكاةَ متعمدًا فقد كفر(١). ويروى عن الحكمٍ بنِ عُتّيبةَ نحوه، وحُكيَ روايةً عن أحمدَ - اختارها أبو بكرٍ من أصحابه -، وعن عبدِ الملكِ بنِ حبيب المالكيِّ مثله، وهو قولُ أبي بكرٍ الحميديّ(٢). ورُويَ عنِ ابنِ عباسٍ التكفيرُ ببعضِ هذه الأركان دونَ بعضٍ؛ فروى مؤملٌ، عن حماد بن زيدٍ، عن عمرو بنِ مالكِ النكريِّ، عن أبي الجوزاءِ، عن ابنِ عباسٍ - ولا أحسبه إلا رفعه - قال: ((عُرَى الإسلام وقواعدُ الدينِ ثلاثةٌ عليهنَّ أُسِّسَ الإسلامُ: شهادةُ أن لا إله إلا اللهُ وأن محمدًا رسولُ الله، وإقامُ الصلاةِ، وصومُ رمضانَ، من تركَ منها واحدةً فهو بها كافرٌ حلالُ الدمِ، وتجده كثيرَ المالِ لم يحج فلا يزالُ بذلك كافرًاً ولا يحلُّ دمُهُ، وتجده كثيرَ المالِ لا يزكي فلا يزالُ بذلكَ كافرًا ولا يحلُّ دمُهُ))(٣). ورواه قتيبةُ، عن حماد بن زيدٍ فوقفه واختصرَهُ ولم يتمه. ورواه سعيدُ بنُ زيدٍ - أخو حماد -، عن عمرو بنِ مالكِ ورفعه، وقال: ((من تركَ منهن واحدةً فهوَ بالله كافرٌ، ولا يُقْبَلُ منه صرفٌ ولا (١) ((تعظيم قدر الصلاة)) (٢ /٨٨٩)، أخرج الجزء الخاص بالصلاة. (٢) راجع آخر ((المسنداله (٢ / ٥٤٧) . (٣) أبو يعلى في ((مسنده)) (٤ / ٢٣٦). ٢٤ ٢ - باب دعاؤكم إيمانكم الحديث : ٨ عدلٌ وقد حلَّ دمُهُ ومالُهُ)) ولم يزد على ذلك. والأظهرُ: وقفه على ابنِ عباسٍ؛ فقد جعلَ ابنُ عباسِ تركَ هذه الأركان كفرًا؛ لكن بعضها كفرٌ يبيحُ الدمَ وبعضها لا يبيحُهُ، وهذا يدلُّ على أن الكفرَ بعضه ينقلُ عن الملةِ وبعضه لا ينقلُ. وأكثرُ أهلِ الحديثِ على أن تركَ الصلاة كفرٌ دونَ غيرها من الأركان. كذلك حكاه محمدُ بنُّ نصرٍ المروزيُّ(١) وغيره عنهم. وممن قالَ بذلكَ: ابنُ المباركِ، وأحمدُ - في المشهورِ عنه -، وإسحاقُ، وحكى عليه إجماعَ أهلِ العلمِ - كما سبق - وقال أيوبُ: تركُ الصلاة كفرٌ لا يُختلفُ فيه. وقالَ عبدُ الله بنُ شَقيقٍ: كانَ أصحابُ رسولِ الله وَلِ لا يرونَ شيئًا من الأعمالِ تركُهُ كفرٌ غيرَ الصلاةِ. خرجه الترمذيُ(٢). وقد رُويَ عن عليِّ وسعدٍ وابنِ مسعودٍ وغيرهم قالوا: من تركَ الصلاةَ فقد كفرَ. وقال عمرُ: لا حظَّ في الإسلامِ لمن تركَ الصلاةَ(٣). وفي ((صحيحِ مسلمٍ)) عن جابرٍ، عن النبيِّ وَّ قالَ: ((بينَ الرجلِ (١) ((تعظيم قدر الصلاة))، (٢ /٩٢٥ - ٩٣٦). (٢) (٢٦٢٢). (٣) أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (١١ /٢٥)، وعبد الرزاق (٣ / ١٢٥)، والآجري في (الشريعة)) (١٣٤) والمروزي في ((تعظيم قدر الصلاة)) (٢ / ٨٩٢). انظر ((علل الدار قطني)) (٢٠٩/٢ - ٢١٢). ٢٥ الحديث: ٨ كتاب الإيمان وبينَ الشرك والكفر: تركُ الصلاة))(١). وخرَّجَ النسائيُّ والترمذيُّ وابنُ ماجه من حديثٍ بُريدةَ، عن النبيِّ وَّ قالَ: ((العهدُ الذي بيننا وبينهم: الصلاةُ، فمن تركها فقد كفر))(٢). وصححه الترمذيُّ وغيرُهُ. ومن خالفَ في ذلكَ جعلَ الكفرَ هنا غيرَ ناقلٍ عن الملةِ كما في قوله تعالى ﴿وَمَن لَّمْ يحكم بما أنزلَ اللهُ فأولئكَ همُ الكافرونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. فأما بقيةُ خصالِ الإسلامِ والإيمانِ فلا يخرجُ العبدُ بتركها من الإسلامِ عند أهلِ السنةِ والجماعةِ . وإنما خالفَ في ذلكَ الخوارجُ ونحوهم من أهلِ البدعِ. قال حذيفةُ: الإسلامُ ثمانيةُ أسهم: الإسلامُ سهمٌ، والصلاةُ سهمٌ، والزكاةُ سهمٌ، والحجُّ سهمٌ، ورمضانُ سهمٌ، والجهادُ سهمٌ، والأمرُ بالمعروفِ سهمٌ، والنهيُ عن المنكرِ سهمٌ، وقد خابَ من لا سهمَ له. ورُويَ مرفوعًا، والموقوفُ أصحُّ(٣). (١) مسلم (٨٢)، ولم يخرج البخاري هذا المتن !. (٢) النسائي (١ /٢٣١)، والترمذي (٢٦٢١)، وابن ماجه (١٠٧٩). (٣) رواه أبو إسحاق واختلف عنه، فرواه حبيب بن حبيب، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي. واستنكره عليه أبو حاتم وأبو زرعة كما في ((العلل)) (١٤٦/٢) وابن عدي في ((الكامل)) (٤١٥/٢) والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٩٥/٦) وغيرهم. وحبيب هذا قال فيه أبو زرعة: (واهي الحديث)) كما في ((الجرح)) (٣٠٩/٣). ورواه يزيد بن عطاء، عن أبي إسحاق، عن صلة، عن حذيفة مرفوعًا. واستنكروا عليه رفعه إذا خالفه شعبة فرواه موقوفًا عند الطيالسي (٤١٣) والبزار في («مسنده)» (٣٣٠/٧) = ٢٦ ٢ - باب دعاؤكم إيمانكم الحديث: ٨ فسائرُ خصال الإسلامِ الزائدة على أركانه الخمسِ ودعائمه إذا زالَ منها شيءٌ نقصَ البنيانُ ولم ينهدم أصلُ البنيانِ بذلكِ النقصِ . وقد ضربَ اللهُ ورسولُه مثلَ الإيمان (١٨٠ - أ / ف) والإسلامِ بالنخلة، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مثلا كلمةً طيبةً كشجرة طيبةٍ أصلها ثابتٌ وفرعُهَا في السماءِ تؤتي أُكُلَهَا كلَّ حينٍ بإذنِ ربها﴾ [إبراهيم: ٢٣ - ٢٤]. فالكلمة الطيبةُ هي كلمةُ التوحيدِ وهي أساسُ الإسلامِ، وهي جاريةٌ على لسانِ المؤمنِ وثبوتُ أصلها هوِ ثبوتُ التصديقِ بها في قلبِ المؤمنِ، وارتفاعُ فرعها في السماءِ هو علوَّ هذه الكلمة وبُسُوقها وأنها تحرقُ (١) ٩ الحجبَ ولا تتناهَى دونَ العرشِ، وإتيانُها أكلها كل حينٍ: هو ما يرفعَ = وغيرهما، وقال أبو داود الطيالسي: ((وذكروا أن غير شعبة یرفعه)) ا. هـ. ، وقد صحَّح الوقف كل من: أبي حاتم وأبي ذرعة الرازيان في ((العلل)) (١٤٦/٢) والبزار في ((مسنده)) وقال: ((لانعلم أسنده إلا يزيد بن عطاء، عن أبي إسحاق))ا. هـ. وقد استغرب الدارقطني في ((الأفراد)) الرفع وقال: ((رفعه يزيد بن عطاء، عن أبي إسحاق، وتفرد برفعه))ا. هـ. من ((أطراف الغرائب)) (١٩٩٤) بتحقيقنا وفي ((العلل)) (١٧١/٣) - له أورده موقوفاً عن أصحاب أبي إسحاق وقال: ((وهو الأصوب)» أ. هـ. وكذا جزم البيهقي في ((الشعب)) بقوله: ((ورواية شعبة أصح)) أ. هـ. وقد ذكر المصنف في ((جامع العلوم والحكم)) (٧٣/١): ((أن الموقوف أصح)) أ. هـ. وهو الصواب حيث تابع شعبة على الوقف: سيفان الثوري كما عند عبد الرازق في ((مصنفه)) (١٢٥/٣) وابن أبي شيبة (٧/١١)، وهما أثبت أصحب أبي إسحاق. هذا وقد روي - أيضاً - من طريق حبيب، عن أخيه حمزة الزيات، عن أبي إسحاق، قال الدار قطني في ((الأفراد)»: ((ومن قال فيه عن حبيب،عن أخيه حمزة الزيات، عن أبي إسحاق فقد وهم وَهْماً قبيحٌ،، وأخطأ خطأ عظيماً أ.هـ. ((أطراف الغرائب)) (٢٧٥) - بتحقيقنا - وانظره في ((العلل)) (١٤٦/٢). (١) كذا في ((ف)) بالمهملة ولعلها ((تخرق)) بالمعجمة. ٢٧ الحديث: ٨ كتاب الإيمان بسببها للمؤمنِ كل حينٍ من القولِ الطيبِ والعملِ الصالحِ؛ فهو ثمرتها. ٩ وجعلَ النبيّ ◌َ لِ مثلَ المؤمنِ أو المسلم كمثلِ النخلةِ(١). وقالَ طاوسٌ: مثل [الإسلام] (٢) كشجرة أصلها الشهادةُ، وساقُهَا كذا وكذا، وورقُهَا كذا وكذا، وثمرُهَا: الورعُ، ولا خيرَ في شجرةٍ لا ثمرَ لها، ولا خيرَ في إنسانِ لا وَرَعَ فيه(٣). ومعلومٌ أن ما دخلَ في مسمَّى الشجرةِ والنخلةِ من فروعها وأغصانها وورقهَا وثمرها إذا ذهبَ شيءٌ منه لم يذهب عن الشجرةِ اسمُهَا؛ ولكن يقالُ: هي شجرةٌ ناقصةٌ، وغيرُهَا أكملُ منها، فإن قُطع أصلُها وسقطت لم تبقَ شجرةً؛ وإنما تصيرُ حَطبًا، فكذلك الإيمانُ والإسلامُ إذا زالَ منه بعضُ ما يدخلُ في مسماه مع بقاء أركانِ بنيانه لا يزولُ به اسمُ الإسلامِ والإيمانِ بالكليةِ، وإن كانَ قد سُلِبَ الاسمُ عنه لنقصه بخلاف ما انهدمت أركانُهُ وبنيانُهُ فإنه يزولُ مسماه بالكليةِ، واللهُ أعلمُ. (١) إشارة إلى حديث ابن عمر الذي خرجه البخاري (فتح: ٦١). (٢) سقطت كلمة ((الإسلام)) من ((ف)) فأثبتناها من الرواية. (٣) أخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (١١ / ١٦١). ٢٨ ٣ - فَصْلٌ فِي (١) أُمُورِ الإِيمَانِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾. [البقرة: ١٧٧]. وأمورُ الإيمان: خصالُهُ وشعبُهُ المتعددةُ. واستدلَّ البخاريُّ بقوله تعالَى ﴿ولكن البرَّ من آمنَ باللهِ واليومِ الآخرِ والملائكة والكتاب والنبيينَ وآتى المالَ على حبِّ ذوِي القُرْبَى واليتامَى والمساكينَ وابنَ السبيلِ والسائلينَ وفي الرقابِ وأقامَ الصلاةَ وآتى (٢) الزكاةَ والموفونَ بعهدهم إذا عاهدُوا والصابرِينَ في البأساءِ والضراءِ وحينَ البأسِ أولئك الذين صدقُوا وأولئك همُ المتقونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وقد سألَ أبو ذرِّ النبيَّ ◌ََّ عن الإيمانِ، فتلا عليه هذه الآيةَ (٣). وهذا يدلُّ على أن الخصالَ المذكورةَ فيها هي خصالُ الإيمانِ المطلق، فإذا أُطلقَ الإيمانُ دخلَ فيه كُلُّ ما ذُكرَ في هذه الآيةِ، كما سألَ السائلُ عن الإيمانِ، فتلا عليه النبيُّ ◌َِّ هذه الآيةَ. وإذا قُرْنَ الإيمانُ بالعملِ فقد يكونُ من بابِ عطفِ الخاصِّ على (١) كلمة ((في)) ليست في ((اليونينية)) (٢) في ((ف)): ((اتا)). (٣) تقدم إعلاله (ص١٧). ٢٩ الحديث: ٩ كتاب الإيمان العامِ، وقد يكونُ المرادُ بالإيمان - حينئذ -: التصديقَ بالقلبِ، وبالعملِ : عمل الجوارحِ كما ذكر في هذه الآية الإيمانَ باللهِ واليومِ الآخرِ والملائكةِ والكتاب والنبيينَ، ثم عطفَ عليه أعمالَ الجوارحِ. وخَرَّجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ حدِيثِ : ٩ - سُلَيْمَانَ بْنِ بِلالِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً(١)، عَنِ النَّبِيّ ◌َ قَالَ: ((الإِمَانُّ بِضَعَّ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَأَلَحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِمَانِ». وخرَّجهُ مسلمٌ من هذا الوجهِ، ولفظُهُ: ((بضعٌ وسبعونَ)(٢). وخرجه مسلمٌ - أيضا - من روايةٍ جَرير، عن سُهَيلٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ دينار (١٨٠ - ب / ف)، به وقال في حديثِهِ: (بضحٌ وسبعونَ - أو بضع ئ وستونَ»(٣) _ بالشكِّ -؛ وهذا الشكَّ من سهيل، كذا جاءَ مصرحًا به في ((صحيحِ ابنِ حبانَ))(٤) وغيره. وخرَّجهُ مسلمٌ - أيضًا - من حديث ابنِ الهادِ، عن عبدِ اللهِ بنِ دینارٍ، به وقالَ في حديثِهِ: ((الإيمانُ سبعونَ - أو اثنان وسبعونَ - بابًا))(٥). (١) زاد في ((اليونينية)): ((رضي الله عنه)). (٢) مسلم (٣٥ / ٥٧). وراجع الاختلاف في ألفاظه في ((صيانة صحيح مسلم)) لابن الصلاح (ص: ١٩٦). (٣) مسلم (٥٨/٣٥). (٤) (الإحسان: ١ / ٤٠٧). (٥) بهذا الطريق أخرجه ابن منده في ((الإيمان)) (١ / ٢٩٦)، ولم نجده في مسلم من المطبوع، ولا عزاه في ((التحفة)) إليه من هذا الطريق؛ فإن لم يكن في بعض نسخ ((صحيح مسلم)) فلعله وَهْمٌ من المصنف - رحمه الله تعالى. ٣٠ ٣ - باب أمور الإيمان الحديث: ٩ ورواه ابنُ عجلانَ، عن عبد الله بن دينارٍ وقالَ: ((ستونَ - أو سبعون)). ورُويَ عنه أنه قال في حديثه: ((ستونَ - أو سبعونَ)) أو بضع واحد من العَدَدين(١). ورُويَ عن عبد الرحمنِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، عن أبيه بهذا اللفظ - أيضًا(٢). ورُويَ عنه بلفظ آخرَ وهو: ((الإيمانُ تسعةٌ - أو سبعةٌ - وسبعونَ شعبةً)) . وخرجه الترمذيُّ من روايةِ عمارةَ بنِ غزيةَ وقالَ فيه: ((الإيمانُ أربعةٌ وسبعون بابًا))(٣). وقد رُويَ عن عمارةَ بنِ غزيةَ، عن سهيلٍ، عن أبيه (٤). وسهيلٌ لم يسمعه من أبيه؛ إنما رواه عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، عن أبي صالح(٥). فمدارُ الحديث على عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، لا يصحّ عن غيرِهِ. (١) خرجه ابن أبي شيبة في ((الإيمان)) - تحقيق الشيخ الألباني - برقم (٦٧)، ومن طريقه ابن ماجه (٥٧). (٢) أخرجه ابن منده في ((الإيمان)) (١ /٢٩٦). ورواه صفوان بن سليم، عن ابن دينار، به. انظر ((أطراف الغرائب)) (٥٨١٦) لابن طاهر بتحقیقنا . (٣) الترمذي (٢٦١٤). (٤) ذكره الدارقطني في ((العلل)) (٨ / ١٩٧). (٥) قال ابن منده في ((الإيمان)) (١ /٢٩٨): ((وسهيل سمعه من عبد الله بن دينار، عن أبي صالح)) ا. هـ. ٣١ الحديث: ٩ كتاب الإيمان وقد ذكرَ العقيليّ أن أصحابَ عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ على ثلاث طبقاتٍ: أثباتٍ: كمالك وشعبةً وسفيانَ بنِ عيينةَ ومشايخٍ: كسهيلٍ ويزيدَ بنِ الهادِ وابنِ عجلانَ، قالَ: وفي رواياتهم عن عبدِ اللهِ بنِ دینارِ اضطرابٌ، وقال: إن هذا الحديثَ لم يُتابع هؤلاء المشايخَ عليه أَحَدٌ من الأثباتِ عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، ولا تابعَ عبدَ اللهِ بنَ دينارٍ، عن أبي صالحٍ عليه أَحَدٌ، والطبقةُ الثالثةُ: الضعفاءُ، فَيَرْوُونَ عن عبدِ اللهِ بنِ دينارِ المناكير؛ إلا أن الحملَ فيها عليهم(١). قلت: قد رواه عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ: سليمانُ بنُ بلال، وهو ثقةٌ ثبتٌ، قد خُرِّجَ حديثُهُ في ((الصحیحینِ)). وأما الاختلافُ في لفظِ الحديثِ: فالأظهرُ أنه من الرواةِ كما جاءَ التصريحُ في بعضه بأنه شكَّ من سهيلِ بنِ أبي صالحٍ. وزعمَ بعضُ الناسِ أن النبيَّ وَ ◌ِّ كانَ يذكرُ هذا العددَ بحسبٍ ما ينزلُ من خصالِ الإيمانِ، فكلما نزلت خصلةٌ منها ضمَّهَا إلى ما تقدمَ وزادها عليها . وفي ذلك نظرٌ. (١) العقيلي (٢ /٦٦٨ - ٦٦٩). هذا وقد نقل المصنف - رحمه الله - كلام العقيلي هذا في كتابه ((شرح العلل)) (٢ / ٦٦٩ - ٦٧٠)، وقال بعده: ((وقول العقيلي: لم يتابع عليه يشبه كلام القطان وأحمد والبرديجي الذي سبق ذكره في أنّ الحديث إذا لم يتابع راويه عليه فإنه يتوقف فيه، أو یکون منکرا» ا. هـ. وللكلام تتمة؛ فراجعه؛ فإنه مهم. ٣٢ ٣ - باب أمور الإيمان الحديث : ٩ وقد وردَ في بعضِ رواياتِ ((صحيحِ مسلمٍ)) عددُ بعضِ هذه الخصالِ، ولفظه: ((أعلاهَا: قولُ لا إلهَ إلا اللهُ، وأدناها: إماطةُ الأذى عن الطريقِ، والحياءُ شعبةٌ من الإيمانِ))(١). فأشارَ إلى أن خصالَ الإيمان منها ما هو قولٌ باللسان، ومنها ما هو عملٌ بالجوارحِ، ومنها ما هو قائمٌ بالقلبِ، ولم يزد في شيءٍ من هذه الروايات على هذه الخصال. وقد انتدبَ لعدها طائفةٌ من العلماءِ كالحليميّ(٢) والبيهقيِّ وابنِ شاهين وغيرهم؛ فذكروا أن كلَّ ما وردَ تسميته إيمانًا في الكتابِ والسنةِ من الأقوال والأعمالِ وبلغَ بها بعضُهم سبعًا وسبعينَ، وبعضهم تسعًا وسبعينَ. وفي القطع على أن ذلك هو مرادُ الرسول وَخلاله من هذه الخصال عسر (٣)، كذا قاله ابنُ الصَّلاحِ وهو كما قال. (١) مسلم (٣٥ / ٥٨). (٢) هو أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الشافعي، ولد في سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة ومات في شهر ربيع الأول، سنة ثلاث وأربعمائة له كتاب في شعب الإيمان سماه ((المنهاج)) وهو مطبوع في ثلاث مجلدات وقال الذهبي: وللحافظ أبي بكر البيهقي اعتناء بكلام الحليمي ولا سيما في كتاب ((شعب الإيمان)). وقال ابن الصلاح في ((صيانة صحيح مسلم)) (ص: ١٩٦): ((وقد صُنِّفَتْ في ذلك مصنفاتٌ من أغزرها فوائد ((كتاب المنهاج)) لأبي عبد الله الحليمي إمام الشافعيين ببخارى. وكان من رفعاء أئمة المسلمين)) انتهى، وله ترجمة حافلة في ((طبقات الشافعية)) للسبكي (٤ / ٣٣٣ - ٣٤٣). وله ترجمة في ((السير)) (١٧ / ٢٣١ - ٢٣٣). (٣) في ((ف)): ((عشر)) بالشين المعجمة، والصواب ما أثبتناه، وهو الموافق لما في ((صيانة صحيح مسلم)) لابن الصلاح (ص: ١٩٦). ٣٣ الحديث: ٩ كتاب الإيمان وتبويبُ البخاريِّ على خصالِ الإيمانِ والإسلامِ والدين من أولِهِ إلى آخرِهِ وما خرج فيه من الأحاديث وما (١٨١ - أ / ف) استشهدَ به من الآياتِ والآثارِ الموقوفة إذا عُدَّت خصالُهُ وأضيف إليه أضدادُ ما ذكره في أبوابِ خصالِ النفاقِ والكفرِ بلغَ ذلك فوقَ السبعين - أيضا - واللهُ أعلمُ. وقد تكلمَ الراغبُ في كتابٍ ((الذريعةِ)) (١) له على حصرها في هذا العددِ بكلامٍ عجيبٍ جدّاً. وفي قوله: ((أعلاَها: قولُ لا إلهَ إلا اللهُ)) ما يَستدلُّ به من يقولُ: إن هذه الكلمةَ أفضلُ الكلامِ مطلقًا وإنها أفضلُ من كلمةِ الحمدِ. وفي ذلك اختلاف ذكره ابنُ عبد البرِّ (٢) وغيرُهُ. فإن قيلَ: فأهلُ الحديثِ والسنةِ عندهم أن كلَّ طاعةِ فهي داخلةٌ في الإيمانِ، سواءً كانت من أعمالِ الجوارحِ أو القلوب أو من الأقوالِ، وسواء في ذلك الفرائضُ والنوافلُ، هذا قولُ الجمهورِ الأعظمِ منهم وحينئذٍ فهذا لا ينحصرُ في بضعٍ وسبعينَ؛ بل يزيدُ على ذلك زيادةً كثيرةً؛ بل هي غير منحصرةٍ. قيل: يمكنُ أن يجابَ عن هذا بأجوبة : أحدها: أن يقالَ: إن عددَ خصال الإيمانِ عندَ قولِ النبيِّ وَلَّ كان منحصراً في هذا العددِ ثم حدثت الزيادةُ فيه بعدَ ذلكَ حتى كملت خصالُ الإيمانِ في آخرِ حياةِ النبيِّ وَلِِّ . وفي هذا نظرٌ. (١) (ص: ٢١٧ - ٢٢٠). (٢) («التمهيد)) (٤٢/٦) وما بعده. ٣٤ ٣ - باب أمور الإيمان الحديث: ٩ والثاني: أن تكونَ خصالُ الإيمان كلُّها تنحصرُ في بضع وسبعين نوعًا، و وإن كانت أفرادُ كل نوع تتعددُ تعددًا كثيرًا، وربما كانَ بعضها لا ينحصر. وهذا أشبهُ. وإن كان الوقوفُ على ذلك يعسرُ أو يتعذرُ. والثالث: أن ذكرَ السبعين على وجه التكثير للعدد، لا على وجه الحصرِ كما في قوله تعالى ﴿إِن تَسْتَغْفِر لهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفرَ اللهُ لهم﴾ [التوبة: ٨٠] والمرادُ تكثيرُ التعداد من غيرِ حصوله هذا في العدد (١)، ويكونُ ذكره للبضع يشعرُ بذلكَ كأنه يقول: هو يزيدُ على السبعين المقتضيةِ لتكثيرِ العددِ وتضعيفه. وهذا ذكره بعضُ أهلِ الحديثِ من المتقدمينَ، وفيه نظرٌ. والرابعُ: أن هذه البضعَ وسبعين هي أشرفُ خصالِ الإيمان وأعلاها وهو الذي تدعو إليه الحاجةُ منها. قاله ابنُ حامدٍ من أصحابنا . والبضعُ في اللغة: من الثلاثِ إلى التسعِ، هذا هو المشهورُ؛ ومن قال: ما بينَ اثنين إلى عشرِ فالظاهرُ إنما أرادَ ذلكَ ولم يدخل الاثنين والعشر في العددِ . وقيل: من أربعٍ إلى تسعٍ. وقيل: ما بينَ الثلاثِ إلى العشرِ . والظاهرُ أنه هو الذي قبله باعتبارِ إخراجِ الثلاثِ والعشرِ منه. وكذا قالَ بعضُهم: ما بينَ الثلاثِ إلى ما دونَ العشرةِ، وعلى هذا فلا يستعمل في الثلاثِ ولا في العشرِ، واللهُ أعلمُ (٢). (١) ((مشارق الأنوار)) (٢٠٥/٢). (٢) وقد ذكر نحو هذا الكلام (٢٠٢/٧) تحت الحديث (٧٩٩). ٣٥ الحديث: ١٠ كتاب الإيمان ٤ - فَصْلٌ (١) خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثٍ : ١٠ - الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍوٍ (٢)، عَنِ النَِّّ ◌ِ﴿ قَالَ: ((الْمُسْلِمُ: مَنْ سَلِمَ الْمُسْلَمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَاَلَّمُهَاجِرُ: مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى الله عَنَّهُ. خرَّجهُ من روايةٍ شعبةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبي السفرِ وإسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عنِ الشعبيِّ، عن عبدِ اللهِ. ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرو، عَن النّبيّ وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ (١٨١ - ب/ف) دَاودَ، عَنْ عَامر، عَنْ عَبْد الله(٣). مقصودُ البخاريِّ بهذا: أن شعبةَ روى الحديثَ مُعَنعنًا إسناده كلَّه. وداودُ بنُ أبي هندٍ رواه عن الشعبيِّ واختُلفَ عليه فيه، فقالَ عبدُ الأعلى: عن داودَ كذلك، وقالَ أبو معاويةً: عن داودَ، عن عامرِ قالَ: سمعتُ عبدَ اللهِ، فذكرَ في حديثه تصريحَ الشعبيِّ بالسماعِ له من عبدالله بن عمرو. ء (١) لم يذكر اسم الباب وهو ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)). (٢) زاد في ((اليونينية)): ((رضى الله عنهما)). (٣) زاد في ((اليونينية)): ((عن النبي ٣٦ ٤ - باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده الحديث : ١٠ وإنما احتاجَ إلى هذا؛ لأن البخاريَّ لا يرى أن الإسنادَ يتصلُ بدون ثبوتِ لُقي الرواةِ بعضهم لبعضٍ وخصوصًا إذا روى بعضُ أهلٍ بلدٍ عن بعضِ أهلِ بلدٍ ناءٍ عنه، فإن أئمةَ أهلِ الحديثِ ما زالوا يستدلونَ على عدمِ السماعِ بتباعدِ بلدانِ الرواةِ، كما قالوا في روايةِ سعيدِ بنِ المسيبِ عن أبي الدرداءِ وما أشبه ذلك(١). وهذا الحديثُ قد رواه الشعبيّ - وهو من أهلِ الكوفةِ -، عن عبد الله ابنِ عمرٍو - وهو حجازيُّ - نزلَ مصرَ ولم يسكن العراقَ، فاحتاجَ أن يذكر ما يدلُّ على سماعه منه، وقد كانَ عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو قدمَ مع معاويةَ الكوفةَ عامَ الجماعةِ فسمعَ منه أهلُ الكوفةِ كأبي وائلٍ، وزرِّ بنِ حبيشٍ، والشعبيِّ. وإنما خرجَ مسلمٌ هذا الحديثَ من روايةِ المصريينَ، عن عبدِ اللهِ بن عمرو: من روايةِ يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، عن أبي الخيرِ سمعَ عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو يقولُ: إن رجلا سألَ النبيَّ وَّهِ: أَيُّ المسلمينَ خيرٌ؟ قال: ((من سلمَ المسلمونَ من لسانه ويدِهِ))(٢). وهذا اللفظُ يخالفُ لفظَ رواية البخاريِّ. وأما روايةُ ((المسلمٍ)) فيقتضي حصرَ المسلم فيمن سلمَ المسلمونَ من لسانه ويده، والمرادُ بذلكَ المسلمُ الكاملُ الإسلامِ، فمن لم يَسْلَمِ المسلمون من لسانِهِ ويدِهِ فإنه ينتفي عنه كمالُ الإسلامِ الواجبِ؛ فإن سلامةَ المسلمين من لسان العبد ويده واجبةٌ؛ فإنَّ أذى المسلمِ حرامٌ باللسانِ (١) واقرأ ما سطره المصنف - عليه رحمة الله - في كتابه الحافل: ((شرح علل الترمذي)) (٥٩٢/٢ - ٥٩٦) في هذه المسألة. وقد أجاد كعادته، ولا عجب. (٢) مسلم (٤٠). ٣٧ الحديث: ١٠ كتاب الإيمان وباليدِ، فأذى اليدِ: الفعلُ، وأذى اللسانِ: القولُ. والظاهرُ: أن النبيَّ وَلّ إنما وصفَ بهذا في هذا الحديثِ لأن السائلَ كانَ مسلمًا قد أتى بأركانِ الإسلامِ الواجبةِ لله عزَّ وجلَّ، وإنما يجهلُ دخولَ هذا القدرِ الواجبِ من حقوقِ العبادِ في الإسلامِ، فبيَّنَ له النبيُّ وَلله ما جهله. ويشبهُ هذا: أن النبيَّ وَِّ لما خطبَ في حجة الوداعِ وبَيَّنَ للناسِ حرمةَ دمائهم وأموالهم وأعراضهم أتبعَ ذلك بقولِهِ: ((سأخبركم مَنِ المسلمُ: منْ سلمَ المسلمونَ من لسانِهِ ويدِهِ، والمؤمنُ: مَنْ أمنَهُ الناسُ على أموالهم وأنفسهم)) . خرَّجُهُ ابنُ حبانَ في ((صحيحِهِ)) من حديثٍ فضالةَ بنِ عبيدٍ(١). وكانَ النبيُّ بِّهِ أحيانًا يجمعُ لمن قدمَ عليه يريدُ الإسلامَ بين ذكرٍ حقِّ الله وحقِّ العباد، كما في ((مسند الإمامِ أحمدَ)) عن عمرو بنِ عبسةَ قال: قالَ رجلٌ: يا رسولَ الله! ما الإسلامُ؟ قالَ: ((أن تسلمَ قلبكَ اللهِ، وأن يسلمَ المسلمون من لسانِكَ ويدكَ))(٢). وفيه - أيضًا -، عن بهزِ بنِ حكيمٍ، عن أبيه، عن جدِّهِ أنه أتى النبيّ ﴿َّه ليسلم فقالَ له: أسألكَ بوجهِ اللهِ بمَ بعثكَ اللهُ ربنا إلينا؟ قالَ: ((بالإسلام)) قال: قلتُ: وما آيةُ الإسلام؟ (١٨٢ - أ/ف) قالَ: ((أن تقول: أسلمتُ وجهي للهِ وتخليتُ وتقيمَ الصلاةَ وتؤتيَ الزكاةَ، وكلُّ مسلمٍ على مسلمٍ محرمٌ))، وذكرَ الحديثَ وقال فيه: قلتُ: يا رسولَ الله! (١) ابن حبان (الإحسان: ٢٠٣/١١ - ٢٠٤) باختلاف في اللفظ . (٢) ((المسند)) (١١٤/٤). ٣٨ ٤ - باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده الحديث : ١٠ هذا ديننا؟ قال: ((هذا دينكم)) (١). وخرجهُ النسائيّ بمعناه(٢). وقوله ((والمهاجرُ من هجرَ ما نهى اللهُ عنه)): فأصلُ الهجرة: هجرانٌ الشرِّ ومباعدتُه لطلبٍ(٣) الخيرِ ومحبتِهِ والرغبةِ(٤) فيه. والهجرةُ عندَ الإطلاقِ في الكتابِ والسنةِ إنما تنصرف إلى هجران بلد الشرك إلى دارِ الإسلامِ رغبةً في تعلمِ الإسلامِ والعملِ به، وإذا كانَ كذلك فأصلُ الهجرة: أن يهجرَ ما نهاهُ اللهُ عنه منَ المعاصِي، فيدخلُ في ذلك هجرانُ بلدِ الشركِ رغبةً في دارِ الإسلامِ، وإلا فمجردُ هجرة بلد الشركِ مع الإصرارِ على المعاصي ليسَ بهجرةِ تامةٍ كاملةٍ؛ بل الهجرةُ التامةُ الكاملةُ: هجرانُ ما نهى اللهُ عنه، ومن جملة ذلك: هجرانُ بلد الشركِ مع القدرة عليه. (١) ((المسند)) (٥/٥). (٢) النسائي (٤/٥ - ٥، ٨٢ - ٨٣). (٣) في ((ف)) تشتبه بـ ((طالب)) والصواب ما أثبتناه . (٤) في ((ف)): ((والزغبة)) - بالزاي. ٣٩ الحديث: ١١ كتاب الإيمان ٥ - فَصْلٌ(١). خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ: ١١ - بُرَيِّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِيِ بُرْدَةَ، عَنْ جَدٍِّ (٢) أبي بُرْدَةَ، عَنْ أَبيه(٢) أَبِي مُوسَى(٣) قَالُ: قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! أَيُّ الإِسْلامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((َمَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ». وخرَّجه مسلمُ (٤) - أيضًا -، وخرجَ - أيضًا - من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو أن النبيَّ ◌ِّهِ سُئِلَ: أَىُّ المسلمينَ خيرٌ؟ قالَ: ((من سلمَ المسلمون من لسانه ويده)) - كما تقدم ذكره(٥). فعلى هذه الرواية: أيُّ المسلمين خيرُ؟ وفي رواية أبي موسى: أيّ الإسلامِ أفضلُ؟ . ءِ قالَ ابنُ رجبٍ : والذي ظهرَ لي في الفرقِ بين ((خير)) و((أفضل)) أن لفظةَ ((أفضل)) إنما تستعملُ في شيئينِ اشتركا في غيرِ فضلٍ، وامتازَ أحدهما عن الآخرِ بفضلٍ اختصّ به، فهذا الممتازُ قد شاركَ ذاك في الفضلِ واختص عنه بفضلٍ زائدٍ فهو ذاك. وأما لفظةُ ((خير)) فتستعملُ في شيئينٍ: في كلِّ منهما نوعٌ من الخيرِ أرجح مما في الآخرِ سواءً كان لزيادة عليه في ذاته أو في نفعِهِ أو غير (١) لم يذكر اسم الباب وهو: ((أيُّ الإسلامِ أفضلُ؟». (٢) ((جده)) ليست في ((اليونينية)). (٣) في ((اليونينية)): ((عن أبي موسى رضي الله عنه)). (٥) الحديث الماضي. ٤٠ (٤) مسلم (٤٠).