Indexed OCR Text
Pages 421-440
الحديث: ٩٥٠،٩٤٩ ٢ - بَابُ الْحِرَابِ وَالدَّرَقِ يَوْمَ الْعِيدِ ٩٤٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُنْنا ابنُ وَهْب: أنا عَمْرُو، أَنَّ مُحَمَّدَ بنَ عَبْدالرّحْمَن الأَسَدِيَّ حَدَّثَهُ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَىَّ النَّبِيُّ ◌َّهِ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغْنِيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ، وحَوَّلَ وَجْهَهُ. وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ◌ِ؟! فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَِّ فقال: ((دَعْهُمَا)) فَلَمَّا غَفَلَ غَمَرْتُهُمَا فَخَرَجَنَاً. ٩٥٠ - وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّدَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ، فَإِمَّ سَأَلتُ رَسُولَ اللهِّهِ وَإِمَّا قَالَ: (تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟)) فَقُلْتُ: نَعَمْ - فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ، خَدِّى (٣٩٠/ م) عَلَى خَدِّهِ وَهُوَ يَقُولُ: ((دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَة). حَتَّى إِذَا مَلْتُ قَالَ:((حَسْبُكِ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: ((فَاذْهَبِي)(١). أحمدُ الرَّاوى، عن ابنِ وهبٍ سَبَقَ الاختلافُ فيه (٢)، وعَمَرُو هو: ابنُ الحارثِ، وشَيْخُه هو: أبو الأسودِ: يَتِيمُ عُروةَ. وقد سَبَقَ هذا الحديثُ باخْتلاف طُرُقَة، وأَلْفَاظِهِ في ((أَبْوَبِ المَسَاجِدِ)) في بابِ ((أصحابِ الحِرَابِ في المَسْجِد))(٣)، وذَكَرْنَا فيه أَنَّ هذا العيدَ كان ے (١) هذا الحديث (٩٥٠) هو قطعة من الحديث السابق (٩٤٩)، وإنما أعطيناه رقما جديدًا اتباعا لترقيم ((الفتح)). (٢) تحت الحديث (٤٧١). (٣) باب (٦٩). ٤٢١ الحديث : ٩٥٠ كتاب العيدين إِحْدَى عِيدَي الإِسْلامِ وإِنَّهُ قد قيل: إِنَّهُ كان يومَ عاشوراءَ، والظاهرُ أَنَّ هذا كان قبلَ نزول الحجابِ لقولها ((خدي على خده)) ويحتملُ أَنَّهُ كان بَعَدُهُ؛ فإنَّ البخاريَّ خَرَّجَهُ في باب («أصحابِ الحِرَابِ في الَسْجِدِ)) بِزِيَادَةٍ : رقوو (وَهُوَ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ)). واللَّعبُ بالحِرَابِ والدَّرَقِ(١) في الأَعْيَادِ مما لا شُبْهَةَ فِي جَوَازِهِ؛ بل واسْتَحْبَابِهِ؛ لأَنَّهُ مما يُتَعَلَّمُ بِه الْفُرُوسِيَّةُ، ويُتَمَرَّنُ به على الجهادِ. وقد رَخَّصَ إسحاقُ وغيرُهُ من الأَئِمةِ باللعبِ بالصَّوْلَجَانِ (٢) والكُرَةَ للَّمَرُّنِ على الجهاد . وأَمَّا ذكْرُ الغناء فَنَذْكُرُهُ في البابِ الآتِي إِنْ شَاءَ اللهُ سبحانه وتعالى. (١) الدرق هو: الترس. (٢) الصولج: عصا معقوف طرفها يضرب بها الفارس الكرة ((وسيط)). ٤٢٢ الحديث: ٩٥١ ٣- باب سُنَّةِ الْعِيدَيْنِ لأَهْلِ الإِسْلامِ فيه حديثان : الأَوَّلُ: ٩٥١ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ: أَنَا(١) شُعْبَةُ: أَخْبَرَنِي زُبَيْدٌ(٢): سَمِعْتُ الشَّغْيِيَّ، عَنِ الْبَرَاءِ: سَمِعْتُ النَّبِّفَ يَخْطُبُ فَقَالَ: ((إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ فِي يَوْمِنَا هَذَا: أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّنَرْجِعَ فَتَتْحَرَ؛ فَمَنْ فَعَلَ هَذَا فَقَدْ أَصَابَ سْتَنَا(٣). مُرَادُه: الاسْتَدْلالُ بِهَذَا الحديثِ على أن سنةَ أهلِ الإسلامِ التي سنَّهَا لهم نبيّهم ◌ََّ في عيدِ النحرِ: الصلاةُ، ثم النحرُ بعد رجوعِهم منَ الصلاة. وهذا مما اتفقَ المسلمونَ على أنه سنةٌ في يومِ النحرِ؛ وإنما اختلفُوا هل هو واجبٌ أم لا؟ فأمَّا النَّحْرُ: فيأتي الكلامُ عليه في موضع آخرَ إن شاءَ اللهُ سبحانه وتعالى . وأما صلاةُ العيد: فاختلفَ العلماءُ فيها على ثلاثة أقوالٍ : أحدُهَا: أنها سنةٌ مسنونةٌ؛ فلو تركَهَا الناسُ لم يأثَمُوا. هذا قولُ (١) في ((اليونينية)): ((حدثنا)). (٢) في (م)): ((ريد)) خطأ، والصواب: ((زبيد)) كما في ((اليونينية))، والقسطلاني. (٣) في ((م)): ((ستنا))، خطأ. ٤٢٣ الحديث: ٩٥١ كتاب العيدين الثوريِّ، ومالك، والشافعيِّ وإسحاقَ، وأبي يوسفَ، وحُكيَ روايةً عن أحمدَ. واختلفوا هلْ يقاتلونَ على تركِهَا؟ وفيه وجهانٍ للشافعيةِ . وقالَ أبو يوسفَ: آمُرُهُمْ، وأضربهم؛ لأنها فوقَ النوافلِ، ولا أقاتلهُمْ لأنها دونَ الفرائضِ . وقد يتعلقُ لهذا القولِ (١) بإخبارِ النبيِّ ◌ََّ عنِ المصلي يومَ العيدِ أَنَّهُ أصابَ السنةَ، ولا دليلَ فيه، فإنَّ السنةَ يرادُ بها الطريقةُ الملازمةُ الدائمةُ كقولِهِ: ﴿سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ، وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلا﴾ [الفتح: ٢٣]. والقولُ (٣٩١/ م) الثاني: إنها فرضُ كفايةٍ، فإذا اجتمعَ أهلُ بلد على تركِهَا أثموا وقُوتلُوا على تركِها، وهو ظاهرُ مذهبِ أحمدَ، نصّ عليهِ في روايةِ المروذيِّ؛ وغيرِهِ، وهو قولُ طائفة من الحنفية والشافعيةِ . والقولُ الثالثُ: أنها واجبةٌ على الأعيانِ كالجمعةِ وهو قولُ أبي حنيفةَ، ولكنه لا يسميها فرضًا. وحكى أبو الفرجِ الشيرازيّ من أصحابنا روايةً عن أحمدَ أنها فرضُ عينٍ . وقالَ الشافعيُّ في ((مختصرِ المزنيِّ)(٢): مَنْ وجبُ عليهِ حضورُ الجمعة وجبَ عليهِ حضورُ العيدينِ. وهذا صريحٌ في أنها واجبةٌ على الأعيان، وليسَ ذلكَ خلافًا لإجماعِ (١) في ((م)): ((للقول)). (٢) انظر ((مختصر المزني)) المطبوع آخر ((الأم)) (٣٠/٨)، وانظر ((الأم)) (٢٤٠/١). ٤٢٤ ٣ - باب سنة العيدين لأهل الإسلام الحديث: ٩٥٢ المسلمينَ كما ظنهُ بعضُهُم، وكثيرٌ من أصحابِهِ تأولُوا نصّهُ بتأويلات بعيدة حتى أنَّ منهم مَنْ حملَهُ على أنَّ الجمعةَ فرضُ كفاية كالعيد وأقربُ ما يتأول بهِ أن تحملَ على أن الجمعةَ فرضٌ. مرادُه أن العيدَ فرضُ كفاية، لأنَّ فروضَ الكفايةِ كفروضِ الأعيانِ في أصلِ الوجوبِ، ثم يسقطُ وجوبُ فرضِ الكفايةِ بفعلِ البعضِ دونَ فرضِ العين . فقد يقالُ: إنَّ الشافعيَّ أرادَ أن يُعَلِّقَ الوجوبَ في العيد بمن يتعلقُ به وجوبُ الجمعة وإن كانت العيدُ تسقط بحضورِ بعضِ الناسِ دونَ الجمعة . ء وهذا أشبهُ مما تأولَهُ به أصحابُهُ مع مخالفتهِ لظاهرٍ كلامه وبُعده منهُ؛ / فإنه صرحَ بوجوبِ الحضورِ في العيدِ كحضور الجمعة(١). الحديثُ الثَّاني: ٩٥٢ - نَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: نَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ(٢) قَالَتْ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الأَنْصَارِ تُغَيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتِ الأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ - قَالَتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّتَيْنِ - فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَبِمَزَمِيرٍ(٣) الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللهِوَِّ وَذَلِكَ فِي يَوْمٍ عِيدٍ، فَقَالَ # رَسُولُ اللهٍِّ: ((يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا)). (١) قال في ((الأم)) (١/ ٢٤٠): ((لا أرخص لأحد في ترك حضور العيدين ممن تلزمه الجمعة)). (٢) زاد في ((اليونينية)): ((رضي الله عنها)). (٣) في ((م)): ((بمزامر))، وما أثبتناه رواية أبوي ذر، والوقت، وابن عساكر، ورواية غيرهم: ((أمزامير)). ٤٢٥ الحديث: ٩٥٢ كتاب العيدين في هذا الحديثِ الرخصةُ للجوارِي في يومِ العيدِ في اللعبِ والغناءِ بغناءِ الأعرابِ، وإن سمعَ ذلكَ النساءُ والرجالُ، وإن كانَ معهُ دفٌّ مثلَ دفِّ العرب. وهو يشبهُ الغربَالَ. وقد خرَّجهُ البخاريُّ في آخرِ (كتابِ العيدينِ)»(١) من روايةِ الزهريِّ، عنْ عُروةَ، عن عائشةَ أنَّ أبا بكرٍ دخلَ عليها وعندها جاريتانِ في أيامٍ مِنَّى تُدَفِّفَانِ وتضربانٍ، والنبيَّ ◌ِلَّ متغشِّ بثوبهِ، فانتهرهُمَا أبو بكرٍ فكشفَ النبيُّ وَلِّ عنْ وجهه فقال (٣٩٢/م): ((دعهما يا أبا بكرٍ، فإنها أيامُ عيد)) وتلكَ أيامُ منَّی. ولا ريبَ أن العربَ كانَ لهم غناءٌ يتغنونَ به، وكانَ لهم دفوفٌ يضربونَ بها، وكانَ غناؤُهم بأشعارِ أهلِ الجاهليةِ من ذكرِ الحروبِ وندبِ مَنْ قُتْلَ فيها، وكانت دفوفُهم مثلَ الغرابيلِ ليسَ فيها جلاجلُ كما في حديث عائشةَ، عنِ النبيِّ وَِّ: ((أَعلنوا النكاحَ واضربُوا عليه بالغربالِ)). خرَّجهُ الترمذيِّ، وابن ماجه بإسناد فيه ضعفٌ(٢). (١) (٩٨٧). (٢) هذا الحديث: ((أعلنوا النكاح)) روي من حديث عائشة، وعبد الله بن الزبير، وغيرهما. أما حديث عائشة : فيرويه عيسى بن ميمون الأنصاري، عن القاسم، عنها بلفظ: ((أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف)). أخرجه الترمذي (١٠٨٩)، وابن عدي (٥/ ٢٤٠)، والبيهقي (٧/ ٢٩٠)، وأبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) (١٧٤/١)، وابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) (٦٢٧/٢)، وعند ابن عدي، والبيهقي زيادة. وقال الترمذي: ((هذا حديث غريب، حسن في هذا الباب)). يعني: غريب، وهو حسن في الباب، يعني أحسن ما في الباب، هذا هو الصواب في قول = ٤٢٦ ٣ - باب سنة العيدين لأهل الإسلام الحديث: ٩٥٢ = الترمذي، وهو الذي عند الأكثرين. انظر ((تحفة الأحوذي)) (٢١٠/٤)، و((عارضة الأحوذي)) (٤ / ٣٠٧)، و((شرح السنة)) (٤٧/٩)، و((مصابيح السنة)) (٤١٧/٢) كلاهما للبغوي، و((مشكاة المصابيح)) (٣١٥٢)، و((نيل الأوطار)) (٢٢٣/٦)، و((الفوائد المجموعة)) (ص١٢٥)، و((المقاصد الحسنة)) (١٢٩)، و((كشف الخفاء)) (١٦٢/١) وكذا انظر ((تحفة الأشراف)) (٢٨٣/١٢)، و((نصب الراية)) (١٦٨/٣). والحديث استنكره الذهبي فأورده في ترجمة عيسى بن ميمون من ((الميزان)) (٣٢٦/٣). وعيسى ضعفه غير واحد، وقال ابن عدي ((عامة ما يرويه لا يتابعه أحد عليه)). وقال ابن مهدي: استعديت على عيسى بن ميمون في هذه الأحاديث عن القاسم بن محمد: في النكاح وغيره، فقال لا أعود. أخرجه العقيلي (٣٨٧/٣)، وابن حبان في ((المجروحين))، (١١٨/٢)، وابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (٢٨٧/٦). ورُوي من وجه آخر عن القاسم: رواه عيسى بن يونس، عن خالد بن إلياس، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن القاسم بلفظ: ((أعلنوا هذا النكاح، واضربوا عليه بالغربال)). أخرجه ابن ماجه (١٨٩٥)، وسعيد بن منصور في ((سننه)) (٦٣٥)، والبيهقي (٧/ ٢٩٠)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٦٥/٣)، والخطيب (١٣٧/٤)، وابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) (٦٢٧/٢)، و((تلبيس إبليس)) (ص٢٣٩). وقال أبو نعيم: «هذا حديث مشهور من حديث القاسم، عن عائشة، تفرد به: خالد، عن ربيعة)) . وخالد بن إلياس ضعفه غير واحد، وتركه آخرون. وقد اختلف عليه في إسناده، فرُويَ عنه - كما سبق - ، ورواه القعنبي، عن خالد، عن القاسم، عن عائشة، ليس فيه ((ربيعة)) ورواية القعنبي هي الصواب قاله أبو زرعة. انظر ((العلل)) لابن أبي حاتم (٣٩٧/١، ٤٢٥)، وانظر ((العلل)) للدارقطني (٥ ب/ ق٣٣ - أ). ورُويَ من حديث ابن الزبير، وإسناده غريب . أخرجه أحمد، وابنه (٥/٤)، وابن حبان (٣٧٤/٩ - إحسان)، والبيهقي (٢٨٨/٧)، والحاكم (١٨٣/٢)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٢٨/٨)، والطبراني في ((الأوسط)) (٥١٤٥)، = ٤٢٧ الحديث: ٩٥٢ كتاب العيدين فكانَ النبيُّ وَلَه يرخصُ لهم في أوقاتِ الأفراحِ كالأعيادِ والنكاحِ وقدومٍ الغَيّابِ في الضربِ للجوارِي بالدفوفِ والتغَنِّي معَ ذلكَ بهذه الأشعارِ وما كانَ في معناها، فلمَّا فتحت بلادُ فارسَ والروم ظهرَ للصحابةِ ما كانَ أهلُ فارسَ والرومِ قد اعتادُوه منَ الغناءِ المُلَحَّنِ بالإيقاعاتِ الموزونةِ على طريقة الموسيقَى بالأشعارِ التي تُوصَفُ فيها المحرماتُ من الخمورِ والصورِ الجميلة المثيرة للهوَى الكامنِ في النفوسِ المجبولِ محبتُهُ فيها بآلات اللهو المطربةِ المخرجِ سماعُهَا عنِ الاعتدال، فحينئذ أنكرَ الصحابةُ الغناءَ واستماعهُ ونهوا عنه وغلَّظُوا فيه حتَّى قَالَ ابنُ مسعودٍ: الغناءُ ينبتُ النفاقَ في القلبِ كما ينبتُ الماءُ البقلَ. ورُويَ عنه مرفوعًا (١). = وفي ((جزء من اسمه: عبد الله)) من ((الكبير)) (١ - طبعتنا)، ومن طبعة حمدي السلفي (ص: ٢٣٥)، والبزار في (مسنده)) (٢٢١٤)، وزاد: ((واضربوا عليه بالغربال - يعني: الدف)). ورُويَ من وجه لا يصح من حديث السائب بن يزيد، وهبار بن الأسود بلفظ: ((أشيدوا النكاح)). أخرجهما الطبراني فى ((الكبير)) (١٥٢/٧ - ١٥٣) و (٢٠٠/٢٢ - ٢٠١). وانظر ((إرواء الغليل)) (٥٠/٧ - ٥١)، و((آداب الزفاف)) (ص١١١ - ١١٢) كلاهما للشيخ الألباني - حفظه الله تعالى. تنبيه: جاء في ((المغني)) (١٥٩/١٤) أن مسلما أخرج هذا الحديث، وهو خطأ. وانظر ((التلخيص)) (٢٠٢/٤). (١) قال المؤلف في ((نزهة الأسماع)) (ص٤٢): ((وفي إسناد المرفوع من لا يعرف، والموقوف أشبه)). وكذا قال ابن القيم - أيضًا - في ((إغاثة اللهفان)) (ص: ٢٥١). وبهذا قال غير واحد، وانظر ما سطره الشيخ: محمد عمرو - حفظه الله - في تضعيفه للمرفوع، فقد أجاد في بيان ذلك عند الحديث رقم (٣١) من («تبييض الصحيفة)). أما الموقوف على عبد الله بن مسعود فإن الطرق إليه لا تصفو، ومن أحسنها حالا: ما أخرجه= ٤٢٨ ٣ - باب سنة العيدين لأهل الإسلام الحديث: ٩٥٢ = المروزي في ((تعظيم قدر الصلاة)) (٦٢٩/٢ - ٦٣٠) من طريق الحكم عن حماد عن إبراهيم عن عبد الله بن مسعود. وفيه أمور يجدر التنبه إليها : الأول: رواية إبراهيم النخعي، عن ابن مسعود: فقد روى الترمذي في ((العلل)) آخر ((جامعه)) (٧٥٥/٥) بالإسناد الصحيح إلى الأعمش: ((قال: قلت لإبراهيم النخعي: أسند لي عن عبد الله بن مسعود فقال إبراهيم: إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله فهو الذي سمعت وإذا قلت: قال عبد الله: فهو عن غير واحد عن عبد الله)) ا. هـ. وذكر هذا الكلام الحافظ ابن رجب في ((شرح العلل)) (٥٤٢/١)، وقال عقبه: ((وهذا يقتضي ترجيح المرسل على المسند، ولكن عن النخعي خاصة فيما أرسله عن ابن مسعود خاصة)) ا.هـ. وبنحو هذا قال الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢٢٦/١ - ٢٢٧)، والزيلعي في ((نصب الراية)) (٤٠٦/١ - ٤٠٧)، وغيرهما. غير أن الذهبي قال في («الميزان)) (٧٥/١): ((استقر الأمر على أن إبراهيم حجة، وأنه إذا أرسل عن ابن مسعود وغيره فليس ذلك بحجة)) ا. هـ. وإليه مال ابن رجب في (٢٨٨/٩). هذا وقد مال العلامة المعلمي في ((التنكيل)) (١/ ١٣٠ - ١٣١) إلى القول بالانقطاع وأورد ما هو جدير بالقراءة والمراجعة. زد على هذا أن الشيخين لم يخرجا لإبراهيم عن ابن مسعود شيئًا. الثانى: رواية حماد عن إبراهيم: وروايته عنه كما قال والد حبيب بن أبي ثابت: ((كان حماد يقول: قال إبراهيم فقلت: والله إنك لتكذب على إبراهيم، أو إن إبراهيم ليخطىء)) ا. هـ من ((تهذيب الكمال)) (٢٧٦/٧). زد على هذا أن حال حماد ليس بمحمود في الحفظ حتى قال فيه أبو حاتم: ((هو صدوق، ولا يحتج بحديثه، وهو مستقيم في الفقه، وإذا جاء الآثار شوش)) ا. هـ من ((الجرح والتعديل)) (١٤٧/٣ - ١٤٨). وهذا هو الغالب على من ينشغل بالفقه عن الحديث كما قال ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (١٤٧/٣) معلقًا على قول شعبة في حماد: لا يحفظ، فقال: ((يعني إن الغالب عليه الفقه، وإنه لم يرزق حفظ الآثار)» ا. هـ. = ٤٢٩ الحديث: ٩٥٢ كتاب العيدين = فمع سوء حفظ حماد، فإنه قد يكون بينه وبين إبراهيم - أيضًا - وسائط كما وقع لشعبة لما أراد معرفة الواسطة بين حماد وإبراهيم فأخذ يسأل ويسأل حتى قال شعبة: ((فجهدت على أن أعرف على من طريقه فلم أعرفه، ولم يمكني)) ا. هـ من ((الكامل)) (٢٣٥/٢) لابن عدي . ووجود الوسائط ليس قاصراً على رواية حماد عن إبراهيم فقط، فهذا المغيرة بن مقسم كان يدلس وكانوا لا يكتبون عنه إلا ما قال: حدثنا إبراهيم - كما في ((تهذيب الكمال)) (٣٩٩/٢٨). وفيما ساقه ابن عدي في ((الكامل)) (٢٣٥/٢) عن شعبة من تَتَبَّعِهِ الوسائط بين إبراهيم ومن يروي عنه دليل على أن الوسائط بين إبراهيم وبين الراوي عنه ليست قاصرة على حماد، أو مدلس كمغيرة. وهذا غير مستغرب؛ فإن الإرسال كان شائعًا في هذه الطبقة كما قاله مسلم في ((مقدمة صحیحہ)» ۔. ثالثًا: رواية الحكم عن حماد: فقد سُئل الإمام أحمد غير مرة عن حال حماد بن أبي سليمان فكان يُجيب: ((أما حماد فرواية القدماء عنه مقاربة: شعبة، والثوري، وهشام - يعني: الدستوائي - قال: وأما غيرهم فقد جاءوا عنه بأعاجيب)» ا. هـ. راجع هذا وغيره عن الإمام أحمد من ((تهذيب الكمال)) (٢٧١/٧ - ٢٧٢) والحكم وإن كان متقدم الوفاة إلا أننا لم نجد من نص على أنه قديم الأخذ عن حماد، وسواء ثبت أن الحكم قديم الأخذ أم لا فهذا لا يُقَدِّمُ ولا يُؤْخِّر إلا في إثبات أنَّ هذه الرواية ثابتة عن حماد وأنها من حديثه، ولكن يبقى سوء حفظ حماد عائقًا - كحديث العَبَادِلَةِ عن ابن لهيعة، فإنه لا يفيد أكثر من أنَّ هذا حَدَّث به ابن لهيعة . رابعًا: الخلاف على إبراهيم: فقد روى حماد هذا الحديث عن إبراهيم عن ابن مسعود موقوفًا عليه كما سبق . وخالفه مغيرة وحبيب بن أبي ثابت فروياه عن إبراهيم من قوله، لم يجاوزا به إلى ابن مسعود، فأخرج حديث الأول: عبد الرزاق (٤/١١)، وأخرج حديث الثاني: ابن أبي شيبة (٦ /٣١٠ - ٣١١). وقال ابن طاهر: ((أصح الأسانيد في ذلك أنه من قول إبراهيم)) ا. هـ من ((التلخيص الحبير))= ٤٣٠ ٣ - باب سنة العيدين لأهل الإسلام الحديث: ٩٥٢ وهذا يدلّ على أنهم فهموا أن الغناءَ الذي رخصَ فيه النبيّ وَلّ لأصحابه لم يكن هذا الغناءَ ولا آلاتُهُ هي هذه الآلات، وأنه إنما رخصَ فيما كانَ في عهده مما يتعارفُهُ العَرَبُ بآلاتهم، فأما غناءُ الأعاجمِ بآلاتهم فلم تَتَنَاوِلْهُ الرخصةُ وإن سُمِّيَ غناءً وسميت آلاتُه دفوفًا؛ لكن بينهما من التباينِ ما لا يَخْفىَ على عاقلٍ؛ فإن غناء الأعاجمِ بالآَتِهَا يثيرُ الهَوى ويغيرُ الطباعَ ويدعُو إلى المعاصي فهوَ رقيةُ الزِّنَا. وغناءُ الأعرابِ المرخصُ فيه ليس فيه شيءٌ من هذه المفاسد بالكلية البتةَ؛ فلا يدخلُ غناءُ الأعاجمِ في الرخصةِ لفظا ولا معنَّى؛ فإنه ليسَ هنالكَ نصَّ عنِ الشارعِ بإباحةِ ما يسمَّى غناءً ولا دفّا، وإنما هيَ قضايا أعيانٍ وقعَ الإقرارُ عليها وليسَ لها (١) عمومٌ وليسَ الغناءُ والدفُّ المرخصُ فيهما في معنَى ما في غناءِ الأعاجم ودفوفِها المصلصلة؛ لأن غناءَهُم ودفوفَهُم تحركُ الطباعَ وتهيجُهَا إلى المحرماتِ بخلافٍ غناءِ الأعرابِ، فمن (٣٩٣/م) قاسَ أحدَهما على الآخرِ فقد أخطأً أقبحَ الخطٍ وقاسَ مع ظهورِ الفرقِ بينَ الفرعِ والأصلِ فقياسه من أفسدِ القياسِ وأبعدِهِ عنِ الصوابِ . و و وقد صحت الأخبارُ عنِ النبيِّ وَّلَّ بِذَمِّ مَن يَستمعُ القيناتِ في آخرِ الزمانِ، وهو إشارةٌ إلى تحريمِ سماعِ آلاتِ الملاِهِي المأخوذةِ عنِ الأعاجمِ. وقد خرَّجَ البخاريُّ في (الأشربةِ)(٢) حديثَ عبدِ الرحمنِ بنِ غَنْمٍ، = (١٩٩/٤) للحافظ - رحمه الله . ولعل هذا الذي ذكرناه من الاختلاف عن إبراهيم، وما لم نذكره - أيضا -: هو اضطراب من حماد بن أبي سليمان نفسه؛ فإنه إذا جاء الآثار شوش. (١) هنا بياض في ((م)) بقدر حرفين، والكلام مستقيم. (٢) (٥٥٩٠ - فتح). ٤٣١ الحديث: ٩٥٢ كتاب العيدين عن أبي مالكِ - أو أبي عامرٍ - الأشعريِّ، عنِ النبيِّ وَلَّ في ذلكَ - كما سيأتي في موضعه إن شاءَ اللهُ سبحانه وتعالى - فقالَ فيه: نا(١) هشامُ بنُ عمار، فذكره. ء والظاهرُ أنه سمعه من هشامٍ. وقد رواه عن هشام: الحسنُ بنُ سفيانَ النسويّ، وخرّجهُ من طريقه: ٠٠ البيهقيُّ وغيرُهُ(٢). وخرَّجهُ الطبرانيُ(٣): نا محمدُ بنُ يزيدَ بنِ عبدِ الصمدِ: نا هشامُ بنُ عمارِ، فصحَّ واتصلَ عن هشامٍ. وخرَّجهُ أبو داودَ من وجهٍ آخرَ مختصرً(٤). وقد بينت عائشةُ أن الجاريتينِ إنما كانتا(٥) تغنيانِ بغناءِ بُعَاثَ. ويومُ بُعاثَ: يومٌ من أيامٍ حروبِ الجاهليةِ مشهورٌ، وباؤُهُ مثلثةٌ وعِينُهُ مهملةٌ، ومنهم من حكى أنها معجمةٌ . قالَ الخطابيُّ: هو يومٌ مشهورٌ من أيامِ العربِ، كانت فيه مقتلةٌ عظيمةٌ للأوسِ على الخزرجِ وبقيتِ الحربُ قائمةٌ مائةً وعشرينَ سنةً إلى الإسلامِ على ما ذكره ابنُ إسحاقَ وغيرُهُ. قالَ: وكانَ الشِّعْرُ الذي تغنيانِ به في وصفِ الشجاعةِ والحربِ وهو إذا صُرْفَ إلى جهادِ الكفارِ كانَ معونةً في أمرِ الدينِ. فأما الغناءُ بذكر و (١) كذا في ((م))، والصواب: ((قال)) وكلام المصنف بعده يدل عليه . (٢) البيهقي (٢٢١/١٠)، وانظر ((الفتح)) (٥٢/١٠ - ٥٤)، و((التغليق)) (١٧/٥ -٢٢). (٣) فى ((مسند الشاميين)) (٥٨٨). (٥) في ((م): ((كانا)). (٤) أبو داود (٤٠٣٩). ٤٣٢ ٣ - باب سنة العيدين لأهل الإسلام الحديث: ٩٥٢ الفواحشِ والابتهارِ بالحُرم(١) فهو المحظورُ من الغناء، حاشاه أن يجري بحضرتِهِ شيءٌ من ذلكَ فيرِضَاهُ أو يتركَ النكيرَ له، وكل من جهرَ بشيءٍ بصوتِهِ وصرحَ به فقد غنَّی به . قالَ: وقولُ عائشةَ (ليستَا بمغنيتين)) إنما بينت ذلكَ؛ لأن المغنيةَ: التي اتخذت الغناءَ صناعةً وعادةً، وذلكَ لا يليقُ بحضرتِهِ . فأما التَّرنمُ بالبيتِ والتطريبُ للصوتِ إذا لم يكن فيه فحشٌ فهو غيرُ محظورٍ ولا قادحِ في الشهادة، وكان عُمرُ بُن الخطاب - رضي الله عنه - لا ينكرُ من الغناء النَّصْبَ والحُداءَ ونحوهما، وقد رخَّصَ فيه غيرُ واحد من السلف . قالَ: وقوله ((هذا عيدُنَا)) يريدُ أن إظهارَ السرورِ في العيدِ من شعارِ الدينِ وحكمُ اليسيرِ منَ الغناءِ (٣٩٤/م) خلافُ الكثيرِ. انتهى(٢). وفي الحديثِ ما يدلُّ على تحريمِهِ فِي غيرِ أيامٍ العيدِ؛ لأنَّ النبيَّ ◌ِّ عَلَّلَ (٣) بأنها أيامُ عيدٍ، فدلَّ على أنَّ المقتضي(٤) للمنعِ قائمٌ، لكن عارضَهُ معارضٌ وهو الفرحُ والسرورُ العارضُ بأيامِ العيدِ . وقد أقرَّ أبا بكر على تسميةِ الدفِّ: مزمورَ الشيطان. وهذا يدلُّ على وجودِ المقتضي للتحريمِ، لولا وجودُ المانع. (١) في ((م): ((الانتهار للحرم))، والمثبت من ((الأعلام))، وفي نسخة كما في هامشه: ((الانتهاك)). (٢) من ((أعلام الحديث)) (١ / ٥٩١، ٥٩٤ - ٥٩٥). (٣) قوله: ((علل)) سقط من ((م))، وفي الهامش: (لعله: علل)). (٤) في (م)) (المقتض)) ولعل الصواب ما أثبتناه وسيأتي. ٤٣٣ الحديث: ٩٥٢ كتاب العيدين وقد قالَ كثيرٌ منَ السلف منهم قتادةُ: الشيطانُ قرآنُهُ الشعرُ، ومؤذنُهُ المزمارُ، ومصائدُهُ النساءُ. ورُويَ ذلكَ من حديث أبي أمامةَ مرفوعًا(١). وقد وردت الشريعةُ بالرخصةِ للنساءِ - لضعفِ عقولهِنَّ - بما حُرِّمَ على الرجالِ من التحلِّي والتزينِ بالحريرِ والذهبِ، وإنما أُبِيحَ للرجالِ اليسيرُ دونَ الكثيرِ، فكذلكَ الغناءُ يرخَّصُ فيه للنساءِ في أيامِ السرورِ ، وإن سمعَ ذلكَ الرجالُ تبعًا؛ ولهذا كانَ جمهورُ العلماء على أنَّ الضربَ بالدفِّ للغناءِ لا يباحُ فعلُهُ للرِّجَالِ؛ فإنَّه منَ التشبهِ بالنساءِ، وهو ممنوعٌ منه. هذا قولُ الأوزاعيِّ وأحمدً، وكذا ذكرَهُ الحَلِيميُّ، وغيرُه من الشافعية، وإنَّما كانَ يَضْرِبُ بالدفوفِ في عهدِ النبيِّ نَ ◌ّهِ النساءُ أو من يُشَبَّهُ بهنَّ منَ الْمُخَِّينَ، وقد أَمَرَ النبيُّ ◌َّهِ بِنَفْىِ الْمُخَنَِّينَ، وإخراجِهِمْ منَ البيوت (٢)، وقد نصَّ على نَفْيهم: أحمدُ، وإسحاقُ عملا بهذه السنة الصحيحة . وسُئلَ أحمدُ عن مخنث ماتَ ووصَّى أن يُحَجَّ عنهُ فقالَ: كسبُ الُخَنَّثِ خبيثٌ، كسبَهُ بالغناء. نقلَهُ عنه المروذيِّ. وفي تحريمٍ ضرب المُخَنَّثِ بالدفِّ حديثٌ مرفوعٌ خرَّجَهُ ابنُ ماجه بإسناد ضعيف(٣). فأمَّا الغناءُ بغير ضرب بالدفِّ: فإن كانَ على وجْهُ الْحُدَاءِ، والنَّصْب فهو جائزٌ. وقد رُويت الرخصةُ فيه عن كثيرٍ منَ الصحابَةِ، والنَّصْبُ (١) أخرجه الطبراني في (الكبير)) (٢٠٧/٨) بإسناد ضعيف. (٢) البخاري (٥٨٨٦ - فتح). (٣) ابن ماجه (٢٦١٣). ٤٣٤ ٣ - باب سنة العيدين لأهل الإسلام الحديث: ٩٥٢ شبيهٌ بالحُدَاءِ، قَالَهُ الهرويُّ، وغيرهُ(١) وهذا من بابِ المباحاتِ التي تفعل أحيانًا للراحةِ . صَلىالله وِ وستر. فأما تَغَنِّي المؤمن فإنَّمَا ينبغي أن يكونَ بالقرآن كما قالَ النبيّ ٠ ((ليسَ منَّا منْ لم يتغنَّ بالقرآنِ»(٢). والمرادُ أنَّه يجعلُهُ عوضًا عن الغناء فيطربُ به ويلتذَّ ويجد فيه راحةً قلبهِ وغذاءَ روحِهِ كما يجد غيرُهُ ذلكَ في الغناءِ بالشعرِ . وقد رُويَ هذا المعنَى، عن ابنِ مسعودٍ - أيضًا. وأمَّا الغناءُ المهيجُ للطباعِ المثيرُ للهوَى فلا يباحُ لرجلٍ ولا لامرأةٍ فعلُهُ ولا استماعُهُ؛ فإنه داعٍ إلى الفسقِ (٣٩٥/ م) والفتنةِ في الدينِ والفجورِ فيحرمُ كما يحرمُ النظرُ بشهوةٍ إلى الصورِ الجميلةِ؛ فإن الفتنةَ تحصلُ وَّ زِنَا العينينِ النظرَ وزنا الأذن بالنظرِ وبالسماعِ؛ ولهذا جعلَ النبيّ .(٣) الاستماع(٣) . ولا خلافَ بينَ العلماءِ المعتبرينَ في كراهةِ الغناءِ وذمِّهِ وذمِّ استماعِهِ ولم يرخص فيه أحدٌ يعتدَّ به. وقد حُكيتِ الرخصةُ فيه عن بعضِ المدنيينَ. وقد روَى الإمامُ أحمدُ عن إسحاقَ الطباعِ أنه سألَ مالكًا عمَّا يُرخِّصُ فيه أهلُ المدينةِ من الغناء، فقالَ: إنما يفعله عندنا الفساقُ. (١) انظر ((النهاية)) لابن الأثير (٦٢/٥)، و((لسان العرب)) (٧٦٢/١ - دار صادر)، و((تاج العروس)) (٤٨٦/١ - دار صادر). (٢) أخرجه البخاري (٧٥٢٧ - فتح). (٣) متفق عليه من حديث أبي هريرة. ٤٣٥ الحديث: ٩٥٢ كتاب العيدين وكذا قالَ إبراهيمُ بنُ المنذرِ الحزاميُّ وهو من علماءِ أهلِ المدينةِ - أيضًا . وقد نصَّ أحمدُ على مخالفةِ ما حُكيَ عنِ المدنيينِ في ذلكَ، وكذا نصَّ هو وإسحاق على كراهةِ الشعرِ الرقيقِ الذي يُشَبّبُ(١) به بالنساء. وقال أحمد: الغناءُ الذي وردت فيه الرخصةُ هو غناءُ الراكب ((أتيناكم أتيناكم)). وأما استماعُ آلاتِ الملاهي المطربةِ المتلقاةِ من وضعِ الأعاجم فمحرمٌ مجمعٌ على تحريمهِ، ولا يُعلمُ عن أحدٍ منهم الرخصةُ في شيءٍ من ذلكَ، ومن نقلَ الرخصةَ فيهِ عن إمامٍ يُعتدّ به فقد كذبَ وافترَى. وأما دف الأعرابِ الخالي عن الجلاجلِ المصوتة ونحوها فقد اختلفَ العلماءُ فيه على ثلاثة مذاهبَ: أحدُها: أنه يُرخصُ فيه مطلقًا للنساءِ، وقد رُوِيَ عن أحمدَ ما يشهدُ له، واختاره طائفةٌ من المتأخرين من أصحابنا كصاحبٍ ((المغني)) وغيرِه(٢). والثاني: إنَّما يرخصُ فيه في الأعراسِ ونحوها، وهو مرويٌّ، عن عُمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، والأوزاعيِّ، وهو قولُ كثيرٍ من أصحابنا أو أکثرهم. (١) في ((م)) بالسين المهملة، وعليها علامة الإهمال، والصواب بالمعجمة كما في ((النهاية)) (٤٣٩/٢)، وتشبيب الشعر: ترقيقه بذكر النساء. (٢) وانظر ((المغني)) (٤٦٧/٩ - ٤٦٨)، و(٢٠٥/١٠ - ٢٠٦). ٤٣٦ ٣ - باب سنة العيدين لأهل الإسلام الحديث: ٩٥٢ والثالثُ: أَنَّه لا يرخصُ فيه بحالٍ، وهو قولُ النخعيِّ وأبي عُبيدٍ وجماعةٍ من أصحابِ ابنِ مسعودٍ كانوا يتبعونَ الدفوفَ مع الجواري في الأزقة، فيحرقونَها. وقالَ الحسنُ: ليسَ الدفُّ من أمرِ المسلمينَ في شيء. ولعلَّهُ أرادَ بذلكَ دفوفَ الأعاجمِ المصلصلةَ، وقد قيل: المطربةَ. وقد سُئِلَ أحمدُ عن ذلكَ، فتوقفَ وكأنَّهَ حَصَلَ عِندَهُ تَرَدُّدٌ: هَلْ كانت كراهةُ مَنْ كَرِهَ الدفوفَ لدفوفِ الأعرابِ، أو لدفوفِ الأعاجمِ المُصَلْصَلَة؟ وقد قيلَ لأحمدَ: الدفُّ فيه جرسٌ؟ قالَ: لا. وقد نصَّ على منعِ الدفِّ الْمُصَلْصَلِ، وقال مالكٌ في الدفِّ: هو مِن اللهو الخفيفِ، فإذا دُعِيَ إلى وليمة فوجدَ فيها دفّا، فلا أرى أن يرجعَ وقال ابن القاسمِ من ھ أصحابه، وقال أصبغُ منهم: يرجعُ لذلكَ. وفي الرخصةِ في الدفِّ في العيد (٣٩٦/م) أحاديثُ أُخَرُ. خرَّج ابنُ ماجه(١) من روايةِ الشعبيِّ قالَ: شهدَ عياضٌ الأشعريُّ عيدًا بالأنبارِ فقالَ: مالي لا أراكم تُقَلِّسُونُ كما يُقَلَّسُ (٢) عندَ رسولِ الله وسلم ومن روايةِ الشعبيِّ، عن قيسِ بنِ سعد قالَ: ما كانَ شئٍّ على عهد (١) (١٣٠٢). (٢) في ((م)): ((تفلسون كما نفلس))، والمثبت من الرواية. (٣) في ((م): ((عند رسول الله صلى)). ٤٣٧ الحديث: ٩٥٢ كتاب العيدين رسول الله وَلَه إلا وقد رأيتُهُ إلا شيءٌ واحدٌ؛ فإنَّ رسولَ الله وَ كانَ يقلسُ (١) له يومَ الفطرِ(٣). قال يزيدَ بنُ هارونَ: التقليسُ(١): ضربُ الدفِّ، وقالَ يوسفُ بنُ عديٌّ: التقليسُ(١) : أنْ تقعدَ الجواري والصبيانُ على أفواهِ الطرقِ يلعبونَ بالطبلِ وغيرِ ذلكَ. وقد بسطنا القولَ في حكم الغناءِ وآلاتِ اللهوِ في كتابٍ مفردٍ سميناهُ ((نزهةُ الأسماع في مسألة السماع))(٣)، وإنَّمَا أشرْنَا إلى ذلكَ هاهنا إشارةً ۔ لطيفةً مختصرةً. ومما يدخلُ في هذا الباب: ما رَوَى حمادُ بنُ سلمةَ، عن حُميدٍ، عن أنسِ قالَ: قدمَ رسولُ اللهِ بَّهِ المدينةَ، ولهم يومان يلعبونَ فيهما، فقالَ: ((ما هذان اليومان؟)) قالوا: نلعبهما في الجاهليةِ، فقالَ رسولُ الله ◌َله: ((إنَّ الله قد أبدلكُم بهمَا خيراً منهما: يومَ الفطرِ، ويومَ الأضحَى)). خرَّجهُ أبو داودَ، والنسائيُّ(٤). (١) في ((م)) بالفاء . (٢) ابن ماجه (١٣٠٣)، وانظر ((العلل)) لابن أبي حاتم (٢٠٩/١). (٣) وهو مطبوع متداول. (٤) أبو داود (١١٣٤) من طريق حماد، عن حميد، والنسائي (١٧٩/٣) من طريق إسماعيل ابن جعفر، عن حميد. وانظر ((التحفة)) (١٧٧/١، ١٨١). ٤٣٨ الحديث: ٩٥٣ ٤ - بابُ و و الأَكْل في (١) الفطر قَبْلَ الْخُرُوجِ ٩٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد الرَّحيم: نا سَعيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ: أنا (٢) هُشَيْمٌ: أنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله وٍَّ لا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَات. وَقَالَ مُرَجَُّ(٣) بْنُ رَجَاءِ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: حَدَّثَنِي أَنَسِّ، عَنِ النَّبِّ ◌ََّ: وَيَأْكُلُهُنَّ وثرًاً. هذا الحديثُ مما تفردَ به البخاريُّ، ولم يخرِّجُهُ مسلمٌ. وإنَّما ذكرَ متابعةَ مرجى بنِ رجاءٍ لثلاث(٤) فوائدَ : أحدها: أنَّه حديثٌ أنكرَهُ الإمامُ أحمدُ من حديثِ هُشيمٍ، وقالَ: إِنَّمَا كانَ هُشيمٌ يحدِّثُ به، عن محمد بن إسحاقَ، عن حفصِ بنِ عُبيد الله، عن أنسٍ. قالَ: وإنما حَدَّثَنَاءُ(٥) عليُّ بنُ عاصمٍ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ أبي بكر، كذا نَقلَهُ عن أحمدَ ابنُهُ عبدُ اللهِ(٦) . وقد رواهُ(٧) ، عن هُشيمٍ، عنِ ابنِ إسحاقَ، عن حفصٍ - كما قالَهُ ءُ الإمامُ أحمد - ومن هذه الطريقِ خرّجهُ الترمذيّ (٣٩٧/م) وصحّحَهُ(٨ (١) في ((اليونينية))، والقسطلاني: (يوم). (٢) في ((اليونينية)): ((حدثنا)). (٣) كذا في ((اليونينية))، والقسطلاني مهموزا، وفي ((الفتح)) بغير همز مقصورا بوزن: مُعَلَّى. (٤) في ((م)): ((الثلاثة)). (٥) في ((م)): ((بناه))، والمثبت من كتاب ((العلل)). (٦) في ((العلل)) (٢٢٢٦). (٧) كذا في ((م))، ولعلها: (روي)). (٨) الترمذي (٥٤٣) من طريق قتيبة . ٤٣٩ الحديث: ٩٥٣ كتاب العيدين وقد رواهُ كذلكَ، عن هُشيم بهذا الإسناد: الإمامُ أحمدُ، ويحيىَ، وابنُ أبي شيبةَ، وغيرُهم(١). قالَ البيهقيُّ ورواه سعيدُ بنُ سليمانَ، عن هُشِيمٍ بالإسنادَيْنِ معًا (٢). وهذا يدلّ على أنهما محفوظانٍ، عن هشيمٍ فَبَيِّنَ البخاريُّ أنَهُ قد توبعَ علیه هشيمٌ. وقد خرَّجهُ الإمام أحمدُ من حديثٍ مرجأ: ويأكلُهُنَّ أفرادًا(٣). وخرَّجَهُ ابنُ خزيمةَ في ((صحيحه))، والدارقطنيّ من حديثه، ءُ وعندهما: ويأكُلُهُنَّ وترًا (٤). ومرجّاً بنُ رجاءٍ(٥) مختلفٌ في أمرِهِ: وثَّقْهُ أبو زرعةَ، وضعفهُ و (٦) غيرُهُ(٦) . وتابعهُ - أيضًا - عليٌّ بنُ عاصمٍ، فرواهُ عن عُبيد اللهِ بنِ أبي بكرٍ : سمعتُ أنسًا يقولُ: ما خرجَ رسولُ اللهِ وَلَهُ يومَ فطرِ قطَّ حتّى يأكلَ تمرات(٧) . خرَّجهُ الإمامُ أحمدُ، عنه(٨)، وخرَّجَهُ ابنُ شاهينَ في ((كتابِ العيدينٍ))، وزاد: ((ثلاثًا))، وكانَ أنسٌ [يقول](٩): ثلاثَ ثمرات (١٠)، أو (١) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢/ ١٦٠)، وجبارة بن المغلس عند ابن ماجه (١٧٥٤). (٣) أحمد (١٢٦/٣). (٢) البيهقي (٢٨٢/٣- ٢٨٣). (٥) تحرفت في ((م)) إلى: ((بصا)). (٤) ابن خزيمة (٣٤٢/٢)، والدار قطني (٤٥/٢). (٦) انظر ((تهذيب الكمال)) (٣٦٢/٢٧ - ٣٦٣). (٨) أحمد (٢٣٢/٣). (٧) في ((م)) بالثاء المثلثة أوله، والمثبت من ((الرواية)). (٩) ما بين المعقوفين ليس في ((م))، زدناه لمقتضى السياق. (١٠) في ((المسند)) بالمثناة أوله. ٤٤٠