Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٩ - باب من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد الحديث: ٩٢٧ النَّبِيَّ وَهُ إلى هرقلَ (١): ((أَمَّا بعد فإِنِّي أَدْعوك بدعايةِ الإسلامِ)). والمعنى في الفصل بـ ((أَمَّا بعدُ»: الإشعارُ بأنَّ الأمورَ كُلَّها وإن جَلَّتْ وعَظُمتْ فهي تابعةٌ لحمد الله والثَّناء عليه فذاك هو المقصودُ (٣١٢/ م) بالأَصَالةِ. وجميعُ المهماتِ تَبْعٌ له من أمورِ الدِّينِ والدُّنيا، ولهذا قَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: (كُلُّ أَمْرِ ذِي بَالِ لا يُبْدَأُ بالحمد لله فَهُو أَقْطِعُ))، وفي روايةٍ: ((أجزمُ)) . خرَّجه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابن ماجه من حديث أبي هُريرةً(٢)، وقد رُوِيَ مرسلا(٣). فالحمد للهِ مُتُقدمٌ على جَميعِ الكلامِ، والكلام كُلُّه متأخرٌ عنه، وتبعٌ له، ولا يُسْتثنى ممَّا ذكرناه من الخطب إلا خطبةُ العيد، فقد قيلَ: إِنَّها تُسْتُفتحُ بِالتَّكبيرِ . (١) برقم (٧: فتح). (٢) ((المسند)) (٢ / ٣٥٩)، وأبو داود (٤٨٤٠)، وابن ماجه (١٨٩٤). (٣) كما هو عند أبي داود عقب الحدث رقم (٤٨٤٠)، والنسائى في ((عمل اليوم والليلة)) (٤٩٦ - ٤٩٧) تفرد قرة بن عبد الرحمن بن حيويل برفع هذا الحديث عن الزهري دون باقي أصحابه المختصين به، فقد رووه مرسلا على الاتفاق. والثقة من أصحاب الشيخ إذا روى عن مثل الزهري وتفرد بمثل هذا دون باقي أصحاب الشيخ ، فإنهم يتوقفون في مثل هذا، وهو ثقة، فكيف، والحالة هنا: مخالفة ضعيف لثقات أصحاب الزهري؟! وما أشبه هذه الصورة بصورة المنكر عند الإمام مسلم - كما في مقدمة ((صحيحه)) (١ / ٩٢). قال: ((فأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو مثل هشام بن عروة وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره فيروي عنهما أو عن أحدهما العدد من الحديث ممالا يعرفه أحد من أصحابه وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما= ٢٦١ الحديث: ٩٢٧ كتاب الجمعة • = عندهم : فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس والله أعلم)). ا. هـ. وقد ذكر العقيلى (٣ / ٤٨٦) لقرة بن عبد الرحمن حديثًا آخر عن الزهري بنفس الإسناد، واستنكره عليه مما يشير إلى تكرر ذلك منه، ولا يستغرب هذا من ضعيف. ومن جملة ما تفرد به عن الزهري بنفس هذا الإسناد: ما رواه الطبراني فى ((الأوسط)» برقم (٣٥٩، ٥٤٦)، وتفرد عن الزهري عن غير أبي سلمة عن أبي هريرة بجملة أخرى كما في ((الأوسط)) - أيضًا - برقم (٥٤٤ - ٥٥٣). وراجع ((الكامل)) (٥٣/٦ -٥٤). هذا: وقد تعاقب الأئمة على تضعيف قرة حتى قال الإمام أحمد فيه ((منكر الحديث جدّا)). ولقد أطال السبكي في أول ((طبقات الشافعية)) الكلام على هذا الحديث بما لا طائل تحته، وذهب إلى توثيق قرة، وعمدتُهُ في توثيقه: كلامُ الأوزاعي . وقد ذكر كلام الأوزاعي هذا: أبو زرعة الدمشقي في ((تاريخه)) (١ / ٢٦٦ - ٢٦٧) فقال: ((قال الأوزاعي: كان ابن حيويل أعلمهم بالزهري)) ثم أعقبه بقوله: قرة بن عبد الرحمن ابن حیویل: ذِكْره أحسن من حديثه» ا. هـ. وهو كما قال. ونقل الحافظ كلام الأوزاعي هذا وأعقبه بقوله: فيظهر من هذه القصة أن مراد الأوزاعي أنه ما أحد أعلم بحال الزهري من غيره لا فيما يرجع إلى ضبط الحديث، وهذا هو اللائق، والله أعلم)) ا. هـ. من ((تهذيب التهذيب)) (٣٧٤/٨). والأمر في السبكي كما قال الشيخ الألباني في (الإرواء)) (٣١/١) قال: ((ولقد أضاع السبكي جهدًا كبيرًا في محاولته التوفيق بين هذه الروايات وإزالة الاضطراب عنها، فإن الرجل ضعيف كما رأيت فلا يستحق حديثه مثل هذا الجهد)» ا. هـ. وصدق الشيخ؛ فإن مثل هذا لا يحتاج إلى كل هذا الكلام ولا أقل منه؛ ولكن كلام من تكلم، وصدور من تصدر أحوجنا إلى النزول لمثل هذه المقارنة؛ وإلا فالأمر أهون من أن و ... یصدع له . والصواب: أن هذا الحديث مرسل كما رواه جلة أصحاب الزهري، وكما نص عليه الإمام النسائي - كما في ((تحفة الأشراف)) (٣٦٨/١٣) - والدارقطني في ((السنن)) (٢٢٩/١)، وهو المفهوم من صنيع أبي داود بذكره المسند وعلى إثره المرسل، كما هي عادة أهل الحديث عند إرادة الإعلال. لا كما قال السبكي وكثير من المتأخرين بعدم التنافي بين المرسل والمسند، وأن المرسل لا يعل المسند بل يقويه . ٢٦٢ ٢٩ - باب من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد الحديث: ٩٢٧ وقد رُوِيَ عن أبي موسى الأشعريِّ(١) أَنَّه اسْتفتحَ خُطْبتي العِيدينِ بالحمدِ، ثم كبّرَ بعد الحمد، وهو الأظهرُ. وكذا قيل في خطبته الاستسقاءَ. ومن الناس من قال : يستفتح بالحمد - أيضا . وقد ذكر بعضُ أئمة الشَّفعية أَنَّ الخطبَ كلَّها(٢) تستفتحُ بالحمدِ بغيرِ خلاف، وإنَّما التكبيرُ في العيدِ يكونُ قبلَ الخطبةِ وليسَ منها، وأَنَّ ذلكَ نصُّ الشَّافِعِيِّ، وكذا ذكرَ طائفةٌ من أصحابِنا أَنَّ ظاهرَ كلامِ أحمدَ أنَّه يُكبِّرُ إذا جلسَ على المنبرِ قبلَ الخطبةِ وأنه ليس من الخطبة، فإذا قَامَ استفتحَ الخطبةَ بالحمدِ، وذكروا قولَ عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ: يُكبِّرُ الإمامُ على المنبرِ يومَ العيدِ قبلَ الخطبةِ تسعًا وبعدَهَا سبعًا. فَأَمَّا خطبةُ الجُمعة فلا خلافَ أنها تستفتحُ بالحمدِ . فخرَّجَ مسلمٌ في ((صحيحِه)) (٣) من حديث جعفرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، عن جابر قال: كَانَ رسولُ اللهِ وَلَه إذا خَطَبَ احمرَّتْ عَيْناه، وعَلا = فيا للعجب، ويالضيعة ما ورثناه عن أثمتنا، وما خلّفوه لنا من كتب ((العلل))، ولا يشك المعنيون بهذا العلم، استفاضة إعلال المسند بالمرسل عند الأئمة في كتبهم، وبأدنى فحصة في ((علل الرازي)) يقف المقتصد على حقيقة هذا من كلام أبي حاتم وأبي زرعة وغيرهم من الجبال أصحاب الكلمة في هذا الشأن. (١) أخرجه الفريابي في ((أحكام العيدين)) (ص: ١٩٧)، وسيأتي الكلام عليه (٩/ ٣٣) تحت الحديث: (٩٧١). (٢) في ((م)): ((كليها)) من غير نقط، ورسم فوقها علامة لحق وكتب في الهامش: ((كلها» ووضع فوقها حرف: (ن))، إشارة إلى التوضيح والبيان: فأثبتناها على ما بينه في الهامش . (٣) مسلم (٨٦٧/ ٤٣). ٢٦٣ الحديث: ٩٢٧ كتاب الجمعة صوتُه، واشتدَّ غضبُهُ حَتَّى كأَنَّه منذرُ جيشٍ يقولُ: ((صبَّحكم ومسَّاكم))، ويقولُ: ((بُعِثْتُ أنا والسَّاعةُ كَهَاتِينٍ)) ويقرنُ بين إِصْبعيه السَّابةِ والوسطى ويقول: ((أما بعدُ، فإنَّ خيرَ الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهدي هدي(١) محمد، وشرُّ الأمور محدثاتُها، وكلُّ بدعة ضلالةٌ))(٢) ثم يقول: ((أَنَا أولى بكلِّ مؤمنٍ من نفسِهِ، من تَركَ مالا فلأهله، ومن تركَ دَيْنًا أو ضَيَاعًا فإليَّ أو عليَّ». وفي رواية له(٣) - أيضًا - بهذا الإسناد (٣١٣/م): كانت خطبةُ النَّبِيِّ وَلَّهِ يومَ الجمعةِ يحمدُ اللهَ ويُثْنِي عليه ثم يقولُ على إثرِ ذلك وقد علا صوته، ثم ساقَّ الحدثَ بمثله. وفي روايةٍ له (٤) أيضًا: كَانَ النبيُّ بَّهِ يخطبُ النَّاسَ، يحمدُ الله ويثني عليه بما هو أهلُه، ثم يقول: ((مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يُضْلِلْ فلا هَادِيَ له، وخَيْرُ الحديثِ كتابُ اللهِ)) ثم ساقَ الحديثَ بمثل الرواية الأولى. وَّ يأمرُ بهذه الخطبة لكُلِّ من له حاجةٌ أن يبدأَ بها وقد كَانَ النَّبِيّ قبلَ ذكر حَاجته كَما خَرَّجَه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيَّ، 19 والنسائيّ، وابن ماجه(٥) من حديث ابن مسعود قال: عَلَّمنا رسولُ الله و (١) هكذا في ((م))، وفي ((السلطانية)): ((الهدى هدى))، وراجع ما سطره القاضي عياض في (مشارق الأنوار)) (٢٦٦/٢ - ٢٦٧) في شأنها . (٢) في ((م)): ((صلاة))، خطأ، والمثبت من ((صحيح مسلم)). (٣) مسلم (٨٦٧ /٤٤). (٤) مسلم (٤٥/٨٦٧). (٥) ((المسند)) (٣٩٣/١)، وأبو داود (٢١١٨)، والترمذي (١١٠٥)، والنسائي (٨٩/٦)، وابن ماجه (١٨٩٢)، وانظر ((أطراف الغرائب)) (٣٩١٩) بتحقيقنا. ٢٦٤ ٢٩ - باب من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد الحديث: ٩٢٧ وَّ خطبةَ الحاجة: ((إنَّ الحمدَ لله نَسْتْعينُه ونَسْتغفرُهُ، ونعوذُ بالله من شُرُورِ أنفسِنَا، مَنَّ يَهْدِهِ اللهُ فلا مُّضلَّ له، ومن يُضْلِلْ فلا هَادِيَّ له، وأشهدُ أن لا إلَهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أَنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه ﴿ يا أَيُّها الَّذِينَ آمنُوا (١) اتَّقُوا اللهَ الذي تَسَاءلُونَ به والأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عليكم رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاته ولا تَمُوتَّ إلا وأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلا سَديدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١] إلى قوله ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾. وهذا لفظُ أبي داودَ، وفي روايةٍ له: ((الحمدُ للهِ)) بغير ((إنَّ) وهي روايةُ الأكثرينَ. وفي روايةٍ له في خطبتهِ الحَاجَةَ (٢) في النِّكاحِ وغيرِه. وعند ابن ماجه: ((الحمدُ لله نحمدُهُ ونَسْتْعينُهُ ونَسْتَغفرُهُ، ونعوذُ بالله من شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومن سَيئاتِ أَعْمَالِنَا» وذكر الحديثَ، وفيه زيادةُ: ((وَحْدَهَ لا شريك له)». وحسَّنَ التِّرمذيُّ هذا الحديثَ، وصحَّحه جماعةٌ، منهم: ابنُ خراشٍ، وغیرُه. وخرَّجَ النسائيُّ في ((اليوم والليلة))(٣) من حديث أبي موسى، عن النَّبِيِّ ◌َّهِ: ((فَإِنْ شِئْتَ أن تصلَ خطبتَكَ بآي من القرآن)) فذكر الآيات الثلاثَ، ثم قالَ: ((أَمَّ بعدُ) ثم يتكلّمُ بحاجتِهِ. (١) كذا في ((م))، وأبي داود، وفي المصحف تبدأ الآية بـ ﴿ياأيها الناس ... واتقوا الله ... ﴾ بدلا من ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ وراجع ما كتبه العظيم آبادي في ((عون المعبود)) (١٥٤/٦)، والسهار نفوري في ((بذل المجهود)) (١٤٨/١٠ - ١٤٩). (٢) في ((م)): ((الجاجة))، والصواب ما أثبتناه. (٣) ((عمل اليوم والليلة)) (ص: ٣٤٤ - ٣٤٥) وانظر ((التحفة)) مع ((النكت)) (٤٧٢/٦ - ٤٧٣) . ٢٦٥ الحديث: ٩٢٧ كتاب الجمعة وخرَّجَه أبو داودَ من وجه آخرَ (١)، عن أبي مَسْعودٍ، عن النَّبِيِّ ◌ِيه أَنَّه كانَ إذا شَهِدَ قال: ((الحمدُ لله)) فذكرَه كما تقدمَ، زادَ فيه بعد قوله: ((وأشهدُ أَنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه)): ((أرسلَه بالحقِّ بشيراً ونذيراً بينَ يدي السَّاعةِ، من يُطِعِ اللّهَ ورسولَه فقد رَشدَ، ومن يَعْصِهما فإنَّه لا يَضرُّ إلا نفسَهَ، ولا يضرّ اللهَ شَيْئًا)) . وروى أبو مالك الأشجعيُّ، عن نُبيطِ بنِ شريطٍ (٢) أنَّه سَمِعَ النبيَّ وَلِ يخطبُ عندَ الجمرة، فقالَ: الحمد لله، نحمده ونَسْتعينُه (٣١٤/م) ونستغفرُهُ، وأشهد أن لا إلهَ إلا اللهُ وأَنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، أُوصيكم بتَقْوى الله)) وذكرَ الحديثَ. وخرَّجَ أبو داودَ في ((مراسيله))(٣) من رواية يونسَ، عن ابن شهاب أَنَّه سألَه عن تشهدِ النَّبِيِّ،وَلَّهِ يومَ الجُمعة، فقال ابنُ شهابٍ: إِنَّ الحمدَ للهِ أحمدُه وأستعينُهُ وأستغفرُه، ونعوذُ(٤) بالله من شُرورِ أنفسنا، من يَهْدِه اللهُ فلا مُضلَّ له، ومن يضْلِلْ فلا هَادِيَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وأَنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه أرسلَه بالحقِّ بشيرًاً ونذيراً بينَ يدي السَّاعةِ، من يُطعِ اللهَ ورسولَه فقد رشدَ ومن يَعْصِ الله فقد غوى، نسألُ اللهَ رَبَّنَا أن يَجْعَلَنا ممن يُطيعُه ويطيعُ رسُولَه ويتبعُ رضوانَه ويجتنبُ سخطَه، فإنَّما نحنُ به وله. وخرَّجه في ((السنن))(٥) مختصرًا، وخرَّجَه في ((المراسيلِ))(٦) - أيضًا - من روايةِ عقيلٍ، عن ابن شهاب قال: كَانَ صدر خُطبة رسول الله وَله : الحمدُ لله نحمدُهُ ونَسْتْعينُه ونستغفرُه)) فذكرَه بمثله. (١) أبو داود (٢١١٩). (٢) أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) (٢٩/٦ - ٣٠). (٣) المراسيل)) (ص: ١٠٣). (٤) في ((م): ((يعوذ))، والصواب ما أثبتناه. (٥) أبو داود (١٠٩٨). (٦) ((المراسيل)) (ص: ١٠٢ - ١٠٣) ٢٦٦ ٢٩ - باب من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد الحديث: ٩٢٧ ومن رواية يونس (١)، عن ابن شهاب قال: بَلَغَنَا عن رَسُول الله وَالاله وَسَلم أنه كان يقولُ إذا خطبَ: «كل ما هو آت قريبٌ، لا بعدَ لما هو آت، لا يعجلُ اللهُ فتعجله(٢) أحد، ولا يَخِفُ(٣) لأمرِ النَّاسِ ما شَاءَ اللهُ أَلَا ما شاءَ الناسُ، يريدُ اللهُ أمرًا ويريدُ الناسُ أمرًا ما شاءَ اللهُ كان](٤) ولو كَرهَ النَّاسُ، ولا مبعدَ لما قربَ اللهُ، ولا مُقَرِّبَ لما بَعَّدَ اللهُ، لا يكون شىءٌ إلا بإذنِ اللهِ عزَّ وجلَّ). ومن طريقِ هشامٍ بن عروةً(٥)، عن أبيه أنَّه قال: كَانَ أكثرُ ما كانَ رسولُ اللهِ وَّه يقولُ على المنبرِ: ﴿اَّقوا اللهَ وقولوا قَوْلا سَديدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠]. وفي خُطبِ النبيِّ وَِّ أحاديثُ أُخرُ مرسلةٌ يطولُ ذكرُها، فظهرَ بهذا أَنَّ خطبةَ النبيِّ وََّ كانت تشتملُ على حمدِ اللهِ والثَّنَاءِ عليه بما هو أهلُه، وعلى الشهادة لله بالتَّوحيد، ولُحمد بالرِّسالة. وقد خرَّجَ أبو داودَ، والتِّرمذيُّ(٦) من حديث أبي هريرةَ، عن النَّبِيِّ (١) ((المراسيل)) (ص: ١٠٣). (٢) كذا في ((م)) وفي ((المراسيل)): (لعجلة))، وهو الأليق. (٣) كذا في ((م)): ((يحف)) بنقط الفاء فقط، والمثبت كما في ((المراسيل)). (٤) ما بين المعقوفين من ((المراسيل)) لعيب في التصوير. (٥) ((المراسيل)) (ص: ١٠٤). (٦) أبو داود (٤٨٤١)، والترمذي (١١٠٦)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٤٣/٩) وأخرجه البخاري في ((التاريخ)) (٢٢٩/٧) ترجمة كليب بن شهاب - كلهم - من طريق ابنه عاصم، عنه ، عن أبي هريرة مرفوعًا به . وعاصم بن كليب قال فيه ابن المديني: ((لا يحتج بما انفرد به)) ((الميزان)) (٣٥٦/٢)، وإلى انفراده به أشار الترمذي بقوله: ((حسن غريب)) كما في التحفة)) (٢٢٩/١٠) - وكليب بن شهاب ليس من بُزَّل أصحاب أبي هريرة حتى يحكم له فيما انفرد به عن أبي هريرة. ٢٦٧ الحديث: ٩٢٧ كتاب الجمعة وَهُ أَنَّهِ قَالَ: ((كُلُّ خطبة ليسَ فيها تشهدٌ فهي كاليد الجذماء)). ورجالُه ثقاتٌ. وأَنَّه ◌َّهِ كان يعظُ النَّاسَ ويُذكرُهم باللهِ وبوحدانِتِهِ، وتَفرُّدِه بالرُّبوبية والمشيئة، ويحثّهم على تقواه وطاعته. وكان غالبًا يفصلُ بينَ التَّحميد وتوابعه (٣١٥/م) من الشَّهادتين، وما بعد ذلك من الوعظِ والأمرِ والنّهي بقوله: ((أما بعد)). وكَانَ - أيضا - يتلو من القُرآنِ في خطبِه . وفي ((الصَّحيحينِ))(١) عن يعلى بنِ أميةَ أَنَّ سَمِعَ النَّبيَّ بَلّهِ يَقْرُ على المنبرِ ﴿ونَادَوا يا مَالكُ﴾ [الزخرف: ٧٧]. وفي ((صحيح مسلم))(٢) أَنَّ النبيَّ وَالّ كان يقرأُ كلَّ جمعة على المنبر إذا خطب النَّاسَ ﴿قَ والقُرْآنِ المجيد﴾ [ق: ١-٢]. وَاللَّهُ كَانتْ له خطبتان وفيه(٣) - أيضًا - عن جابر بن سمرةً أن النّبيّ يجلسُ بينهما يقرأُ القرآنَ، ويُذَكِّرُ النَّاسَ. وخرَّجه النسائيُّ(٤)، ولفظُه: كانَ النبيُّ بِّهِ يخطبُ قائمًا ثم يجلسُ، ثم يقومُ، ويقرأُ آيَةٌ(٥) ويذكرُ اللهَ)) وترجمَ عليه: القراءةَ في الخطبةِ الثّانية والذكرَ فيها)). وخرَّجَهَ ابنُ ماجه (٦)، ولفظُه: ثم يقوم فيقرأُ آيات(٧). فإن كانَ ذلك ے (١) (٣٢٦٦: فتح)، ومسلم (٨٧١). (٢) مسلم (٨٧٢). (٣) مسلم (٣٤/٨٦٢). (٤) النسائي (٣/ ١١٠). (٥) في ((السنن)): ((آيات)). (٦) ابن ماجه (١١٠٦). (٧) كلمة ((آيات)) من ((السنن))، وهي كذلك في ((التحفة)) (١٥٤/٢)، ووقع في (م): ((ثالثا)) بدون إعجام . ٢٦٨ ٢٩ - باب من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد الحديث: ٩٢٧ محفوظًا، فهو صَرِيحٌ فيما بوّبَ عليه النَّسائيُّ. وظاهرُ كلامِ الخِرقيِّ من أصحابنا يدلُّ على مثله - أيضًا . وفي القِراءةِ في الخطبةِ أحاديثُ كثيرةٌ. وروى ابنُ لهيعةَ: حدثني أبو صخرٍ - وهو حميدُ بنُ زيادٍ - ، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ أَنَّ النبيَّ وَجَّ لم يكن يَدَعْ قراءةَ سورة الأعراف في كُلِّ جمعة. خرَّجه ابنُ عديٍّ(١)، فإن كانَ هذا محفوظًا فلعلَّه كان يواظبُ على ذلك لما فيها من قوله: ﴿وإِذَا قُرِىءَ القرآنُ فَاسْتمعوا له وأنصتوا لعلَّكمّ ترحمونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] فيكون مقصودُه الأمرَ بالاستماعِ والإنصاتِ للخطبةِ والموعظةِ . وقد قال الإمامُ أحمدُ: أَجْمعوا أَنَّ هذه الآيةَ نزلتْ في الصّلاةِ، وفي الخطبة(٢). وكَانَ عثمانُ بن عفانَ يأمرُ في خطبته بالإنصاتِ(٣)، ولهذا اعْتَادَ النَّاسُ في هذه الأزمانِ أن يذكروا (٤) قبلَ الخطبةِ بينَ يدي الخطيبِ بصوتٍ عالٍ يسمع النَّاسَ حديث أبي هريرةَ في الأمرِ بالإنصاتِ كما سيأتي ذكرُهُ إِنّ شاءَ اللهُ سبحانه وتعالى(٥). (١) ((الكامل)) (٢٦٩/٢ - ٢٧٠). (٢) ((مسائل أبي داود)) (ص: ٣١). (٣) انظر ((مصنف عبد الرزاق)) (٢١٣/٣) و(«التمهيد)» (٣٣/١٩). (٤) في ((م): ((يذكرا)) كذا بدون واو الجماعة. (٥) سيأتي برقم (٩٣٤). ٢٦٩ الحديث: ٩٢٧ كتاب الجمعة وكَان مع ذلك مُقْتصدًا في خُطْبته ولا يُطيلُهَا؛ بل كانت صَلاتُه قصداً وخُطْبتُه قصدًا. خرَّجَه مسلمٌ(١) من حديث جابر بن سمرةً، وخرَّج(٢) أيضًا من حديث عمار، عن النبيِّ وَّ قال: ((إِنَّ طولَ صَلاةِ الرجلِ وقصرَ خطبتِه مَئِنَّةٌ من فِقْهِهِ فَأَطِيلُوا الصَّلاةَ واقْصُرُوا الخطبةَ، فإنَّ مِنَ البيانِ سحرًا)). ولم يُنْقَلْ عنه نَّ أَنَّه كان يُصلِّي على نفسِهِ في الخطبةِ؛ بل كان يشهدُ لنفسِه بالعبوديةِ والرِّسالة. ولكنْ رُوِيَ عنه الأمرُ بالإكثارِ من الصَّلاةِ عليه في يَوْمِ الجُمعةِ، وليلةِ الجُمعة، وأَنَّ الصَّلاةَ عليه معروضةٌ عليه(٣) . (١) (٨٦٦ / ٤١) . (٢) (٤٧/٨٦٩). (٣) الحديث الذي فيه الأمر: متنه: ((أكثروا عليّ من الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة)). وهذا الحديث روي عن عدة من الصحابة - وكلها لا تخلوا من مقال -، وأجودها حديث أوس بن أوس الذي يرويه حسين بن علي الجعفي، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث، عن أوس به مرفوعًا . أخرجه الإمام أحمد (٨/٤)، وأبو داود (١٠٤٧)، (١٥٣١)، والنسائي في ((المجتبى)) (٩١/٣ - ٩٢)، وابن ماجه (١٠٨٥)، (١٦٣٦) وغيرهم. وهو حديث منكر كما قال أبو حاتم، ثم بيّن سبب نكارته فقال: ((لا أعلم أحدًا رواه غير حسين الجعفي، وأما عبد الرحمن بن يزيد بن تميم فهو ضعيف الحديث، وعبد الرحمن ابن يزيد بن جابر ثقة)) انتهى من ((العلل)) لابنه (١ / ١٩٧). وقال المؤلف في ((شرحه على علل الترمذي)) (٨١٨/٢) على إثر هذا الحديث: ((فقالت طائفةٌ: هو حديث منكر وحسين الجعفي سمع من عبد الرحمن بن يزيد بن تميم الشامي وروى عنه أحاديث منكرة فغلط في نسبته)) انتهى. وقال المنذري في ((الترغيب)) (٢٤٩/١): ((له علة دقيقة أشار إليها البخاري وغيره)) انتهى، وانظر هذه العلة في ((التاريخ الكبير)) (٣٦٥/٥)، و((الصغير)) (١١٨/٢) قلت: وللحديث علة أخرى أشار إليها العلامة ابن القيم - وإن كان هو لا يرتضيها - في كتابه ((جلاء الأفهام)» (ص: ٣٩) فقال: ((وللحديث علة أخرى: وهي أن عبد الرحمن بن يزيد لم یذکر سماعه من أبي الأشعث)»ا. هـ. = ٢٧٠ ٢٩ - باب من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد الحديث: ٩٢٧ وقد رُوِيَ في حديثٍ مرسلٍ رَوَاه ابنُ (٣١٦/م) إسحاقَ، عن المغيرة ابنِ عثمانَ بن محمد بن الأخنس(١)، عن أبي سَلَمَة بن عبد الرحمن قال: أولُ خُطْبَة خَطَبها رسولُ اللهِ بَلّ بالمدينةِ أن قَامَ فيهم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قَالَ: ((أَمَّا بعدُ، أَيُّهَا النَّاسُ فقَدِّمُوا لأَنْفُسِكم، تَعْلِمُنَّ والله! لَيُصْعقنَّ أحدُكم ثم لَيَدَعنَّ غَنَمَه ليسَ لها راعٍ، ثم لَيَقُولنَّ له ربُّهُ ليسَ له تَرْجُمانٌ ولا حاجبٌ يَحْجِبُهُ دونَه: ألم يَأْتِكَ رسولٌ فبلغك، وآتيتُكَ مالا، وأفضلت فما قدمت لنفسك؟ فينظر يمينًا وشمالا فلا يرى شيئًا، ثم ينظر قدَّمه فلايرى غيرَجهنّم، فمن استطاعَ أن يقي وجهَه من النَّارِ ولو بشقِّ تمرةٍ فليفعل، ومن لم يفعلْ فبكلمةٍ طَيبة؛ فإنَّ بها تُجرى الحسنةُ عشرَ أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسَّلامُ على رسول الله ورحمته وبركاتُه))(٢). فالصَّلاةُ والسَّلامُ عليه في الخطبةِ يوم الجمعة حسنٌ متأكدُ الاستحباب؛ لكن لا يظهرُ أَنَّه تبطلُ الخطبة بتركه؛ بل الواجبُ الشهادتان مع الحمدِ والموعظة . = ذكر ذلك عن ابن المديني. فإذا كان هذا حال أجود طرق الحديث فناهيك عما هو دونها ولذا أعرضنا عن ذكر باقي طرقه خشية الإطالة . (١) كذا الإسناد في ((م))، والمطبوع من ((دلائل النبوة))، و((الزهد)) لهناد: ((ابن إسحاق، عن المغيرة بن عثمان بن محمد بن الأخنس)). ولم أجد من ترجم للمغيرة بن عثمان هذا، ولعل الأمر كما قال محقق ((الزهد)) أن الصواب: ((المغيرة بن عثمان، عن عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس))؛ وعثمان بن محمد هذا مترجم في ((تهذيب الكمال)) (٤٨٨/١٩). (٢) أخرجه هنّاد في ((الزهد)) (٢٧٩/١ - ٢٨٠) والبيهقي في ((الدلائل)) (٥٢٤/٢ - ٥٢٥). ٢٧١ الحديث: ٩٢٧ كتاب الجمعة وأمَّا القراءةُ، فالأكثرونَ على وجوبِها في الخطبةِ، وهو المشهورَ عن أحمدَ، وحُكِيَ عنه روايةً أنَّها مستحبةٌ غيرُ واجبة . وأكثرُ أصحابِنا على إيجابِ الصَّلاةِ على النَّبِيِّ صَلى الله وسلم ومنهم من قَالَ: الواجبُ الشهادةُ له بالرسالة والعبوديةِ . وفي وجوب ذلك كُلِّه في كلِّ واحدة من الخطبتين نظرٌ، والأشهرُ عندَ أصحابنا وجوبُه. وظاهرُ كلامِ الخرقيّ(١) أَنَّ الموعظةَ تكونُ في الخطبةِ الثّانيةِ. ولأصحابِنَا وجهٌ في القراءةِ أنَّها تجبُ في إحدى الخُطْبتينِ، والمنصوصُ عن أحمدَ ما نقلَه عنه محمدُ بنُ الحكم(٢)، وقد سألَه عن الرجلِ يخطبُ يومَ الجمعةِ، فيكبرُ ويُصلِّي على النبيِّ وَّ ويحمدُ اللهَ تكونُ خطبةً؟ وقلتُ له: إِنَّ أصحابَ ابنِ مسعودٍ يَقُولونَ: إذا كَبَّرَ وصَلَّى على النبيِّ (٣) وَلُّ وحَمْدَ اللهَ تكونُ خطبةً. قال: لا تكونُ خطبةً إلا كما خطبَ النَّبِيُّ ◌َلِّ أو خطبة تامة. وهذا يدلُّ على أنَّه لابدَّ. مع ذلك من موعظةٍ، وقد صرَّحَ به في روايةٍ حنبلٍ، فقال: كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ إِذا خَطبَ وعظَ، فأنذرَ وحذَّرَ النَّاسَ. فهذا تفسيرُ قولِه: لا تكونُ خطبةً إلا كما خَطَبَ النَّبِيُّ ◌َهِ. ءِ ومذهبُ الشَّافعيِّ وأصحابِه: لا يصح، . (٤) . (١) في (م)): ((الحرقي)) - بالحاء المهملة -، والصواب بالمعجمة كما أثبتناه. (٢) هو أبو بكر الأحول انظره في ((طبقات الحنابلة)) (٢٩٥/١). (٣) في ((م): ((إذا كبر وصل النبي ... )) والسياق يقتضي ما أثبتناه. (٤) من بعد ((لا)) سقط في النسخة ((م))، وأثبتنا لفظة ((يصح)) من التعقيبة. والساقط: بقية = ٢٧٢ ٣٥ - باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة الحديث: ٩٣٣ (٣١٧/م)(١) باهرة من آياتِ النُّبوةِ ومُعْجزاتِها . والجَوْبَةُ - بفتحِ الجيمِ -: الفجوةُ بين البيوتِ، والفجوةُ: متسعٌ في الأرضِ وغيرِها فارعٌ. وقال الخطابيُّ(٢): المرادُ بالجوبةِ الترسُ، قالَ: وفي حديثٍ آخرَ: ((فبقيت المدينةُ كالترسِ)) والمرادُ أَنَّها بقيتْ في استدارتِها غيرَ ممطورةٍ. ورَوَاه بعضُهم (الجَوْنَةُ)) بالنونِ وهو تصحيفٌ. والمرادُ أنَّ السَّحابَ انكشطَ عن المدينةِ وبَقِيَ على ما حولَها. وهذا يدلُّ على أَنَّ القائمَ إليه في الجمعةِ الثانية كانَ من أهلِ المدينةِ، وأَنَّه شكا ضررَهم(٣)؛ ولذلك لم يَدْعُ برفعِ المطرِ عن غيرِهم. وقناةُ: اسمُ وادٍ بالمدينةِ يجري عندَ السُّيُولِ(٤). والجَوْدُ - بفتح الجيم - : المطرُ العظيمُ (٥). = شرح الحديث رقم (٩٢٧) من الباب رقم (٢٩). إلى قرب نهاية شرح الحديث (٩٣٣) من الباب (٣٥). (١) من هنا يبدأ ما بعد السقط الذي كنَّا قد نبهنا إليه آخر الصفحة السابقة. (٢) في ((أعلام الحديث)) (١/ ٥٨٥). (٣) في ((م)) تشبه ((ضرمرهم))، وما أثبتناه أولى. (٤) انظر ((معجم البلدان)) (٤٥٥/٤). (٥) هذه الأسطر هي نهاية شرح المصنف للحديث رقم (٩٣٣)، وقد أشرنا إلى بداية السقط ومقداره في موضعه قبل هذه الأسطر. ٢٧٣ الحديث: ٩٣٤ كتاب الجمعة ٣٦ - بَابُ الإِنْصَاتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ وإِذَا قَالَ لصَاحبه: أَنصتْ، فَقَدْ لَغَا. وَقَالَ سَلْمَانُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّ: وَيُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ حديثُ سلمانَ خرَّجَه البخاريُّ فيما تقدَّمَ في موضعينٍ (١). ٩٣٤ - حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ بُكَيْرِ: نَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بِنَ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَِّ قالَ: إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: أَنْصِتْ - والإِمَامُ يَخْطُبُ - فَقَدْ لَغَوْتَ)). حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَُ: أنا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِِّ قَالَ: ((إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَوْتَ))(٢). هذا الحديثُ الثَّاني يوجدُ في بعضِ رواياتِ هذا الكتابِ، ولا يوجدُ في أكثرِها. الفضلُ في الجمعة وحصول التكفير بها مشروط بشروط : (١) (٨٨٣، ٩١٠). (٢) هذا الحديث أشار الحافظ ابن رجب أنه يوجد في بعض روايات ((الصحيح)) ولا يوجد فى أكثرها، ولم يُشَر إليه في ((اليونينية))، ولا أشار إليه القسطلاني، ولا المزّي في ((التحفة))، ولا الحافظ ابن حجر فى ((فتحه))، ولا العيني وهذا إن دل على شيءٍ إنما يدل على سعة اطلاع هذا الإمام، وشدة اعتنائه بـ ((الصحيح)) ورواياته ووقوفه على ما لم يقف عليه غيره - ممن لهم اعتناء بالصحيح أيضًا - طيب الله ثراه. وراجع ((التمهيد)) (٢٩/١٩ - ٣٠). ٢٧٤ ٣٦ - باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب الحديث: ٩٣٤ منها(١) : أن يدنو من الإمام، ويستمعَ وينصتَ، ولا يلغو. وقد وردَ ذلك في أحاديثَ متعددة قد ذكرنا بعضَها فيما تقدَّمَ . واللَّغوُ: هو الكلامُ (٣١٨/ م) الباطلُ المهدرُ الذي لا فائدةَ فيه، ومنه لغوُ اليمين وهو ما لا يعبأُ به ولا ينعقدُ، ومنه قولُه تعالى ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] وقوله ﴿لا يَسْمَعُونَ فيها لَغْوًا﴾ [مريم: ٦٢]. وقد جعلَ (٢) النبيَّ وَّ في هذا الحديثِ الأمرَ بالإنصاتِ في حالِ الخطبة لغوًّا، وإن كانَ أمرًا بمعروف ونهيًا عن منكر؛ فدلَّ على أن كلَّ كلامٍ يشغلُ عن الاستماعِ والإنصاتِ فهو في حكمِ اللغوِ. وإنما يُسْكِتُ المتكلمُ بالإشارة؛ وكانَ ابنُ عمرَ يشيرُ إليه، وتارةً يحصّبه بالحصى(٣). وكَرِهَ عَلقمةُ رميَه بالحصَى (٤). ولا خلافَ في جوازِ الإشارةِ إليه بينَ العلماءِ إلا ما حُكيَ عن طاوسٍ وحدَهُ(٥)؛ ولا يصحُّ؛ لأنَّ الإشارةَ في الصلاةِ جائزةٌ، ففي حالِ الخطبةِ أولَی . (١) بعد كلمة ((منها)) نسخ ناسخ النسخة المصرية ((م)) حديث أنس الآتي بعد قليل في قرابة أربعة أسطر ثم ضرب عليه . (٢) كلمة ((جعل)) أُلحقت بهامش ((م)) وكتب فوقها: ((لعله)). (٣) أخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٢٢٥/٣)، وابن المنذر في ((الأوسط)) (٦٦/٤). (٤) انظر ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٢/ ١١٧). (٥) أخرجه عبد الرزاق (٢٢٥/٢). ٢٧٥ الحديث: ٩٣٤ كتاب الجمعة وَلَهُ يخطبُ يومَ الجمعة وروَى أنسٌ أن رجلا دخلَ المسجدَ والنبيّ فقالَ: يا رسولَ الله(١)! متى الساعةُ؟ فأشارَ الناسُ إليه أن اسْكُتْ، فسألَه ثلاثَ مرات كلَّ ذِلكَ يشيرونَ إليه أن اسْكُتْ، فقالَ له رسولُ اللهِ وَلَّهِ: ((وَيْحَك ما أعددتَ لها؟))، وذكرَ الحديثَ. خرَّجْه البيهقيُّ وغيرُه(٢). ولا يستثنَى من ذلك إلا ما لابُدَّ منه مما يجوزُ قطعُ الصلاة لأجله كتحذيرِ الأعمَى من الوقوعِ في بئرٍ ونحوِهِ. فأما ردُّ السلام، وتسميتُ العاطسِ، ففيه اختلافُ سبقت الإشارةُ إليه، وكذلك حكمُ كلامِ الإمامِ ومن يكلمُه لمصلحة (٣). وأجمعَ العلماءُ على أن الأفضلَ لمن يسمعُ خطبةَ الإِمامِ أن ينصتَ ويستمعَ، وأنه أفضلُ ممن يشتغلُ عن ذلكَ بذكرِ اللهِ في نفسه أو تلاوةٍ قرآن أو دعاء. قال عبدُ الرزاق(٤)، عن ابن جريج: قلتُ لعطاء: أُسَبِّحُ في يومٍ الجمعة وأهلِّلُ وأنا أعقلُ الخطيبَ؟ قالَ: لا، إلا الشيءَ اليسيرَ واجعلْهُ / بينكَ وبينَ نفسكَ. وروَى بإسناده(٥)، عن طاوس قالَ: إذا كانَ الإمامُ على المنبرِ فلا يدع أحدٌ بشيءٍ ولا يذكرُ اللهَ إلا أنْ يذكرَ الإمامُ. (١) لفظ الجلالة نُسِي ناسخ ((م)) نسخه . (٢) في (السنن الكبرى)) (٢٢١/٣). (٣) لعل هذا الكلام سبق في الجزء الذي أشرنا إلى سقوطه من النسخ التي بين أيدينا، ونسأله سبحانه أن يُنّ به علينا . (٤) فى ((المصنف)) (٢١٢/٣). (٥) أي عبد الرزاق في ((مصنفه» - أيضاً - (٢١٤/٢). ٢٧٦ ٣٦ - باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب الحديث: ٩٣٤ وقولُ مالك كقول عطاء في (تهذيب المدونة))(١). وروى حربٌ بإسناده، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ قالَ: سألتُ علقمةَ: متى يُكْرَهُ (٣١٩/م) الكلامُ يومَ الجمعةِ؟ قَالَ: إِذَا خَرجَ الإمامُ، وإذا خطبَ الإمامُ، قلتُ: فَكَيْفَ ترى في رجلٍ يقرأُ في نفسِهِ؟ قال: لعلَّ ذلك لا يضرّه إن شاءَ اللهُ. قالَ سفيانُ: ذلك إذا لم يسمعِ الخطبةَ. ورُوِيَ عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، والنخعيِّ (٢) الرخصةُ في القراءةِ والإمامُ يخطب . ولعلَّه إذا لم يسمعِ الخطبةَ أو إذا تكلَّمَ الإمامُ بما لا يجوزُ استماعُه. وكَرِهَ الأوزاعيُّ لمن سَمِعَ الخطبةَ أن يتشهَّدَ، وقال: قَدْ جَهِلَ، ولم تذهب جمعتُه. واختلفوا في الإِمَامِ إِذا صَلَّى على النبيِّ وََّ يومَ الجُمعةِ هل يوافقُه المأمومُ؟ فقالت طائفةٌ: يُصلِّي المأمومُ على النبيِّ بََّ في نفسِهِ، وهو قولُ مالكٍ، وأبي يوسفَ، وأحمدَ، وإسحاقَ، واسْتَدِلُّوا بأن الصلاة على النبيّ وَّ خصوصًا يومَ الجمعةِ متأكدةُ الاستحبابِ، ومختلف في وجوبِها كُلَّما ذُكرَ؛ فيشرعُ الإتيانُ بها في حالِ الخُطبةِ عند ذكرِهِ؛ لأنَّ سببَها (١) راجع ((المدونة)) (١٣٩/١). (٢) أثر سعيد بن جبير: أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٤٩/٢)، وأثر إبراهيم: أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه)) (٢١٣/٣). ٢٧٧ الحديث: ٩٣٤ كتاب الجمعة موجودٌ فهو كالتَّأمينِ على دُعاءِ الإمامِ وأولى. وقال بعضُ الشَّافعيةِ: إذا قرأَ الإمامُ ﴿إِنَّ اللهَ ومَلائكتَه يُصَلُّونَ على النَّبِيِّ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٦] جازَ للمَأْمُومِ أن يُصلِّيَ على النَّبِيِّ وََِّّ، ويرفعَ بها صوتَه . وقالت طائفةٌ: بل ينصتُ، وهو قولُ سفيانَ، وأبي حنيفةً(١)، ومحمدٍ، والليثِ بنِ سعدٍ، ومالكٍ في روايةٍ، والشافعيِّ. وقالَ الأوزاعيُّ: ينبغي للإِمامِ إذا صَلَّى على النَّبِيِّ وَّهِ يوم الجمعة أن يسكتَ حَتَّى يُصلِّيَ النَّاسُ فإن لم يسكتْ وأنصت(٢) وأمّن على دُعَائه. واخْتَلَفُوا فيمن لم يسمع الخطبةَ لبعدِه: هل يذكرُ اللهَ ويقرأُ القرآنَ في نفسه أو ينصتُ؟ على قولينِ: أحدُهما: يذكرُ اللهَ في نفسِهِ ويقرأُ، وهو قولُ علقمةَ، وعطاء، وسعيدِ بنِ جبيرٍ، والنَّخعيِّ، والشَّافعيِّ، والثَّوريِّ، وأحمدَ، (٣) وإسحاقَ(٣). وقولهم هذا شبهُ قولِ الأكثرينَ في قراءةِ المأمومِ إذا لم يسمعْ قراءتَه . والثاني: أنَّه ينصتُ، ولا يتكلَّمُ بشيءٍ، وهو قولُ الزُّهريِّ، والأوزاعيِّ، ومالك، وأبي حنيفةَ، واستدلُّوا بقول عثمانَ أَنَّ للمنصت (١) انظر اختلاف أهل العلم في هذه المسألة عند ابن المنذر في ((الأوسط)) (٨١/٤). (٢) كذا في ((م))، ولعل الصواب: «فأنصت)). (٣) انظر ((الأوسط)) لابن المنذر (٧١/٤). ٢٧٨ ٣٦ - باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب الحديث: ٩٣٤ الذي لا يسمعُ مثلَ ما للسَّامِعِ المنصتِ. خرَّجه مالكٌّ في ((الموطا)(١). وقالت طائفةٌ: من لا يَسْمعُ لا إنصاتَ عليه؛ بل يُبَاحُ له الكلامُ، وهو قولُ عروةَ بنِ الزَّبِيرِ (٢)، وطائفة من أصحابِ الشافعيِّ، وأوماً إليه أحمدُ؛ فإنَّه قَالَ: (٣٢٠/م) يَشْرِبُ الماءَ إذا لم يسمعِ الخطبةَ(٣)، واخْتَارَه القاضي أبو يعلى من أصحابِنَا . وقال ابنُ عقيلٍ منهم: له أن يُقْرِىءَ القرآنَ ويذاكرَ بالعلمِ، وهو بعيدٌ؛ فَإِنَّ رفعَ الصَّتِ رُبما منعَ مَن أقربَ منه إلى الإمامِ ممن يسمعُ من السَّماعِ بخلافِ الذِّكرِ في نفسِهِ والقراءةِ. واختلفوا هل إنصاتُ من سَمِعَ الخطبةَ واجبٌ، وكلامُه في تلك الحال محرمٌ أو هو مكروهٌ فقط فلا يأثمُ بهِ؟ على قولينِ: أحدُهما: أَنَّه محرمٌ، وهو قولُ الأكثرينَ، منهم: الأوزاعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه، ومالكٌ، والشَّافعيُّ في القديمِ (٤)، وأحمدُ في المشهورِ عنه، والمنقولُ عن أكثرِ السلفِ يشهدُ له(٥) . وقَالَ عطاءٌ، ومجاهدٌ: الإنصاتُ يوم الجمعةِ واجب. وقد أمرَ ابنُ مسعودٍ بقرعٍ رأسِ المتكلمِ بالعِصِيِّ (٦). وكان ابنُ عمرَ يحصبُه بالحصباءِ (٧)، ورُوِيَ عنه أَنَّه قالَ: الْمُتْكلِّمُ لا (٢) انظر (مصنف ابن أبى شيبة)) (١٢٦/٢). (١) (ص: ٨٥ - ٨٦). (٣) الذي فى ((مسائل ابن هانىء)) (١/ ٩٠): ((قلت له: فترى أن يشرب ماء والإمام يخطب؟ قال: لا يشرب ماءً)) انتهى. وراجع ((الأوسط)) لابن المنذر (٧٣/٤ - ٧٤). (٤) مالك في ((المدونة الكبرى)) (١٣٩/١)، والشافعي في ((معرفة السنن والآثار) للبيهقى (٣٨٥/٤). (٥) انظر ((المغنى)) (١٩٤/٣). (٧) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (١١٧/٢). (٦) انظر («الأوسط)) لابن المنذر (٦٦/٤). ٢٧٩ الحديث: ٩٣٤ كتاب الجمعة جمعةَ له، ولمن أجابَه: أنتَ حمارٌ (١). وقال ابنُ مسعودٍ، وغيرُهُ لمن تكلَّمَ في جمعتِه. هذا حَظُّكَ من صلاتك. ويدلُّ على تحريمه: قولُ اللهِ تعالى ﴿وإذا قُرِىءَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأَنصتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وقد تقدم قولُ الإمام أحمدَ: أَجْمَعُوا أَنَّها نزلتْ في الصَّلاةِ والخُطْبة(٢). ولأنَّ الخطبةَ وجبتْ في الجمعةِ تذكيرًا للنَّاسِ، وموعظةً لهم، فإذا لم يجبِ استماعُها لم تبقَ فائدةٌ في وجوبِها في نفسِهَا، فَإِنَّ إيجابَ المتكلمِ بما لا يجبُ استماعُهُ يصيرُ لغواً لا فائدةَ له. وفي ((مسند الإمامِ أحمدَ))(٣) من حديث مجالد، عن الشَّعبيِّ، عن ابنِ عبَّاسٍ، عن النَّبِيِّ بَّهَ قال: ((من تَكلَّمَ يومَ الجمعةِ والإمامُ يخطبُ فهو كمثلِ الحمارِ يحملُ أسفارًا، والَّذي يقولُ له: أَنْصتْ لا جمعةَ له)). وإِنَّمَا شَبَّههُ بالحمارِ يحملُ أسفارًا لأنَّ الحمارَ لا يَنتفعُ من حَمْلِهِ الأسفارَ بشيءٍ، فكذلك من لم يستمعِ الإمامَ يومَ الجُمعةِ. وهذا المثلّ ضَرَبَه الله لليهودِ الذين لم يَنْتفعوا بشيءٍ من علمِهِم وليسَ لنا مثلُ السوء، ولا التَّشبهُ بمن ذَمَّه اللهُ من أهل الكتاب قبلَنا فيما ذُمّوا عليه . وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ(٤) من حديثِ عليٍّ، عن النَّبِيِّوَله (١) المصدر السابق (١٢٥/٢). (٢) نقل هذا الإجماع عنه أبو داود في ((مسائله)) (ص: ٣١). (٣) (١/ ٢٣٠)، وانظر ((العلل المتناهية)) (٤٦٣/١). (٤) ((المسند)) (٩٣/١)، وأبو داود (١٠٥١). ٢٨٠