Indexed OCR Text
Pages 241-260
٦٦ - باب إذا صلى ثم أم قومًا الحديث : ٧١١ كذا قالَ، والمعروفُ عنهما خلافُ ذلك كما سنذكرُ ذلك. وحَكَاه - أيضًا - عن مسلمٍ بْنِ خالدٍ، وعبد الرحمن بْنِ مهديٍّ، ويحيى بنِ سعيد القطان، وقال إسحاقُ: هو سنةٌ مسنونةٌ، وهو على ما وَ سَنَّ النبيَّ وَلَهَ من صلاةِ الخوفِ. ونقل إسماعيلُ بْنُ سعيد، عن أحمدَ قالَ: لا بأسَ به(١). قال: ومما يُقَوِّي حديثَ معاذٍ: حديثُ النبيَِِّّ أَنَّهِ صلَّى صلاةَ الخوفِ بطائفتينِ، بكلِّ طائفةٍ ركعتينٍ، ولا أعلمُ شيئًا يدفعُ هذا. وحديثُ صلاة الخوف: قد خرَّجَه البخاريّ من حديث جابرٍ ، وسيأتي في موضعِه إن شاء اللهُ تعالى. وذهبَ آخرونَ إلى المنع من ذلكَ، وأنَّ المفترِضَ إذا اقتدى بمتنفلٍ لم تصحّ صلاتُه. حكاه ابنُ المنذرِ عن الزهريِّ، وربيعةَ، ويحيى الأنصاريِّ، ومالكٍ، وأبي حنيفةَ. قال: وَرُوِيَ معناه عن الحسنِ، وأبي قلابةً(٢). قلتُ: وقد رُوِيَ - أيضًا - معناه عن سعيدِ بْنِ المسيّبِ، ووَهبِ بنِ منّهِ، وابن سيرين، والنَّخعيِّ. ذكره عبدُ (١٠٥ - أ/ ك٢) الرزاق في كتابه عنهم. و وهو قولُ الثوريِّ، والحسنِ بْنِ حي، والليث بنِ سعد، وهو المشهورُ عن أحمدَ، ونُقِلَ عنه أَنَّه رجعَ عن القول بخلافه، وعلى هذا أبو بكر عبدُ العزيز وغيرُهُ من أصحابنا وأنَّ أحمدَ رجع عن القولِ بجوازِ ذلكَ. (١) ((المغني)) (٦٨/٣ - ٦٩). (٢) «الأوسط)) (٢١٩/٤)، و«المغني)) (٦٧/٣). ٢٤١ الحديث : ٧١١ كتاب الأذان قال - في رواية المروذيِّ -: كنتُ أذهبُ إليه - يعنى: حديثَ معاذ - ثم ضعف عندي. واعتلَّ الإمامُ أحمدُ على حديث معاذ بأشياءَ: أحدُها: أن حديثَ معاذٍ رواه جماعةٌ لم يذكروا فيه أن معاذًا كان يصلِّي خلفَ النبيِّ نَّهِ؛ بل ذكروا أنه كانَ يصلِّي بقومِه ويطيلُ بهم، منهم: عبدُ العزيز بْنُ صهيبٍ، عن أنسٍ، وأبو الزبيرِ، عن جابرٍ، ومنهم محاربُ بْنُ دِثارٍ، وأبو صالحٍ، عن جابرٍ. الثَّاني: أن الذين ذكروا أنَّه كان يصلِّ خلفَ النبيِّ وَِّ ثم يرجعَ ـه فيؤم قومَه لم يذكرْ أحدٌ منهم أن النبيَّ مَ ◌ِّ علم بذلكَ (١) إلا ابنُ عيينةَ، عن عمرو بْنِ دينار، عن جابرٍ (٢). فقالَ أحمدُ: ما أرى ذلكَ محفوظا. وقالَ مرةً: ليسَ عندي ثبتا؛ رواه منصورُ بْنُ زاذان، وشعبةُ، وأيوبُ، عن عمرو بْنِ دينار، ولم يقولوا ما قالَ ابْنُ عيينَةَ(٣). كذا قالَ، وقد رواه - أيضًا - ابنُ عَجلان، عن عُبيدِ اللهِ بن مِقْسَم، عن جابرٍ مثل رواية ابن عُيينةَ، عن عمرو (٤). وهذا أقوى الوجوه، وهو أَنَّ من روى صلاةَ معاذ خلفَ النبيِّ نَّ ورجوعَه إلى قومِه لم يذكر أحدٌ (١) وراجع في هذا كلامًا للإمام المازري في ((المعلم بفوائد مسلم)) (٢٦٩/١). (٢) رواية مسلم (٤٦٥/ ١٧٨). (٣) وفي ((مسائل ابن هانئ)) (٦٤/١): ((سألته عن حديث معاذ في الصلاة؟ فقال: أما ابن عيينة فإنه يقول: [ما] خبر النبي وَّل بذلك؟ وكان معاذ يصلي، ولا يعلم النبي ◌َله ولا أذهب إليه، ولا يعجبني أن يجمع بين فرضین)). وما بين المعقوفين لعله زيادة - كما تدل عليه رواية ابن عيينة. (٤) أبو داود (٥٩٩). ٢٤٢ ٦٦ - باب إذا صلى ثم أم قومًا الحديث : ٧١١ منهم قصةَ التطويلِ والشكوى إلى النبيِّ وَّ غيرُ ابْنِ عيينةَ، وقد تابعه ابْنُ عجلان، عن ابن مِقْسَم؛ وليس ابنُ عجلان بذاك القويِّ. ومن ذكر شكوى معاذٍ إلى النبيِّ بَّهِ من الثقاتِ الحفاظِ لم يذكروا فيه أَنَّ معاذًا كانَ يصلِّي مع النبيِّ بَّهِ ثم يرجعُ إلى قومِهِ فيؤمَّهم. ولم يفهم كثيرٌ من أصحابِنَا هذا الذي أرادَه الإمامُ أحمدُ على وجهه. الثَّالثُ: قالَ - في روايةِ حنبل -: هذا على جهةِ التعليمِ من معاذ لقومِه - يعني: لم يكنْ يصلِّي بِهِم إلا لِيُعلِّمَهم صلاةً النبيِّ نََّ - كَمَا علَّم مالكُ بْنُ الحويرثِ قومَه صلاةَ النبيِّ وَّةِ، ولم يُرِدِ الصلاةَ، وقد سبقَ حدیثُه. ولكنَّ الفرقَ بينه وبينَ حديث معاذ: أَنَّ مالكَ بْنَ الحويرث علَّم قومَه الصلاةَ في غيرِ وقت صلاة، فكانوا كلُّهم مُتَنَفِّلينَ بالصَّلاة، ومعاذٌ كانَ يصلِّي المكتوبةَ ثم يرجعُ إلى قومِه وهم ينتظرونَه حتى يؤمَّهم فيها فكانوا مفترضینَ. الرابع: قَالَ - في روايةِ إبراهيمَ الحربيِّ -: إِن صحَّ فله معنَى دقيقٌ لا يجوزُ مثلُه اليوم(١). وقد قيلَ: إِنَّ هذا المعنى الذي أشارَ إليه الإمامُ أحمدُ هو: أنَّه كانَ في أولِ الإسلامِ، وكانَ من يقرأُ القرآنَ قليلا، فكان يرخَّصُ لهم في ذلكَ (١) ((الطبقات)) لابن أبي يعلى (٩٢/١) ونصه: ((وقال إبراهيم الحربي: سئل أحمد عن رجل صلى في جماعة أيؤم بتلك الصلاة؟ قال: لا، ومن صلى خلفه يعيد، قيل له: فحديث معاذ؟ قال: فيه اضطراب، وإذا ثبت فله معنى دقيق لا يجوز مثله اليوم)) ومثله في ((المنهج الأحمد)» للعليمي (١٩٩/١). ٢٤٣ الحديث : ٧١١ كتاب الأذان توسعةً عليهم، فلما كَثُرَ القرَّاءُ انتسخَ ذلكَ. وقد سبق نحوُ ذلك في إمامةِ الصبيِّ - أيضًا(١). وكذا روى عباس الدُّورِيُّ، عن يحيى بْنِ معين أنَّه قال في حديثٍ معاذ: أنَّه كانَ يصلِّي بأصحابه وقد صلَّى قبلَ ذلكَ مع النبيِّ وَّ. قالَ يحيى: لا أَرَى هذا. قَالَ عباسٌ: معنى هذا عندَنَا: أَنَّ يحيى كانَ يقولُ هذا في بُدوِّ الإسلام ومن يقرأُ القرآنَ قليلٌ فلا أرى هذا. هذا قولُ يحيى عندنا . وقد ذكرَ ابنُ شاهين، عن أبي بكر النَّجاد أنَّهُ سمعَ إبراهيمَ الحربي - وسُئِلَ عمَّن صلَّى فريضةً خلف متطوع؟ - فقالَ: لا يجوزُ. فقيل له: فحديثُ معاذ؟ قال: حديثُ معاذ أعيا القرونَ (١٠٥ - ب/ ك٢) الأولى. وأجابَ طائفةٌ عن حديث معاذٍ بجوابٍ آخر، وهو: أنَّه يجوزُ أن يكونَ معاذٌ يصلِّي خلفَ النبيِّ وَلِّ تطوعًا، ثم يصلّي الفريضةَ بقومِهِ. وَرَدَّ ذلك الشافعيُّ، وأحمدُ. وقال الشافعيُّ: لم يكنْ معاذٌ يفوِّتُ نفسه(٢) فضلَ الصَّلاة خلفَ النبيِّ وَُّلّ في مسجدِه. وخرَّجَ الدار قطنيُّ، والبيهقيُّ من روايةٍ أبي عاصمٍ، عن ابن جُرَيَجٍ، عن عَمرو بْنِ دينار، عن جابرٍ أن معاذَ بنَ جبلٍ كان يصلِّي مع النبيِّ وَلَّ(٣) (١) انظر الباب (٥٤) ((باب إمامة العبد والمولى)) من كتاب الأذان. (٢) كذا، ولعله: «على نفسه)). (٣) تكرر في ((ك)) قوله: ((من رواية أبي عاصم)) إلى هنا وكتب في المكرر: ((معاذً)) مكان «معاذ بن جبل)). ٢٤٤ ٦٦ - باب إذا صلى ثم أم قومًا الحديث : ٧١١ العشاءَ ثم ينصرفُ إلى قومِهِ فيصلِّي بهم، هي له تطوعٌ ولهم(١) فريضةٌ (٢). ومن طريقِ عبد الرزاقِ، عن ابن جُريجٍ نحوه، إلا أنَّه قالَ: فيصلِّي بهم تلكَ الصَّلاةَ، هي له نافلةٌ ولهم فريضةٌ(٢). ولعلَّ هذا مدرجٌ من قولِ ابْنِ جُريجٍ(٤)، واللهُ أعلمُ. وقد ظنَّ بعضُ فقهاء أصحابنا أنَّ هذه الزيادةَ هي التي أنكرَها أحمدُ على سفيانَ بن عيينةَ. وهذا وهمٌ فاحشٌ؛ فإنَّ هذه الزيادةَ تفرَّدَ بها ابنُ جُرِيجٍ لا ابنُ عيينةَ. وأجابَ الإمامُ أحمدُ عن حديث جابرٍ في صلاة الخوف: بأنَّ هذا جائزٌ في صلاة الخوفِ دونَ غيرِها؛ لأنَّه يُغْتفرُ في صلاة الخوف ما لا يغتفرُ في غيرِها من الأعمالِ فكذلكَ النياتُ. واستدلُّوا على منعِ ذلك بقولِ النبيِّ نَّ: ((إنَّما الإمامُ ليؤتمَّ به، فلا تختلفوا عليه)) وقالوا: مخالفتُه في النيةِ اختلافٌ عليه. لكنَّ جمهورَهم يجيزونَ اقتداءَ المتنفلِ بالمفترضِ ولم يجعلوه اختلافًا عليه. واعلمْ أَنَّ جمهورَ العلماءِ في هذه المسألةِ على المنعِ، منهم: مالكٌ، وأهلُ المدينةِ، والثوريُّ، وأهلُ العراق، والليثُ، وأَهلُ مصرَ. وهو قولُ جمهورِ التابعينَ من أهل المدينةِ والعراقِ(٥). ولكن قد قالَ بالجوازِ خلقٌ كثيرٌ من العلماءِ. (١) في ((ك٢)): (له))، وما أثبتناه من ((السنن)). (٢) الدار قطني (٢٧٤/١)، والبيهقي (٨٦/٣). (٤) وانظر ((التمهيد)) (٣٦٩/٢٤). (٣) الدار قطني (٢٧٥/١). (٥) انظر ((التمهيد)) (٣٦٧/٢٤). ٢٤٥ الحديث : ٧١١ كتاب الأذان وحديثُ معاذٍ قد صحَّ أَنَّ النبيَّ وَّ عَلِمَ به وأقرَّ عليه، وقد توبعَ سفيانُ بْنُ عيينةَ على ذلك كما أَشَرْنَا إليه، ولم يظهرْ عنه جوابٌ قويٌّ، فالأقوى جوازُ المفترضِ بالمتنفلِ، وقد رحَّجَ ذلك صاحبُ ((المغني))(١) وغيرُه من أصحابِنَا، واللهُ أعلمُ. وقد عارض بعضُهم حديثَ معاذٍ بما روى معاذُ بْنُ رفاعةَ الأنصاريّ، عن سليم الأنصاريِّ - من بني سلمةَ - أَنَّه أتى النبيَّ رَلِّ فقالَ: يا رسولَ الله! إنَّ معاذَ بْنَ جبلٍ يأتينا بعدَ ما ننامُ ونكون في أعمالِنا في النهار فينادي بالصَّلاةِ فنخرجَ إليه فيطوِّلُ علينا. فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((يا معاذُ! لا تكن فتَّانا، إمَّا أن تصلِّيَ معي، وإمَّا أن تخففَ على قومكَ)). خَرَّجَه الإمامُ أحمدُ(٢)، وهو مرسلٌ؛ فإنَّ سُليمًا هذا قُتِلَ في يوم أُحُد، وقد ذُكِرَ ذلك في تمامٍ هذا الحديثِ. وقال ابْنُ عبدِ البرِّ: هو منكرٌ ءِ لا یصح. قلتُ: لو صحَّ فيحتملُ أن يكونَ المرادُ: إمَّا أن تقتصرَ على صلاتك معي فتقيم لقومِكَ من يصلِّي بهم غيرُك، وإمَّا أن تذهبَ إليهم فتصلِّي بهم - وإن صليتَ معي -؛ لكن تخفف عليهم ولا تطيلُ بهم، واللهُ سبحانه وتعالى أعلمُ. (١) («المغني)) (٦٧/٣ - ٦٨). (٢) ((المسند)) (٧٤/٥). ٢٤٦ الحديث: ٧١٢ ٦٧ - بَابُ مَنْ أَسْمَعَ النَّاسَ تَكْبِيرَ الإِمَامِ ٧١٢ - حَدَّثْنَا مُسَدَّدٌ: ثَنَا عَبْدُ الله بْنُ دَاوُدَ: ثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ(١) قَالَتْ: لَمَّ مَرِضَ النَّبِيُّ ◌َّهِ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِهِ أَتَاهُ بِلالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلاةِ قَالَ(٢): ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّي(٣) بِالنَّاسِ» ثُلَتُ: إِنَّ أَبَا بَكْرِ رَجُلٌ أَسِيفٌ، إِن يَقُمْ مَقَامَكَ بَبْكِ (١٠٦ - ٢/ ٢٥) فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِرَاءَةِ. فَقَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ). فَقُلْتُ مِثْلَهُ. فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ - أَوِ الرَّبِعَةِ -: ((إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرِ فَلْيُصَلِّ). فَصَلَّى، وَخَرَجَ النَِّيُّبِ يُّهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَخُطُ بِرِجْلَيْهِ الأَرْضَ. فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرِ ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ صَلِّ، فَتَأَخَّرَ أَبُو بَكْر (٤)، وَقَعَدَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِلَى جَنْبِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ التَّكْبِيرَ. تَابَعَهُ مُحَاضِرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ. قد سبقَ ذكرُ حديث عائشةَ بألفاظِه وطُرقهِ . وما ذُكِرَ فيه في هذه الروايةِ من تأخرِ أبي بكرٍ فمنكرٌ، مخالفٌ لسائر الرواياتِ. وإنَّما المقصودُ منه: أن النبيَّ ◌َِّ كانَّ يصلِّي بِالنَّاسِ جالسًا، وأبو بكرٍ قائمٌ يسمعُ النَّاسَ تكبيرَ النبيِّ ◌َاهِ. (١) زاد في ((اليونينية)): ((رضي الله عنها)). (٢) في ((اليونينية)): ((فقال)). (٤) زاد في ((اليونينية)): ((رضى الله عنه)). (٣) في ((اليونينية)) ((فليصل)). ٢٤٧ الحديث: ٧١٢ كتاب الأذان فهذا يدلُّ على شَيئينِ: أحدُهما: أَنَّ النبيَّ ◌ََّ في صحته لم يكن من عادتِه أن يُبلِّغَ أحدٌ وراءَه التكبيرَ؛ بل كانَ هو يسمع أهلَ المسجدِ تكبيرَه فلا يحتاجُ إلى من يُبلِّغُ عنه. وقد خرجَ البخاريُّ - فيما بعدُ (١)- حديثَ سعيدِ بْنِ الحارثِ قَالَ: صَلَّى لنا أبو سعيد فجهرَ بالتكبيرِ حينَ رفَع رأسَه من السجودِ، وحينَ صَل الله سجدَ، وحينَ قامَ من الركعتين وقالَ: هكذا رأيتُ رسولَ الله وَسة . وخرَّجَه الإمامُ أحمدُ، ولفظُه: فجهرَ بالتكبيرِ حينَ افتتحَ الصَّلاةَ، وحينَ ركعَ، وحينَ قالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه، وحينَ رفعَ رأسَه من السجود، وحينَ سجدَ، وحينَ قامَ من الركعتينِ حتَّى قَضَى صلاتَه على ذلكَ، وقَالَ: هكذا رأيتُ رسولَ اللهِ وَله يصلِّي(٢). وخرَّجَه البيهقيُّ، وعندَه: وبعدَ أَن قَالَ: سَمِعَ اللهُ لمن حَمِدَه - وهذا إشارةٌ إلى تكبيرِ السجودِ، بدليلِ أنَّه قالَ بعدَه: وحينَ رفعَ رأسَه من السجودِ، وحينَ سجدَ - وزادَ البيهقيُّ في روايته: وحينَ رفعَ (٣). والثَّاني: أَنَّ النبيَّ وَّهُ لما مَرِضَ ضَعُفَ صَوتُه عن إِسماعِ أهلِ المسجد، فكانَ أبو بكر حينئذٍ يُسْمِعُ النَّاسَ تكبيرَه ويُبَلِّغُ عنه. وقد رُوِيَ عنه أَنَّه فعلَ ذلكَ - أيضًا - في مَرَضٍ آخر عَرَضَ له في حياتِه. ففي ((صحيح مسلمٍ)) من حديث أبي الزبيرِ، عن جابرِ قالَ: اشتكَى رسولُ اللهِ وَخيّ فصلَّيْنَا وراءَه وهو قاعدٌ وأبو بكرٍ يُسْمعُ النَّاسَ تكبيرَه(٤). (١) رقم (٨٢٥). (٢) أحمد (١٨/٣). (٣) البيهقي (١٨/٢). (٤) مسلم (٨٤/٤١٣). ٢٤٨ ٦٧ - باب من أسمع الناس تكبير الإمام الحديث: ٧١٢ وذكرَ في الحديثِ أَنَّه أشارَ إليهم أَن اجْلسوا - وقد سبقَ بتمامه. وفي روايةٍ لمسلمٍ - أيضًا -: صلَّى بنا رسول الله وَّ الظهرَ، وأبو بكرٍ خَلْفَهُ، فَإِذَا كَبَّرَ كَبََّ أَبُو بكرٍ يُسْمِعُنَا(١). فمتَى كانَ الإمامُ صوتُه ضعيفًا لمرضِ أو غيرِهِ ولم يبلغِ المأمومينَ صوتُه، وكانَ المسجدُ كبيرًا لا يبلُغُه صوتُ الإمامِ شُرِعَ لبعضِ المأمومينَ أنْ يبلغَ الباقينَ التكبيرَ جهرًا، ويكونُ الجهرُ على قدرِ الحاجةِ إليه من غيرِ زيادة على ذلكَ. وروى وكيعٌ: ثَنَا المغيرةُ بْنُ زياد قَالَ: رأيتُ عطاءَ بْنَ أبي رباحٍ صَلَّى في السقيفةِ التي في المسجدِ الحرامِ في نفرٍ وهم متفرِّقُونَ عن الصفوفِ، فقلتُ له، فقالَ: إِنِّي شيخٌ كبيرٌ ومكة دوّنه (٢) كانَ رسولُ اللهِ وَلَّ فِي سَفرِ فأصابهم مَطَرٌ فَصلَّى بِالنَّاسِ في رحالِهِم وبلالٌ يُسمعُ النَّاسَ (٣) التكبير (٣). وروى بكرُ بْنُ محمد، عنِ الحَكَمِ، عن أبيه أنَّه سألَ أحمدَ عن الرجلِ يكبرُ يومَ الجمعةِ يُسمعُ النَّاسَ؟ قَالَ: صَلاتُه تامةٌ؛ هذا منفعةٌ للنَّاسِ؛ قد كانَ عمرُ يُسْمَعُ صوتُه بالبلاطِ. قيلَ له: فيأخذُ على هذا أجرًا في تكبيرِهِ يسمعُ (١٠٦ - ب/ ك٢) النَّاسَ؟ قال: لا أدري. قَالَ أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ بْنُ جعفر: قولُه (لا أدري)) كَأَنَّه - واللهُ أعلمُ . يكرهُه. قالَ: وإنْ أخذَ من بيت المالِ جازَ؛ لأنَّ حقَّه فيه - يعني: إِنَّ حقَّ (١) مسلم (٨٥/٤١٣)، وليس فيه لفظ: ((الظهر)). (٢) كذا وهي كذلك في ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٤٢٤/٢). (٣) سبق (ص٨٦-٨٧) أن ضعف المصنف هذا الحديث . ٢٤٩ الحديث: ٧١٢ كتاب الأذان المؤذنينَ في بيتِ المالِ - وإنْ أَخَذَ من غيره فهو مكروه. انتهى. والأخذُ من الْوقفِ كالأخذِ من بيتِ المالِ في هَذَا. وَمَتَى بلَّغَ المأمومُ زيادةً على قدرِ الحاجةِ، أو بلِّغَ من غيرِ حاجة إليه كَانَ مکروهًا . وظاهرُ الحديث يدلُّ على أَنَّ المأمومَ إذا اقتدى بالإمامِ بسماعِ التكبيرِ من غيرِهِ صحَّ اقتداؤُه به، وعلى هذا أكثرُ الفقهاء. واختلفَ فيه أصحابُ مالك، فمنهم من أجازَه، ومنهم من مَنَعَه وعلَّلَ بأنَّه اقتدى بغيرِ الإمامِ. ومنهم مَن قال: إِن كانَ الإمامُ أَذِنَ للمبَلِّغْ في التبليغِ صحّ الاقتداءُ به. واختلفوا - أيضًا - فيمن سَمِعَ التكبيرَ ولم يرَ الإمامَ ولا من خلَفه هل يصحّ اقتداؤه بالإمامِ في هذه الحالةِ أم لا يصحّ؟ يُفْرَّقُ بينَ أن يكونَ في ءِ (3 المسجدِ فيصحّ، وبينَ أن يكونَ خارجَ المسجدِ فلا يصح. وقد حُكِيَ في ذلكَ رواياتٌ متعددةٌ عن الإمامِ أحمدَ، وربَّمَا نذكرٌ المسألة في موضعٍ آخر إن شاءَ اللهُ تعالى. وقالَ أحمدُ - في روايةٍ مُهَنَّا - فيمن صَلَّى الجمعةَ فلم يسمعْ تكبيرَ الإمامٍ ولا غير الإمامِ -: ليس عليه إعادةٌ. وقال: كلَّ النَّاسِ يسمعونَ التكبيرَ؟ إنما ينظرُ بعضُهم إلى بعضٍ. وقال سفيانُ الثوريَّ - في القومِ لا يرونَ الإمامَ عندَ الركوعِ والسجودِ -: أجزأَهم أن يَتبعُوا مَن قُدَّامهم من الصفوفِ، النَّاسُ أئمةٌ بعضُهم لبعضٍ. ٢٥٠ الحديث : ٧١٣ ٦٨ - بَابٌ الرَّجُلُ يَأْتُمُّبِالإِمَامِ، وَيَأْتَمُّ النَّاسُ بِالْمَأْمُومِ وَيُذْكَرُ عَنِ النَِّّ ◌ِ﴿ أَنَّهُ قَالَ(١): (اثْتَمُّوا بِي، وَلَيَّبِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ) هذا الحديثُ خرَّجَه مسلمٌ من حديثِ أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدريِّ قال: رأى رسولُ اللهِ وَ ◌ّه في أصحابِه تأخُّرًا، فقالَ: ((تقدَّمُوا فائتمُّوا بي، وليأتمَّ بكم مَنْ بَعَدَكُم، لا يزالُ قومٌ يتأخرون حتَّى يؤخرَهم اللهُ))(٢). ٩٠ والبخاريّ لا يخرِّجُ لأبى نضرةَ؛ فلذلكَ علَّقَ حديثَه هذا على هذا الوجه . قال البخاريَّ: ٧١٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالتْ: لَمَّ ثَقُلَ رَسُولُ اللهِ وَ جَاءَ بِلالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلاةِ. فَقَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرِ يُصَلِّي(٣) بِالنَّاسِ)). فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَبُو بَكْرٍ(٤) رَجُلٌ أَسِفٌ، وَإِنَّهُ مَتَى يَقُمْ (٥) مَقَامَكَ لا يُسْمِعُ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ. فَقَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرِ يُصَلِّي بِالنَّاسِ)). فَقُلْتُ (١) قوله: ((أنه قال)) ليس في ((اليونينية)). (٢) مسلم (٤٣٨). (٣) في ((اليونينية)) والقسطلاني: ((أن يصلي))، ولابن عساكر وأبي ذر: ((فيصلي)). (٤) في ((اليونينية)): ((إن أبا بكر)). (٥) في ((اليونينية)): ((ما يقم)). ٢٥١ الحديث : ٧١٣ كتاب الأذان لِحَقْصَةَ: قُولِي لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرِ رَجُلٌ أَسِيفٌ، وَإِنَّهُ مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ لا يُسْمِعُ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ. قَالَ: ((إِنَّكُنَّ لأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَُ، مُرُوا أَبَا بَكْر أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ». فَلَمَّا دَخَلَ فِي الصَّلاةِ وَجَدَ رَسُولُ اللهِنَّهُ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً فَقَامَ بُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَرِجْلاهُ تَخُطَّانِ فِي الأَرْضِ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرِ حِسَّهُ ذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ يَتَأَخَّرُ، فَأَوْمَاً إِلَيْهِ رَسُولُ الله ◌َّةِ، فَجَاءَ النَِّيُّ ◌َ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَّبِي بَكْرِ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا وَكَانَ رَسُولُ اللهِ بَ يُصَلِّي قَاعِدًا، يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلاةٍ رَسُولِ اللهِ وَّةِ، وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِصَلاة أَبِي بَكْر(١). قد تقدَّمَ(٢) ذكرُ هذا الحديثِ والإشارةُ إلى ما قيلَ في هذه اللفظةِ وهي: ((عن يسارِ أبي بكرٍ)) فإنَّ أبا معاويةً تفرَّدَ بها، وما قيلَ فيما بعدَها (١٠٧ - أ/ ك٢) وأنَّه مدرجٌ، واختلافُ النَّاسِ هل كانَ أبو بكرٍ إمامًا أو مأمومًا؟ فإن قولَه: (يقْتدي أبو بكر بصلاةِ رَسُولِ اللهِ وَه)) قد قيلَ: إِنَّ المرادَ به: أَنَّه كان يراعي في صلاتِه التخفيفَ على النبيِّ نَّه ويفعلُ مَا كانَ أسهلَ عليه وأخفَّ وأيسرَ، فكان ذلكَ اقتداؤُه به من غيرِ أن يكونَ مؤثّمًا به كما قالَ النبيُّ بِّهِ لعثمانَ بْنِ أبي العاصِ - لَّا استعملَه على الطائف، وأمرَه بتخفيفِ الصَّلاةِ بالنَّاسِ وقَالَ لَهُ: ((اقْتدِ بأضعفهم))(٣) أي: راعٍ حالَ الضعفاءِ مِمَّن يُصَلِّي وراءَك، فصلِّي صلاةً لا تشقّ عليهم. والأكثرونَ فسَّرُوا اقتداءَ أبي بكرٍ بالنبيِّ وَلَهَ بأَنَّه كانَ مؤتما بالنبيِّ (١) زاد في ((اليونينية)): ((رضي الله عنه)). (٣) أخرجه أبو داود (٥٣١)، وغيره. (٢) (ص ٧١) . ٢٥٢ ٦٨ - باب الرجل يأتم بالإ مام، ويأتم الناس بالمأموم الحديث : ٧١٣ وَه، وكان النبيُّ نَه إمامًا لأبي بكرٍ . وأما قولُه: ((والنَّاس يقتدونَ بصلاة أبي بكرِ)) فاختلفَ النَّاسُ في تأويله - أيضًا - فقالتْ طائفةٌ: المعنى: أنَّ أبا بكر كان يُسمعُهُم التكبيرَ لضعفٍ صوتِ النبيِّ وَلِّ حينئذٍ، فكانَ اقتداؤُهم بصوتِ أبي بكرٍ وكان مبلِّغًا عن النبيِّ بَّه لم يكنْ إمامًا للنَّاسِ. فاقتداءُ أبي بكرٍ والناسِ كلِّهم إِنَّمَا كَانَ بِالنبيِّ ◌ِهِ، وإنَّما كانَ أبو بكرٍ يبلّغُ عن النبيِّوَِّ التكبيرَ ليتمكّنُوا من الاقتداءِ. ومما يتفرَّع على ذلكَ أَنَّ الشعبيَّ قالَ: إذا انتهيتَ إلى الصفِّ الآخر ولم يرفعوا رءوسهم وقد رفعَ الإمامُ، فاركعْ فإنَّ بعضكم أئمةُ بعضٍ . وهذا قولٌ غريبٌ، والجمهورُ على خلافه، وأَنَّ الاعتبارَ بالإمامِ وحدَه في إدراكِ الركعةِ بإدراكِ ركوعه، وهذا هو المعنى الذي بوّبَ عليه البخاريُّ هاهنا، وكذلكَ بَوَّبَ علَيْه النسائيُّ(١) وغيرُهُ، وهو قولُ أصحاب الشافعيِّ على قولِهِم: إنَّ أبا بكرٍ كان مؤثّمًا بالنبيِّ وَِّ؛ فإنَّهم اختلفُوا هَلْ كانَ النبيُّ ◌َّهِ إِمَامًا لأبي بكرٍ أو مأمومًا به على وجهينِ. وقالَ الإمامُ أحمدُ: بل كانَ النبيُّ ◌َّهِ إِمَامًا لأبي بكرٍ، وكانَ أبو بكرٍ إمامًا للنَّاسِ الذينَ ورَاءَه، فكانْت تلكَ الصَّلاةُ بإمامينِ. ٥ واختلفت الروايةُ عن الإمامِ أحمدَ في الصَّلاةِ بإمامينِ هل هي مِن خَصَائِصِ النبيِّ بِّهِ أو هو حكمٌ عامٌّ يستوي فيه جميعُ الأئمةِ؟ على ثلاث روايات عنه . (١) بوب: ((الائتمام بمن يأتم بالإمام)) (٢/ ٨٣). ٢٥٣ الحديث : ٧١٣ كتاب الأذان واختارَ أبو بكرِ بْنُ جعفرٍ وغيرُه من أصحابِنَا روايةَ اختصاصِ النبيِّ وَ لخلو بذلكَ. وروى حمَّدُ بْنُ سلمةَ، عن هشامٍ بْنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةً أَنَّ رسولَ اللهِ وَلَّهِ كَانَ وَجعًا فأمر أبا بكرٍ أَن يُصلِّي بالنَّاسِ، ووجدَ رسولُ الله ◌َّخِفَّةً فقعدَ إلى جنبِ أبي بكرٍ، فأمَّ رسولُ اللهِ بَّ أبا بكر وهو قاعدٌّ، وأمَّ النَّاسَ أبو بكر وهو قائمٌ. خرَّجَه الدار قطنيُّ(١) وغيرُه. والصحيحُ أَنَّ قولَه ((فوجد رَسولُ اللهِ وَّ خِفَّةً)) إلى آخرِ الحديثِ مدرجٌ من قول عروةَ كما رواه مالكٌ، وابنُ نميرٍ وغيرُهما، عن هشامٍ بغير هذا اللفظ (٢)، وقد سبقَ ذلكَ. (١) ((سنن الدار قطني)) (٣٩٨/١). (٢) انظر ((التمهيد)) (٣١٥/٢٢). ٢٥٤ الحديث : ٧١٥،٧١٤ ٦٩ - بَابٌ هَلْ يَأْخُذُ الإِمَامُ إِذَا شَكَّ بِقَوْلِ النَّاسِ ٧١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةٍ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةً السَّخْتِيَانِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله ◌ِثُ انصَرَفَ مِنَ اثْنَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: أَقَصُرَتِ الصَّلاةُ أَمْ نَسِيتَ بَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِّ: ((أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟)) فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ. فَقَامَ رَسُولُ اللهِّ فَصَلَّى اثْنَيْنِ أُخْرَبَيْنِ (١٠٧- ب/ ث٢) ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُوده أَوْ أَطْوَلَ. ٧١٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْد بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبّدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى الَِّيُّ: ﴿َالظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ. فَقِيلَ لَهُ(١): صَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. إِنَّمَا سَلَّمَ النبيُّ وَ لَّ مِنَ اثنتينِ في هذه الصَّلاةِ؛ لأَنَّه كانَ يعتقدُ أَنَّ صلاتَه قد تَمّتْ، وكانَ جازمًا بذلكَ لم يدخلْهُ فيه شكٌّ، ومثلُ هذا الاعتقاد يسمَّى يقينًا. ووقعَ ذلكَ في كلامِ مالكٍ وأحمدَ وغيرِهما من الأئمة . فلما قالَ له ذو اليدينِ ما قال حصلَ لَهُ شكَّ حينئذ، ولمَّا لم يُوافقْ (١) قوله: ((له)) ليس في ((اليونينية)). ٢٥٥ الحديث: ٧١٥،٧١٤ كتاب الأذان أحدٌ من المصلينَ ذا اليدينِ على مقالتِه مع كثرتِهِم حَصلَ في قولِه ريبةٌ بانفرادِه بما أخبرَ بهِ، فلمَّا وَفَقَه الباقونَ على قولِه رَجَعَ حينئذٍ إلى قولِهم وعَمِلَ به، وصلَّى ما تركَه وسجدَ للسَّهِ . ويؤخذُ من ذلكَ: أَنَّ المنفردَ في مجلسٍ بخبرٍ تتوافرُ الهممُ على نقلِه يوجبُ التوقفَ فيه حتى يُوَافَقَ عليه. وليسَ هذا كالمنفرد بشهادة الهلال؛ لأنَّ الأبصارَ تختلفُ في الحدَّةِ بخلافِ الخبرِ الذي يستوي أهلُ المجلس في علمِهِ. ويؤخذُ منه - أيضًا - أَنَّ المنفردَ بزيادة على الثقات يُتَوَقَّفُ في قبولِ زيادته حتَّى يُتَابَعَ عليها؛ لا سيَّما إن كانَ مجلسُ سماعهم واحدًا. وقد اختلف العلماءُ فيما إذا أخبرَ المأمومونَ الإمامَ فهل يرجعُ إلى قولِهم أم لا؟ وهذا على قسمين: أحدُهما: أن يتيقَّنَ صوابَ نفسِه، فلا يرجعُ إلى قولٍ من خالفَه ولو كثروا وحُكِيَ لأصحابِنا وجهٌ آخرُ بالرجوعِ، وقيلَ: إنَّه لا يصحّ. والثَّاني: أَن يشكَّ، ثم يخبرُهُ المأمومونَ بِسهوِه بقول أو إشارة أو تسبيحٍ أو غيرِ ذلكَ ففيه أقوالٌ: أحدُها: أنَّه يلزمُه الرجوعُ إلى قول واحدٍ فما زادَ؛ لأنَّه خبرٌ دينىٌّ ء فيقبلُ فيه خبرُ واحد ثقة كوقت الصَّلاة وطهارة الماء ونجاسته. وهو قولُ: أبي حنيفةَ. ولأصحابِنا وجهٌ مثلُه في الزيادةِ . والثّاني: إنْ أخبرَه اثنان فصاعدًا لَزِمَه الرجوعُ إلى قولهما، وإِنْ ٢٥٦ ٦٩ - باب هل يأخذ الإمام إذا شك بقول الناس الحديث : ٧١٥،٧١٤ أخبرَه واحدٌ لم يرجعْ إليه. وهذا روايةٌ عن مالك، والمشهورُ عن أحمدَ؛ واحتجَّ بأنَّ النبيَّ ◌ََّ لم يكتفِ بخبرِ ذي اليدينِ حتَّى وافقَه غيرُهُ. والثَّالثُ: إِنَّه يستحبُّ له الرُجوعُ إلى قولِ الاثنينِ، ولا يجبُ؛ بل له أن يبنيَ على يقينِ نفسِه أو يتحرى، وله أن يرجعَ إلى قولِهما - وهو أفضلُ - وهو روايةٌ عن أحمدَ. والرَّابِعُ: أَنَّا إِنْ قُلْنَا: إِنَّ الشَّاكَّ يبني على اليقينِ فلا يرجعُ إلى قولِ أحد، وإن قلنا: يتحرَّى ويعملُ بما يغلبُ على ظنِّه رجعَ إلى قولِ المأمومينَ. هذا قولُ ابنِ عَقيلٍ من أصحابِنَا. وجمهورُهم قالوا: يرجعُ على كلا القولينٍ؛ لأنَّ الرجوعَ إلى خبرِ الاثنينِ رجوعٌ إلى شهادة شرعية فيعملُ بها على كلِّ حالِ بخلافِ التحري والرجوعِ إلى الأماراتِ المحضة. ويشهدُ له أَنَّ أحمدَ نصَّ على أنَّه يرجعُ إلى تسبيحِ الاثنينِ وإن غلبَ على ظنه خطؤُهما. والخامسُ: أَنَّهُ لا يرجعُ إلى قولِ أحدٍ؛ بل يبني على يقينِ نفسِه كالمنفردِ. وهو قولُ الثوريِّ، والشافعيِّ، ومالكٍ - في رواية. وقالَ أهلُ هذا القول: إنَّما رجعَ النبيّ وَّلَه إلى ذكرِه لا إلى قولِ المأمومينَ، كما قالَ: ((إنَّمَا أَنَا بشرٌ أَنَسى كما تَنسَون، فإذا نسيتُ فذكِّروني)) (١) فدلَّ على أَنَّه إنما يرجعُ إلى ذكرِهِ لا إلى قولِهِم؛ فإنَّه لم يقلْ: فإذا نسيتُ فردُّوني. والسادسُ: (١٠٨ - أ/ ك٢) أَنَّه لا يرجعُ إلى قولِ الواحدِ والاثنينِ، ويرجعُ إليهم إذا كَثُروا؛ فإنَّه يبعدُ اتفاقُهم على الخطأ مع كثرِتِهم. وهو قولُ طائفة من المالكية والشافعيةِ . (١) متفق عليه من حديث ابن مسعود. ٢٥٧ الحديث : ٧١٥،٧١٤ كتاب الأذان وإن كانَ المخبرُ للمصلِّي ليسَ معه في صلاتِه: فهل يرجعُ إليه كما يرجعُ إلى قولِ المأمومينَ؟ فيه وجهان لأصحابنَا، أصحُّهما: أَنَّه يرجعُ إليهم. وهو قولُ أشهبَ المالكيِّ، وظاهرُ كلامٍ أَحمدَ؛ فإنَّه نصَّ على أنَّ الطائفينَ بالبيتِ يرجعُ بعضُهم إلى قولِ بعضِ إذا أخبرَه اثنانِ عن عددٍ طوافِه مع أنَّ كلّ واحد منهم غيرُ مشاركِ للآخرِ في طوافِهِ فكذَلَكَ هَاهُنَاً. وأما المأمومُ إذا شكَّ في عددِ الركعاتِ، ففيه ثلاثةُ أقوالِ : أحدُها: أنَّه يرجعُ إلى فعلِ الإمامِ والمأمومينَ ويصنعُ مَاصَنَعوا. وهو مذهبُ أصحابِنَا . والثَّانِي: أَنَّه يَبْنِي على اليقينِ كالمنفردِ. وهو قولُ طائفة من المالكية والشافعية . والثالثُ: إِن كَثُرُوا رجعَ إلى متابعِتِهِم وإلا فَلا. وهو وجهٌ لأصحابِ مالكٍ، والشافعيِّ. ولو كانَ مع الإمامِ مأمومٌ واحدٌ فشكَّ المأمومُ فهل يرجعُ إلى قولٍ إمامه؟ قالَ بعضُ أصحابنا: قياسُ المذهب: لا يرجع إليه كما لا يرجع ءَ الإمامُ إلى قولِ مأمومٍ واحدٍ . وفيه نظرٌ؛ فإنَّ الإمامَ ضامنٌ، وقد وردَ الأمرُ بأن يصنَع المأمومُ ما صنعَ إمامُه. خرَّجَهَ الدارقطنيُّ من حديثِ جابرٍ، عن النبيِّ نَّمَ قَالَ: ((الإمامُ ضَامِنٌ، فما صنَع فاصنعوا))(١). (١) الدار قطني (٣٢٢/١). ٢٥٨ ٦٩ - باب هل يأخذ الإمام إذا شك بقول الناس الحديث : ٧١٥،٧١٤ وفي إسناده مقالٌ. وبقيةُ فوائد حديث أبي هريرةَ تذكرُ في مواضِعِهِ من «أبوابِ سجودٍ السهوِ)) إِن شاءَ اللهُ تعالى. ٢٥٩ كتاب الأذان ٧٠ - بَابٌ إِذَا بَكَى الإِمَامُ فِي الصَّلاةِ وَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ شَدَّادِ: سَمِعْتُ نَشِيجَ عُمَرَ وَأَنَا فِي آخِرِ الصُّغُوفِ يَقْرَأُ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُوَ بِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ الآية روى سفيانُ بْنُ عيينةَ، عن إسماعيلَ بْنِ محمدِ بنِ سعدٍ، سمعَ عبدَ اللهِ بْنَ شدَّد بنِ الهاد يقولُ: سمعتُ عمرَ يقرأُ في صَلاةِ الصبحِ سورةَ يوسفَ، فسمعتُ نشيجَه وإِنّ لفي آخِرِ الصفوفِ وهو يقرأُ ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللهِ﴾(١) [يوسف: ٨٦]. ورُوِيَ من وجوهٍ أُخرَ: روى ابْنُ جريجٍ: أخبرَنَي ابْنُ أبي مُلَيْكَةَ قَالَ: أخبرني علقمةُ بْنُ وقَّاصٍ قَالَ: كانَ عمرُ يقرأُ في العشاء الآخرةِ بسورةٍ يوسفَ وأنا في مُؤخرِ الصفِّ، حتَّى إذا ذكرَ يوسفَ سمعتُ نشيجَهَ(٢). وروى جعفرُ بْنُ سُليمانَ، عن ثابتٍ، عن أبي رافعٍ قالَ: إِنِّي يومًا مَعَ عمرَ في صلاةِ الصبحِ وهو يقرأُ السورةَ التي فيها يوسفُ، وأنا في آخرٍ صفوفِ الرجالِ مِمّا يلي النساءَ، وكان جهيرَ القراءة، فلما مرَّ بهذه الآية ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إِلى اللهِ﴾ فَبكى حَتَّى انقطعتْ قراءتُه وسمعتُ نشیجه. (١) أخرجه ابن أبى شيبة (٧/١٤)، وعبد الرزاق (١١٤/٢)، وابن المنذر فى ((الأوسط)) (٢٥٦/٣). (٢) ابن أبي شيبة (٨/١٤)، (٣٥٥/١). ٢٦٠