Indexed OCR Text

Pages 261-280

٧٠ - باب إذا بكى الإمام في الصلاة
الحديث:٧١٦
وَرَوَى عبدُ الرحمنِ بْنُ إسحاق، عن محاربِ بنِ دِثار، عن ابنِ عمر
قَالَ: صليتُ خلفَ عمرَ فسمعتُ حنينَه (١) من وراء ثلاثة صفوفٍ.
وفي روايةٍ قَالَ: غَلَبَ عمرَ البكاءُ وهو يصلّي بالنَّاسِ الصبحَ فسمعتُ
خنينَه من وراءِ ثلاثةِ صفوفٍ.
والنشيجُ: هو رفعُ الصوتِ بالبكاءِ. قالَه أبو عبيد(٢) وغيرُهُ. والخنينُ
- بالخاء المعجمة - نحوه.
قال البخاريُّ:
٧١٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللهِِّ فِي مَرَضِهِ قَالَ(٣): ((مُرُوا أَبَا
بَكْرٍ فَلْيُصَلَّ بِالنَّاسِ) قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ: إِنَّ أَبَا بَكْرِ إِذَا قَامَ(٤) مَقَامَكَ لَمْ
يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ. فَقَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرِ (١٠٨ -
ب / ك) فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ)). قَالتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لِحَقْصَةَ: قُولِي لَهُ: إِنَّ أَبَا
بَكْرِ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكَاءِ فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ
لِلنَّاسِ. فَفَعَلَتْ حَقْصَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((مَهْ، إِنَّكُنَّ لأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ
يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ(٥). فَقَالتْ حَقْصَةُ (١): مَا كُنْتُ
لأُصيبَ منْك خَيْراً.
(١) كذا هنا بالحاء المهملة، ولعلها بالمعجمة، وفي الرواية بعدها بالخاء المعجمة، والخنين -
بالمعجمة -: ضرب من البكاء دون الانتحاب. وأصل الخنين خروج صوت من الأنف،
(٢) في ((الغريب)) (٣٣٧/٣).
كالحنين - بالمهملة - من الفم. (نهاية).
(٣) في ((اليونينية)): ((قال في مرضه)).
(٤) زاد في ((اليونينية)): ((في)).
(٥) في ((اليونينية)): ((للناس)) وصححها.
(٦) زاد في ((اليونينية)): ((لعائشة)).
٢٦١

الحديث: ٧١٦
كتاب الأذان
مقصودُه من إيراد هذا الحديث في هذا الباب: أَنَّ النبيَّ وَّ أَمرَ
وسلم
أبابكرٍ أَن يصلِّيَ بالنَّاسِ مع تكرارِ القول له أَنَّه إذا قامَ مقامَه لا يُسمعَ
النَّاسَ من البكاء، فدلَّ على أَنَّ البكاءَ من خشية الله في الصّلاةِ لا يضرّ
ءُ
الصلاة؛ بل يزينُها، فإنَّ الخشوعَ زينةُ الصَّلاة.
وقد خرَّجَ البخاريُّ في كتابه هذا حديثَ عائشةَ في ذكرِ الهجرةِ
بطولِه، وفيه: ثمَّ بدا لأبي بكرٍ فابْتَنَى مسجدًا بِفِنَاءِ دَارِه، فكانَ يُصلِّي فيه
ويقرأُ القرآنَ فيتقصف عليه نساءُ المشركينَ وأبناؤُهم يتعجَّبونَ منه وينظرونَ
إليه. وكانَ أبو بكرِ رجلا بَكَّاءً لا يملكُ عينيه إذَا قَرأَ القرآنَ(١).
وروى حمَّدُ بْنُ سلمةَ، عن ثابتِ، عن مُطَرِّف بن عبدِ الله، عن أبيه
قَالَ: انتهيتُ إلى رسولِ اللهِ مََّ وهو يُصَلِّي ولصدرِهِ أَزيزٌ كَأَزِيزِ
الْمَرْجَلِ .
خرَّجَه الإمامُ أحمدُ، والنَّسائيُّ(٢) - وزادَ: يعني: بيكي.
وفي روايةٍ للإمامِ أحمدَ: رأيتُ رسولَ اللهِ وَلَه يُصلِّي وفي صدرِهِ
أزيزٌ كأزيزِ الْمرجلِ من البكاءِ.
وخرَّجَه أبو داودَ كذلكَ(٣). وهذا الإسنادُ على شرطِ مسلمٍ.
(١) البخاري (فتح - ٣٩٠٥).
(٢) أخرجه أحمد (٢٥/٤، ٢٦)، وعبد بن حميد (٥١٤) من طريق ابن مهدي، وعفان،
وسليمان بن حرب، عن حماد بن سلمة.
وأخرجه النسائي (١٣/٣) وفي ((الكبرى)) (١٩٥/١، ٣٦٠) عن سويد بن نصر، عن ابن
المبارك، عن حماد به، وفيه الزيادة: (يعني: يبكي))، وعند الترمذي في ((الشمائل))
(٣١٥): ((من البكاء)).
=
(٣) أخرجه أحمد (٢٥/٥)، وأبو داود (٩٠٤) من طريق يزيد بن هارون، عن حماد.
٢٦٢

٧٠ - باب إذا بكى الإمام في الصلاة
الحديث: ٧١٦
وقد دلَّ القرآنُ على مدحِ الباكينَ من خشيةِ اللهِ في سجودِهم فقالَ
تَعالى ﴿ويخرُّونَ للأذقان يَبْكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٩] وقالَ: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا
وبُكِيّا﴾ [مريم: ٥٨].
وقد اختلفَ العلماءُ في البكاءِ في الصَّلاةِ على ثلاثة أقوال:
أحدُها: أَنَّه إن كانَ لخوفِ اللهِ تعالى لم يُبطلِ الصلاةَ. وإن كانَ لحزن
الدنيا ونحوِه فهو كالكلامِ. وهو قولُ أبي حنيفةَ وأحمدَ.
ولأصحابنا وجهٌ ضعيفٌ: أنَّه إن كانَ عن غير غَلَبَةِ أَبطلَ. والمنصوصُ
عن أحمدَ: إن كانَ عن غلبةٍ لا بأسَ به. قَالَ القاضي أبو يعلى: إِن كانَ
عن غلبةٍ لم يُكْرَه، وإن استدعَاه كُرِهَ، قالَ: وإن كانَ معه نحيبٌ أبطلَ.
وهذا ليسَ في كلامِ الإمامِ أحمدَ، ولو قيَّدَه بما إذا استدعاه لكانَ
أجود.
وقد قالَ ابْنُ بطَّةَ من أصحابنا: إنَّ التأوَّهَ في الصَّلاة من خشية الله لا
يبطُل. فالنحيبُ أولى.
والقولُ الثَّاني: أَنَّه لا يبطلُ بكلِّ حالٍ، وليس هو كالكلام؛ لأَنَّهُ لا
يسمَّى به مُتْكلِّمًا. وهو قولُ أبي يوسفَ. وكذا قال مالكٌ في الأنينِ: لا
يقطعُ صلاةَ المريضِ، وأكرهُه للصحيحِ. وقال أبو ثورٍ: لا بأسَ بالأنينِ إلا
أن يكونَ كلامًا مفهومًا (١). وتوقَّفَ الإمامُ أحمدُ في روايةِ المَرُّوذِيِّ،
= وقال عبد الله بن أحمد: ((لم يقل: ((من البكاء)) إلا يزيد بن هارون)).
كذا، وانظر رواية ((شمائل الترمذي)) السابقة.
وأخرجه النسائي في ((الكبرى))(١٩٥/١) عن عيسى بن يونس، عن ضمرة، عن السري بن
يحيى، عن عبد الكريم بن راشد، عن ابن الشخير، عن أبيه بلفظ: ((كان يُسمَعُ للنبي
وَلا أزيز بالدعاء، وهو ساجد كأزيز المرجل)).
(١) في ((٢٥): ((كلام مفهوم)).
٢٦٣

الحديث: ٧١٦
كتاب الأذان
والتَّباكِي من المصيبة، ولم يجزمُ بالبطلان. وقال في رواية أبي الحارثِ:
في الصَّلاةِ، إن كانَ غالبا عليه أكرَهُه.
ومعنى قوله: ((غَالِبًا)): أي كانَ مختارًا له، قادرًا على ردِّ بحيثُ لم
يغلبْهُ الأنينُ ولم يقهرهُ وظاهرُ كلامه أنَّه لا يُبطلُ صلاتَه. وقال القاضي
أبو يعلى: إنَّما أرادَ إذا كانَ أنينُه غالبًا(١) من العلوِّ أو رفعِ الصوتِ لِمَا
يُخْشَى من الرياءِ به أو إظهارِ الضجرِ بالمرضِ ونحوِهِ.
وهذا الذي فسَّرَه به تصحيفٌ منه، واللهُ أعلمُ.
والثّالثُ: أَنَّهُ كَلامٌ بِكلِّ حَالٍ. حُكِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، ومُغيرةَ،
والثَّوريّ. وإنَّمَا الْمنقولُ عنهم في الأنينِ، ونُقِلَ عن الشَّعَبِيِّ في التأوُّهِ.
وهذا محمولٌ على ما لمْ يكنْ مِنْ خشيةِ اللهِ؛ فقد كانَ الثوريُّ إِذَا
قرأَ في صلاته لم تُفْهَمْ قراءتُه من شدَّةً بكائه. وهو مذهبُ الشافعيِّ،
وعندَه إِنْ أَبَانَ به حرفانٍ (٢) أَبطَل الصَّلاَةَ وإلاَ كُرِهَ ولم تبطلْ وكذا قال
أصحابُنَا (١٠٩ - أ/ ك٢) في البكاءِ لحزنٍ ونحوِه إذا لم يُغْلَبْ عليه، فإن
غُلِبَ عليه صاحبُهُ، ففي البطلانِ به وجهانٍ. ولا يعرفُ عن الإمامِ أحمدَ
اعتبارُ حرفينِ في ذلكَ، قاله القَاضِي أبو يَعْلَى ومن اتَّبَعَه(٣).
وما تقدَّمَ عن أبي بكرٍ وعمرَ - رضي الله عنهما - يدلُّ على أنَّ البكاءَ
في الصّلاةِ من خشية الله حسنٌ جميلٌ.
ويقبحُ أن يقالَ: لا يبطلها؛ فإنَّ ما كان زينةَ الصَّلاة وزهرتَها وجمالَها
كيفَ يُقْنَعُ فيه بأنْ يقالَ فيه: غيرُ مُبْطَلٍ؟! ولم يَزِلِ السَّلْفُ الصَّالِحُ
(١) كذا، ولعل الأصوب: ((عاليا)» بالمهملة، والياء المثناة التحتية، يدل عليه كلام المصنف بعد.
(٣) وانظر «الأوسط)) (٢٥٧/٣).
(٢) كذا.
٢٦٤

٧٠ - باب إذا بكى الإمام في الصلاة
الحديث: ٧١٦
الخاشعونَ لله على ذلكَ.
روى الإمامُ أحمدُ في كتابِ ((الزهد)) بإسنادِهِ، عن نافعٍ قالَ: كانَ
ابْنُ عمرَ يقرأُ في صلاته فيمرُّ بالآية فيها ذكرُ الجنة فيقفُ عندها فيدعو
ويسألُ اللهَ الجنةَ. قالَ: ويدعو ويبكي قالَ: ويمرُّ بالآية فيها ذكرُ النَّار
فيدعو ويستجيرُ باللهِ منها(١).
وبإسنادِهِ، عن ابْنِ أبي مليكةً قال: صحبتُ ابْنَ عِبَّاسٍ من مكةَ إلى
المدينة. قال: وكانَ إذا نزلَ قام ينتظرُ الليلَ، فسأله أيُّوبُ: كيف كانتْ
قراءتُهُ؟ قال: قرأَ ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ منه
تَحيدٌ﴾ [ق: ١٩] فجعلَ يرتِّلُ ويُكثرُ في ذلكَ النَّشْيجَ(٢).
وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ، عن القاسمِ بْنِ محمد قالَ: كنتُ
غدوتُ يومًا، فإذا عائشةُ قائمةٌ تسبِّحُ - يعني: تصلِّي -، وتبكي وتقرأُ
﴿فَمَنَّ اللهُ علينا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] وتدعو وتبكي
وتردِّدُها، فقمتُ حتَّى مللتُ القيامَ، فذهبتُ إلى السّوقِ لحاجتي، ثم
رجعتُ فإذا هي قائمةٌ كما هي تُصلِّي وتبكي.
والرواياتُ في هذا عن التابعينَ ومَنْ بعدَهم كثيرةٌ جدّاً. وإنما يُنْكرُ
ذلك من غلبت عليه الشِّقْوَةُ أو سبقتْ له الشِّقْوَةُ.
(١) أحمد في ((الزهد)) (ص/ ٢٤١).
(٢) أحمد في ((الزهد)) (ص/٢٣٦) مختصرا جدًا، وهو في ((الحلية)) (١/ ٢٣٧) بتمامه.
٢٦٥

الحديث : ٧١٨،٧١٧
كتاب الأذان
٧١ - بَابُ
تَسْوِيَةِ الصُُّوفِ عِندَ الإِقَامَةِ وَبَعْدَهَا
٧١٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: ثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي
عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ
بَشِيرِ قَالَ(١): قَالَ رَسُولُ اللهِ (٢) ◌ِيَةَ: (لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ
بَيْنَ وُجُوهِكُمْ).
٧١٨ - حَدَّثَنَا أُبُو مَعْمَرْ ثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْد الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِك أَنَّالنَّبِيَّ ◌َ قَالَ: «أَقِيمُوا (٣) الصُّفُوفَ؛ فَإِّي أَرَاكُمْ خَلْفَ ظَهْرِي)).
حديثُ النُّعمانِ: خرَّجَهُ مُسلمٌ من روايةِ سِمَاكِ بْنِ حربٍ، عنه بزيادةٍ
- وهي في أوَّلِهِ - وهي: كانَ رسولُ اللهِ وَِّ يُسْوِّي صفوفَنَا حَتَّى كَأَنَّمَاً
يُسوِّي القداحَ حتَّى رأى أنَّا قَدْ عَقَلْنَا عنه ثُم خَرَجَ يَوْمًا فَقَامَ حتَّى كادَ
يُكَبِّرُ، فَرأى رَجُلًا بَادِيا صَدْرُه من الصَّفِّ، فقال: ((عبادَ الله! لَتُسَوَّنَّ
صُفُوْفَكم أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللّهُ بَيْنَ وُجُوهكم))(٤).
ومعناه: أَنَّه كانَ يُقَوِّمُ الصُّفُوفَ ويُعدِّلُها قبلَ الصَّلاةِ كما يُقَوِّمُ
السهم.
(١) في ((اليونينية)): ((يقول)).
(٢) فى ((اليونينية)): ((النبي)).
(٣) في ((ك٢)): ((أتموا))، وما أثبتناه من ((اليونينية))، وسيأتي عن المؤلف شرحه على أنه: ((أقيموا)).
(٤) مسلم (١٢٨/٤٣٦).
٢٦٦

٧١- باب تسوية الصفوف عند الإقامة وبعدها
الحديث : ٧١٨
وقد توعَّدَ على تركِ تسويةِ الصُّغُوفِ بالمخالفةِ بينَ الوجوهِ، وظاهرُهُ
يقتضي مسخَ الوجوهِ وتحويلها إلى صورِ الحيواناتِ أو غيرها كما قالَ:
((أَمَا يخشى الذي يرفعُ رأسَه قبلَ الإمامِ أن يحوِّلَ اللهُ رأسَه [رَأسَ]
حِمَارِ، أَوْ صورتَه صورةَ حمار؟))(١).
وظاهرُ هذا الوعيدِ يدلُّ على تَحريمِ ما تُوعِّدَ عليه.
وفي «مسند الإمامِ أحمدَ)) بإسنادٍ فيه ضعفٌ، عن أبي أمامةَ، عن
النبيِّ وَّةِ: ((لَتُسَوَّنَّ الصُّفُوفَ أو لَتُطْمَسَنَّ وجوهً(٢)، ولَتَغُضُّنَّ(٣) أبصاركم
أو لتخطفن أبصاركم)» (٤).
وقد خرَّجَ البيهقيُّ حديثَ سِمَاكِ، عن النُّعمانِ - الذي خرَّجَه مسلمٌ -
بزيادة في آخرِه وهي: ((أو ليخالفنَّ الله بين وجوهكم يوم القيامة)) (٥).
وهذه الزيادةُ تدلُّ على الوعيدِ على ذلكَ في الآخرةِ لا في الدنيا.
وقد رُوي الوعيدُ على ذلكَ باختلاف القلوب (١٠٩ - ب/ ٢٥)،
والمرادُ: تنافرُها وتباينُها .
فخرَّجَ مسلم من حديث أبي مسعود الأنصاريِّ قال: كانَ رسولُ الله
وَلٌ يمسحُ مناكِبَنَا فِي الصَّلاةِ ويقولُ: ((اسْتَووا، ولا تختلفُوا، فتختلفَ
قلوبكم))(٦) .
وسيأتي من حديثِ النَّعمانِ بْنِ بشيرٍ - أيضًا - نحوه.
وخَرَّج أبو داودَ، والنسائي نحوَهَ من حديث البراءِ بْنِ عازبٍ (٧).
(١) سبق برقم (٦٩١) بمعناه، والزيادة منه.
(٣) في ((٢٥)) بالعين المهملة.
(٢) في ((المسند)): ((وجوهكم)).
(٤) أحمد (٢٥٨/٥).
(٥) البيهقي (١٠٠/٣).
(٦) مسلم (٤٣٢).
(٧) أبو داود (٦٦٤)، والنسائي (٢/ ٩٠)، وانظر ((الأفراد) للدار قطني (١٤١٧ - أطرافه) بتحقيقنا.
٢٦٧

الحديث : ٧١٨
كتاب الأذان
وأما أمرُهُ في حديث أنسٍ بإقامةِ الصُّفُوفِ: فالمرادُ به: تَقْوِيِمُهَا.
وقوله ((فإِنِّي أَرَاكم مِن وراءِ ظهري)) إعلامٌ لهم بأنَّه ◌َّهِ لا يَخْفَى
عليه حالُهم في الصَّلاةِ؛ فإنَّه يرى مِن وراءِ ظهرِه كما يرى من بینِ يَدَيْهِ .
ففي هذا حثٌّ لهم على إقامةِ الصُّفُوَفِ إذا صَلَّوا خَلْفَه.
وقد سبقَ القولُ في رؤيتِه وراءَ ظهرِهِ وَأَنَّه وَهِ وإِن كانَ اللهُ قد توفَّاه
ونقلَه من هذهِ الدارِ فإنَّ المصلِّيَ يناجيَ ربَّه وهو قائمٌ بين يَدَيْ من لا
يَخْفَى عليه سرُّه وعلانيتُه فليحسنْ وُقُوفَه وصلاتَه؛ فإنَّه بمرأى من الله
ومسمع.
وقد رُوِيَ أنَّ تسويةَ الصفوفِ وإقامتَها توجبُ تآلفَ القلوبِ.
فروى الطبرانيُّ من طريقِ سريج(١) بْنِ يونسَ، عن أبي خالد
الأحمر، عن مُجَالد، عن الشعبيِّ، عن الحارثِ، عن عليٍّ قَالَ: قالَ
رسولُ اللهِ وَّهُ: ((اسْتَووا تستوي قلوبُكُمْ، وتماسُوا تراحموا)).
قال سريجٌ: تماسُوا يعني: ازْدَحِموا في الصَّلاةِ. وقالَ غيرُهُ: تماسُّوا:
تواصَلُوا(٢) .
واعلمْ أَنَّ الصفوفَ في الصَّلاةِ مِمَّا خصَّ اللهُ به هذه الأمةَ وشرَّفَها
به؛ فإنهم أشبهوا بذلك صفوفَ الملائكة في السماءِ كما أخبرَ اللهُ عنهم
أنَّهم قالوا ﴿وإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُون﴾ [الصافات: ١٦٥] وأقسمَ بالصَّافَّات
صفّا ، وهم الملائكةُ.
(١) في ((٢٥)) بالشين المعجمة خطأ.
(٢) الطبراني في ((الأوسط)) (٥١٢١)، والحلية (١١٤/١٠).
٢٦٨

٧١ - باب تسوية الصفوف عند الإقامة وبعدها
الحديث : ٧١٨
وفي (صحيحِ مسلمٍ)) عن حذيفةَ، عن النبيِّ وَّ قَالَ: ((فُضِّلْنَا على
النَّاسِ بثلاث: جُعِلَتْ صُفُوفُنا كصفوف الملائكة)) (١) الحديث.
وفيه - أيضًا - عن جابرِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: خرجَ علينا رسولُ اللهِ وَه
فقالَ: ((ألا تَصُفُّون كما تَصُفُّ الملائكةُ عندَ ربِّها؟)) فقلنا: يا رسولَ الله،
وكيف تَصُفُُّ الملائكةُ عند ربِّها؟ قال: ((يُتُمُّونَ الصفوفَ الأولى(٢)،
ويتراصُّونَ في الصَّفِّ(٣).
وروى ابن أبي حاتمٍ من رواية أبي نضرةَ قَالَ: كانَ ابْنُ عمرَ إذا
أقيمتِ الصَّلاةُ استقبلَ النَّاسَ بوجهِهِ ثم قال: أقيموا صُفُوفَكم، استووا
قيامًا يريدُ اللهُ بكم هدي الملائكة. ثم يقولُ: ﴿وإنَّا لَنَحْنُ الصَّافُون﴾
[الصافات: ١٦٥] تأخُّرْ فُلان، تقدَّمْ فلانُ، ثم يتقدَّمُ فيكبِّرُ.
وروى ابْنُ جُريجٍ، عن الوليدِ بْنِ عبدِ اللهِ بْنِ مغيث قال: كَانوا لا
يصفون في الصلاة حتى نزلتْ ﴿وإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُون﴾(٤).
وقد رُويَ أنَّ من صفةِ هذه الأمةِ في الكتبِ السالفةِ: صَفّهُم في
الصلاة كصفهم في القتالِ .
(١) مسلم (٥٢٢).
(٢) في ((صحيح مسلم)): «الأُوَلَ).
(٣) مسلم (٤٣٠).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في ((الدر المنثور)) (٢٩٣/٥) - وأورده بإسناده الذي هنا.
وأخرجه عبد الرزاق (٢/ ٤٣) عن ابن جريج، قال: حدثت، فذكره.
٢٦٩

الحديث : ٧١٩
كتاب الأذان
٧٢ - بَابُ
إِقْبَالِ الإِمَامِ عَلَى النَّاسِ عِندَ تَسْوِيَةِ الصُّقُوفِ
٧١٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ: ثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرِو: ثَنَا زَائِدَةُ بْنُ
قُدَامَةَ: ثَنَا حُمَيّدٌ الطَّوِيلُ: ثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَأَقْبَلَ
عَلَيْنَ رَسُولُ اللهِوَّه ◌ِوَجْهِهِ فَقَالَ: ((أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا؛ فَإِّي أَرَاكُمْ
من وَرَاء ظَهْرِي)».
التَّراصُّ هو التضامُّ والتَّداني والتَّلاصُقُ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ
يحبُّ الذين يُقَاتلونَ في سبيله صَفّا كَأَنَّهم بنيانٌ مرصوصٌ﴾ [الصف: ٤]
وفي هذا دليلٌ على أَنَّ الإمامَ يستحبُّ له أَن يُقُبلَ على المأمومينَ بعدَ إقامةِ
الصلاة ويأمرهم بتسويةٍ صفوفهم. وقد تقدَّمَ حديثُ النَّعمانِ بْنِ بشيرٍ في
هذا(١).
وخرج النسائي من حديثٍ ثابت، عن أنسٍ أنَّ النبيَّ وَِّ كانَ يقولُ:
((اسْتَووا اسْتَووا اسْتَووا، فوالذي نَفْسِي بيدِه (١١٠- أ/ ك٢) إنِّي لأَرَاكم مِنْ
خَلْفِي كَمَا أَرَاكُمْ بَيْنَ يَدَيَّ)(٢). وبوّبَّ عليه: (كَمْ مرةٍ يقولُ: اسْتَوو!)).
يشيرُ إلى أَنَّه يُكرِّرُهَا ثلاثًا؛ فإنَّ النبيَّ وَ جّ كانَ إذا تكلّم بكلمةٍ
أعادَها ثَلاثًا .
وخرَّجَ أبو داودَ، وابنُ حبَّنَ في ((صحيحِه)) من حديثِ محمدِ بْنِ
مسلمٍ - صاحبِ المقصورة - قال: صلَّيتُ إلى جنب أنسٍ يومًا، فقالَ:
(١) في الباب الماضي.
(٢) النسائي (٩١/٢).
٢٧٠

٧٢ - باب إقبال الإمام على الناس
الحديث : ٧١٩
هل تَدْرِي لِمَ صُنِعَ هذا العودُ؟ قلتُ: لا والله. قالَ: إِنَّ رسولَ الله ◌َِله
كان إذا قامَ إلى الصَّلاةِ أخذَه بيمينه ثم التفتَ فقالَ: ((اعتدَلِوا، سَوُّوا
صفوفكم))(١).
وخرَّجَ الدارقطنيّ، والحاكمُ من حديث حميدٍ، عن أنس قالَ: كانَ
رسولُ اللهِ وَلَّ إذا قامَ في الصلاة قالَ هكذا وهكذا عن يمينه وعن
شمالِه، ثم يقولُ: ((اسْتَووا وتعادَلُو)(٢).
وروى مالكٌ في ((الموطأ))، عن نافع أنّ عمرَ كان يأمرُ بتسوية
الصفوف، فإذا أخبروه أن قد استوتْ کبَّر(٣).
وعن عمَّه: أبي سهيلٍ، عن أبيه، عن عثمانَ بْنِ عفان - أيضًا - (٣).
وروى عَمرو بْنُ ميمون قال: كانَ عمرُ إذا أقيمت الصَّلاةُ أقامَ الصفّ
حتَّى إذا لم يرَ فيه خَلَلا كَبِّرَ .
خَرّجَهُ الأثرمُ.
وروى وكيعٌ بِإِسنادِهِ، عن كعبِ بْنِ مرةَ قالَ: إن كنتُ لأدعُ الصفَّ
المقدَّمَ من شدةِ قولِ عمرَ: استووا.
وبإِسنادِهِ، عن ابْنِ عمرَ، أَنَّ عمرَ كانَ يبعثُ رجالا يقيمونُ الصفوفَ
في الصَّلاةِ.
وروى أبو نعيمٍ بإسناده، عن الحارث، عن عليٍّ قالَ: كانَ يُسوِّي
صفوفَنَا ويقولُ: سَوُّوا تراحَمُوا ولا تختَلِفُوا فتختلفَ قلوبُكم(٤).
(١) أبو داود (٦٦٩)، وابن حبان (إحسان - ٥٤٣/٥).
(٢) الدار قطني (٢٨٧/١)، والحاكم (٢٤٤/١).
(٣) ((الموطأ)) (ص/ ١١٦).
(٤) انظر ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٣٥٢/١).
٢٧١

الحديث : ٧٢١،٧٢٠
كتاب الأذان
٧٣ - بَابُ
الصَّفَبِّ الأَوَّل
٧٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ سُمَيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (١) بِ: ((الشُّهَدَاءُ: الْغَرِقُ، وَالْمَطْعَونُ،
وَالْمَبْطُونُ، وَالْهَدْمُ)).
٧٢١ - وَقَالَ: (لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ
مَا فِي الْعَثَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوَا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفَِّ
الْمُقَدَّمِ لاسْتَهَمُوا».
قد سبقَ هذا الحديثُ في بابِ ((الاستهامِ في الأذانِ))(٢)، وفي بابِ
((فضلِ التهجيرِ إلى الظُّهرِ)) (٣) وذكرنا معنى الاستهامِ على الصفِّ.
وقد رُويَ للصفِّ الأول فضائلُ عديدةٌ:
فمنها: أَنَّه على مثلٍ صفِّ الملائكة.
خَرَّجَ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ من حديثِ أُبيِّ بْنِ كعبٍ،
عن النبيِّ وَّ قَالَ في حديث ذَكَرَهُ: ((والصَّفُّ الأَوَّلُ على مثْلِ صَفِّ
الملائكة، ولو علمتم (٤) ما فضيلتُهُ لابْتَدَرْتُمُوه))(٥).
(١) في ((اليونينية)): ((النبي)).
(٣) باب (٣٢) منه.
(٢) باب (٩) ((كتاب الأذان)).
(٤) في (ك٢): ((علم)) والمثبت من ((سنن أبي داود)).
(٥) أحمد (٥/ ١٤٠)، وأبو داود (٥٥٤)، والنسائي (١٠٤/٢ - ١٠٥).
٢٧٢

٧٣ - باب الصف الأول
الحديث : ٧٢١،٧٢٠
ومنها: أنَّه خيرُ صفوفِ الرجالِ .
ففي ((صحيح مسلم))، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّوَ لَ قَالَ: ((خَيْرُ صُفُوف
الرجال: أولُها، وشرُّها: آخرُها، وخيرُ صفوفِ النساءِ: آخرُها، وشرُّها:
أولُها)»(١).
ومنها: أنَّ اللهَ وملائكته يصلُّونَ عليه.
فخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ من حديثِ البراءِ بنِ
عازب، عن النبيِّ بَ لّ قَالَ: ((إنَّ اللهَ وملائكته يُصلُّونَ على الصَّفْوف
الأُول))(٢).
وخَرَّجَهَ ابْنُ ماجه وعندهَ: ((على الصفِّ الأول))(٣) .
وخرَّجَه - أيضًا - بهذا اللفظِ من حديثِ عبدِ الرحمنِ بْنِ عوفٍ، عن
النبيِّ ◌َِّيٌ(٤).
والصوابُ إرسالُ إسنادِهِ، قاله أبو حاتمٍ، والدارقطنيُّ(٥).
وخرجه الإمامُ أحمدُ بهذا اللفظِ من حديثِ النُّعمانِ بْنِ بَشيرٍ، عن
= ھَا الله (٦)
النبيِّ ◌ََّ(٦).
ومن حديث أبي أمامةَ وفي حديثه: أنَّ النبيَّ وَّ قَالَها ثلاثا، فقيلَ
لَهُ: يا رسولَ اللهِ، والثَّاني؟ فقال في الثَّالثةِ: ((وعلى الثَّاني)(٧).
(١) مسلم (٤٤٠ / ١٣٢).
(٢) أحمد (٢٩٦/٤)، وأبو داود (٦٦٤)، والنسائي (٢/ ٩٠).
(٤) ابن ماجه (٩٩٩).
(٣) ابن ماجه (٩٩٧).
(٥) ((العلل)) لابن أبي حاتم (١٧٢/١)، وللدار قطني (٢٨٧/٤ - ٢٨٨).
(٦) أحمد (٢٦٩/٤).
(٧) أحمد (٢٦٢/٥).
٢٧٣

الحديث : ٧٢١،٧٢٠
كتاب الأذان
ومنها: أنَّ النبيَّ وَّ استغفرَ له ثَلاثًا دونَ ما بعدَه.
فَخرَّجِ ابْنُ ماجه من حديثِ العِرباضِ بْنِ ساريةً (١١٠ - ب/ ث٢) أنَّ
النبيَّ وَّهِ كانَ يستغفرُ للصفِّ المقدَّمِ ثلاثا، والثَّاني مرةً(١).
وخرَّجَه النسائيّ وعنده: ((يصلِّي)) مكانُ ((يستغفر) (٢).
ومنها: أنَّه أحصنُ الصُّغُوفِ من الشَّيطانِ.
وَّ قال لأَصْحَابِه: ((أَيُّ
فروى قَتَادةُ، عن أبي قِلابَةَ أَنَّ النبيّ
شجرة(٣) أبعدُ من الخارف والخاذف؟)) قالوا: فرعُها. قال: ((فكذلكَ
الصَّفُّ المقدَّمُ هو أحصنُها من الشيطانِ)) .
ورواه جماعةٌ فقالوا: عن قتادةَ، عن أنسٍ .
والصَّوابُ: عن أبي قلابَةَ، قاله الدَّارقطنيَّ وغيرُه، وأنكر أبو زرعة
وصلَه(٤).
ورُويَ نحوُهُ من حديث أبي هريرةَ مرفوعًا بإسناد ضعيف.
ومنها: أَنَّ الصلاةَ فيه يقتضي التقدمَ إلى اللهِ؛ فإنَّ التأخُّرَ عَنْهُ يقتضي
التأخّرَ.
ففي ((صحيح مسلمٍ))، عن أبي سعيد، عن النبيِّ وَّ أَنَّه رأى في
أصحابه تأخَّرًاً فقالَ: ((تقدَّمُوا فائتمَّوا بي، ولْيأتمَّ بكم مَنْ بَعْدَكم، لا يزالُ
(١) ابن ماجه (٩٩٦).
(٢) النسائي (٩٢/٢ - ٩٣).
(٣) لعل الأصوب بالتعريف: ((الشجرة)).
(٤) ((العلل)) للدار قطني (٤/ ق٣١ - أ، ب)، و((سؤالات البرذعي لأبي زرعة)) (٢ /٣٤٠ -
٣٤١)، وانظر ((الكامل)) (٢٥٣/٧)، و(«الميزان)) (٣٨١/٤).
٢٧٤

٧٣ - باب الصف الأول
الحديث: ٧٢١،٧٢٠
قومٌ يتأخَّرُونَ حتَّى يؤْخِّرَهم اللهُ عزَّ وجلَّ»(١).
وخرَّجَ أبو داودَ، وابْنُ خزيمةَ في ((صحيحِه)) مِنْ حديث عائشةَ، عن
النبيِّ بَّهِ قالَ: ((لا يزالُ أقوامٌ يتأخَّرونَ عن الصفِّ الأول حتّى يُؤْخِّرَهم
اللهُ فِي النَّارِ))(٢).
واختلفَ النَّاسُ في الصفِّ الأولِ: هل هو الذي يَلي الإمامَ بكلِّ حال
أم الذي لا يقطعُه شيء؟
وفيه قولان للعلماء:
والمنصوصُ عن أحمدَ: أَنَّ الصفّ الأولَ هو الذي يلي المقصورةَ،
وأنَّ ما تقطعه المقصورةُ فليس هو الأول. نقلَه عنه: المَرُّوذِيُّ، وأبو طالب،
وأحمدُ بْنُ القاسمِ، وغيرُهم. وقالَ أبو طالب: سُئِلَ أحمدُ عن الصَّلاةِ
في المقصورة؟ قال: لا يصلِّي(٣) فيها، هو الذي يلي المقصورةَ فيخرج من
المقصورةِ فيصلّي في الصفِّ الأولِ.
وروى وكيعٌ، عن عيسى الحنَّاطِ، عن نافع، عن ابْنِ عمرَ أَنَّه كانَ إذا
حضرتِ الصَّلاةُ وهو في المقصورةِ خرجَ إلى المسجدِ .
وعن شعبةَ، عن الحكمٍ، عن يحيى بْنِ الجزَّارِ قال: كانَ أصحابُ
عبدِ اللهِ - يعني: ابن مسعود - يقولون: الصفّ الأول: الذي يلي
المقصورةَ.
ورُوِيَ ذلكَ عن أبي عبيدةَ بْنِ عبدِ اللهِ بْنِ مسعود.
وقال الشعبيُّ: المقصورةُ ليستْ من المسجدِ.
(١) مسلم (٤٣٨).
(٢) أبو داود (٦٧٩)، وابن خزيمة (٢٧/٣).
(٣) في ((ك٢)): ((يصل)).
٢٧٥

الحديث: ٧٢٠، ٧٢١
كتاب الأذان
ذكرَ ذلكَ كلَّه وكيعٌ في كتابِهِ(١).
فأما الصفُّ الذي يقطعُه المنبرُ، فهل هو الصفُّ الأولُ أم لا ؟
قال أحمدُ - في رواية أبي طالبٍ، والَرُّوذِيِّ، وغيرِهما -: إنَّ المنبرَ لا
يقطعُ الصفَّ، فيكونُ الصفُّ الأولُ: الذي يلي الإمامَ، وإِن قطعه المنبرُ
بخلافِ المقصورةِ. وتوقَّفَ في ذلكَ في رواية الأثرمِ وغيرِهِ.
وقالتْ طائفةٌ: الصفُّ الأولُ: هو الذي يلي الإمامَ بكلِّ حالٍ .
ورجَّحَه كثيرٌ من أصحابِنَا، ولم أقف على نصٌّ لأحمدَ به.
وقال آخرونَ: الصفُّ الأولُ: المرادُ به أولُ من يدخلُ المسجدَ للصلاة
فیه .
قالَ ابْنُ عبد البرِّ: لا أعلمُ خلافًا بينَ العلماءِ أنَّ من بكَّرَ وانتظرَ
الصَّلاةَ وإن لم يُصلِّ في الصفِّ الأولِ أفضلُ ممن تأخَّرَ ثم تخطى
الصفوفَ إلى الصفِّ الأولِ.
قال: وفي هذا ما يوضِّحُ أن معنى فضلِ الصفِّ الأول أنه وردَ من
أجلِ البكورِ إليه والتقدَّمٍ، والله سبحانه وتعالى أعلمُ. انتهى(٢).
وَحَمْلُ أحاديثِ فضلِ الصفِّ الأولِ على البكورِ إلى المسجدِ خاصَّةً
لا يصحُّ. ومن تأمَّلَ الأحاديثَ عَلِمَ أنَّ المرادَ بالصفِّ الأولِ: الصفُّ
المقدَّمُ في المسجدِ لا يُحْتَمِلُ غيرُ ذلكَ.
وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، وابنُ خزيمةً في
(١) انظر ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٤٩/٢ - ٥٠)، و((الأوسط)) لابن المنذر (١١٨/٤، ١١٩).
(٢) ((التمهيد)» (١٤/٢٢).
٢٧٦

٧٣ - باب الصف الأول
الحديث: ٧٢١،٧٢٠
((صحيحه)) من حديث أنس أن النبيّ (١١١ - أ/ ك٢) وَ ظَهُ قَالَ: ((أَتَمُّوا
الصفَّ المقدَّمَ ثم الذي يليه، فما كانَ من نقصٍ فليكن في الصفِّ
المؤخَّر))(١).
(١) أحمد (١٣٢/٣)، وأبو داود (٦٧١)، والنسائي (٩٣/٢)، وابن خزيمة (٢٢/٣).
٢٧٧

الحديث: ٧٢٣،٧٢٢
كتاب الأذان
٧٤ - بَابٌ
إِقَامَةُ الصَّفَتِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلاةِ
٧٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّد: ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ
ابْنِ مُنَبٍِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴾(١) قَالَ: (إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَ بِهِ،
فَلا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ
فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا
جُلُوسًا أَجْمَعُونَ، وَأَقِيمُوا الصَّفَّ فِي الصَّلاةِ؛ فَإِنَّ إِقَامَةَ الَصَّفِّ مِنْ حُسْنٍ
الصَّلاة».
٧٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيد: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنِ
النَّبِّ ◌َ قَالَ: ((سَوُّوا صُفُوفَكُمْ؛ فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ(٢) مِنْ إِقَامَةِ الصَّلاةِ».
في حديث أبي هريرة: أن إقامةَ الصفِّ من حسنِ الصَّلاة، والمرادُ:
أَنَّ الصفّ إذا أقيمَ في الصَّلاةِ كان ذلك من حُسنِها، فإذا لم يُقَمْ نقص
من حسنها بحسب ما نقص من إقامة الصف.
وفي حديث أنسٍ: أنَّ تسوية الصفوف من إقامة الصَّلاة، والمرادُ
بإقامتها: الإتيانُ بها على وجهِ الكمالِ، ولم يذكرْ في القرآنِ سوى إقامة
الصَّلاة، والمرادُ: الإتيانُ بها قائمةً على وجهِها الكاملِ .
(١) زاد في ((اليونينية)): ((أنه)).
(٢) في ((اليونينية)): ((الصفوف)).
٢٧٨

٧٤ - باب إقامة الصف من تمام الصلاة
الحديث: ٧٢٣،٧٢٢
وقد صرَّحَ في هذا الحديثِ بأَنَّ تسويةَ الصُّفُوفِ من جملة إقامتِها،
فإذا لم تُسوَّ الصفوفُ في الصلاةِ نقصَ من إقامتها بحسب ذلك - أيضًا -،
واللهُ أعلمُ.
٢٧٩

الحديث: ٧٢٤
كتاب الأذان
٧٥ - بَابُ
◌ِثْمٍ مَن لَمْ يُتِمَّالصَّفََّ
٧٢٤ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَد: ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى: أَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْد
الطَّائِ، عَنْ بُشْرِ بْنِ يَسَارِ الأَنْصَارِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ أَنَّهُ قَدِمَ المَدِينَةَ
فَقِيلَ لَهُ: مَا أَنْكَرْتَ مِنَّا مُنْذُ يَوْمٍ عَهِدْتَ رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مَا أَنْكَرْتُ
شَيْئًا إِلا أَنَّكُمْ لا تُقِمُونَ الصُّفُوفَ.
وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ: قَدِمَ عَلَيْنَا أَنَسٌ الْمَدِينَةَ، بِهَذَا.
عُقبةُ بْنُ عُبيدِ الطائيّ هو أخو سعيدٍ بْنِ عُبيدِ الذي روى هذا الحديثَ
عن أنسٍ، وَيُكنى: أَبَا الرَّحَّالِ(١)، لم يخرِّجْ له في الكتبِ الستةِ سوى
هذا الحديث الذي علَّقه البخاريّ هاهنا .
وقد خرَّج حديثَه الإمامُ أحمدُ، عن أبي معاويةً، عن عقبةَ بْنِ عُبيدٍ،
عن بُشيرِ بنِ يسارٍ قال: قلتُ لأنسِ بْنِ مالك: ما أنكرتَ من حالِنا في
عهد رسولِ اللهِ وَجْهَ؟ قال: أنكرتُ أنَّكُمْ لا تُقيمونَ الصُّفْوف(٢).
وفي هذا الحديث: دليلٌ على أَنَّ تسويةَ الصُّفوف كانَ معروفًا في
عهدِ النبيِّ وَّهِ، وَأَنَّ النَّاسَ غَّروا ذلكَ بعدَه.
والظاهرُ أنَّ أنسَ بْنَ مالك إنَّما قالَ هذا في أوائلِ الأمرِ قبلَ أن يؤخِّرَ
بنو أميةَ الصَّلواتِ عن مواقيتها، فلما غَيَّرَ بنو أميةَ مواقيتَ الصَّلاة قال
(١) بالحاء المهملة.
(٢) أحمد (١١٢/٣ - ١١٣).
٢٨٠