Indexed OCR Text
Pages 61-80
١ - باب فرض الجمعة وفي ((صَحيحِ مُسلمٍ))(١)، عن ابنِ مَسْعودٍ أَنَّ النَّبِيَّ بَّرِ هِمَّ أن يحرقَ على من يتخلّفُ عن الجُمعةِ بيوتَهم - وقد سبقَ ذكره. وخَرَّجَ أبو داودً(٢) بإسنادٍ صَحيحٍ عن طَارِق بن شِهَابٍ، عن النَّبِيِّ وَه قال: ((الجُمعةُ حقٌّ واجبٌ في جماعة إلا أربعة: عبدٌ مملوكٌ، أو امرأةٌ، أو صبيٌّ، أو مريضٌ)). قال أبو داودَ: طارقُ بنُ شهاب رأى النَّبيَّ اللۋ، ولم يسمع منه شيئًا. قال البيهقي(٣) وقد وصلَه بعضُهم (٢١٩/ م) عن طارقٍ، عن أبي موسى الأشعريِّ، عن النَّبِيِّ وَّةِ، وليسَ وصلُه بمحفوظ. وخَرَّجَ النَّسائيُّ من حديثِ حفصةَ، عن النَّبِيِّ نَّ قال: ((رَوَاحُ الجمعةِ واجبٌ على كُلِّ محتلمٍ)(٤). وخرَّجَ ابنُ ماجه(٥) من حديث جابرِ بنِ عبدِ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َةُ خَطَبهم، فقال في خُطْبتِهِ: ((إِنَّ اللهَ فرضَ عليكم الجُمعةَ في مَقَامي هذا، في يَوْمي هذا، في شَهْري هذا، من عَامِي هذا إلى يومِ القيامةِ، فمن تَركَهَا في حَيَاتِي أو بَعْدِي، وله إمامٌ عادلٌ أو جائرٌ اسْتخفافًا بها - أو نحو (١) (٦٥٢). (٢) (١٠٦٧). (٣) (٣ / ١٧٢ - ١٧٣). (٤) ((المجتبى)) (٣ /٨٩)، وقال الحافظ الدارقطني في ((العلل)) (٥ ب / ق ٥٢ - ب): (يرويه بكير بن الأشج واختلف عنه: فرواه عياش بن عباس القتباني، عن بكير، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة، وخالفه مخرمة بن بكير، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي وعَله وهو المحفوظ)) انتهى. وسيأتي تحت الحديث (٨٧٩). (٥) (١٠٨١)، وانظر ((العلل)) للحافظ الدارقطني (٤ / ق ٨٣ - أ، ب) و((الأفراد)) له - أيضا - (١٥٧٢ - أطرافه / بتحقيقنا). ٦١ كتاب الجمعة ذلك - فلا جَمَع اللهُ شملَه، ولا بَاركَ له في أمرِه، ألا! ولا صَلاةَ له، ولا زَكَاةَ له، ولا حجَّ له، ولا صَوْمَ له، ولا بركةَ حَتَّى يتوبَ (١)، فمن تَابَ تَابَ اللهُ عليه)) . وفي إِسْنَادِهِ ضعفٌ، واضطرابٌ، واختلافٌ قد أشرنا إلى بعضه فيما تقدّمَ في أبوابِ ((الإمامة))(٢). وفيه دليلٌ على أَنَّ الجمعةَ إنَّما فُرضتْ بالمدينة، لأَنَّ جابرًا إنَّما صحبَ النَّبِيَّ وَِّ، وشَهِدَ خطبتَه بالمدينةِ، وهذا قولُ جمهورِ العُلماءِ. ويدلُّ عليه - أيضًا - أَنَّ سورةَ الجُمعةِ مدنيةٌ، وأَنَّه لم يَثْبتْ أَنَّ النَّبِيَّ وَّ كان يُصَلِّي الجمعةَ بمكَّةَ قبلَ هجرتِهِ . ونصَّ الإمامُ أحمدُ على أَنَّ أولَ جمعةٍ جمعتْ في الإسلامِ هي التي 93 جمعتْ بالمَدينةِ معَ مُصعبِ بنِ عُميرٍ (٣)، وكَذَا قال عَطَاءٌ، والأوزاعى وغيرُهما. وزَعمَ طائفةٌ من الفقهاءِ أَنَّ الجمعةَ فُرِضَتْ بِمَّةَ قبلَ الهجرةِ، وأَنَّ النَّبِىَّ ◌َِّ كَانَ يُصلِّيها بمكَّةَ قبلَ أن يهاجروا، واستدلَّ لذلك بما خرَّجَه النَّسائيُّ في كتابِ (الجمعة)) (٤) من حديثِ المعافى بن عِمْرانَ، عن إبراهيمَ ابنِ طَهْمَانَ، عن محمدِ بنِ زياد، عن أبي هريرةَ قال: إنَّ أولَ جُمعة جُمِّعَتْ بعدَ جمعةٍ مَعَ رسولِ اللهِ نَّهِ بِمَكَّةَ بِجُواثا بالبَحْرِينِ، قرية لعبدٍ (١) في ((م): ((يبوبب)) عار عن الإعجام كذا. (٢) في نهاية شرحه على الحديث (٦٥٦). (٣) انظر ((المسائل)) لعبد الله (ص: ١٢٠)، وابن هانىء (١ / ٨٨). (٤) في ((الكبرى)) (١ / ٥١٥). ٦٢ ١ - باب فرض الجمعة القَيس . وقد خَرَّجه البخاريّ - كما سيأتي في موضعِه (١) - من طريق أبي عامرِ العقديِّ، عن إبراهيمَ بنِ طَهْمَانَ، عن أبي جَمْرةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ: إن أولَ جُمعةٍ جُمِّعتْ بعدَ جمعةٍ في مسجدِ رَسُولِ اللهِ مَّ في مسجدِ عبدِ القَيسِ بجُواثى من البحرينِ . وكذا (٢٢٠ / م) رواه وكيعٌ، عن إبراهيم بن طهمان، ولفظه: إنّ أولَ جمعة جُمِّعَتْ في الإسلامِ بعد جمعةِ جُمَّعَتْ في مسجد رسول الله وَله بالمدينة لجمعةٌ جُمِّعَتْ بجُواثا قرية من قرى البحرين. خرّجَه أبو داود (٢). وكذا رواه ابنُ المبارك، وغيرُهُ، عن إبراهيمَ بن طَهْمَان . فتبيَّنَ بذلك أَنَّ المعافى وهم فى إسنادِ الحديثِ ومتنه، والصَّوابُ: روايةُ الجماعةِ عن إبراهيمَ بنِ طهمانَ، ومعنى الحديث: أن أولَ مسجد جُمِّعَ فيه بعد مسجد المدينةِ مسجدُ جُواثا، وليس معناه أنَّ الجمعةَ التي جُمِّعَتْ بجُواثا كانتْ في الجمعةِ الثَّانيةِ من الجمعةِ التي جُمِّعَتْ بالمدينةِ كما قد يُفهمُ من بعضِ ألفاظِ الرواياتِ؛ فإنَّ عبدَ القيسِ إنما وفدَ على رسولِ اللهِ وَلّ عامَ الفتحِ كما ذكره ابنُ سعدِ (٣)، عن عروةَ بنِ الزّبيرِ، ءِ وغيرِه، وليس المرادُ به - أيضًا - أَنَّ أولَ جمعةٍ جُمِّعَتْ في الإسلامِ في مسجد المدينة؛ فإنَّ أولَ جُمعة جُمِّعَتْ بالمدينة في نقيع الخَضِمَاتِ (٤) قبلَ (٢) (١٠٦٨). (١) (٨٩٢). (٣) في ((طبقاته)) (١ / ٣١٤). (٤) موضع حماه عمر لخيل المسلمين، وهو من أودية الحجاز. ((معجم البلدان)) (٥ /٣٤٨). ٦٣ كتاب الجمعة أن يقدمَ النبيّ وَّ المدينةَ، وقبل أن يبني مسجده، يدلُّ على ذلك حديثُ كعبِ بنِ مالكِ أَنَّه كان كلما سمعَ أذانَ الجمعةِ استغفرَ لأسعدَ بنِ زرارةَ، فسأله ابنُه عن ذلك؟ فقال: كان أولَ من صَلَّى بنا صلاةَ الجمعةِ قبل مقدمِ رسول اللهِ وَجَلّ من مكةَ في نقيعِ الخَضِمَاتِ في هَزْمِ النّبِيت من حرة بني بياضةٌ(١). قيل له :: كَمْ كُنْتُم يومئذٍ؟ قال: أَرْبعينَ رجلا. خَرَّجَه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجه(٢) مطولا . وروى أبو إسحاقَ الفزاريّ في كتابِ ((السيرِ)) له عن الأوزاعيِّ، عمَّنْ حدثَه قالَ: بعثَ رسولُ اللهِ بَّهِ مصعبَ بنَ عُمِيرِ القرشيَّ إلى المدينةِ قبل أن يهاجرَ النَّبِيُّ ◌َُّ، فقال: ((اجْمَعْ من بها من المسلمين، ثم انظرْ اليومَ الذي تجمرُ (٣) فيه اليهودُ لسبتهَا، فإذا مالَ النهارَ عن شطرِهِ، فقم فيهم، ثم تَزَلَّقُوا إلى اللهِ بركعتينٍ)). قال: وقال الزُّهريُّ: فجمعَ بهم مصعبُ بنُ عُميرٍ في دارٍ من دورِ الأنصار، فجمعَ بهم وهم بضعة عشرَ. قال الأوزاعيّ: وهو أولُ من جمعَ بِالنَّاسِ . (١) في هامش الأصل كُتبتْ حاشية وإليك نصها: «هزم النبيت: بفتح الهاء وزاي، موضع بالمدينة، والنبيت: بفتح النون وكسر الباء، وياء وتاء، وحرة بني بياضة: قرية من المدينة على ميل، وبنو بياضة بطن من الأنصار، ونقيع الخضمات بالنون: من أودية الحجاز يدفع سيله إلى المدينة)) انتهت الحاشية. وانظر ((معجم البلدان)) (٥ / ٤٦٥ - ٤٦٦). (٢) أبو داود (١٠٦٩)، وابن ماجه (١٠٨٢)، والحديث لم نجده في ((المسند)) بعد بحث، ولا في ((أطرافه)) والله المستعان . (٣) في ((م)) مهملة النقط ورسمها قريب مما أثبتناه، والتجمير هو التجميع، انظر مادة ((جمر)) من ((النهاية)) لابن الأثير .. ٦٤ ١ - باب فرض الجمعة وقد (٢٢١ / م) خرَّجَ الدار قطنيُّ - أظنُّه في ((أفرادِه)) - من روايةٍ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ غالبِ الباهليِّ: نا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ أبو زيد المدنيُّ: نا المغيرةُ بنُ عبد الرحمن: نا مالكٌ، عن الزُّهريِّ، عن عُبيدالله بنِ عبدالله، عن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَذَنَ رسولُ اللهِ وَّهِ بالجُمعةِ قبلَ أن يهاجرَ، ولم يَسْطِعْ رسولُ اللهِ وَِّ أن يجمعَ بمكةً ولا يبينَ لهم، وكتبَ إلى مصعبِ ابنِ عُميرِ: ((أَمَّا بعدُ، فانْظُرِ اليومَ الذي تجمرُ فيه اليهودُ لسبتهم، فاجْمَعُوا نسَاءَكُم وأَبْنَاءَكم، فإذا مالَ النَّهارُ عن شطرِه عند الزّوالِ من يومِ الجمعةِ، فَتَقَرَّبُوا إلى الله بركعتين)) . قال: فهو أولُ من جمعَ - مصعب بن عمير - حَتَّى قدمَ رسولُ الله وَُّ المدينةَ، فجمعَ عند الزَّوالِ من الظُّهرِ، وأظهرَ ذلك. وهذا إسنادٌ موضوعٌ، والباهليُّ هو غلامُ خليلٍ: كذابٌ مشهورٌ ءُ بالكذب؛ وإنَّما هذا من أصلِه من مراسيلِ الزّهريِّ، وفي هذا السِّيّاقِ ألفاظٌ منكرةٌ. وخرَّجَ البيهقيُّ(١) من روايةٍ يونسَ، عن الزُّهريِّ قال: بَلَغَنَا أَنَّ أولَ ما جُمِّعت الجُمعةُ بالمدينة قبل أن يَقدمَها رسولُ اللهِ وَلَه، فجمَّعَ بالمسلمينَ مصعبُ بنُ عُميرٍ. وروى عبدُ الرزاقِ في ((كتابِه))(٢)، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ قال: بعثَ رسولُ اللهِ وََّ مصعَب بن عُميرٍ إلى أهلِ المدينةِ ليُقْرأَهم القرآنَ، فاسْتَأذنَ رسولَ الله وَِّ أن يُجمِّعَ بهم، فَأَذِنَ له رسولُ اللهِ وَه وليسَ (١) في ((سننه الكبرى)) (١٩٦/٣). (٢) ((المصنف)) (٣ / ١٦٠). ٦٥ كتاب الجمعة يومئذٍ بأميرٍ، ولكنَّه انطلقَ يعلمُ أهلَ المدينةِ . وذكرَ عبدُ الرزاقِ (١)، عن ابنِ جُريجٍ قَالَ: قَلتُ لعطاءِ: من أولُ من جمعَ؟ قَالَ: رَجُلٌ من بني عبدِ الدارِ زعموا، قلتُ: أفبأمرِ النَّبِيِّ وَ؟ قال: فَمَہ؟! وخرَّجَه الأثرمُ من روايةِ ابنِ عُيينةَ، عن ابنِ جُرِيجٍ، وعنده: قال: نعم فمن؟ قال ابنُ عيينةَ: سمعتُ من يقولُ: هو مصعبُ بنُ عُميرٍ . ولذلك نصَّ الإمامُ أحمدُ فى رواية أبي طالبٍ على أَنَّ النَّبِيَّ نَِّ هو أَمَرَ مصعبَ بنَ عُميرٍ أَنْ يجمعَ بهم بالمدينةِ، ونَصَّ أحمدُ - أيضًا - على أَنَّ أولَ جمعةٍ جُمِّعَتْ في الإسلامِ هي الجمعةُ التي (٢٢٢/م) جُمِّعَتْ و بالَمَدينةِ مَعَ مصعبِ بنِ عَميرٍ . وقَدْ تقدَّمَ مثلُه عن عطاءِ، والأوزاعيِّ، فتبيَّنَ بهذا أَنَّ النَّبِيِّ ◌َِّ أمرَ بإقامة الجُمعة بالمدينة، ولم يُقُمْهَا بمكَّةَ، وهذا يدلُّ على أنَّه كانَ قد فرضتْ عليه الجمعةُ بمكَّةً. ءِ وممَّنْ قَالَ: إِنَّ الجمعةَ فُرِضَتْ بمكَّةَ قبلَ الهجرة : أبو حامد الإسفرايينى من الشَّافعيةِ، والقاضي أبو يعلى في ((خِلافِه الكبيرِ)) من أصحابنا، وابنُ عَقِيلٍ في ((عمد (٢) الأدلة))، وكذلك ذكرَه طائفةٌ من المالكيةِ منهم السهيليُّ، وغيرُهُ. وأما كونُه لم يفعله بمكةً، فيحملُ أَنَّه إنما أمر بها أَنْ يقيمها في دَارِ (١) ((المصنف)) (١٦٠/٣). (٢) كذا هنا، ومثله (ص ١٧٧)، وفي ((ذيل طبقات الحنابلة)) للمصنف (١٥٦/١): ((عمدة)). ٦٦ ١ - باب فرض الجمعة الهجرةِ لا في دَارِ الحرب، وكانت مكةُ إذ ذاكَ دَارَ حربٍ، ولم يكنِ الْمُسْلِمونَ يَتمكّنُونَ فيها من إظهارِ دِينهم، وكانوا خَائِفِينَ على أنفسِهم، ولذلك هَاجروا منها إلى المدينةِ . والجُمعةُ تَسْقِطُ بأعذار كثيرة، منها: الخوفُ على النَّفس والمال، وقد أشارَ بعضُ المتأخرينَ من الشَّافعيةِ إلى معنَّى آخرَ في الامتناعِ من إقامتها بمكَّةَ، وهو أَنَّ الجمعةَ إنما يُقْصدُ بإقامتها إظهارُ شعارِ الإسلامِ، وهذا إنَّما يُتمكَّنُ منه في دَارِ الإسلامِ، ولهذا لا تُقَامُ الجمعةُ فى السِّجنِ، وإن كان فيه أربعون، ولا يُعْلَمُ في ذلك خلافٌ بينَ العُلماءِ، ومِمَّنْ قَالَه: الحسنُ، وابنُ سِيرينَ، والنَّخعيُّ، والثَّورِيُّ، ومالكٌ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وغیرُهم(١). وعلى قِيَاسِ هذا لو كان الأسارى في بلد المُشْرِكِينَ مجتمعين في مَكَانٍ واحدٍ، فَإِنَّهم لا يُصلُّونَ فيه جمعةً كالَسْجونينَ في دارِ الإسلامِ وأولى، لاسيما وأبو حنيفةَ، وأصحابُهُ يَرونَ أَنَّ الإقامةَ في دَارِ الحربِ وإِنْ طَالَتْ حُكُمُها حكمُ السفر، فتقصرُ فيها الصَّلاةُ أبدًا، ولو أَقَامَ المسلمُ باختيارِه، فكيفَ إذا كَانَ أَسيرًا، مقهورًا؟ وهذا على قَوْل من يرى اشْتَراطَ إذنِ الإمامِ لإقامة الجمعة أظهرُ، فأَمَّا على قول من لا يشترطُ إذنَ الإمامِ، فقد قَالَ الإمامُ أحمدُ في الأُمراءِ إذا أَخَّرُوا الصَّلاةَ يومَ الجمعةِ، فَيُصَلِيِها الوقتها، ويُصَلِّيها مع الإمامِ فحَمَلَه القاضي أبو يعلى في ((خلافِه)) على أَنَّهم يُصَلُّونَها جمعةً لوقتِهَا . وهذا بعيدٌ جدّاً، وإنَّما مرادُه: أنَّهم يُصلُّونَ الظهرَ لوقتها، ثم (١) انظر (مصنف ابن أبي شيبة)) (١٦٠/٢)، و((مسائل عبد الله)) (ص: ١٢٢). ٦٧ كتاب الجمعة يشهدونَ الجمعةَ معَ الأمراء (٢٢٣/م) وكذلك كان السَّلْفُ الصَّالح يفعلونَ عند تأخيرٍ بَنِي أُمَّةَ للجمعةِ عن وقتِهَا، ومنهم من كانَ يُومىءُ بالصَّلاة، وهو جالسٌ في المسجدِ قبلَ خروجِ الوقتِ، ولم يكن أَحدٌ منهم يُصَلِّي الجمعةَ لوقتها، وفي ذلك مفاسدٌ كثيرةٌ تَسْقُطُ الجمعةُ بخَشْيةِ بَعْضها . وفي ((تهذيبِ المدونة))(١) للمَالكيةِ: وإذا أتى من تَأْخير الأئمَّة ما يُسْتَنْكَرُ جَمَّعَ النَّاسُ لأَنْفسهمٍ إن قدروا، وإلا صَلَّوا ظهرًا، وتَنَفَّلوا بصلاتهم معهم. قَالَ: ومن لا تجبُ عليه الجمعةُ مثلُ: المرضى، والمسافرين، وأهلِ السجنِ فجائزٌ أَنْ يُجمِّعوا. وأرادَ بالتَّجميع هنا: صلاةَ الظُّهر جماعةً لا صلاةَ الجمعة؛ فَإِنَّه قَالَ قَبْلَه: وإذا فَاتتِ الجمعةُ من تجبُ عليهم، فلا يجمعوا. والفرقُ بينَ صَلاة الظُّهرِ جماعةً يومَ الجمعة ممن تجبُ عليه وممَّنْ لا تجبُ عليه: أَنَّ من تجبُ عليه يتهمُ في تركها بخلافٍ من لا تجبُ عليه فإن عذره ظاهرٌ. وقد رُويَ عن ابن سيرينَ أَنَّ تجميعَ الأنصارِ بالمدينةِ إنَّما كَانَ عن رأيهم من غيرِ أمرِ النَّبِيِّ بَ بِالكُلِيةِ، وأَنَّ ذلك كَانَ قبلَ فرضِ الجُمعةِ . قال عبدُ الله ابنُ الإمامِ أحمدَ في ((مسائله))(٢): نا(٣) أبي: نا إسماعيلُ - هو ابن عُلِيَّةَ -: نا أيوبُ، عن محمدِ بنِ سيرينَ قال: نُّبِّئْتُ أَنَّ الأنصارَ (١) انظر ((المدونة)) (١٤٦/١). (٢) لم نهتد إليه في المطبوع من ((المسائل)) بعد بحث. (٣) في ((م)) بالمثلثة . ٦٨ ١ - باب فرض الجمعة قبلَ قُدُومِ رسولِ اللهِ فِيَّله عليهم المدينةَ قَالُوا: لو نظرنا يومًا، فَاجْتَمعنا فيه، فذكرنا هذا الأمرَ الذي أَنْعمَ اللهُ علينا به، فَقَالُوا: يومَ السَّبتِ، ثم قالوا: لا نُجَامعُ اليهودَ في يومِهِم، قالوا: يومَ الأحدِ، قالوا: لا نُجامعُ النَّصارى في يومِهِم، قالوا: فيوم العَرُوبةِ - قال: وكَانُوا يُسَمُّونَ يومَ الجمعة يَوْمَ العَرُوبةِ -، فَاجْتَمعُوا في بيتِ أبي أُمَامةَ أسعدَ بنِ زرارةَ فَذُبِحَتْ لهم شاةٌ فَكَفَتْهم. وروى عبدُ الرزاقِ في ((كتابِه))(١)، عن مَعْمَرٍ، عن أيوبَ، عن ابنِ سِيرِينَ قَالَ: جمَّعَ أهلُ المدينةِ قبلَ أن يقدمَ رسولُ اللهِ وَّهِ وقبلَ أن تنزلَ الجمعةُ، وهم الذينَ سمَوهًا الجمعةَ؛ فَقَالتِ الأنصارُ: لليَهُودِ يومٌ يَجْتُمعونَ فيه كلَّ ستّة أيامٍ، وللنَّصَارى - أيضًا - مثلُ ذلك، فَهلمَّ فَلْنجعلْ يومًا نجتمعُ فيه، ونذكرُ اللهَ عزَّ وجلَّ، ونُصلِّي ونشكرُهُ، أو كَمَا قالوا؛ فقالوا: يومَ السَّبتِ لليهودِ، ويومَ الأحد للنَّصارى، فاجْعَلُوا يومَ العَرُوبة - وكانوا يُسَمّون يومَ الجمعةِ يومَ العَرُوبةِ - فاجْتَمعوا (٢٢٤/ م) إلى أسعدَ ابنِ زرارةَ، فصلَّى بهم، وذكرهم، فسَمَّوه يومَ الجمعةِ حينَ اجتمعوا إليه، فذبحَ أسعدُ بنُ زرارةَ لهم شاةً، فتغدوا، وتَعشَّوا من شاةٍ واحدةٍ ليلتَهم، فأنزلَ اللهُ بعدَ ذلك ﴿إذا نُودِيَ الصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ الله﴾ [الجمعة: ٩] فوقعَ في كَلامِ الإمامِ أحمدَ أَنَّ هذه هي الجمعةُ التي جَمَّعها مصعبُ بنُ عُميرٍ، وهي التي ذكرها كعبُ بنُ مالكٍ في حديثه أَنَّهم كانوا أَرْبعينَ رجلا . وفي هذا نظرٌ، ويحتملُ أن يكونَ هَذَا الاجتماعُ من الأَنْصَارِ كَانَ باجتهادِهم قبلَ قُدومِ مُصْعب إليهم، ثم لمَّا قدمَ مصعبٌ عليهم جمع بهم ء (١) ((المصنف)) (١٥٩/٣ - ١٦٠). ٦٩ الحديث: ٨٧٦ كتاب الجمعة بأمرِ النَّبِيِّ وَّةِ، وكَانَ الإِسلامُ حينئذ قد ظَهَرَ، وفَشَا، وكان يمكنُ إقامةُ ے شعارِ الإسلامِ في المدينةِ، وأَمَّ اجتماعُ الأنصارِ قبلَ ذلك فكانَ في بيتٍ أسعدَ بنِ زرارةَ قبلَ ظهورِ الإسلامِ بالمدينةِ وفُشُوَّهِ، وكان باجتهاد منهم لا بأمرِ النَّبِيِّ ◌َّةِ، واللهُ سبحانَه وتعالى أعلمُ. قَالَ الْبُخَارِيَّ رَحِمَهُ اللهُ: ٨٧٦ - نَا أَبُو الْيَمَانِ: أَنَا شُعَيْبٌ: نَا أَبُو الزَّادِ، أَنَّ عَبْدَ الرحمنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرِجَ مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ حَدَثَهُ أَنَّه سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةٍ(١)، أَنَّه سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ◌َّ يقولُ: ((تَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبِّنَ، ثُمَّ هَذَا يُؤْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَنَا اللهُ له(٢)، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌّ: الْيَهُودُ غدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدَ)). قولُهُ: ((نحنُ الآخِرُونَ) يعني في الزَّمانِ؛ فَإِنَّهَ بِّهِ خَاتَمُ النَّبِينَ وأُمَّتُهُ آخرُ الأُممِ. وقولُه: ((السَّابقونَ)) يعني في الفضلِ والكَرامة على الله، قال الله تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وفي حديثِ بَهْزِ بنِ حكيمٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن النَّبِيِّ وَّهِ: ((أَنْتُم مُوفّونَ (٢٢٥/ م) سبعينَ أمةً أَنْتم خَيْرُها وأَكْرِمُها على الله عزَّ وجلَّ) (٣). (١) زاد في ((اليونينية)): ((رضي الله عنه)). (٢) لفظة (له)) ليست في ((اليونينية)) وهي في ((م)) والقسطلاني ولم يُشِرْ إلى عدم وجودها في إحدى نسخ الصحيح . (٣) أخرجه أحمد (٤٤٧/٤)، و(٣/٥، ٥)، والترمذي (٣٠٠١)، وغيرهما. ٧٠ ١ - باب فرض الجمعة الحديث: ٨٧٦ وفي روايةِ أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبِيِّ وَّ لهذا الحديث: («نَحْنُ الآخِرونَ من أهلِ الدُّنيا، الأولونَ يومَ القِيَامَةِ، الَقْضيُّ لهم قبَلَ الخَلائق)) . خَرَّجه مسلمٌ (١)، وخرَّجه من حديث حذيفةَ بمثله(٢). وخرج من حديث أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبِيِّ بَّر في هذا الحديث زيادةَ: ((ونَحنُ أول من يدخلُ الجِنَّةَ))(٣). وهذا كلُّه - أيضًا - من سَبْقِهِم؛ فَإِنَّهم أولُ من يُحَاسبُ يومَ القيامةِ، ومن يجوزُ على الصِّراطِ، ومن يدخلُ الجنَّةَ. وقوله: (بَيْدَ)) هو اسمٌ ملازمٌ للإضافة إلى ((أنَّ) وصلَتِهَا، ومعناه: هَاهنا غيرُ، ولا يُسْتَثْنِى به في الاتصالِ؛ بَلْ في الانْقطاعِ، والمعنى: لكن أهلُ الكِتَابِ أُوتُوا الكِتَابَ من قَبْلِنا، وأُوتِينَا نحنُ الكِتَابَ من بعدهم؛ فلهم السّبقُ في الزّمانِ بهذا الاعتبارِ في الدنيا، لا في الفضلِ، ولا في الآخرةِ . ونَقلَ الرَّبِيعُ، عن الشَّافِعِيِّ أَنَّ قَالَ في («بيد أنهم)): من أجلِ أَنَّهم، فجعلَه تعليلا . وقوله: ((ثم هَذَا يومُهم الَّذي فُرِضَ عليهم، فاخْتَلِفُوا فيه))، (ثم)) هاهنا لترتيب الإخبارِ، ويحتملُ أنه لترتيب المخبرِ به، والمرادُ: أَنَّهم أُوتُوا الكتَابَ، ثم فُرِضَ عليهم هذا اليومُ - والإشارةُ إلى يومِ الجمعةِ - فاختلفوا (١) فى ((صحيحه)) (٨٥٦). (٣) (٢٠/٨٥٥). (٢) (٢٣/٨٥٦). ٧١ الحديث: ٨٧٦ كتاب الجمعة فيه، فهدانا اللهُ لما اخْتَلَفُوا فيه من الحقِّ بإذنه، فالنَّاسُ لنا فيه تبعٌ، وهذا - أيضًا - ممَّا حَازتْ بِهِ الأُمَّةُ السَّبْقَ مع تَأْخُّرِ زَمَانِهِم؛ فَإِنَّ اليهودَ، والنَّصارى لَّا فُرِضَ عليهم تعظيمُ الجمعةِ والعبادةُ فيه لله، واتخاذُه عيدًا للاجتماعِ فيه لذكرِ اللهِ فيه ضَلُّوا عنه، فاخْتَارِت اليهودُ السَّبتَ؛ لأنَّه يومٌ فرغ فيه الخلق، واختَارت(١) النَّصارى الأَحدَ؛ لأَنَّه يومٌ بدىء فيه الخلق، فَهَدَنَا اللهُ للجُمعة، فَصَارَ عيدُنا أسبقَ من عيدهِم، وصَارُوا لنا في عيدِنا تبعًا، فمنهم مَنْ عِيدُه الغد من يومِ الجمعةِ، ومنهم من عيدُه بعدَ غدٍ . وإنَّما ضَلَّتِ الطَّائفتان قَبْلَنا لتَقْدِيمِهم رأيهم على ما جَاءتْ به رُسلُهم، وأنبياؤُهم، واهْتَدَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ باتِّبَاعِهم (٢٢٦/ م) ما جَاءَهم به رسلُهم عن ربّهم من غيرِ تَغْيِيرٍ له، ولا تَبْدِيلٍ . وفي الحديث: دليلٌ على أَنَّ الجُمعةَ فرضٌ من الله واجبٌ علينا كما كَانَ على من قبلنا؛ فإنَّ اللهَ فرضَ عليهم تعظيمَ يوم الجمعة، واتِّخاذَه عيدًاً ومجمعًا لذكرِ اللهِ وعِبَادِه، فَبَدَّلُوه بغيرِه من الأيامِ، وهدانا اللهُ له؛ فدلَّ ذلك على أنَّه مفروضُ علينا تعظيمُهُ، واتَّخادُه عيدًا لذكرِ اللهِ، والاجتماعُ فيه لعبادته، وهذا من أدلِّ دليل على أَنَّ شهودَ الجمعةِ فرضٌ على هذهِ الأُمَّةِ . (١) في ((م)): ((واختيارت)). ٧١ الحديث: ٨٧٧ ٢ - بَابُ فَضْلِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهَلْ عَلَى الصَّبِيِّ شُهُودُ يَوْمٍ الجُمُعَةِ، أَوْ عَلَى النِّسَاءِ؟ فيه ثَلاثةُ أحاديث: الحديث الأول : ٨٧٧ - نَا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ: أَنَا مَالِكٌّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ (١) أَّ(٢) رَسُولَ اللهِِّ قَالَ: ((إِذَا جَاء أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ)). ليسَ في هذا الحَديث ولا فيما بعدَه من الأحاديث المخرجة في هَذا البَابِ ذكرُ فضلِ الغسلِ وثَوابِه كما بوّب عليه؛ بل الأمرُ به خاصةً. وقد خَرَّجَ فيما بعد هذا البابِ أحاديثَ في فضلِ الغسلِ مع الرواح أو مع الدهنِ والطَّيبِ، وسيأتي(٣) في مواضعها إن شاء اللهُ تعالى. وقد بوَّبَ على أَنَّ الصَّبِيَّ والمرأةَ هل عليهما شهودُ الجمعة، فأمَّا الصبيُّ فسيأتي الحديثُ الذي يُؤْخَذُ منه حكمُهُ(٤). وأَمَّا حكمُ المَرْأة فكأنَّه أَخذَه من هذا الحديث، وهو قولُه: ((إذا جَاءَ أحدُكم الجمعةَ)) فَإِنَّ الخطابَ كان الرِّجَالِ، والضَّميرُ يعودُ إليهم؛ لأنَّه ضَميرُ تذكير فلا يَدْخِلُ فيه النِّساءُ. (١) زاد في ((اليونينية)): ((رضي الله عنهما)). (٣) كذا في ((م)) ولعلها ((ستأتي)). (٢) كلمة ((أن)) كُررت في ((م)). (٤) (٨٧٩) . ٧٣ الحديث: ٨٧٧ كتاب الجمعة وقَدَ اخْتَلِفَ الْمُتْكلِّمونَ في أُصولِ الفِقْه في صِيَغِ الجُمُوعِ المُذكَّرَةِ هَلْ يدخلُ فيها النِّساءُ تبعًا أَمْ لا؟، وفي ذلك اختلافٌ مشهور بينهم، وأكثرُ ـو أصحابِنا على دُخولهنَّ مع الذُّكورِ تبعًا. ومن أصحابِنَا من قَالَ: لا يَدْخِلنَ معهم، وهو قولُ أكثر الشَّافعية والحنفيةِ، وغيرِهم، ولفظةُ ((أحد)) وإنْ لم يَكُنْ جَمْعًا، إلا أنَّها مُفْتَضيةٌ للعُمُومِ إِمَّا بطرِيقِ البَدليَّةِ أو الشُّمولِ كما في قوله (٢٢٧/ م) ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مّن رَّسُلُه﴾ [البقرة: ١٣٦] ولكنّ الأمرَ هُنَا بالغسلِ لا بمجيء الجمعة، ولكنَّ المأمورَ به بالغسلِ هُوَ الَّذِي يَأتي الجمعةَ بلَفْظِ يَقْتَضِي أَنَّه لابدَّ من المجيء إلى الجمعة؛ فإن ((إذا)) إِنَّما يُعلَّقُ بها الفعلُ المَّحَقَّقُ وَقوعُهُ غالبًا قد (١) يَقْتُضي - أيضًا - العمومَ؛ لكنَّ هذا العمومَ تخرجُ منه المرأةُ بالأحاديث الدَّالة على أَنَّه لا جمعةَ عليها، وقد سبقَ بعضُها. وخَرَّجَ أبو داودَ من(٢) حديثٍ أُمِّ عَطِيَّةَ، أَنَّ النَّبِيَّ وَّهُ لَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ جمعَ نساءَ الأنصارِ في بَيْتٍ، فأرسلَ إليهنَّ عُمرَ، فقال: أنا رسولُ رسول الله وَهُ إليكنَّ، وأَمَرنَا بالعيدينِ أَنْ يخرجَ فيهما الحُيّضُ، والعُتَقُ، ولا جمعةَ علينا. وقد حكَى ابنُ المنذرِ، (٣) وغيرُهُ الإجماعَ على أَنَّ النِّساءَ لاتجبُ عليهنَّ الجُمعةُ، وعلى أَنَّهنَّ إذا صَلَّينَ الجُمعةَ مَعَ الرِّجَالِ أَجْزَأَهُنَّ مِنَ الظُّهْرِ. ومن حكَى مِنْ مُتَأْخِّرِي أَصْحابنا في هذا خلافًا فقد غَلطَ، وقَالَ ما لا حَقيقَة له. (١) كذا ولعل الأليق: ((وقد)) (٢) في ((سننه)) (١١٣٩). (٣) فى كتابيه ((الأوسط)) (١٦/٤)، و((الإجماع)) (ص: ٢٦). ٧٤ ك باب فضل الغسل يوم الجمعة الحديث: ٨٧٨ وروى أبو داودَ في ((مراسيلهِ)) بإسناده عن الحسنِ قَالَ: كُنَّ النساءُ يجمّعْنَ مع النَّبِيِّ ◌َِّةٍ(١). وعن واصل، عن مُجَاهد قال: كان(٢) الضعفاءُ منَ الرِّجال والنِّساء سے يَشْهِدونَ الجُمعةَ مع النَّبِيِّ ◌َّةِ، ثم لا يَأْوونَ إلى رِحَالِهِم إلا من الغَدِ من الضَّعَفِ(١)، وواصلٌ فيه ضعفٌ. ورُوي عن ابنِ مَسْعودِ أَنَّه قَالَ النِّساءِ يوم الجُمعةِ: إِذَا صَلَّتَنَّ بصَلاتِهِ(٣)، وإذا صَلَّيْتنَّ وحدَكُنَّ فَتُصَلِّين أربعًا. وعنه: أَنَّه كان يُخْرِجُ النِّساءَ من المسجد يومَ الجُمعة، ويقول: اخْرُجْنَ؛ فإنَّ هذا ليس لكنَّ. خَرَّجهما البيهقيُّ(٤). ولعلّه كَرِهَ أن يُضيِّقْنَ المسجدَ على الرجالِ لكثرةِ زحامِ الجمعةِ، أو كَرِهَ لهنَّ الخروجَ من بُيُوتِهِنَّ بِالنَّهارِ. ومِنَ الشَّافِعِيَّةِ من استحبَّ للعَجائزِ حُصورَ الجُمعةِ. وعند أَصْحابِنا لا يُكْرِه للعَجائزِ حضورُ الجمعةِ، وفي كراهته للشَّوابِّ وجهان. الحديثُ الثّاني: ٨٧٨ - نا عَبْدُ الله بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، [قَالَ: أَخْبَرَنَا جُوَيْرِيَةٌ](٥)، (١) ((المراسيل)) لأبي داود (ص: ٩٩). (٢) في ((م): (كن))، والمثبت من ((مراسيل أبي داود)). (٣) كذا العبارة في ((م))، وفي ((السنن الكبرى)) للبيهقي (١٨٦/٣): ((إذا صليتن مع الإمام فبصلاته ... )) انتهى . (٤) في ((سننه الكبرى)) (١٨٦/٣). (٥) ما بين المعقوفين سقط من ((م))، واستدركناه من ((اليونينية)). ٧٥ الحديث: ٨٧٩،٨٧٨ كتاب الجمعة عن مَالِكِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سالم، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ (١) بَيْنَا(٢) هُوَ قَائِمٌ فِي الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ رَّجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ ◌َِّ، فَنَادَاهُ عُمَّرُ: أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذَهُ؟ قَالَ: إِنِّي شُفِلَتُ قَلَمْ أَثْقَلِبْ إِلَّى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ المنادي(٣) فَلَّمْ أَزِدْ أَنْ (٢٢٨/ م) تَوَضَّأْتُ فَقَالَ: وَلُوُضُوءُ أَيْضًا؟ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ يََّ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ. وهذا - أيضًا - ليسَ فيه ذكرُ فَضلِ الغُسلِ؛ إنما فيه الأمرُ بهِ، ولعل مُرادَهُ بتخريجِهِ في هذا البابِ: أنَّ فيه ما يُشعِرُ بأنَّ الأهلَ لا يخرجنَ إلى الجُمعةِ؛ فإنَّ هذا الرجلَ لما قال لعمرَ: لَم أَنقلبْ إِلى أَهلي حتَّى سمعتُ المناديّ فلم أَزِدْ أَن توضأتُ وسَمِعَ ذلك عمرُ ومنَ حَضرهُ من الصحابة، دَلَّ على اتفاقِهِم على أنَّ خروجَ الأهلِ إلى الجمعةِ غيرُ واجبٍ واللهُ أعلمُ. الحديثُ الثالثُ: ٨٧٩ - نَا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ: أَنَا مَالكِّ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ(٤)، أَنَّ رَسُولَ اللهَِّ قَالَ: ((غُسْلُ الْجُمْعَةِ (٥) وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُخْتَلِمٍ). وهَذا الحديثُ إِنما يدلُّ عَلَى تَخصيصِ المُحتَلِمِينَ بِوجوبِ الغُسلِ - كما سبقَ ذِكرُهُ(٦) في بابِ ((وُضُوءِ الصبيانِ وطهارِتِهِم)) -، وقَد تقدَّمَ ما يدلُّ (١) في ((اليونينية)): ((عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن عمر (٢) في ((اليونينية)): ((بينما)) ولم يحك فيها خلافًا. ابن الخطاب)) . (٣) هكذا في ((م)). وفي ((اليونينية)) وكذلك القسطلاني: ((التأذين)). (٤) زاد في ((اليونينية)): ((رضي الله عنه)). (٥) هكذا في ((م)). وفي ((اليونينية)) والقسطلاني: ((غسل يوم الجمعة .... )). (٦) (ص٢٦) تحت الحديث (٨٥٨). ٧٦ ٠ ك باب فضل الغسل يوم الجمعة الحديث: ٨٧٩ على أن المأمورينَ بالغُسلِ هُمُ الآتُونَ للجمعةِ، فيُستدلُّ بذلكَ على اختصاصِ الإتيانِ للجمعةِ بِمَنْ بَلَغَ الْحُلُمَ دُونَ مَنْ لَم يَبَلِغْ. وقد خَرَّجَ النسائيُّ(١) مِن روايةِ عَاشِ بنِ عباسٍ، عن بُكيرِ بنِ الأَشجِّ، عَن نافعٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، عَنَ حفصةَ أنَّ النبيَّ بِِّ قالَ: ((رَوَاحُ الجُمعةِ واجبٌ علَى كُلَّ مُحتَلِمٍ))، وهذا صريحٌ بأنَّ الرواحَ إِنما يَجبُ على المحتلمِ فَيُفْهَمُ منهُ أَنْهُ لا يَجبُ عَلَى مَن لَم يَحتلِمْ. وخرَّجَهُ أبو داودَ وابنُ حبانَ في ((صحيحِه))(٢)، ولفظُ أبي داودَ: ((عَلَى كُلِّ مُحتلمٍ رَوَاحُ الجمعةِ، وعَلَى كُلِّ مَن رَاحَ إلى الجمعةِ الغُسلُ). وقد أُعلَّ بأنَّ مخرمةَ بنَ بُكيرِ رواهُ عن أَبيهِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، عن النبيِّ ◌َِّةِ؛ مِن غَيْرِ ذِكرِ حَفصةَ، وهُو أَصحُّ عندَ الإمامِ أحمدَ والدار قطنيٍّ (٣) وغيرِهِما؛ فإنَّ ابنَّ عُمرَ صَرَّحَ بأَنَّهُ سَمِعَ حديثَ الغُسلِ مِنَ النبيِّ ◌َلِّ . ولكنْ هَل حديثُ مَخرمةَ مُوافِقٌ لحديثِ عياشٍ في لفظِهِ أَم لا؟ وقد سبقَ القولُ في وُجوبِ الجمعةِ عَلى مَن لَم يَحتلمْ مِن الصبيانِ في بابِ ((وضُوءِ الصِبيان))(٤) وحديثُ عمرَ، وابن عُمرَ فيهمَا (٢٢٩/م) التصريحُ بأمرِ النبيِّ وَِّ بالغُسلِ للجمعةِ، وحديثُ أبي سعيدِ فيهِ ءُ التصريح بوجوبه . (١) في ((المجتبى)) (٨٩/٣). (٢) أبو داود (٣٤٢)، وابن حبان (١٢٢٠ - إحسان) وقد سبق وذكره المصنف (ص ٦١) في صدر شرحه على أول كتاب الجمعة وقد نقلنا هناك كلام الحافظ الدارقطنى برمته على هذا الحديث فانظره غير مأمور. (٣) في ((العلل)) (٥ب/ق٥٢ - ب). (٤) الباب (١٦١) من ((كتاب الأذان)). ٧٧ الحديث: ٨٧٩ كتاب الجمعة وقد اختلفَ العلماءُ في غُسلِ الجمعةِ هَل هو واجبٌ بمعنى أنَّه يأثمُ بتركِهِ مَعَ القدرةِ عليهِ بغيرِ ضُرٍّ؟ أمْ هُو مستحبٌّ فَلا يأثمُ بتركهِ بحالٍ؟ ولَم يَختلفُوا أَنَّهُ ليسَ بشرطِ لصحةٍ صلاةٍ الجمعةِ وأنها تَصحُّ بدونِهِ؛ ولهذا أَقرَّ عمرُ والصحابةُ مَن شهدَ الجمعةَ ولَم يغتسلْ ولَم يأمرُوهُ بالخروجِ للغُسلِ. وقدَ استدلَّ - أيضا - بذلك الشافعيّ وغيرُهُ على أنه غيرُ واجب؛ لأنَّه لو كانَ واجبًا لأمروهُ بالخروجِ له. وأجابَ بعضُهُم عَن ذلك: بأنَّهُم قد يكونوا خافُوا عليهِ فواتَ الصلاة لضيقِ الوقتِ . وأكثرُ العلماءِ على أنه يُستحبُّ وليسَ بِواجبٍ . وذكرَ الترمذيُّ في كتابِهِ (١ ) أنَّ العملَ عَلى ذلك عندَ أهلِ العلمِ منَ الصَّحابةِ ومَن بَعدَهُم . وهذا الكلامُ يقتضي حكايةَ الإجماعِ على ذلك، وقد حُكيَ عن عمرَ وعثمانَ - ومُسْتَنَدُ مَن حكاهُ عَنَهُما: قصةُ عُمرَ مَع الداخلِ إلى المسجدِ؛ فإنه قد وقعَ في روايةٍ أَنَّه كانَ عثمانَ، وسنذكُرُها إن شاءَ اللهُ تعالى. ومِمَّنْ قالَ: هُو سَنَّةٌ: ابنُ مسعودٍ، ورُويَ عن ابنِ عباسٍ أنه غيرُ واجبٍ، وعن عائشةَ وغيرِهم مِن الصحابةِ؛ وبهِ قال جمهورُ فقهاء الأمصار: الثوريَّ، والأوزاعيَّ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وأحمدُ في ظاهرٍ مَذَهبهِ، وإسحاقُ، ورَوَاهُ ابنُ وهب عن مالكٍ وأنه قِيلَ له في (١) ((الجامع)) (٣٧٠/٢). ٧٨ ك باب فضل الغسل يوم الجمعة الحديث: ٨٧٩ الحديث: هُو واجبٌ؟ قال: ليسَ كُلُّ ما فِ الحديثِ هُو واجبٌ يكونُ كَذلك. وهُو اختيارُ عبدِ العزيزِ بنِ أَبِي سَلمةَ وغيرِهِ مِن أَصحابهِ(١). واستدلَّ مَن قالَ: ليسَ بواجبٍ، بِما رَوى الحسنُ، عن سَمْرةَ، عن النبيِّ وَّةِ قال: ((مَن توضأُ يومَ الجمعةِ فَبِها ونعْمَتْ، ومَن اغتسلَ فالغُسل أَفضل)) . خرجَه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والنسائيُّ والترمذيُّ وحَسَّنَهُ(٢). (١) انظر ((الأوسط)) لابن المنذر (٤١/٤ - ٤٣)، و((التمهيد)) (٧٩/١٠ - ٨٠). (٢) الإمام أحمد (١٦/٥، ٢٢)، وأبو داود (٣٥٤)، والنسائي في ((المجتبى)) (٩٤/٣) - وقال: ((الحسن، عن سمرة كتابًا ولم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة والله تعالى أعلم)) انتهى. وقال في ((الكبرى)) (٢١٨/٤): ((الحسن، عن سمرة قيل: إنه من الصحيفة غير مسموعة إلا حديث العقيقة فإنه قيل للحسن: ممن سمعت حديث العقيقة؟ قال: من سمرة، وليس كل أهل العلم يصحح هذه الرواية)) انتهى والترمذي (٤٩٧) وذكر على إثره الخلاف فيه على قتادة . قلت: وهذا الحديث قد روي عن جمع من الصحابة، وأجودها حديث سمرة الذي رواه قتادة، عن الحسن، عنه مرفوعًا . واختلف فيه على قتادة، فقال أبو عيسى الترمذي عقبه: ((وقد رواه بعض أصحاب قتادة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب. ورواه بعضهم عن قتادة، عن الحسن، عن النبي وَلّ مرسل)) ا. هـ. ومن رواه عن قتادة مسندًا: شعبة، وهمام، وأبو عوانة، وسعيد بن أبي عروبة؛ واختلف عنه فرواه عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن مرسلا. أخرجه البيهقي في ((سننه الكبرى)) (٢٥٦/١). وعبد الوهاب الخفاف والراوي عنه - وهو يحيى بن أبي طالب - متكلم فيهما وينظر في سماع الخفاف من ابن أبي عروبة قبل أم بعد الاختلاط؟» = ٧٩ الحديث: ٨٧٩ كتاب الجمعة وقَد اختُلِفَ فِي سماعِ الحسنِ مِن سَمرةَ. وخرجهُ ابنُ مَاجِهِ(١) (٢٣٠/م) من حديث يزيدَ الرقاشيِّ عن أَنْسٍ مرفوعًا - أيضًا -، ويزيدُ ضعيفُ الحديث. = ورواه يزيد بن زريع - وهو من أثبت الناس في سعيد - عنه، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة مسندًا . ذكره الحافظ الدارقطني في ((العلل)) فوافق يزيد فيما رواه عن سعيد سائر أصحاب قتادة في رواية هذا الحديث مسنداً . وانظر ((علل الترمذي الكبير)) (ص: ٨٦ - ٨٧)، و((الضعفاء)) للعقيلي (١٦٧/٢)، و((العلل)) للدار قطني (٤/ ق٢٨ ب - ٢٩أ). ورواه معمر، وأبان بن يزيد العطار، عن قتادة، عن الحسن، عن النبي ومَّل مرسلا. انظر ((المصنف)) لعبد الرزاق (١٩٩/٣)، و((العلل)) لابن أبي حاتم (١/ ٢٠٠). وبالجملة فهذا الخلاف عن قتادة لا يؤثر في أن الراجح عن قتادة هو ما رواه رفعاء أصحابه - كما سبق - وهذا ما رجَّحه العقيلي، والدارقطني، وراجع أصحاب قتادة، وكلامًا نفيسًا للبرديجي حول أصحاب قتادة في ((شرح علل الترمذي)» للمؤلف (٦٩٤/٢ - ٦٩٩). وانتفى تدليس قتادة برواية شعبة عنه - كما هو معلوم. فبقي أمامنا قضية سماع الحسن من سمرة. ; وبعد أن شرعنا في إعداد بحث يحتوي في طياته أقوال الأئمة في هذه المسألة فإذا بنا نقف على بحث جيد للشيخ حمدي بن عبد المجيد السلفي في تحقيقه على ((المعجم الكبير)) (١٩٣/٧ - ١٩٦). فآثرنا إحالة القارىء الكريم عليه دون نقله لعدم الإطالة وفاءً منا لعدم إثقال الحواشي إلا للضرورة، وانظر - أيضًا - ((نصب الراية)) (٨٨/١ - ٩٠) وخلاصة الأمر أن الحديث لا يصح لأسباب؛ منها: ١- إذا قلنا - على سبيل التجوز -: إن الحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة فقط فعليه يكون الحديث مرسلا، وإلا فقد تكلم البعض في صحة سماع الحسن لحديث العقيقة من سمرة - أيضًا . ٢- من الغريب عدم إخراج صاحبي الصحيح لمثل هذا المتن على الرغم من أنه فيصل في المسألة المختلف فيها منذ عصر الصحابة ومن بعدهم. انظر ((الأوسط)) لابن المنذر (٣٩/٤ - ٤٣) . (١) (١٠٩١)، وانظر ((العلل)) للحافظ الدار قطني (٤/ ق٢٨ - ب: ٢٩ - أ). ٨٠