Indexed OCR Text

Pages 441-460

٢٧ - بابُ الإمام تعرض له الحاجة بعد الإقامة
الحديث : ٦٤٢
ومنهم من علَّلَ بأنَّه تجزئُه إقامةُ أهلِ المسجد (٦١ - أ/ ك٢) الَّتي صلَّوْ
بها. رُوِيَ ذلك صريحًا عن عروةَ، وسُئلَ أحمدُ عن ذلك؟ فقالَ: إن
شاءوا(١). والأمرُ عنده واسعٌ. نقله عنه حربٌ.
وهذا يشعرُ بأنَّ لهم الاكتفاءَ بالإقامةِ الأولى.
ونقلَ حربٌ، عن إسحاقَ فيمن فاتته الصلاةُ يومَ الجمعةِ مع الإمامِ :
صلاة الجمعة، قَالَ: أجد(٢) أن يقيمَ الصلاةَ للظهر؛ لأنَّ الأذانَ والإقامةً
يومئذ لم تكنْ للظهرِ، إنما كانت للجمعة. وهذا يدلُّ على أنه يُكْتَفى
بالإقامة الأولى لمن صلى تلك الصلاة التي أقيمت لأجلها .
وقد ذكرنا هذه المسائل مستوفاةً في ((أبوابِ الأذانِ)).
وإنما المقصودُ: أنَّ الإقامةَ - وإن طال الفصلُ بينها وبينَ الدخولِ في
الصلاة - يُكتفى بها عند كثير من العلماءِ.
وروى وكيعٌ في كتابِه: حدَّثَنَا عمرانُ بن حُدَيْرِ، عن أبي مِجْلَز قال
أقيمت الصلاةُ، وصُفَّت الصفوفُ فانتدبَ(٣) رجلٌ لعمرَ، فكلَّمَه فأطالَ
القيامَ حتَّى أُلْقِيا إلى الأرضِ والقومُ صفوفٌ(٤).
٠
(١) ((مسائل ابن هانىء)) (٤٢/١)، و((مسائل عبد الله)) (ص/ ٥٩).
(٣) في ((الرواية)): ((فابتدر)).
(٢) كذا، ولعله: ((أحب)).
(٤) ابن أبي شيبة (٤١٤/١).
٤٤١

الحديث : ٦٤٣
كتاب الأذان
٢٨ - بَابُ
الْكَلامِ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ
٦٤٣ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ: حَدَّثْنَا عَبْدُ الأَعْلَى: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ قَالَ:
سَأَلْتُ ثَابِتَا الْنَانِيَّ عَنِ الرَّجُلِ يَتَكَلَّمُ بَعْدَ مَا تُقَامُ الصَّلاةُ؟ فَحَدَّثَنِي عَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَعَرَضَ لِلنَّبَِّ رَجُلٌّ فَحَسَهُ بَعْدَ
مَا أُقِيمَتِ الصِّلاءُ(١).
خرَّجَه مسلمٌ في ((صحيحِهِ)) من حديثِ حمادِ بْنِ سلمةَ، عن ثابتٍ،
عن أنسٍ قَالَ: أقيمتْ صلاةُ العشاءِ فقالَ رجلٌ: لي حاجةٌ، فقامَ النبيّ
﴿َّ يناجيه حتَّى نامَ القومُ أو بعضُ القومِ ثم صَلَّوْا(٢).
وخَرَّجَه الترمذيُّ من حديثِ معمرٍ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ قَالَ: لقد
رأيتُ رسولَ اللهِ وَ لَه بَعْدَمَا تُقَامُ الصَّلاةُ يكلِّمُه الرجلُ يقومُ بينه وبينَ
القبلة، فما يزالُ يكلِّمُه، ولقدْ رأيتُ بعضَهم يَنْعَسُ من طولِ قيامِ النبيِّ
وسِے
فهذا الحديثُ: دليلٌ على جوازِ ابتداءِ الكلامِ للإمامِ وغيرِه بعدَ إقامةِ
(١) زاد في ((اليونينية)) عَقِيب هذا الحديث أثر الحسن الذى يأتي في الباب الذي بعد هذا عن
بعض النسخ، ونبه ((القسطلاني)) في ((إرشاد الساري)) (٢٤/٢)، على هذا وقال زاد في
غير رواية أبي ذر، والأصيلي، وابن عساكر هنا زيادة ذكرها في الباب الآتي، وهو
اللائق، كما لا يخفى)».
(٢) مسلم (٣٧٦ / ١٢٦).
(٣) الترمذي (٥١٨).
٤٤٢

٢٨ - باب الكلام إذا أقيمت الصلاة
الحديث : ٦٤٣
الصلاة بخلاف حديثِ عبدِ العزيزِ بْنِ صهيبٍ المخرّجِ في البابِ الماضي؛
٠
فإنَّه إنَّما يدلُّ على جوازِ استدامةِ الكلامِ إذا شرعَ فيه قبلَ الإقامة، وروايةٌ
معمر، عن ثابتٍ، عن أنسٍ صريحةٌ بأنَّ مدةَ الكلام طالتْ، وروايةٌ
حمادِ بْنِ سلمةَ تشعرُ بذلكَ لقولِه: حتَّى نامَ القومُ أو بعضُ القومِ.
وليسَ فيه ذكرُ إعادة إقامة الصَّلاة.
وظاهرُ الحال يدلُّ على أنَّه لمْ يُعد الإقامةَ، ولو وقعَ ذلكَ لَنُقِلَ ولمْ
يُهْمَلْ؛ فإنَّه مما يُهتمّ به .
وَقَدْ روى حديثَ ثابت: جَرِيرُ بْنُ حازمٍ (٦١ - ب/ ك٢)، فخالفَ
أصحابَ ثابت في لفظِهِ، رواه عن ثابتٍ، عن أنسٍ أنَّ النبيَّ وَّ كانَ
يتكلّمُ بالحاجةِ إذا نزلَ عن المنبر.
خَرَّجَه من طريقه كذلك الإمام أحمدُ، وأبو داود، والنسائيّ، وابنُ
ماجه، والترمذيُّ (١) وقالَ: لا نعرفُه إلا من حديثِ جريرِ بنِ حازمٍ،
0
وسمعتُ محمدًا - يعني: البخاريَّ - يقولُ: وَهِمَ جريرُ بْنُ حازمٍ في هذا
الحديث، والصحيحُ: ما رُوِيَ عن ثابتٍ، عن أنسٍ قالَ : أقيمت الصَّلاةُ،
فأخذَ رجلٌ بِيدِ النبيِّ وَّهِ. فما زالَ يكَلِّمُهُ حتَّى نَعَسَ بعضُ الْقَومِ. قال
محمدٌ: والحديثُ هو هذا، وجريرُ بنُ حازم ربَّمَا يهمُ في بعض الشيءٍ،
وهو صدوقُ(٢).
(١) أحمد (١١٩/٣، ١٢٧، ٢١٣)، وأبو داود (١١٢٠)، والنسائي (٣/ ١١٠)، وابن ماجه
(١١١٧)، والترمذي (٥١٧).
(٢) عقيب حديث (٥١٧) (٣٩٤/٢ - ٣٩٥)، وذكره - أيضًا - في ((علله الكبير)) (ص٨٨ -
٨٩) وانظر ((الأفراد)) (٦٨١ - أطرافه) بتحقيقنا.
٤٤٣

الحديث : ٦٤٣
كتاب الأذان
وقالَ ابْنُ أبي خيثمةَ في ((تاريخه)): سُئِلَ يحيى بن معين عن حدیث
جرير بن حازمٍ هذا؟ فقال: خطأٌ.
وروى وكيع، عن جريرِ بْنِ حازم، عن ثابتٍ، عن أنس قالَ: كانَ
رسولُ الله ◌ِّله ينزلُ من المنبرِ يومَ الجمعةِ فيكلِّمُه الرجلُ في الحاجةِ،
فيكلِّمُه ثم يتقدَّمُ إلى المصلَّى فيصلِّي(١).
وروى وكيعٌ، عن سفيانَ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن النبيِّ ◌ِهِ.
نحوَ حديثٍ جريرٍ، عن ثابتٍ - مرسلا(٢).
وقد اختُلِفَ في كراهةِ الكلامِ بينَ الخطبةِ والصلاةِ، فكَرِهَه طاوسٌ في
روايةٍ، والحكمُ، وأبو حنيفةً، ورخَّصَ فيه الأكثرونَ.
قالَ ابن المنذرِ: كانَ طاوسٌ، وعطاء، والزهريُّ، وبكرُ بن عبد الله،
والنخعيُّ، وحمادٌ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثور، ويعقوبُ،
ومحمدٌ يرخِّصون فيه، وروينا ذلكَ عن ابنِ عمرَ، وحُكيَ كراهتُه عن
الحكم(٣) .
وأمَّا الكلامُ بينَ إقامة الصلاة والصلاةِ في غيرِ الجمعةِ: فلا أعلمُ أحدًا
كَرِهَه، وإنَّما كَرِهَ من كَرِهَ ذلكَ يومَ الجمعةِ تبعًا لكراهةِ الكلامِ في وقتِ
الخطبةِ، فاستصحبوا الكراهةَ إلى انقضاء الصلاة. وهذا المعنى غيرُ موجودٍ
في سائرِ الصلواتِ .
(١) ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (١٢٧/٢)، وابن المنذر في ((الا وسط)» (٤/ ٨٠).
(٢) ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (١٢٦/١) من طريق برد بن سنان، عن الزهري. وأبو داود في
((مراسيله)) (ص/ ١٠٦) من طريق ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري.
(٣) الأوسط (٧٩/٤).
٤٤٤

٢٨ - باب الكلام إذا أقيمت الصلاة
الحديث : ٦٤٣
وحكى ابنُ عبد البرِّ عن العراقيينَ كراهتَه بين الإقامة والصلاة
مطلقًا، فإن كانَ الكلامُ بينهما لمصلحةِ كتسويةِ الصفوفِ ونحوِها كانَ
مُستحبّاً .
وقد دلَّت الأحاديثُ الكثيرةُ على ذلكَ، ووردتْ أحاديثُ وآثارٌ في
الدعاء قبلَ الدخولِ في الصلاةِ.
٤٤٥

كتاب الأذان
٢٩ - بَابُ
وُجُوبِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنْ مَنَعَتْهُ أُمُّهُ عَنِ الْعِشَاءِ فِي جَمَاعَةٍ شَفَقَةً لَمْ يُطِعْهَا
مقصودُ البخاريِّ بهذا البابِ: أنَّ الجماعةَ واجبةٌ للصلاةِ، ومن تركَهَا
لغيرِ عذرٍ وصلَّى منفردًا (٦٢ - أ/ ك٢) فقد تركَ واجبًا، وهذا قولُ كثيرٍ
من السلفِ، منهم: الحسنُ، وما حكاه البخاريُّ عنه يدلُّ على ذلك.
وقد رُوِيَ عن الحسنِ التصريحُ بتعليلِ ذلكَ: بأنَّ الجماعةَ فريضةٌ.
فروى إبراهيمُ الحربيُّ في كتابِ (البر)): ثنا عبيدُ الله بْنُ عمرَ - هو
القواريريّ -: ثنا مُعْتَمِر: ثنا هشام قال: سُئل الحسنُ عن الرجلِ تأمرُهُ أمَّه
أن يفطرَ تطوعًا؟ قالَ: يفطرُ، ولا قضاءَ عليهِ. قلتُ: تنهاه أَنْ يصلِّيَ
العشاءَ في جماعةٍ. قال: ليسَ لها ذلكَ؛ هذه فريضةٌ.
وَرَوَى بإسنادِهِ عن عطاء في الرَّجُلِ تحبسُه أمُّه في الليلةِ الْمَطِيرَةِ
المظْلِمةِ عن الصلاةِ في جماعةٍ، قال: أَطِعْهَا.
وهذا لا يخالفُ فيه الحسنُ؛ فإنَّ الحسنَ أفتى بعدم طاعةِ الأم في
تركِ الجماعةِ في غيرِ حالِ العذرِ، وعطاء أفتى بطاعتِها في تركِ الجماعةِ
في حالةِ العذر المبيحِ لترك الجماعة، وعطاء موافقٌ للحسنِ في القولِ
بوجوب الجماعة .
قالَ ابنُ المنذر(١): ومَمَّنْ كانَ يرى أنَّ حضورَ الجماعات فرضٌ: عطاءُ
(١) في ((الأوسط)) (١٣٤/٤ - ١٣٨).
٤٤٦

٢٩ - باب وجوب صلاة الجماعة
ابْنُ أبي رباح، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وأبو ثورٍ. قال: وقالَ الشافعيُّ: لا
أرخِّصُ لمن قدرَ على صلاة الجمعةِ (١) في ترك إتيانها إلا من عذر(٢).
وقال ابْنُ مسعودٍ: لقد رأيتُنَا وما يتخلفُ عنها إلا منافقٌ معلومٌ نفاقُهُ(٣).
وروينا عن غيرٍ واحدٍ من أصحاب رسولِ الله وَّ أنَّهم قالوا: مَنْ
سمعَ النداءَ ثم لم يجبْ فلا صلاةَ له، منهم: ابْنُ مسعود، وأبو
موسى(٤). وقد رُوِيَ عن النبيِّ نَّ. انتهى.
وقَالَ إسحاقُ بْنُ رَاهويه: صلاةُ الجماعةِ فريضةٌ.
وقالَ الإمامُ أحمدُ في صلاةِ الجماعةِ: هي فريضةٌ. وقال في روايةٍ
عنه: أخشى أن تكونَ فريضةً، ولو ذهبَ الناسُ يجلسون عنها لتعطَّلتْ
المساجدُ.
يُرْوَى عن عليٍّ، وابنِ عباسٍ، وابنِ مسعودٍ: من سمعَ النداءَ فلم
يجبْ فلا صلاةَ له(٤). وقال - أيضًا -: أشدُّ ما فيها: قولُ ابنِ مسعودٍ :
لو تركتم سنَّةَ نبيكم وَل لكفرتم.
وقولُ ابن مسعود؛ قد خَرَّجَه مسلمٌ في ((صحيحِه)) من رواية أبي
الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قالَ: لقد رأيتُنَا وما يتخلَّفُ عن
الصلاة إلا منافقٌ قد عُلِمَ نفاقُه أو مريضٌ، إن كان المريضُ ليمشي بين
الرجلينِ حتَّى يأتيَ الصلاةَ، وقالَ: إنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ عَّمنا سُنَنَ
الهُدَى؛ وإنَّ من سننِ الهدى: الصلاةَ في المسجدِ الذي يؤذَّنُ فيه(٥).
(١) كذا فى ((ك٢))، وفى (الأوسط)) (١٣٨/٤): ((الجماعة)).
(٢) ((الأم)) (١٥٤/١) و((معرفة السنن والآثار)) (١٠٤/٤).
(٣) مسلم (٦٥٤).
(٤) ابن أبي شيبة (٣٤٥/١).
(٥) مسلم (٢٥٦/٦٥٤).
٤٤٧

كتاب الأذان
وفي روايةٍ لمسلمٍ - أيضًا - عن ابْنٍ مسعودٍ قالَ: من سرَّهُ أَنْ يلقى اللهَ
غدًا مسلمًا فليحافظْ على هؤلاءِ الصلواتِ حيثُ يُنادى بهنَّ؛ فإنَّ اللهَ
شرَع لنبيّكم سُنَنَ الهدى، وإنَّهنَّ من سُنَنِ الهدى، ولو أنَّكم صليتُمْ في
بيوتكم كما يصلّ هذا المتخلفُ في بيته لتركتم سنَّةَ نبيِّكم، ولو تركتم
سنَّةَ نبيِّكم لضَلَلْتُمْ (١).
وخرَّجَه أبو داودَ بنحوه، وعنده: ولو تركتم سنةَ نبيكم لكفرتم(٢).
وخرَّجَ الترمذيُّ من حديثِ مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ أنَّ سُئِلَ عن
رجلٍ يصومُ النهارَ، ويقومُ الليلَ، ولا يشهدُ جمعةً ولا جماعةٌ؟ قال: هو
فِي الْنَِّ(٣).
ورُوِيَ عن أبي سنانٍ، عن سعيد بن جبير، عن ابنِ عباسٍ في قولِه
تعالى ﴿وقد كانوا يُدْعَونَ إلى السجودِ وهم سالمونَ﴾ [القلم: ٤٣] قال:
نزلتْ في صلاةِ الرجلِ يسمعُ الأذانَ فلا يجيبُ. ورُوِيَ عن سعيدِ بْنٍ
جبيرٍ من قولِه (٤).
وروى أبو حيانَ التيميَّ، عن أبيه، عن عليٍّ قالَ: لا صلاةَ لجار
المسجدِ إلا في المسجدِ، قيلَ: يا أميرَ المؤمنينَ! وَمَن جارُ المسجد؟ قال:
مَنْ سَمِعَ الأذانَ(٥) .
وروى شعبةُ، عن عديِّ بْنِ ثابتٍ، عن سعيدِ بْنِ جبيرٍ، عن ابْنِ
(٢) أبو داود (٥٥٠).
(١) مسلم (٦٥٤/ ٢٥٧).
(٣) الترمذي (٢١٨)، من طريق ليث بن أبي سُليم عنه، وليث قال فيه أبو حاتم وأبو زرعة:
لا يشتغل به هو مضطرب الحديث .
(٤) ((تفسير الطبري)) (٢٧/٢٩)، و((شعب الإيمان)) للبيهقي (٧٥/٣).
(٥) ابن أبي شيبة (٣٤٥/١).
٤٤٨

٢٩ - باب وجوب صلاة الجماعة
عباسٍ قال: مَنْ سَمِعَ النداءَ فلم يجبْ فلا صلاةَ له إلا من عذرِ (١).
وقدَ رَفَعَه طائفةٌ من أصحابِ شعبةَ بهذا الإسنادِ، وبعضُهم قالَ: عن
شعبةَ، عن حبيبِ بْنِ أبي ثابتِ (٦٢ - ب/ك٢)، عن سعيد، عن ابنٍ
عباسٍ مرفوعًا.
وقد خرَّجَه بالإسناد الأول مرفوعًا: ابْنُ ماجَه، وابنُ حبان في
((صحيحه))، والحاكم وصحَّحه(٢)؛ ولكن وقفُه هو الصحيحُ عندَ الإمامِ
أحمدَ وغيره(٣).
وخَرَّجه أبو داودَ مرفوعًا - أيضًا - من رواية أبي جَنَابِ الكلبيِّ، عن
مَغْرَاء، عن عديِّ بْنِ ثابتٍ، به(٤).
وأبو جَنَاب ليس بالقوي(٥)، وقد اخْتُلفَ عليه - أيضًا - في رفعِه
ووقفه .
وروى أبو بكرِ بْنُ عيَّاش، عن أبي حُصَيْن، عن أبي بُرْدَةَ، عن أبي
موسى، عن النبيِّ وَّلِ قال: ((مَن سمعَ النداءَ فارغًا صحيحًا فلم يُجِبْ،
فلا صلاةَ له)). خَرَّجَه الحاكمُ ، وصححه(٦).
وقد اختُلِفَ على أبي بكر بن عيَّشٍ في رفعِه ووقفه(٧).
وروى قيس بن الربيع، عن أبي حصينٍ مرفوعًا .
(١) ابن أبي شيبة (٣٤٥/١).
(٢) ابن ماجه (٧٩٣)، وابن حبان (الإحسان: ٤١٥/٥)، والحاكم (٢٤٥/١)، وأخرجه
مرفوعًا - أيضًا - الدار قطني في ((سننه)) (١ /٤٢٠).
(٣) كالبيهقي في «سننه)) (٧٥/٣، ١٧٤).
(٤) أبو داود (٥٥١).
(٥) هو: يحيى بن أبي حية. راجع ترجمته في ((تهذيب الكمال)) (٢٨٤/٣١).
(٦) ((المستدرك)) (٢٤٦/١).
(٧) راجع البيهقي (١٧٤/٣).
٤٤٩

كتاب الأذان
ورواه مسْعَرَ وغيرُه، عن أبي حصينِ مرفوعًا (١)، والموقوفُ أصحُّ. قَالَه
البيهقيُّ وغيرُهُ(٢).
وَمَّنِ ذهبَ إلى أن الجماعةَ للصلاةِ مع عدمِ العذرِ واجبةٌ: الأوزاعيُّ،
والثوريَّ، والفضيلُ بنُ عِيَاض، وإسحاقُ، وداودُ، وعامَّةُ فقهاءِ الحديثِ،
منهم؛ ابْنُ خزيمةَ، وابْنُ المنذرِ (٣)، وأكثرُهم على أنَّه لو تركَ الجماعةَ لغَيْر
عذرٍ، وصلى منفردًا أنه لا يجبُ عليه الإعادةُ. ونصَّ عليه الإمامُ أحمدُ.
وحُكِيَ عن داودَ أَنَّه يجبُ عليه الإعادةُ(٤)، ووافقه طائفةٌ من
أصحابِنَا منهم: أبو الحسنِ التميميَّ، وابن عَقِيل. وغيرُهما.
وقال حربٌ الكرمانيُّ: سُئِلَ إسحاقُ عن قوله: لا صلاةَ لجارِ المسجد
إلا في المسجد؟ فقالَ: الصحيحُ: أَنَّه لا فضلَ، ولا أجرَ، ولا أمن عليه
- يعني: أنَّه لاَ صلاةَ لَهُ.
وقد ذكرْنَا حديثَ ابن أمِّ مكتومٍ في استئذانِه النبيّ وَّةِ، وقول النبيِّ
وَله: ((لا أجدُ لكَ رخصةً))- فيما سبقَ(٥). وهذا مما يستدلُّ به على
وجوبِ حضورِ الجماعةِ.
وقد رُوِيَ عن حذيفةَ، وزيدِ بْنِ ثابتٍ ما يدلُّ على الرخصةِ في
الصَّلاة منفردًا مع القدرة على الجماعةِ.
وحُكِيَ عن أبي حنيفةً، ومالكِ أَنَّ حضورَ الجماعةِ سنةٌ مؤكدةٌ لا
(١) الحاكم (٢٤٦/١). وعلقه ابن حزم في ((المحلى)) (١٩٤/٤ - ١٩٥).
(٢) ((معرفة السنن والآثار)) (١٠٥/٤)، والمنذري في ((الترغيب والترهيب)) (٢٧٨/١).
(٣) («الأوسط)» (٤/ ١٣٤).
(٤) راجع (المحلى))(١٨٨/٤).
(٥) (١٨٥/٣)، وذكره المصنف في ((شرح علل الترمذي)) (٣٢٧/١) ضمن الأحاديث التي لم
يُعمل بها .
٤٥٠

٢٩ - باب وجوب صلاة الجماعة
الحديث : ٦٤٤
يأثمُ بتركِهَا.
ولأصحابِ الشافعيِّ وجهانٍ، أحدُهُمَا كذلكَ. ومنهم من حُكِيَ عنه
روايةٌ كقولٍ مالكٍ، وأبي حنيفة، وفي صحتِها عنه نظرٌ، واللهُ أعلمُ.
ولهذا أنكر بعضُ محقِّقي أصحابِنَا أن يكونَ عن أحمدَ روايةٌ بأنَّ
حضورَ المساجد للجماعة سنةٌ، وأنَّه يجوزُ لكلِّ أحد أن يتخلَّفَ عن
المسجدِ، ويصلِّي في بيتِه لما في ذلكَ من تعطيلِ المساجدِ عن الجماعاتِ،
وهي من أعظمٍ شعائرِ الإسلامِ.
ويلزمُ من هذا أن لا يصح عن أحمدَ روايةٌ بأنَّ الجماعةَ للصلاةِ من
أصلها سنةٌ غيرُ واجبةٍ بطريقِ الأَوْلَى؛ فإنَّه يلزمُ من القولِ بوجوبٍ
حضورِ المسجد لإقامةِ الجماعةِ القولُ بوجوبِ أصلِ الجماعةِ من غيرِ
عكسٍ، واللهُ أعلم.
وَحَكَى ابْنُ عبدِ البرِّ الإجماعَ على أنَّه لا يجوزُ أن يُجتَمَع على
تعطيلِ المساجدِ كلِّها من الجماعات؛ وبذلك رَجَحَ قولُ من قال: إنَّ
الجماعةَ فرضُ كفايةٍ(١).
قال البخاريّ :
٦٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ
الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِِّ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفَّسِي بِيَدِهَ، لَقَدَّ
هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ (٢) بِحَطَب لَيُحْتَطَبَ (٣)، ثُمَّ آمُرَ بِالصِّلَاة فَيُؤَذّنُ لَهَا، ثُمْ آمَرٌ
(١) التمهيد (١٨/ ٣٣٣).
(٢) ((أن آمر)) ليس في ((ك٢)).
(٣) في ((اليونينية)): ((فيحطب))، وانظر ((إرشاد الساري)) (٢٤/٢).
٤٥١

الحديث : ٦٤٤
كتاب الأذان
رَجُلاً فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالفُ إلَىِ رِجَالٍ فَأُحَرِّقُ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ. فَوَالَّذِي(١)
نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَيْنِ لَشَهِدَ
الْعشَاءَ)).
قَالَ ابْنُ عبد البرِّ: قولُه ((لقد هممتُ أن آمرَ بحطب ليحطب)) أي:
يُجْمَعُ (٢).
والعَرْقُ: المرادُ به بضعةُ اللحم السمينِ على عظمة(٣)، والمرْمَاتان:
قيَلَ: هما السهمان، وقيلَ: هما حديدتان (٦٣ - أ/ ك٢) من حدائد كَانُوا
يلعبونَ بهما وهي ملس كالأسنة، كانوا يُشْبِتُونَها في الأكوامِ والأغراضِ،
ويقالُ لها فيما زعمَ بعضُهم: المَدَاحِي. قال أبو عُبيد: يقالُ: إن المرماتين
ظلفا(٤) الشاة. قالَ: وهذا حرفٌ لا أدري ما وجهُهُ إلا أنَّ هذا تفسيرُه(٥).
ويُروى المرماتين بكسر الميم وفتحها، ذَكَرَه الأخفشُ (٦).
وذكْرُ العرقَ والمرماتينِ على وجه ضربِ المثالِ بالأشياءِ التافهةِ الحقيرة
٠
من الدنيا، وهو توبيخٌ لمن رَغِبَ عن فضلِ شهودِ الجماعةِ للصلاة مع أنَّه
لو طَمِعَ في إدراكِ يسيرٍ من عَرَضِ الدنيا لبادرَ إليه، ولو نُودِيَ إلَى ذلك
لأسرعَ الإجابةَ إليه وهو يسمعُ منادِيَ اللهِ فلا يجيبُه.
قالَ الخطَّبيُّ: وقولُهُ ((حسنتينٍ)) لا أدري على أيِّ شيءٍ يُتَأوَّلُ معنى
الحسنِ فيهما إلا على تأويلِ من فسَّرَ المرماةَ بظلفِ الشاةِ، ثم ذكرَ عن
(١) في ((اليونينية)): ((والذي)).
(٢) التمهيد (٣٣١/١٨).
(٣) العبارة في ((التمهيد)) ((بضعة اللحم السمين على عظمة، المثل في التفاهة)).
(٤) في ((غريب الحديث)): ((مابين ظلفي الشاة)).
(٥) ((غريب الحديث)) لأبي عبيد (٢٠٢/٣).
(٦) ((التمهيد)) (١٨ / ٣٣٨ -٣٣٩).
٤٥٢

٢٩ - باب وجوب صلاة الجماعة
الحديث : ٦٤٤
المبرِّد أنَّه قالَ: الحُسْنِ والحَسَن: العُظَيْمُ الذي في المِرْفَقِ مما يلي البطنَ،
والقُبْحُ والقَبِيحُ: العَظْمُ الذي في المِرْفَقِ مِمَّا يلي المرفق(١). قالَ: فلعلَّه
شبَّهَ أحدَ العظمينِ بالآخرِ - أعني: المِرمَاةَ - قالَ: وهو شيءٌ لا أحُقُّه ولا
أَثْقُ به(٢). انتهى.
قُلْتُ: وقد قالَ بعضُهم: إنَّ الروايةَ ((خَشَبتين)) بالخاء، والشين
المعجمتينِ ، والباءِ الموحدة. وهو غلطٌ وتصحيفٌ.
والذي يظهرُ - والله أعلم - أنَّ النبيَّ ◌َّ أخرجَ هذا الكلامَ مخرجَ
تعظيمٍ شهودِ العشاءِ في جماعة والتنويهِ بفضلِه وشرفه ونفاستِه، والنفوس
مجبولةٌ على محبّةِ الأشياءِ الحسنةِ الشريفةِ النفيسةِ والميلِ إليها، فوبّخَ من
لو طَمِعَ في وجودِ قطعةٍ من لحمٍ سمينةٍ أو مرماتينٍ حسنتينِ - وهما من
أدنى الأشياءِ الدنيويةِ ـ لبادرَ إلى الخروجِ إليها وشَهِدَ العشاءَ لذلكَ، وهو
يتخلفُ عن شهودِ العشاءِ في الجماعةِ مع فضلِ الجماعةِ عند اللهِ وعظم
فضلِ الجماعة ما يدخره لمن شَهدَها عنده من جميلِ الجزاءِ وجزيلٍ
العطاء، فيكون ما يُعجِّلُ له - وإن كان يسيرا - من أمور الدنيا المستحسنة
عنده مما يأكله أو يلهو به أهمَّ عنده من ثوابِ اللهِ الموعود به، ويشبهُ هَذا
قولُ الله تعالى ﴿وَإِذَا رَأَوْا تجَارَةٌ أَوْ لَهْوَا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وتركوكَ قَائِمًا قُلْ
مَاَ عندَ اللهِ خيرٌ من اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارةِ واللّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة:
(١] فَإِنَّه تَوْبِيخٌ لِمَنْ تَرَكَ الجمعةَ أو اشتغلَ عنها بالتجارةِ أو باللهوِ.
وهذا الحديثُ ظَاهِرٌ في وجوبِ شهودِ الجماعةِ في المساجدِ وإجابةٍ
(١) في ((أعلام الحديث)): ((الكتف))، والمثبت من ((غريب الخطابي)) (٢/ ٥٨٠).
(٢) ((أعلام الحديث)) (١/ ٤٧٠ - ٤٧١)، ثم قال: ((والله أعلم بمعناه)).
٤٥٣

الحديث : ٦٤٤
كتاب الأذان
المنادي بالصلاة؛ فإنَّ النبيَّ وَّ أخبرَ أَنَّه هَمَّ بتحريقِ بيوتِ المتخلفينَ عن
١٠
الجماعةِ؛ ومثلُ هذه العقوبة الشديدة لا تكونُ إلا على تركِ واجبٍ.
وقد اعترضَ المخالفونَ في وجوب الجماعة على هذا الاستدلال،
وأجابوا عنه بوجوه: منها: حَمْلُ هذا الوعيد على الجمعة خاصَّةً.
واستدلُّوا عليه بما في ((صحيحٍ مسلمٍ))، عن ابْنِ مسعودٍ أنَّ النبيَّ وَِّ قالَ
لقوم يتخلَّقُونَ عن الجمعة: ((لَقَدْ هممتُ أن آمرَ رجلا يصلِّي بالنَّاسِ، ثمَّ
أحرِّق على رجالٍ يتخلفونَ عن الجمعةِ))(١).
ومنها: أنَّه أرادَ تحريقَ بيوتِ المنافقينَ لنفاقِهم، ولهذا قالَ ابْنُ
مسعود: ولقدْ رَأَيْتُنَا وما يتخلَّفُ عنها إلا منافقٌ معلومٌ نفاقُه - وقد سبق
ذكرُه - والمنافقُ إذا تخلَّفَ عن الصلاةِ مع المسلمينَ لا يصلِّي في بيتِه
بالكليّة كما أخبرَ اللهُ عنهم أنَّهم يراءونَ النَّاسَ ولا يذكرونَ اللهَ إلا قليلا.
وهذا التأويلُ عن الشافعيِّ وغيرِهِ.
ومنها: أنَّه لم يفعلِ التحريقَ، وإنَّما توعَّدَ به.
وقد ذهبَ قومٌ من العلماءِ إلى جوازِ أن يهدِّدَ الحاكمُ رعيَّتَه بما لا
يفعلُه بهم، واستدلَّ بعضُهم لذلكَ بما أخبرَ به النبيُّ نَّهِ عن سليمانَ أَنَّه
قالَ حين اختصمتْ إليه المرأتان في الولدِ: ائْتُوني بالسكينِ حتَّى أشقَّه،
ولم يردْ فعلَ ذلكَ؛ إنَّما قَصَدَ به التوصَّلَ إلى معرفةٍ (٦٣ - ب/ ث٢) أمِّه
منهما بظهورِ شفقتِها ورقتها على ولدها.
والجوابُ: أنه لا يصحّ حملُ الحديثِ على شيءٍ من ذلكَ:
(١) مسلم (٦٥٢)، وانظر ((سنن البيهقي)) (٥٦/٣) قال البيهقي: ((والذي يدل عليه سائر
الروايات أنه عبر بالجمعة عن الجماعة، والله أعلم)).
٤٥٤

٢٩ - باب وجوب صلاة الجماعة
الحديث : ٦٤٤
أَمَّا حَمْلُه على الجمعة وحدَها فغيرُ صحيحٍ، وفي ذكرِ النبيِّ :
صَيَلَى اللّهـ
وَسِّلَمُ
شهودَ العشاءِ في تمامِ الحديثِ ما يدلُّ على أَنَّ صلاةَ العشاءِ الموبّخ على
تركِ شهودِها هي المرادُ.
وقد رُوِيَ ذلكَ عن سعيد بْنِ المسيَّبِ، وأَنَّها داخلٌ في عموم
الصلاة؛ فإنّ الاسمَ المفردَ الُحلَّى بالألفِ واللامِ يعمّ كما في قولهِ تعالى
﴿أقيموا الصلاة وآتوا الزكاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وهذا قولُ جماعة من
العلماء.
وقد جاءَ التصريحُ بالتحريقِ على مَن تخلَّفَ عَن صلاة العشاءِ.
فَرَوَى الحميديُّ، عن سفيانَ: ثنا أبو الزِّنَادِ، عن الأعرجِ، عن أبي
هريرةَ، عن النبيِّ بَهِّ قَالَ: ((لَقَدْ هممتُ أن أقيمَ الصَّلاةَ - صلاةَ العشاء -
ثُمَّ آمُرَ فِتْياني فيخالفوا إلى بيوتِ أقوامٍ يتخلَّفونَ عن صلاةِ العشاءِ
فيحرِّقُونَ عليهم بِحِزَمِ الخطبِ))(١) وذكرَ بقيةَ الحديثِ.
وروى ابْنُ أبي ذئبٍ، عن عجلانَ مولى الْمُشْمَعِلِّ، عن أبي هريرةَ،
عن النبيِّ وَّ قالَ: ((لينتهينَّ رجالٌ ◌َمَّنْ حولَ المسجد لا يشهدونَ العشاءَ
الآخرةَ في الْجُمَع أو لأحرقنَّ حولَ بيوتِهِم بحزمِ الحطبِ)).
خَرَّجه الإمامُ أحمد(٢).
وخرجَ - أيضًا - من حديث أبي مَعْشٍ، عن سعيد المقبريِّ، عن أبي
هريرةَ، عن النبيِّ وَ لَّ قَالَ: ((لولا ما في البيوتِ من النِّساءِ والذرية أقمتُ
صلاة العشاءِ، وأمرتُ فِتْياني يحرِّقُونَ ما في البيوتِ بالنارِ)(٣).
(١) الحميدي (٩٥٦).
(٣) أحمد (٣٦٧/٢).
(٢) أحمد (٢٩٢/٢، ٣١٩).
٤٥٥

الحديث : ٦٤٤
كتاب الأذان
وروى عاصمٌ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةٍ قَالَ: أَخَّرَ رسولُ الله
{َّ صلاةَ العشاء حتى تَهَوَّرَ الليلُ وذهبَ ثُلُه أو قريبًا منه، ثم خرجَ إلى
المسجد فإذا النَّاسُ عزون وإذا هُم قليلٌ، فغضبَ غَضبًا ما أعلمُ أَنِّي رأيتُه
غضبَ غَضَبًا قَطُّ أشدَّ منه، ثم قالَ: (لو أنَّ رجلا نَادَى النَّاسَ إلى عُراق
أو مرماتينِ أَتَوه لذلكَ، وهم يتخلَّفونَ عن هذه الصَّلاة، لقد هممتُ أن
آمرَ رجلا يصلِّي بالنَّاسِ ثم أتتَّع هذه الدورَ التي يتخلَّفُ أهلُوهَا عن هذه
الصّلاةِ فأحرِّقُها عليهم بالنيرانِ))(١) .
ووردَ التصريحُ بأنَّ العقوبةَ على تركِ الجماعةِ دونَ الجمعة.
خرَّجَه الطبرانيُّ في ((أوسطِهِ)): حدثنا إبراهيمُ - هو: ابنُ هاشمٍ
البغويُّ -: ثَنَا حَوْثَرَةُ بْنُ أَشْرَسَ: ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن
أنسٍ أَنَّ النبيَّ وَِّ قال: ((لو أَنَّ رجلا دعا النَّاسَ إلى عَرْقِ أو مَرْماتَيْنِ
لأجابوه وهُمْ يُدْعَونَ إلى هذه الصلاةِ في جماعةٍ فلا يَأْتُونها، لقد هممتُ
أن آمرَ رجلا يصلِّي بالناسِ في جماعةٍ ثم [أنصرف إلى قوم سمعوا النداء
فلم يجيبوا] (٢) ويضرمها عليهم نارًا، فإنَّه لا يتخلَّفُ عنها إلا منافقٌ)(٣).
حَوْثَرةٌ: ضعيفٌ. قاله ابن نقطةَ في ((تكملة الإكمال)).
وأما ذكرُ الجمعةِ في حديثِ ابْنِ مسعودٍ فلا يدلُّ على اختصاصها
بذلك؛ فإنَّه كما همَّ أن يحرَّقَ على المتخلف عن الجمعة فقد همَّ أن
٠
يحرِّقَ على المتخلّف عن العشاء.
(١) أحمد (٤١٦/٢، ٥٢٥ - ٥٢٦، ٥٣٧).
(٢) ما بين المعقوفين بياض في (٢٥)) و((أوسط الطبراني» واستدركناه من ((مجمع البحرين))
(٦٦٣)، وقد نبه محققه على عدم وجودها في ((الأوسط)).
(٣) («الأوسط)) (٢٧٦٣).
٤٥٦

٢٩ - باب وجوب صلاة الجماعة
الحديث : ٦٤٤
وقد قيلَ: إنَّه عَبَّرَ بالجمعة عن الجماعة للاجتماع لها. قال البيهقي :
هذا هو الذي عليه سائرُ الرواةٍ (١).
واستدلَّ بما خَرَّجَه من ((سنن أبي داودَ))، عن يزيدَ بنِ يزيد، عن يزيد
ابْنِ الأصمِّ قالَ: [سمعت أبا هريرة يقول:](٢) سمعتُ رسولَ الله وَلـ
يقولُ: ((لقد هممتُ أن آمرَ فِتْيتي فيجمَعُوا حزمًا من حطبٍ، ثم آتِي قومًا
يصلُّونَ في بيوتِهم ليستْ بهم علةٌ فأحرِّقُهَا عليهم)). قيل ليزيدَ بْنِ
الأصمِّ: الجمعة عَنَى أو غيرها؟ فقالَ: صُمَّا أذناي إن لم أكنْ سمعتُ أبا
هريرةَ يَأْثُرُهُ عن النبيِّ ◌َِِّ، ما ذكرَ جمعةً ولا غيرَها(٣) ..
وخَرَّجَه - أيضًا - من طريقِ معمرٍ، عن جعفرِ بْنِ بُرْقَان، عن يزيدَ
ابْنِ الأصمِّ مختصرًا، وفي حديثه: ((لا يشهدونَ الجمعةَ))(٤).
وهذه الروايةُ أو أنه أرادَ بالجمعة الجماعةَ كما قالَه البيهقيّ؛ فإنَّ
مسلمًا خَرَّجه من طريقِ وكيع، عن جعفرِ بْنِ بُرقان، وقالَ في حديثه:
((لا يشهدونَ الصلاة))(٥) (٦٤ - أ/ ك٢).
وروايةُ أبي داودَ صريحةٌ في أَنَّ التحريقَ عقوبةٌ على المتخلِِّ عن
الجماعةِ وإِن صلَّى المتخلفُ في بيته.
وأمَّا دعوى أَنَّ التحريقَ كان للنفاقِ: فهو غيرُ صحيحٍ؛ فَإِنَّ النبيَّ ثَ
صَا الله
وَسَّة
(١) ((سنن البيهقي)) (٥٦/٣) وعنده ((الروايات)) بدل ((الرواة)).
(٢) ما بين المعقوفين سقط من ((ك))، واستدركناه من ((سنن أبي داود))، والله أعلم.
(٣) أبو داود (٥٤٩).
(٤) هذا الطريق أخرجه البيهقي (٥٦/٣) وليس عند أبي داود من طريق معمر، والله أعلم.
(٥) مسلم (٦٥١/ ٢٥٣).
٤٥٧

الحديث : ٦٤٤
كتاب الأذان
صَرَّحَ بالتعليلِ بالتخلُّفِ عن الجماعةِ، ولكنَّه جعلَ ذلكَ من خصالٍ
النفاقِ، وكلُّ ما كان عَلَمًا على النفاقِ فهو محرَّمٌ.
وفي حديثِ أبي زرارَةَ الأنصاريِّ، عن النبيِّ وَّهِ: ((مَنْ سَمِعِ النداءَ
ثلاثًا فلم يجبْ كُتِبَ من المنافقينَ)).
وإسنادُه صحيحٌ؛ لكن أبو زرارةَ قال أبو القاسم البغويّ: لا أدري أله
صحبةٌ أم لا(١)؟
وخَرَّجَ الإمامُ أحمدُ من روايةِ ابْنٍ لهيعةَ، عن زَبَّن بْنِ فَائد، عنِ
سهلٍ بْنِ معاذٍ بن أنسٍ، عن أبيه، عن النبي ◌َّ قَالَ: ((الجفاءُ كلُّ
الجفاء، والكفرُ، والنفاقُ: مَن سمعَ منادِيَ اللهِ ينادِي بالصّلاة ويدعو
بالفلاح فلا يجيبُه))(٢).
ورواه رِشْدِين بْنُ سعد، عن زَبَّان(٣).
و ، و
قالَ الحافظُ أبو موسى: رَوَاه جماعةٌ عن زَبَّان، وتابعه عليه يزيدُ بَنَ
أبي حبيبٍ.
وقالَ النخعيَّ: كَفَى عَلَمًا على النِّفاقِ أَن يكونَ الرجلُ جارَ المسجد لا
یُری فیه.
وقد كانَ النبيُّ وَّهِ يَعْلَمُ نفاقَ خلقِ من المنافقينَ ولا يعاقبُهم على
نفاقِهم؛ بل يَكِلُ سرائِرَهم إلى اللهِ، ويعاملُهم معاملَة المسلمينَ في
(١) راجع ((الإصابة)) (١٥٣/٧)، و((الاستيعاب)) (١٦٦١/٤) وتصحف إلى: ((أبو زبيب)).
(٢) أحمد (٤٣٩/٣).
(٣) الطبراني في «الكبير)) (١٨٣/٢٠)، ونسخة زبان، عن سهل، عن أبيه: ضعيفة.
٤٥٨

٢٩ - باب وجوب صلاة الجماعة
الحديث : ٦٤٤
الظاهرِ، ولا يعاقبهُم إلا على ذنوب تظهرُ منهم، فلم تكنِ العقوبةُ
بالتحريقِ إلا على الذنبِ الظاهرِ: وهو التخلُّفُ عن شهودِ الصَّلاةِ في
المسجد، لا على النفاقِ الباطنِ.
وأمَّا دعوى أنَّ ذلك كانَ تخويفًا وإرهابًا بما لا يجوزُ فعلُه: فقد
اخْتُلِفَ في جوازِ ذلكَ.
فِرُوِيَ جوازُهُ عن طائفةٍ من السَّلْفِ، منهم: عبدُ الحميد بنُ عبد الرحمنِ
عاملُ عمرَ بنِ عبد العزيزِ على الكوفةِ، وميمونُ بْنُ مهرانَ، ورُوِيَ -
أيضًا - عن عمرَ بنِ الخطاب من وجهٍ منقطعٍ ضعيفٍ، وعن عليِّ ابنِ أبي
طالب .
وأنكرَ ذلكَ عمرُ بْنُ عبد العزيزِ وتغيَّظَ على عبد الحميد لَّا فعله،
وقالَ: إنَّ خصلتين خيرُهما الكذبُ لخصلَتا سوءِ.
وقد ذكرَ هذه الآثارَ عُمَرُ بن شَبَّةَ البصريُّ في كتابِ ((أدبِ السلطانِ».
وبكلِّ حالٍ؛ فليسَ ما ذكرَه النبيُّ بِّهِ من التحريقِ من هذا في
شيءٍ؛ لأَنَّه ◌ِّ أخبرَ بأنه همَّ، وإنما يَهُمُّ بما يجوزُ له فعلُه.
والتخويفُ يكونُ عندَ من أجازَه بما لا يجوزُ فعلُه ولا الهمّ بفعله
فتبيَّنَ أَنَّه ليسَ من التخويفِ في شيءٍ، وإنما امتنعَ من التحريقِ لما في
البيوتِ من النِّساءِ والذريةِ - وهم الأطفالُ - كما في الروايةِ التي خرَّجَها
الإمامُ أحمدُ -، وهم لا يُلْزَمونَ شهودَ الجماعةِ؛ فإنَّها لا تجبُ على امرأةٍ
ولا طفلٍ .
والعقوبةُ إذا خُشِيَ أَنْ تتعدَّى إلى مَنْ لا ذنبَ له امتنعتْ كما يؤخَّرُ
٤٥٩

الحديث : ٦٤٤
كتاب الأذان
الحدُّ على الحامل إذا وجبَ عليها حتَّى تضعَ حملَهَا.
فَإِن زَعَمَ زَاعمٌ أن التحريقَ منسوخٌ؛ لأَنَّه من العقوبات المالية - وقد
نُسخَتْ - وربَّمَا عضَّد(١) ذلك بنهي النبي وَّهِ عن التحريقِ بالنارِ .
قيلَ لَهُ: دعوى نسخِ العقوباتِ الماليةِ بإتلافِ الأموالِ لا تصحّ؛
93
والشريعةُ طافحةٌ بجوازِ ذلكَ، كأمرِهِ بِّر بتحريقِ الثوبِ الْمُعَصْفَرِ بِالنَّارِ،
وأمرِهِ بتحريقِ متاعِ الغالّ، وأمرِهِ بكسرِ القدورِ التي طُبِخَ فيها لحومُ الْحُمُرِ
الأهلية، وحَرَّقَ عمرُ بِيتَ خَمَّارِ.
ونصَّ على جوازِ تحريقِ بيتِ الخَّمارِ: أحمدُ، وإسحاقُ. نقله عنهما
ابنُ منصورٍ في ((مسائلِه))، وهو قولُ يحيى بْنِ يحيى الأندلسيِّ، وذكرَ أَنَّ
بعضَ أصحابِهِ نقلَه عن مالك، واختاره (٦٤ - ب/ ث٢) ابْنُ بَطَّةَ من
أصحابِنَا، ورُوِيَ عن عليٍّ - أيضًا - ورُوِيَ عنه أَنَّه أنهبَ مالَه. وعَنْ عُمَرَ
قالَ في الَّذِي يبيعُ الخمرَ: كسِّرُوا كلَّ آنيةٍ له، وسيِّرُوا كلَّ ماشيةٍ له.
خَرَّجَهَ وكيعٌ في كتابِهِ .
وأما نهيُهُ وَخَّ عن التحريق بالنار: فإنَّمَا أرادَ به تحريقَ النفوسِ وذوات
الأرواح.
فإنْ قيلَ: فتحريقُ بيتِ العاصي يؤدِّي إلى تحريقِ نفسِهِ، وهو ممنوعٌ.
قيلَ: إِنَّما يُقْصَدُ بالتحريقِ دارُه ومتاعُهُ، فإنْ أَتَى على نفسِهِ لم يكنْ
بالقصد؛ بل تَبَعًا، كما يجوزُ تبييتُ المشركينَ وقتلُهم ليلا وقد أتَى القتلُ
(١) في ((ك٢)): ((عضل)) والصواب ما أثبتناه.
٤٦٠