Indexed OCR Text

Pages 21-40

٣٠ - باب فضل صلاة الجماعة
الحديث: ٦٤٧
جماعةً لم يُكْتَبْ له سوى صلاة واحدة.
فإن قيلَ: يَلْزمُ من القولِ بوجوبِ الجماعةِ أَنْ تكونَ شرطًا للصلاة
وأنْ لا تصحّ بدونِها كما قلتم في واجباتِ الصلاةِ، كالتسبيحِ في الركوعِ
والسجود: إنَّه تبطلُ الصلاةُ بتركِه عمدًا لكونه واجبًا؛ ولأنَّ القاعدةَ: أَنَّ
ارتكابَ النهي في العبادة إذا كانَ لمعنى مختصِّ بها أنَّه يبطلُها مثل:
الإخلالِ بالطهارةِ، والاستقبالِ، فكذلك الجماعةُ.
قيلَ: قد اعترفَ طائفةٌ من أصحابنا بأنَّ القياسَ يَقْتَضِي كونَ الجماعة
شرطًا لما ذُكرَ؛ لكنَّ الإمامَ أحمدَ أخذَ بالنصوصِ كلِّها، وهي دالةٌ على
وجوبِ الجمع(١)، وعلى أَنَّها ليستْ شَرْطَا فَعُلمَ بذلكَ أَنَّه لا يَرَى أَنَّ كلَّ
ارتكابِ نهي في العبادةِ يكونُ مبطلا لها، وسواء كانَ لمعنى مختصِّ بها
كالجماعةِ، أو لمعنى غيرِ مختصٍّ ولهذا تبطل الصلاة بكشف العورة وهو
لمعنى غير مختص بالصلاة.
وفي بطلانِهَا في المكانِ المغصوبِ والثوبِ المغصوبِ والحريرِ عنه
روایتان.
وقد يجبُ في العباداتِ ما لا تبطلُ بتركِه، كواجباتِ الحجِّ.
وما دلَّتْ عليه الأحاديثُ من القول بوجوبِ الجماعةِ في الصَّلوات
المكتوباتِ وأَنَّها تصحُّ بدونها دليلٌ واضحٌ على بطلانِ قولِ من قالَ: إنَّ
النهيَ يقتضي الفسادَ بكلِّ حالٍ، أو أَنَّ ذلكَ يختصُّ بالعبادات أو أنَّه
يختصّ بما إذا كانَ النهيُ لمعنى يختصُّ العبادة، فإنَّ هذا كلَّه غيرُ مُطَّرد،
واللهُ سبحانَه وتعالى أعلم(٢) .
(١) كذا، ولعلها ((الجماعة)).
(٢) وانظر تفصيل ذلك في الباب الماضي.
٢١

الحديث: ٤٦٩،٤٦٨
كتاب الأذان
٣١ - بَابُ
فَضْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي جَمَاعَةِ
فيه ثَلاثةُ أحاديثَ:
الحديثُ الأولُ:
٦٤٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ
ابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِّهِ يَقُولُ: تَفْضُلُ صَلَاةُ الجمعِ(١) صَلَاةَ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسَةٍ
وَعِشْرِينَ جُزْءًا، وَتَجْتَمِعُ مَلائِكَةُ الَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلَّةِ الْفَجْرِ».
ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَأُوا إِن شِئْتُمْ ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾
[الإسراء: ٧٨].
٦٤٩ - قَالَ شُعَيْبٌ: وَحَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: تَفْضُلُهَا
بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةٍ(٢).
قَدْ سَبَقَ في البابِ الماضي أولُ حديث أبي هريرةَ هذا بلفظ آخر،
وبقيَّةُ الحديث قد ذكرناه - فيما تقدَّم(٣) - في بابِ ((فضلِ صلاةِ العصرِ))،
وذكرنا قولَ مَن قالَ: إنَّ هذا الفضلَ - وهو اجتماعُ الملائكةِ في صلاةٍ
ء
الفجر - (٦٨ - أ/ ك٢) وفي الحديثِ الآخرِ - وفي صلاةِ العصرِ يختص -
(١) في ((اليونينية)) : ((الجميع)).
(٢) جعلناه حديثا مستقلا تبعا لترقيم ((الفتح)).
(٣)
٢٢

٣١ - باب فضل صلاة الفجر في جماعة
الحديث: ٦٥٠
بالجماعات كما أشارَ إليه البخاريِّ هَاهُنَا، وهو الذي رجَّحَه ابنُ عبد البرِّ
و
وغيره .
ويشهدُ له ما رواه أبو نعيم في كتاب ((الصَّلاة)) له: حَدَّثَنَا هشامُ بْنُ
سعدٍ: ثنا صالِحُ بْنُ جبيرِ الأزديُّ، عن رجلٍ من أَهلِ الشَّامِ قَالَ: صلَّيتُ
وراءً معاذِ بْنِ جبلٍ الصبحَ، فلما انصرفَ قَالَ: إنَّ هذه الصلاةَ مقبولةٌ
مشهودةٌ، يحضرُهَا ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النهارِ، ويطَّلعُ اللهُ فيها على
عباده فيغفر لهم فارغَبُوا فيها واشهدوها واحْضرُوها.
وحديثُ ابنِ عمرَ تقدَّمَ في البابِ الماضي عنه مرفوعًا مع الكلامِ
عليه .
الحديثُ الثَّاني: قَالَ:
٦٥٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بَنُ حَقْصٍ: ثَنَا أَبِي، قَالَ: ثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ:
سَمِعْتُ سَالِمًا قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ الدِّرْدَاءِ تَقُولُ: دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَهُوَ
مُغَضَبٌّ، فَقُلْتُ: مَا أَفْضَّبَكَ؟ فَقَالَ: وَهِ مَا أَعْرِفُ مِنْ أَمْرٍ مُحَمَّدِ رَلهُ
شَيْئًا إِلا أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعًا.
وليسَ في هذا الحديثِ ذكرٌ للجماعةِ في صلاةِ الفجرِ بخصوصِها،
وإنَّما فيه أَنَّ الصلاةَ في الجماعةِ من أمرٍ محمدٍ وَّ ودينِه وشرعِه فهو
كقولِ ابْنِ مسعودٍ: إنَّ اللهَ شرعَ لَنَبِّه سُنَنَّ الهُدَىّ، وإِنَّهنَّ مَن سُنَنِ الهدىِ
- وقد تقدَّمَ ذكرُهُ(١). وفي روايةٍ للإمامِ أحمدَ في هذا الحديثِ إلا
الصَّلاة (٢).
(١) قبل باب.
(٢) أحمد (٤٤٣/٦).
٢٣

الحديث: ٦٥٠
كتاب الأذان
وهذا بخلاف قول أنس: ما أعرفُ شَيْئًا ممَّا كَانَ على عهد رسول الله
وَهَ قيلَ: الصَّلَاةُ؟ قَالَ: أَليسَ قد صنعتمْ ما صنعتمْ فيها.
وَقَدْ خَرَّجَه البخاريُّ في موضعٍ آخر.
وخرجَه - أيضًا - بلفظ آخر، وهو أنَّه قَالَ وهو يَبْكي: لا أعرفُ شيئًا
ممّا أدركتُ إلا هذه الصلاة، وهذه الصَّلاةُ قَدْ ضُيِّعتْ (١).
وأشارَ أنسٌ إلى ما أَحْدَثَه بنو أميةَ من تضييع مواقيتِ الصَّلاة، وكانَ
أبو الدرداءِ قَدْ تُوفي قبلَ ذلكَ في زمنٍ معاويةَ؛ يبيِّنُ هذا ما خَرَّجَه الإمامُ
أحمدُ من روايةِ ثابت، عن أنسٍ قَالَ: ما أعرفُ فيكم اليومَ شيئًا كنتُ
أعهدُه على عهد رسول اللهِ وَلَّه ليس قولكم لا إلَه إلا الله، قلتُ: يا
أَبَا حمزة، الصَّلاة؟ قالَ: قد صلَّيْتُم حينَ تغربُ الشمسُ أفكانت تلك
صلاةُ رسول الله وَلٍ؟(٢).
وفي روايةٍ للإمامِ أحمدَ من حديث عثمانَ بْنِ سعدٍ، عن أنسٍ قَالَ:
أَوَ ليسَ قد علمتَ ما صنَعِ الحَجَّاجُ في الصلاةِ؟!(٣).
وكان هذا الإنكارُ على الأمراء، كما روى أبو إسحاقَ، عن معاويةً
ابْن قُرةَ قَالَ: دخلتُ أنا ونفرٌ معي على أنسِ بْنِ مالك، فقالَ: ما
أُمراؤُكُم هؤلاءِ على شيءٍ مما كانَ عليه محمدٌ وأصحابُه، إلا أنهم
يزعمونَ أنَّهم يصلونَ ويصومونَ رمضانَ.
(١) (فتح: ٥٢٩، ٥٣٠).
(٢) أحمد (٣/ ٢٧٠).
(٣) أحمد (٢٠٨/٣).
٢٤

٣١ - باب فضل صلاة الفجر في جماعة
الحديث: ٦٥١
الحديثُ الثَّالثُ:
٦٥١ - ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ: ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ بُرِيد بْن عَبْد الله، عَنْ
أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي
الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ فَبْعَدُهُمْ مَمْشَى، وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلاَةَ حَتَّى يُصَلِيَهَا مَعَ
الإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِ يُصَلِّي ثُمَّيَنَامُ).
وهذا الحديثُ - أيضًا - إنَّما يدلُّ على فضلِ المشي إلى المسجدِ من
المكان البعيد، وأَنَّ الأجرَ يكثرُ ويعظمُ بحسبِ بُعدِ المكانِ عن المسجدِ،
وعلى فضلِ السبقِ إلى المسجد فِي أولِ الوقتِ، وانتظارِ الصَّلاةِ فيه معَ
الإمامِ، وقد ذكرْنَا - فيما سبقَ - أَنَّ هذا كلَّه مما يضاعفُ به الصَّلاةُ في
الجماعةِ وتزدادُ به على صلاة الفذِّ فضلا وأجرًا عند الله عزَّ وجلَّ؛ وليسَ
يختصُّ ذلكَ بصلاةِ الفجرِ دونَ غيرِها من الصلواتِ .
٢٥

الحديث: ٦٥٢، ٦٥٤،٦٥٣
كتاب الأذان
٣٢ - بَابُ
فَضْلِ الَّهْجِيرِ إِلَى الظُّهْرِ
٦٥٢ - حَدَّثَنِي قُتَّبَةُ، (٦٨ - ب/ك٢) عَنْ مَالِك، عن سُمَيِّ مَوْلَى أَبِي
بَكْرِ، عَنْ أَبِي صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((بَيْنَمَا
رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكِ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَذَهُ، فَشَكَرَ اللهُلَهُ،
فَغَفْرَ لَهُ)).
٦٥٣ - ثُمَّ قَالَ: ((الشُّهَدَاءُ خَمْسٌ: الْمَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِيقُ،
وَصَاحِبُ الْهَدْمِ، وَالشَّهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ).
وَقَالَ: (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفَهِّ الأَوَّلِ، ثُمَّلَمْ يَجِدُوا إِلا
أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ».
٦٥٤ - ((وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاسْتَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي
الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا)).
إِنَّمَا ساقَ الحديثَ بتمامه؛ لأنَّه أولى مِنَ اختصارِه وتقطيعه وإن كانَ
ذلكَ جائزا - كما سبقَ ذكرُه - واقتداءً بمالك رحمه الله؛ فإنَّه ساقَه بتمامه
في كتابِ الصَّلاةِ من ((الموطَّ)) (١) هكذا.
والكلامُ على إزالةِ الشوكِ من الطريقِ، وعلى عددِ الشهداءِ يأتي في
(١) (ص/ ١٠١) وقطعناه تبعا لترقيم ((الفتح)).
٢٦

٣٢ - باب فضل التهجير إلى الظهر
الحديث: ٦٥٤
موضعهمَا إن شاءَ اللهُ تعالى.
وأَمَّا ما يتعلقُ بالصلاة من الحديث فثلاثةُ أشياء:
أحدُها: ذكرُ الاستهامِ على النداءِ والصفِّ الأول - وقد سبقَ الكلامُ
على ذلكَ في الأذانِ(١) .
الثَّاني: الاستباقُ إلى التهجيرِ، والتهجيرُ: التبكيرُ إلى المساجدِ لصلاةٍ
الظهرِ، والهجيرُ والهاجرةُ: نصفُ النهارِ .
وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ من حديثِ زيدِ بْنِ ثابتٍ قَالَ: كانَ
النبيُّ ◌َّهِ يصلِّي الظُّهَر بالهاجرةِ، ولم يكنْ يصلّي صَلَاةً أَشدَّ على
أصحابِ النبيِّ نَّهِ منها، قال: فنزلتْ ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاةِ
الْوُسْطِى﴾ (٢) [البقرة: ٢٣٨].
وخَرَّجَهَ الإمامُ أحمدُ - أيضًا - والنسائيُّ من حديثِ أسامةَ بْنِ زيدٍ
قَالَ: كَانَ رسولُ اللهِّهِ يصلِّي الظهرَ بالهجيرِ، ولا يكونُ وراءَه إلا الصفُّ
والصَّفَّان، والنَّاسُ في قائلتِهم وفي تجارتهم، فأنزلَ اللهُ تعالى ﴿حَافِظُوا
على الصّلَوَاتِ والصَّلاة الوسطى﴾(٣). وفيه دليلٌ على تعجيلِ الظهرِ .
والثَّالثُ: المبادرةُ إلى شهودِ العَتَمَةِ والصبحِ.
وسيأتي الْقولُ فيه - فيما بَعْدُ - إِن شَاءَ اللهُ تعالى، وفيه دليلٌ على
جوازِ تسميةِ العشاء الْعَتَمة، وقد تقدَّمَ ذِكْرُهُ (٤).
(١) سبق (٢٧٦/٥) تحت الحديث(٦١٥).
(٢) أحمد (١٨٣/٥)، وأبو داود (٤١١).
(٣) أحمد (٢٠٦/٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٥١/١).
(٤) كتاب ((المواقيت)) الباب (٢٠).
٢٧

الحديث: ٦٥٥، ٦٥٦
كتاب الأذان
٣٣ - بَابُ
احْتِسَابِ الْآثَارِ
٦٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَوْشَبٍ: ثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ:
حَدَّثَنِي حُمَيّدٌ، عَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ النَِّيُّ ◌َّ: (( يَا بَنِي سَلِمَةٌ! أَلاَ تَحْتَسِبُونَ
آثَارَكُمْ؟!)). وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ ﴿وَنَكْتُبُ مَ قَدَّمُوا وَآَنَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢]
قال: خُطَاهُمْ.
٦٥٦ - وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَنَا يَحْيَى بْنُ أُيُّوبَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ:
حَدَّثَنِي أَنَسٌ أَنَّ بَنِي سَلِمَةَ أَرَادُوا أَن يَتَحوَّلُوا عَنْ مَنَازِلِهِمْ فَيَنْزِلُوا قَرِيبًا مِنَ
الَّبِّ ◌َ﴿ قَالَ: فَكَرَهَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ أَنْ يُعْرُوا مَنَازِلَهُمْ فَقَالَ: ((أَلا تَحْتَسِبُونَ
آثَارَكُمْ؟!)). قَالَ مُجَاهِدٌ: خُطَاهُمْ آَثَّارُ الْمَشْيِ(١) فِي الأَرْضِ بِأَرْجُلِهِمْ.
سَاقَه أولا مِنْ حديثِ عبدِ الوهاب الثقفيِّ، عن حميد مختصرًا، ثم
ذكرَه من روايةٍ يحيى بْنِ أيوبَ المصريِّ - وهو ثقةٌ؛ لكنَّه كثيرُ الوهم -
مُطَوَّلًا، وزادَ فيه تصريحَ حميدٍ بالسماعِ له من أنسٍ؛ فَإِنَّ حُميدًا قد
قيلَ: إِنَّه لم يسمعْ من أنسٍ إلا قليلا، وأكثرُ رواياتِه عنه مرسلةٌ (٢)، وقد
سبقَ ذكرُ ذلكَ وما قالَه الإسماعيليّ في تسامحِ المصريينَ والشاميينَ في
لفظة ((حدثنا)) وأنَّهم لا يضبطونَ ذلك .
وقد خرَّجه في كتابِ (الحجِ) من طريقِ الفزاريِّ، عن حُميدٍ، عن أنسٍ
(١) في ((اليونينية)): ((آثارهم أن يُمشى)). (٢) راجع ((جامع التحصيل)) (ص: ١٦٨).
٢٨

٣٣ - باب احتساب الآثار
الحديث: ٦٥٦
صَلى الله
وسلم
قَالَ: أَرادَ بُنُو سَلَمَةَ أَن يتحوَّلُوا إلى قرب المسجد، فَكَرَهَ رسولُ الله
أن تعرى المدينهةُ، فقالَ: ((يابني سَلِمَةَ، أَلا تحتسبون آثاركُم؟!)) (١).
وَبَنْو سَلَمَةَ قومٌ من الأنصارِ كانت دُورُهم بعيدةً من المسجد فأرادُوا
(٦٩ - أ/ ث٢) أن يتحوَّلُوا إلى قربِ المسجدِ فأمرَهم النبيُّ نَّ بملازمة
دُورِهم، وأخبرَهم أَنَّ خُطَاهم يكتبُ لهم أجرُها في المشي إلى المسجدِ .
وخرَّجَ مسلمٌ في ((صحيحه)) من حديث أبي الزبيرِ، عن جابرٍ قَالَ:
كانتْ دارُنا نائيةً من المسجد فأردنا أن نبيعَ بيوتَنَا فتتقربَ من المسجد،
فنهانا رسولُ اللهِ وَ له فقالَ: ((إن لكم بكلِّ خُطوةٍ درجة) (٢).
ء
ومن حديث أبي نضرة، عن جابرِ قالَ: أرادَ بَنُو سَلمةً أن يتحوّلُوا
إلى قربِ المسجدِ والبقاعُ خاليةٌ. قال: فبلغَ ذلكَ رسولَ اللهِ وَ له فقالَ:
((يابني سَلِمَةَ! دياركم تُكْتَبُ آثَارُكُمْ)) فقالوا: مايسرّنَا أَنَّا كنَّا تحولْنَا (٣).
وقولُه: ((دياركم)) بفتحِ الراءِ على الإغراءِ، أي: الزموا دياركم
وخرَّجه الترمذيُّ من حديث أبي سفيانَ السعديِّ، عن أبي نضرةَ،
عن أبي سعيد قالَ: كانتْ بَنُو سَلِمةَ في ناحيةِ المدينةِ فأرادوا النَّقْلَةَ إلى
قرب المسجد، فنزلت هذه الآيةُ ﴿إِنَّا نحنُ نحيي الموتَى ونكتُب ما قدَّمُوا
وآثارَهم﴾ [يس: ١٢]فقالَ رسولُ اللهِ وَالَ: ((إِنَّ آثارَكم تُكْتَبُ)) فلم
ينتقلوا(٤). وأبو سفيانَ فيه ضعفٌ .
والصحيحُ: روايةٌ مسلمٍ، عن أبي نضرةَ، عن جابر(٥)، وكذا قَالَه
(١) (فتح: ١٨٨٧).
(٣) مسلم (٦٦٥ / ٢٨١).
(٢) مسلم (٦٦٤) .
(٤) الترمذي (٣٢٢٦).
(٥) مسلم (٦٦٥) .
٢٩

الحديث: ٦٥٦
كتاب الأذان
الدار قطنيُ (١) وغيرُه(٢).
وخرَّجَ ابنُ ماجَه من روايةٍ سِمَاك، عن عكرمةً، عن ابْنِ عباسٍ قَالَ:
كانت الأنصارُ بعيدةً منازلُهم من المسجد فَأَرادُوا أن يقربوا(٣) فنزلتْ
﴿نكتبُ ماقدَّموا وآثارَهم﴾ قَالَ: فَثَبَتُوا (٤) .
وقد ذكرَ البخاريُّ عن مجاهدٍ أَنَّه فَسَّرَ الآثارَ - يعني في هذه الآية -
بالخطا، وزاد أيضًا - بقولِه: آثار المشي في الأرضِ بأرجلهم .
وفي حديث أنسٍ: فكَرِهَ رسولُ اللهِ وَجِّ أَن تَعْرُوا المدينةُ أو منازلهم
يعني: يُخْلوها فتصير عَرَاء من الأرض. والعراءُ: الفضاءُ الخالي من
الأرضِ، ومنه قولُه تعالى ﴿فَنَبَذْنَاه بِالْعَرَاءِ﴾ [الصافات: ١٤٥].
وروى يحيى بن سعيد الأنصاريُّ هذا الحديثَ عن حميد، عن أنسِ
وقالَ: فَكَرِهَ أن يُعْرُوا المسجدَ. قَالَ الإمامُ أحمدُ: وَهمَ فيه، إنَّمَا هُوَ:
كَرِهَ أن يُعْرُوا المدينةَ(٥) .
وقد دلَّتْ هذه الأحاديثُ على أنَّ المشيَ إلى المساجدِ يُكْتبُ لصاحِبه
أجرُهُ - وهذا مما تواترت السننُ به. وقد سبق(٦) حديثُ أبي موسى:
(١) في ((العلل)) (٤/ ق١٣٢ - ب).
(٢) راجع كلام ابن حجر في ((النكت الظراف)) (٤٦٦/٣) .
(٣) في الرواية: ((يقتربوا)) وهو الأنسب للسياق .
(٤) ابن ماجه (٧٨٥) .
(٥) المسند (١٨٢/٣)، وفي ((العلل ومعرفة الرجال)) برواية عبد الله (٨٢/٣-٨٣). ولفظه في
((العلل)): قال عبد الله: سمعت أبي يقول: هكذا حدثني يحيى، وإنما هو: أن تُعرى المدينة.
ولكنَّه أخطأ - يعني: يحيى - فقال: المسجد .
وفي المسند: ((وضرب عليه أبي هاهنا، وقد حدثنا به في كتاب يحيى بن سعيد )).
(٦) (٥١ ٦) .
٣٠

٣٣ - باب احتساب الآثار
الحديث: ٦٥٦
(أعظمُ النَّاسِ أجرًا في الصَّلاةِ أبعدُهم فأبعدُهم مَمْشى)) .
وفي حديث أبي هريرةَ، عن النبيِّ نَّهِ: ((وكلُّ خُطوة يمشيها إلى
الصَّلاة صدقةٌ))، وقد خرَّجه البخاريّ في موضع آخرَ، وسبقَ - أيضًا (١) -
حديثُ أبي صالحٍ، عن أبي هريرَةَ .
وفي ((المسند))، و ((سنن أبي داود))، وابن ماجه، عن عبد الرحمن بنِ
سعدٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَ ◌ّهِ قَالَ: ((الأبعدُ فالأبعدُ من المسجد
أعظمُ أجرًا))(٢).
وفي ((صحيح مسلم))، عن أُبَيِّ بْنِ كعبٍ قَالَ: كانَ رجلٌ لا أعلمُ
رجلا أبعدَ من المسجد منه، وكانَ لاتُخْطُه صلاةٌ. قَالَ: فقيل له - أو
قلتُ له: لو اشتريتَ حِمَارًا تركبُه في الظلماءِ أو الرمضاءِ. قال: مايسرّني
أَنَّ منزلي إلى جنبِ المسجدِ، إِنِّي أريدُ أن يُكْتَبَ لي مَمْشايَ إلى المسجد
ورجوعي إذا رجعتُ إلى أهلي. فقالَ رسولُ اللهِ وَله: ((قد جمعَ اللهُ لكَ
ذلك كلَّه)).
وفي رواية له - أيضًا - فقالَ له النبيُّ نَالَ: ((إنَّ لكَ ماحسبت))(٣).
وهذا يدلُّ على أنَّه يثابُ على المشي في رجوعِه من المسجدِ إلى
منزله.
وفي ((المسند))، و((صحيح ابن حبان))، عن عبدِ الله بن عمرو، عن النبيِّ
وَلَّ قَالَ: ((من راحَ إلى مسجدٍ جماعةٍ فخُطُوتاه: خُطوةٌ تمحو سيئةً،
(١) (٦٤٧) .
(٢) المسند (٣٥١/٢، ٤٢٨)، وأبو داود (٥٥٦)، وابن ماجه (٧٨٢) .
(٣) مسلم (٦٦٣/ ٢٧٨)، وفيه: ((احتسبت)).
٣١

الحديث: ٦٥٦
كتاب الأذان
وخطوةٌ تكتبُ حسنةً ذاهبًا وراجعًا))(١).
وهذا المطلقُ قد وردَ (٦٩ - ب/ ك٢) مقيدًا في حديث أبي صالحٍ، عن
أبي هريرةَ الذي خرَّجه البخاريُّ - فيما مضى - (٢)، وسيأتي بقيدينِ :
أحدهما: أن يخرجَ من بيتِهِ على طُهرٍ قد أحسنَه وأكمله .
والثَّاني: أن لا يخرجَ إلا إلى الصلاةِ في المسجدِ، فلو خرجَ لحاجة له
وكانَ المسجدُ في طريقِه فدخلَ المسجدَ فصلَّى ولم يكن خروجُه لذلكَ لم
يحصلْ له هذا الأجرُ؛ الخاصُّ، وكذلكَ لو خرجَ من بيتِهِ غيرَ متطهر؛
لكنه يكتبُ له بذلك أجرٌ ؛ غيرَ أَنَّ هذا الأجرَ الخاصَّ وهو رفعُ الدرجاتِ،
وتكفيرُ السيئاتِ لا يحصلُ بذلكَ .
واعلم أن الدارَ القريبةَ من المسجد أفضلُ من الدارِ البعيدة؛ لكنّ
المشيَ من الدارِ البعيدة أفضلُ .
وفي ((المسند)) بإسناد منقطعٍ، عن حذيفةَ، عن النبيِّ وَِّ قَالَ:
((فضلُ الدارِ القريبةِ من المسجدِ على الدارِ الشاسعةِ كفضلِ الغازِي على
القاعد))(٣).
(١) المسند (١٧٢/٢)، وابن حبان (الإحسان: ٣٨٧/٥).
(٣) أحمد (٣٨٧/٥).
(٢) (٦٤٧) .
٣٢

الحديث: ٦٥٧
٣٤ - بَابُ
فَضْلٍ صَلَاةِ الْعِشَاءِ فِي الْجَمَاعَةِ
٦٥٧ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ: ثَنَا أَبِي: ثَنَا الأَعْمَشُ: حَدَّثَنِي أَبُو
صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله(١) ◌ِ: ((لَيْسَ صَلَاةٌ أَنْقَلَ عَلَى
الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لِأَنَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً.
وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ الْمُؤَذِّنَ فَيُقِيمَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً بَؤُمُ النَّاسَ، ثُمَّ آخُذَ
شُعَلَا مِنْ نَارِ فَأُحَرِّقَ عَلَى مَنْ لا يَخْرُجُ إِلَى الصَّلاةِ وَهُوَ يَقْدِرُ (٢)).
قَدَّ صرَّحَ الأعمشُ بسماعِ هذا الحديثِ من أبي صالحٍ، وفي الغالبِ
إنما يخرِّجُ البخاريّ من حديث الأعمش، عن أبي صالحٍ ما صرّح فيه
بالسماعِ كهذا الحديثِ، والحديثُ الذي خرَّجَه قبلَه في فضلِ الجماعةِ(٣).
والمرادُ بثقلِ هاتين الصَّلاتينِ على المنافقينَ: ثقلُ شهودِهما في
المساجدِ، وباقي الحديث يدلُّ على ذلكَ. ويدلُّ عليه - أيضًا - حديثُ أُبيِّ
ابْن كعب قَالَ: صلَّى بنا رسولُ اللهِ وَله يومًا الصبحَ فقالَ: ((أَشَاهِدُ
فِلاَّنٌ؟)) قَالُوا: لا. قَالَ: ((أَشَاهدٌ فلانٌ؟» قالوا: لا. قَالَ: ((إنَّ هاتين الصَّلاتين
أثقلُ الصَّلَواتِ على المنافقينَّ، ولو تعلمونَ ما فيهما لأتيتمُوهَماً ولو حَبْوًا
على الرُّكَبِ)).
خرَّجهُ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، وابنُ خزيمةَ، وابنُ حبان
(١) في ((اليونينية)): ((النبي)).
(٢) في ((اليونينية)): ((إلى الصلاة بَعْدُ)) وفي بعض النسخ: ((إلى الصلاة يقدر)).
(٣) (٦٤٧).
٣٣

الحديث: ٦٥٧
كتاب الأذان
في (صحيحيهما))، والحاكم(١).
وروى أبو داودَ الطيالسيُّ: ثَنَا محمدُ بْنُ أبي حميدٍ، عن أبي عبدِ اللهِ
القراظ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَ ◌ّرِ قالَ: ((لا يحافظُ المنافقُ أربعينَ
ليلةً على صلاةِ العشاءِ الآخر في جماعةٍ))(٢).
محمدُ بن أبي حميدٍ فيه ضعفٌ.
وفي «المسندِ))، عن أبي بشرٍ، عن عميرِ (٣) بْنِ أنسٍ، عن عُمومة له
من أصحابِ النبيِّ وَِّ، عن النبيِّ وَهِ قالَ: ((لا يشهدهُما منافقٌ) (٤)
يعني: صلاةَ الصبحِ والعشاءِ. قال أبو بشرٍ: يعني: لا يواظبُ عليهما.
ورَوَى مالكٌ في ((الموطَّأ))(٥)، عن عبد الرحمنِ بنِ حرملةَ، عن سعيد
ابْنِ السَّبِ أَنَّ رسولَ اللهِ وَ لَ قَالَ: ((بَيْنَنَا وبينَ المنافقينَ: شهودُ صَلاةٍ
العشاءِ والصبحِ، لا يستطيعونَهُمَا)) أو نحوَ هذا.
وخَرَّجَ ابْنُ خزيمةَ، والحاكمُ بإسنادٍ صحيحٍ، عن ابْنِ عمرَ قَالَ: كنَّا
إذا فقدْنَا الإنسانَ في صلاةِ العشاءِ الآخرِ والصبحِ أسأْنَا به الظنَّ(٦).
وإنَّما ثَقُلتْ هاتان الصلاتانِ في المساجدِ على المنافقينَ أكثرَ من
غيرِهما من الصَّلوات؛ لأنَّ المنافقينَ كما وصفهُم اللهُ في القرآنِ ﴿إذا قَامُوا
إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللهَ إلا قَلِيلاً﴾ [النساء:
(١) أحمد (١٤٠/٥ - ١٤١)، وأبو داود (٥٥٤)، والنسائي (٢ / ١٠٤ - ١٠٥)، وابن خزيمة
(٣٦٦/٢، ٣٦٧)، وابن حبان (الإحسان: ٥ /٤٠٥، ٤٠٦)، والحاكم (٢٤٧/١،
٢٥٠)، وراجع ((أطراف الغرائب والأفراد)) (٦٠٠، ٦٠١) بتحقيقنا.
(٢) الطيالسي (٢٤٨٠) وفيه: ((العشاءالآخرة)) .
(٣) كذا في ((ك٢)) والصواب: ((أبي عمير)).
(٤) أحمد (٥ / ٥٧ - ٥٨).
(٥) الموطأ (ص / ١٠٠، ١٠١).
(٦) ابن خزيمة (٢ / ٣٧٠ - ٣٧١)، والحاكم (١ / ٢١١) وفيها: ((العشاء الآخرة)).
٣٤

٣٤ - باب فضل صلاة العشاء في الجماعة
الحديث: ٦٥٧
١٤٢] والْمُرَائي إنما ينشَطُ للعمل إذا رآه النَّاسُ، فإذا لمْ يُشَاهِدُوه ثَقُلَ
عليه العملُ.
وَقَدْ كَانَ النبيُّ ◌َه يصلّي هاتينِ الصَّلاتينِ في الظَّلامِ؛ فإنَّه كانَ يغلِّسُ
بالفجرِ غالبًا، ويؤخِّرُ العشاءَ الآخرةَ، ولم يكن في مسجده حينئذٍ مصباح
فلمْ يكنْ يَحْضر معه هاتين (٧٠ - أ/ ك٢) الصَّلاتين إلا مؤمنٌ يحتسبُ
الأجرَ في شهودِهما، فكانَ المنافقونَ يتخلَّفُونَ عنهُمَا وَيَظُنُّونَ أَنَّ ذلكَ
يخفى على النبيِّ وَ له .
وأيضًا - فالمشيُ إلى المساجدِ في هذينِ الوقتينِ أشقُّ؛ لما فيه من المشي
في الظُّلَمِ؛ ولهذا وَرَدَ التبشيرُ على ذلكَ بالنورِ التَامِّ يومَ القيامةِ من وجوهِ
متعددة، من أجودِهَا: ما خرَّجَه أبو داودَ، والترمذيُّ من حديث بُريدةَ،
عن النبيِّنَّه قال: ((بَشِّرِّ المشَّائِينَ في الظلم إلى المساجدِ بالنور التامِّ يومَ
القيامة))(١) .
وقال إبراهيم النخعيُّ: كانوا يرونَ أنَّ المشي إلى الصَّلاةِ في الليلةِ
الظلماء موجبةً(٢) - يعني: توجب لصاحبها الجنةَ.
وفي ((صحيحِ مسلمٍ))، عن عثمانَ، عن النبي ◌ِِّ قال: ((من صلَّى
العشاءَ في جماعة فكأنما قامَ نصفَ الليلِ، وَمَن صلَّى الصبحَ في جماعةِ
فكأنما صلَّى الليلَ كلَّه)(٣).
وخرَّجَه أبو داودَ، والترمذيُّ وغيرُهُما: ((ومن صلَّى العشاءَ والفجرَ
(١) أبو داود (٥٦١)، والترمذي (٢٢٣)، وراجع ((أطراف الغرائب والأفراد)) (١٤٨٨) بتحقيقنا.
(٢) ابن أبي شيبة (٢ / ٢٥٤).
(٣) مسلم (٦٥٦).
٣٥

الحديث: ٦٥٧
كتاب الأذان
في جماعةٍ كان له كقيام ليلة))(١).
وهذا يبيِّنُ أن الروايةَ التي قبلَهَا إِنَّمَا أريدَ بها صلاةُ الصبحِ معَ العشاءِ
في الجماعةِ .
قال الإمامُ أحمدُ في روايةِ الَرُّوذِيِّ: الأخبارُ في الفجرِ والعشاءِ -
يعني في الجماعةِ - أوكدُ وأشدُّ .
ورَوَى وكيعٌ في كتابِهِ بإسناده، عن عمرَ قالَ: لأَنْ أشهدَ الفجرَ
والعشاءَ في جماعة أحبُّ إليَّ من أَنْ أُحْيِيَ ما بينهما (٢).
وعن أبي الدرداء قَالَ: اسْمَعُوا وبلِّغوا مَن خلفكم: حَافظُوا على
العشاء والفجرِ، ولو تعلمونَ ما فيهما لأتيتمُوهما ولو حَبَوًّا.
وخَرَجَهَ أبو نعيمِ الفضلُ بْنُ دكين - أيضاً - وخرَّجَ بإسنادِهِ، عن أبي
هريرةَ قالَ: لو يعلمُ القاعدونَ ما للمشَّائينَ إلى هاتينِ الصَّلاتين - صلاة
العشاء، وصلاة الفجر - لأتوهما ولو حبواً.
وَرَوَى مالكٌ في ((الموطَّأ))(٣) بإسناده، عن عمرَ قَالَ: لأن أشهدَ صلاةً
الصَّبْحِ - يعني: في جماعةٍ - أحبُّ إليَّ من أَنْ أقومَ ليلةً.
وروى الحافظُ أبو موسى بإسنادِهِ، عن عقبةَ بْنِ عبد الغافرِ قالَ: صلاةٌ
العشاء في جماعة تعدلُ حجةً، وصَلاةُ الفجرِ في جماعة تعدلُ عمرةً.
وَيُروَى بإسنادٍ منقطعٍ، عن شدَّادِ بْنِ أوسٍ قَالَ: مَنْ أحبَّ أن يجعلَه
اللهُ من الذين يدفعُ اللهُ بهم العذابَ عن أهلِ الأرضِ فليحافظ على هاتينِ
الصَّلاتين في جماعةِ: العشاءِ الآخرةِ، والصّبحِ.
ء
(٢) ابن أبي شيبة (١ / ٣٣٣).
(١) أبو داود (٥٥٥)، والترمذي (٢٢١).
(٣) الموطأ (ص / ١٠١)
٣٦

الحديث: ٦٥٨
٣٥ - بَابٌ
اثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ
٦٥٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: ثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ: ثَنَا خالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ
مالِكِ بْنِ الْحُوَيِّثِ، عَنِ النَِِّّ قَالَ: ((إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَأَذَّنَا، وَأَقِيمَا
وَلَيَؤُمَّكُمَا(١) أَكْبَرُكُمَا)).
وقد تقدَّمَ هذا الحديثُ في ((أبوابِ الأذان)) خَرَّجه البخاريُّ هناكَ من
حديثِ الثوريِّ، عن خالد الحذَّاء، ولفظُ حدثِه: أَتى رجلانِ النبيَّ ◌َيه
يريدان السَّفَرَ، فقالَ النبيَّ وَّهِ: ((إِذَا أَنتُما خرجْتُما فَأَذِنا وَأَقِيمَا،
وليؤُمَّكُما أكبرُكُمَا)).
وخرَّجَهَ هناكَ - أيضًا - من حديث أيوبَ، عن أبي قلابةَ، عن مالك
ابْنِ الحويرثِ قَالَ: أتيتُ النبيَّ وَِّ في نفرٍ من قومي فأقمْنَا عندَه، فذكرً
الحديثَ، وفي آخرِهِ: ((فإذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فليؤذِّنْ أحدُكم، ولْيؤمَّكم
وو .
أكبرُكُمْ))(٢).
فروايةُ أيوبَ تدلُّ على أنَّهم كانوا جماعةً، فلا يُحْتَجُّ بها على أنَّ
الاثنينِ جماعةٌ؛ وإنَّما يُحْتَجُّ لذلك برواية خَالد الحذَّاء؛ فإنه ذَكَرَ في
روايته أنَّهما كَانَا اثنينِ، وأنَّ النبيَّ وَّ أَمَرَهما أن يَؤْمَّهما أكبرُهُمَا، فدلَّ
على أنَّ الجماعةَ تنعقدُ باثنينِ .
(١) في ((الیونینیة)): ((ثم)) بدل ((و)).
(٢) (فتح: ٦٢٨، ٦٣٠).
٣٧

الحديث: ٦٥٨
كتاب الأذان
وفي هذا المعنى (٧٠ - ب / ك٢) أحاديثُ أُخَرُ، منها:
حديثُ أُبِيِّ بْنِ كعبٍ، عن النبيِّنَّهِ قالَ: ((صلاةُ الرجلِ مَعَ الرجلِ
أزكى من صلاته وحدَه، وصلاتُه مع الرجلينِ أزكى من صلاتِه مع
الرجلٍ، وما كَثُرَّ فهو أحبُّ إلى اللهِ)).
خرَّجَه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، وابنُ خزيمةَ، وابنُ حبان
في ((صحيحيهما)) والحاكم(١).
ومنها: حديثُ أبي سعيدٍ أَنَّ النبيَّ وَّهِ أبصرَ رَجُلا يصلّي وحدَه،
فقالَ: ((ألا رجلٌ يتصدَّقُ على هذا فيصلِّي معه؟)).
خرَّجَهَ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ - وهذا لفظُه -، وخرَّجَه الترمذيُّ
بمعناه وحسّنه(٢) - وقد سبق ذكرهُ(٣).
وخرَّجَ أبو داودَ في كتابِ ((المراسيل)) (٤) معناه من حديث مكحول،
والقاسمِ بنِ عبد الرحمنِ مرسلا، وفي حديثهما زيادةٌ: فقالَ النبيُّ
۵
صَلى الله
عالية
وسلم
(«وهذه من صلاة الجماعة)) .
وخرَّجَه الإمامُ أحمدُ من روايةِ القاسمِ، عن أبي أمامةَ، عن النبيِّ
وَلَّه، ولفظُه: فَقَالَ: ((هذانِ جماعةٌ)) (٥).
وفي إسنادِهِ ضعفٌ، والمرسلُ أشبَهُ.
وخرَّجَ ابْنُ ماجَه بإسناد ضعيف، عن أبي موسى، عن النبيِّ
صَلى الله
وسلم
(١) سبق تخريجه تحت حديث (٦٥٧).
. (٢) أحمد (٣ / ٦٤، ٨٥)، وأبو داود (٥٧٤)، والترمذي (٢٢٠).
(٣) (ص٩) أول الباب (٣٠).
(٤) (ص / ٨٤ - ٨٥).
(٥) أحمد (٥ / ٢٥٤، ٢٦٩).
٣٨
.

٣٥ - باب اثنان فما فوقهما جماعة
الحديث : ٦٥٨
قالَ: ((الاثنان فما فوقَهَما جماعةٌ))(١).
وخرَّجَ البيهقيّ معناه من حديث أنسٍ بإسنادٍ ضعيف - أيضًا(٢).
ولا نعلمُ خلافًا أن الجماعةَ تنعقدُ باثنين إذا كانا من أهلِ التكليفِ،
ولو كانَ المأمومُ امرأةً. فإن كانَ المأمومُ صبيّا فهل تنعقدُ به الجماعةُ؟ فيه
روايتانِ عن أحمدَ في الصَّلاة المكتوبة، فأما النافلةُ فتنعقدُ كما صلَّى النبيَّ
مرَّه بالليلِ بابنِ عباسٍ وحدَهَ. وأكثرُ العلماءِ على أنَّه لا فرقَ بين الفرضِ
والنفل في ذلكَ، وهو قولُ أبي حنيفة والشافعيِّ.
(١) ابن ماجه (٩٧٢).
(٢) البيهقي (٣ / ٦٩) وضعفه.
٣٩

الحديث : ٦٥٩
كتاب الأذان
٣٦ -باب
مَنْ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلاةَ وَفَضْلِ الْمَسَاجِدِ
قدْ تقدَّمَ في ((فضلِ انتظارِ الصَّلاةِ في المسجد» من حديث أبي
صالحٍ، عن أبي هريرةً(١).
ومن حديثٍ أبي بردةً، عن أبي موسى (٢).
وخرَّجَ في هذا البابِ ثلاثةَ أحاديثَ:
الحديثُ الأولُ:
٦٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عنْ مَالك، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ
الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ قَالَ: ((الْمَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى
أَحَدَكُمْ مَا دامَ فِي مُصَلاَهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ.
ولا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَتِ الصَّلاةُ تَحْبِسُهُ، لا يَمْنَعُهُ أَن يَنْقلبَ
إِلَى أَهْلِهِ إِلا الصَّلاةُ».
دلَّ هذا الحديثُ على فضلٍ أمرينِ :
أحدهما: الجلوسُ في المُصَلَّى، وهو موضعُ الصَّلاةِ التي صلاها،
والمرادُ به في المجلس (٣) دونَ البيتِ، وآخرُ الحديث يدلُّ عليه.
قالَ ابْنُ عبدِ البرِّ: ولوْ صَلَّتِ المرأةُ في مسجدٍ بيتِها، وجلستْ فيه
(١) (فتح: ٦٤٧).
(٣) كذا، ولعلها ((المسجد)).
(٢) (فتح: ٦٥١).
٤٠