Indexed OCR Text

Pages 261-280

٧ - باب ما يقول إذا سمع المنادي
الحديث : ٦١٣
نفسه، نقلَهُ عنه جماعةٌ، ونقل صالحُ بنُ أحمدَ عن أبيه (٢١ - ب / ك٢)
قالَ: إذا رفعَ صوتَهُ به يعيدُ الصلاةَ؛ لأنه ليسَ من شأن الصلاة إلا أن لا
يجهرَ بهِ، وإن قالَ في نفسهِ فلا شيْءَ عليهِ(١). وهذا يحتملُ أنه أرادَ: إذا
تلفظَ به بطلت صلاتُهُ.
وحكى الطحاويُّ عن أبي يوسفَ أنَّهُ لا تبطلُ صلاتُهُ إذا أجابَ المؤذنَ
في الصلاةِ بالتكبيرِ والتشهدِ عندَ أبي يوسفَ، وتبطلُ عندَ أبي حنيفةً
ومحمد إذا أرادَ به الأذانَ كما لو خاطبَ إنسانًا في صلاته بلا إلهَ إلا اللهُ
فإن صلاتَهُ عنده تفسدُ، وهو إحدَى الروايتينِ عن أحمدَ.
وقد فرقَ بينهما أصحابُنا بأنَّ هذا قصدَ خطابَ آدميٌّ بخلافِ المجيبِ
للأذان فإنه إنما قصدَ ذكرَ الله عزَّ وجلَّ، وقد نقل مُهَنَا، عن أحمد - ذكرَ
في صلاته كيسًا ذهَبَ لَهُ فقالَ: إنا لله وإنا إليه راجعون - فقالَ أحمدُ:
يعيدُ صلاتَهُ. وهذا يدلُّ على أنه إذا أتَى في صلاتِهِ بذكرٍ غيرِ مشروعٍ فيها
أنها تبطلُ.
وكذلك روَى جعفرُ بنُ محمد، عن أحمدَ - في الرجلِ يقولُ قبلَ أن
يتمَّ الصلاةَ: اللهم أنت السلامُ ومنكَ السلامُ -: فليس هذا من شأن
الصلاة، سابق(٢) الصَّلاة.
وروَى عنه أبو طالب أنه قالَ: لا بأسَ بذلكَ قبلَ السلامِ وبعده.
وإن أجابَ المؤذنَ في قولِهِ: حيَّ على الصلاةِ حيَّ على الفلاحِ بمثلِ
(١) ((مسائل صالح)) (٣/ ٧٠).
(٢) كذا في ((ك٢))، ولعل الصواب: ((يستأنف)) - كما يدل عليه مذهب أحمد - رحمه الله.
٢٦١

الحديث : ٦١٣
كتاب الأذان
قوله بطلتْ صلاتُهُ عندَ جمهور العلماءِ(١).
وقالت طائفةٌ: لا تبطلُ صلاتُهُ بذلك - أيضًا -، وحكاهُ ابن حوير
منداد(٢)، عن مالك وأنه يكونُ بذلكَ مسيئًا وصلاتُهُ تامةٌ، وكرهَ أن يقولَ
في الفريضةِ مثلَ ما يقولُ المؤذنُ، فإن قالَ ذلكَ في الفريضةِ لم تبطل
أيضًا - ولكنَّ الكراهةَ في الفريضة أشهد(٣). وكلامُ صاحبِ ((تهذيبٍ
المدونة)) ظاهرَهُ موافقةُ ذلكَ إلا أنه قالَ: لا بأسَ. وهذا يدلُّ على أنه
يكره إلا أن يختصَّ ذلك بغيرِ المصلِّي.
وقد وردَ حديثٌ يستدلُّ به على أن الأذانَ والإقامةَ لاتنفيانِ (٤) الصلاةَ.
فروَى الليثُ بنُ سعد، عن يزيدَ بنَ أبي حبيبٍ أن سويدَ بنَ قيسٍ
أخبرَهُ عن معاويةَ بنِ حُديج أن رسول الله وَلَّهِ صلَّى يومًا فسلمَ وقد
بقيت من الصلاة ركعةٌ فأدركَهُ رجلٌ فقالَ: نسيتَ من الصلاة ركعةً فرجعَ
فدخلَ المسجدَ وأمرَ بلالا فأقامَ فصلَّى للناسِ ركعةً، فأخبرتُ بذلكَ الناس
فقالوا لي: تعرف الرجلَ؟ فقلتُ لا إلا أن أراهُ، فمر بي فقلتُ: هو
هذا، فقالوا: هذا طلحةُ بنُ عبيد الله .
(١) قال ابن قدامة في ((المغني)) ((وإن قاله ما عدا الحيعلة لم تبطل الصلاة؛ لأنه ذكر، وإن قال
الدعاء إلى الصلاة فيها بطلت؛ لأنه خطاب آدميٍ))أ. هـ.
(٢) كذا في ((ك(٢)»: ((ابن حوير منداد)) وضبب على: ((حوير)).
وفي ((التمهيد)) (١٠ / ١٤٢ - ١٤٣) ذكره فقال: ((وذكر أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن
خواز بنداد البصري المالكي، عن مالك )) وساق النص بتمامه.
(٣) كذا في ((ك٢))، والصواب: ((أشدّ)) - كما في «التمهيد)».
(٤) في (ك): ((لاتفتان)) هكذا رسمها النَّاسخ، وأثبتنا ((تنفيان))، والمعنى: ((يُبطلان))، وسيأتي
من خلال السياق.
٢٦٢

٧ - باب ما يقول إذا سمع المنادي
الحديث : ٦١٣
خرَّجُهُ الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والنسائيُّ وابن خزيمةَ وابنُ حبانَ في
((صحيحَيْهِما)) وعندهما: أنه سلَّمَ في ركعتينِ من صلاةِ المغربِ (٢٢ -
أ/ ث٢)، والحاكمُ وقالَ: صحيحُ الإسنادِ(١).
وسويدٌ هذا: وثقهُ النسائيّ وابنُ حبانَ(٢)، ومعاويةُ بنُ حُدَيج: أثبتَ
البخاريُّ وغيرهُ(٣) لهُ صحبةً، وأنكره الإمامُ أحمدُ في روايةِ الأثرمِ(٤)؛
فیکونُ حدیثُهُ هذا مرسلا عنده.
فهذا يدلُّ على(٥) إقامة الصلاة في الصلاة لا يبطلُها وفيها الحَيْعَلتان
ويزيدُ على الأذان بقوله: قد قامت الصلاةُ - أيضًا -؛ ولهذا بنَى على ما
مضَى من صلاته هو ومن صلَّى معهُ، وهذا قد يُبنَى على أصول مالك
وأحمدَ - في روايةٍ عنه - على قولَيْهِمَا أن كلامَ العامدِ في الصلاةِ لمصلحةٍ
الصلاة لا يبطلُ الصلاةَ، ويأتي ذكرُ هذا في موضعٍ آخرَ إن شاءَ اللهُ.
وإذا قلنا: لا يجيبُ المؤذنَ في الصلاةِ فهل يجيبُهُ إذا فرغَ منها؟
قالَ طائفةٌ من الشافعية: يجيبُهُ إذا سلمَ، فإن طالَ الفصل(٦) فهو
کتركِ سجودِ السهوِ .
وكذلكَ قالَ طائفةٌ منهم في المتخلِّي والمجامعِ إذا سمعَ الأذانَ: إنه إذا
(١) ((المسند)) (٤٠١/٦)، وأبو داود (١٠٢٣)، والنسائى (٢ /١٨)، وابن خزيمة (٢ /١٢٨)،
وابن حبان (٦ / ٣٩٥)، و((المستدرك)) (٢٦١/١، ٣٢٣)
(٢) ((تهذيب الكمال)) (١٢ / ٢٧٠)، وانظر ((الثقات)) لابن حبان (٤ / ٣٢٢)
(٣) ((تاريخ البخاري الكبير)) (٧ /٣٢٨)، و((الجرح والتعديل)) (٨ / ٣٧٧).
(٤) ((المراسيل)) لابن أبي حاتم (ص: ٢٠١)، و((جامع التحصيل)) (ص: ٢٨٢)، وراجع
تعليقنا على آخر الحديث (١٢٢٧).
(٥) كذا لعل ((أن)) سقطت من السياق.
(٦) في ((ك٢)»: بالضاد المعجمة.
٢٦٣

الحديث : ٦١٣
كتاب الأذان
فرغَ تابعه.
وقالَ بعضُهُم: وإذا لم يتابِعْه حتَّى فرغَ عمدًا فالظاهر أنه يتداركُ على
القربِ ولا يتداركُ بعدَ طولِ الفصلِ، والأفضلُ أن يتابعه على كلِّ جملة
عقبَ فراغِ المؤذنِ منها من غيرِ تأخيرٍ، كما دلَّ عليه حديثُ معاويةً.
ومن زعمَ من المتأخرينَ أنه [لا] (١) يجوزُ الإجابة حتى يفرغَ، ثم
يجيبُهُ، وزعم أنه لا يسمَّى مؤذنًا حتى يفرغ من أذانه، فقد أبطلَ وقالَ ما
خالفَ به الأولينَ والآخرينَ، وفي تسميتِه مؤذنًا بعد فراغ أذانه حقيقة
٠٠
اختلافٌ - أيضًا -؛ فإنه ينْقَضِي الفعلُ الذي اشتقّ منه الاسمُ.
ولو سابقَ(٢) المؤذنَ في بعضِ الكلماتِ، ففي ((تهذيب المدونة))(٣)
للمالكية: إذا عجلَ قبلَ المؤذنِ بالقولِ فلا بأسَ واللهُ أعلم.
(١) مابين المعقوفين زدناه لمقتضى السياق.
(٢) فى ((ك٢)): ((سايق)) كذا بالياء، والصواب بالباء الموحدة.
(٣) ((المدونة)) (١ / ٦٣ -٦٤).
٢٦٤

الحديث : ٦١٤
٨ - بَابُ
الدُّعَاء عِنْدَ النِّدَاءِ
٦١٤ - حَدَّثَنِي ابْنُ عَّشٍ(١): ثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ
النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ النَّمَّةِ والصَّلاةِ القَائِمَةِ آَت مُحَمَّدًا(٢)
الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثَهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِيَ وَعَدْتَهُ(٣) حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي
يَوْمَ القِيَامَةِ».
ذىُ(٥) وقالَ:
هذا مما تفردَ البخاريُّ دونَ مسلم (٤). وخرَّجهُ الترمذيّ(
حسنٌ غريبٌ من حديثِ ابنِ المنكدرِ، لا يَعْلَمُ أحدًا رواه غير (٦) شعيب
ابنِ أبي حمزةَ.
وذكرَ ابنُ أبي حاتمٍ (٧) عن أبيهِ قالَ: قد طُعنَ في هذا الحديثِ، وكانَ
(١) في ((ك)): ((ابن عباس))، ووضع علامة الإهمال على حرف السين المهملة، وهو خطأ
بيِّن، والذي في ((اليونينية)) والقسطلاني وغيرهما: ((علي بن عياش))، ولم يشر أحد إلى
خلاف ذلك.
(٢) في ((ك٢): ((محمد)»، والتصويب من («اليونينية))، وغيرها.
(٣) في ((٢٥)»: ((وعته))، والتصويب من ((اليونينية))، والقسطلاني، وغيرهما.
(٤) لعلَّ الأنسب أن تكون: ((مما تفرد به البخاري دون مسلم)».
(٥) الترمذي (٢١١) وقال: ((حسن غريب)). إلا أن الشيخ أحمد شاكر زاد كلمة ((صحيح))
وقال: هي من «ب» وحدها.
(٦) في (ك٢)) ((عن))، والصواب: ((غير)) - كما في المطبوع من الترمذي، و((تحفة الأشراف))
(٣٦٧/٢)، و((عارضة الأحوذي)) (٢ /١٢).
(٧) ((علل الرازي)) (٢ /١٧٢).
٢٦٥

الحديث : ٦١٤
كتاب الأذان
عرض (١) (٢٢ - ب / ك٢) شعيبُ بنُ أبي حمزةَ على ابنِ المنكدرِ كتابًا فأمرَ
بقراءته عليه، فعرفَ بعضًا، وأنكرَ (٢) بعضًا وقالَ لابنه أو لابنِ أخيهِ:
اكتب هذه الأحاديثَ، فدوَّنَ (٣) شعيبٌ ذلكَ الكتابَ ولم تثبت(٤) روايةٌ
شعيب تلكَ الأحاديثَ على الناسِ، وعرضَ عليَّ بعض تلكَ الكتبِ قرأ
منها مشابهًا(٥) لحديث إسحاقَ بن أبي فروةَ، وهذا الحديثُ من تلكَ
الأحاديث. انتهى(٦).
(١) في ((ك٢)): ((غرض)) بالغين المعجمة، وهو خطأ.
(٢) في ((ك٢)): ((وأبكر)) كذا بالباء الموحدة، وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.
(٣) في ((العلل)): ((فروى)).
(٤) فى ((٢٥)): ((تتت)).
(٥) كذا في ((ك٢"والذي في ((العلل)) الرازي: «فرأيتها مشابهة)).
(٦) وقع في ((زوائد الإسماعيلي)) - كما قال ابن حجر في ((الفتح)) (٩٤/٢) -: ((أخبرني ابن
المنكدر)). أ.هـ.
ووقع عند الترمذي (٢١١) من طريق محمد بن سهل بن عسكر، وإبراهيم بن يعقوب -
وهو: الجوزجاني -: ((حدثنا محمد بن المنكدر)) وهذه اللفظة غير محفوظة للأسباب التالية:
(أ) أن هذا الحديث وقع في كتاب عرضه شعيب على ابن المنكدر، ويقول أبو حاتم
الرازي: إن شعيبًا لم يثبت أنه حدث به للناس أو حتى عرضه عليهم، فكيف تكون
((حدثنا)) محفوظة؟ !.
(ب) أن البخاريّ - رحمه الله - على جلالته وحفظه رواه عن ابن عياش، ولم يقل
فيه ((حدثنا))؛ وإنما قال: ((عن ابن المنكدر))، وكذا أحمد في ((لمسند)) (٣٥٤/٣).
(جـ) أن أهل الشام خصوصًا كانوا يتساهلون في إيراد لفظ التحديث في الأحاديث، وهذا
ممَّا نَبَّه عليه الإسماعيلي، وراجع (٢٨/٦) شرح الحديث رقم (٦٥٥) من هذا
الكتاب .
وعلي بن عياش: حمصي من أهل الشام.
ثم إن هذا الحديث رغم إخراج البخاري له إلا أن الحفاظ قد استغربوه، وقد نبّه ابن
رجب رحمه الله في ((شرحه لعلل الترمذي)) (٢ / ٦٢٣) على ذلك قائلا: ((ونقل
محمد بن سهل بن عسكر عن أحمد قال: إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: هذا
الحديث غريب أو: فائدة فاعلم أنه خطأ، أو دخل حديث في حديث، أو خطأ من
المحدث، أو ليس له إسناد، وإن كان قد روى شعبة وسفيان))أ. هـ.
فيقول العبقري الدارقطني في كتاب ((الأفراد)) له: غريب من حديث محمد عنه، تفرد به :=
٢٦٦

٨ - باب الدعاء عند النداء
الحديث : ٦١٤
وقد روَى الأثرمُ عن أحمدَ قالَ: نظرتُ في كتابٍ (١) شعيب أخرجها
إلىّ ابنُهُ فإذا فيها منَ الصحةِ والحسنِ والشكلِ نحو هذا.
وقد رُويَ عن جابرٍ من وجه آخرَ بلفظٍ فيه بعضُ مخالفة، وهو يدلُّ
علی أن حديث جابرِ أصلا.
خرَّجهُ الإمامُ أحمدُ (٢) من رواية ابنٍ لهيعةَ: ثنا أبو الزبيرِ، عن جابرٍ،
عن رسولِ اللهِ مَّ قالَ: ((مَنْ قالَ حينَ ينادِي المنادِي: اللهم ربَّ هذهِ
الدعوة التامة والصلاة النافعة صلي(٣) على محمدٍ وارضَ عنه رضَّى لا
= أبو بشر شعيب بن أبي حمزة، عنه، ولا نعلم رواه عنه غير علي بن عياش الحمصي)).
((أطراف ابن طاهر)) بتحقيقنا (١٧٠٦). وبمثل هذا صرَّح الطبراني في ((الأوسط))
(٤٦٥٣)، و((الصغير)) (٦٦٢) قائلا: ((لم يرو هذا الحديث عن محمد بن المنكدر إلا
شعيب، تفرد به: علي بن عياش، ولا يروى عن جابر إلا بهذا الإسناد)) أ. هـ وأضف إلى
هذا قول الإمام الترمذي رحمه اللهُ: ((حديث جابر حديث صحيح حسن، غريب من
حديث محمد بن المنكدر ... )) أ.هـ.
ثم إن الحافظ ابن رجب رحمه الله ذكر هذا الحديث تحت ((قاعدة مهمة))، وما كتب
((مهمة)) إلا تحت هذه القاعدة، وليت المشتغلين بعلم الحديث يعيدون النظر في دراسة هذه
القاعدة لأهميتها، فقال: ((حُذَّاق النقاد من الحفاظ لكثرة ممارستهم للحديث ومعرفتهم
بالرجال وأحاديث كل واحد منهم لهم فَهْمٌ خاص يفهمون به أن هذا الحديث يشبه حديث
فلان ولا يشبه حديث فلان (وذلك لاستيعابهم مخارج أحاديث الرواة) فيعللون الأحاديث
بذلك، وهذا مما لا يُعبّر عنه بعبارة تحصره)) ا. هـ - تمامًا كما قال الحاكم في ((معرفة علوم
الحديث)) (ص: ١١٢) من أنه علم برأسه غير الصحيح والسقيم والجرح والتعديل، فقال:
((وإنما يُعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مَدْخل فإن حديث المجروح ساقط واه،
وعلة الحديث يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة فيخفى عليهم علمه
فيصير الحديث معلولا .
والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة، لا غير)) أ. هـ.
(١) كذا في ((٢٥)»، ولعل الأنسب: ((كُتُب))، ويدل عليها الكلمة التي تليها.
(٢) ((المسند)) (٣/ ٣٣٧).
(٣) في («المسند»: ((صلِّ)، والجادة كذلك.
٢٦٧

الحديث : ٦١٤
كتاب الأذان
سخط (١) بعدَهُ استجابَ اللهُ دعوتَهُ (٢)))(٣).
وقد رُوِيَ في هذا المعنى وسؤال الوسيلةَ عند سماع الأذانِ من حديثٍ
أبي الدرداءِ وابنِ مسعودٍ مرفوعًا وفي إسنادهما ضعف.
ومما يشهدُ له - أيضًا -: حديثٌ خرجهُ مسلمٌ(٤) من طريقِ كعبِ بنِ
علقمةَ، عنْ عبد الرحمنِ بنِ جبيرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو بنِ العاصِ أنه
سمعَ النبيَّ بِّهِ يَقُولُ: ((إذا سمعتمُ المؤذنَ فقولوا مثلَ ما يقولُ ثم صِلُّوا
عليَّ؛ فإنه من صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى اللهُ عليه بها عشرًا، ثم سلُوا اللهَ
ليَ الوسيلةَ فإنها منزلةٌ في الجنةِ لا تنبغي(٥) إلا لعبد من عبادِ اللهِ وأرجو
أن أكونَ أنا هو، فمن سألَ لي الوسيلةَ حلَّت له الشفاعةُ)).
وعبدُ الرحمنِ (٦) بنُ جبيرِ هذا مولَى نافعٍ بنِ عمرٍو القرشيِّ المصريِّ،
وظنَّ بعضُهم أنه ابن جُبَيْرِ بنِ نفيرٍ فوهمَ، وقد فرقَ بينهما البخاريّ
والترمذيّ وأبو حاتم الرازيّ وابنُهُ (٧) .
(١) فى ((المسند)): «تسخط)).
(٢) في ((المسند)): ((له دعوته)).
(٣) وفي إسناده ابن لهيعة، وفيه ما فيه، وكذا عنعنة أبي الزبير، عن جابر، ولعل كلمة ابن
رجب في أول السياق تشعر بضعف الحديث إذ يقول: ((ورُويَ)) والله أعلم.
(٤) مسلم (١١/٣٨٤)، وانظر (تهذيب الكمال)) (٢٩/١٧ - ٣٠)، ويقول أبو بكر البزار في
((البحر الزخار)) (٤٢٤/٦): ((وهذا الحديث قد رُويَ نحو من كلامه عن النبيِ بَ ل ومن
وجوه، ولا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن عبد الله بن عمرو بهذا الإسناد)» ا. هـ.
(٥) في ((ك٢): ((ينبغي)) بالياء، وتصويبها من ((صحيح مسلم)) وغيره
(٦) في ((ك٢)) كتب ((عبد الله)) وكتب فوق كلمة ((الله)): ((الرحمن)).
(٧) ((تاريخ البخاري الكبير»(٢٦٧/٥)، ((وجامع الترمذي)) (٣٦١٤) معزوة للبخاري، و((الجرح
والتعديل)) (٢٢١/٥)، و((تهذيب الكمال)» (٢٦/١٧، ٢٨) وانظر ((المؤتلف والمختلف)»(٤/
٢٢٤٥ - ٢٢٤٦)، و((الإكمال)) لابن ماكولا (٣٥٩/٧)، و((توضيح المشتبه)» (٩ /١١٣).
٢٦٨

٨ - باب الدعاء عند النداء
الحديث : ٦١٤
وقد رُويَ عن الحسنِ أن هذا الدعاءَ يشرعُ عند سماعٍ آخرِ الإقامةِ.
روَى ابنُ أبي شيبةً(١): ثنا أبو الأحوصِ، عن أبي حمزةَ، عن الحسنِ
قالَ: إذا قالَ المؤذنُ: قد قامت الصلاةُ فَقُل: اللهمَّ ربَّ هذه الدعوة التامة
والصلاة القائمة أعط محمدًا سؤلَه يومَ القيامة، فلا يقولُها رجلٌ حين
يقيمُ المؤذنُ إلا أَدخلَهُ اللهُ في شفاعةِ محمدٍ يومَ القيامةِ .
وروَى ابنُ السنيِّ في كتابِ (٢٣ - ٢/ ٢٥)((عملِ يومٍ وليلةٍ)) (٢) من روايةٍ
عبد الرحمنِ بنِ ثابتِ بنِ ثوبانَ، عن عطاءِ بنِ قرةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ
ضمرةً(٣)، عن أبي هريرةَ أنه كانَ يقولُ إذا سمعَ المؤذنَ يقيمُ: اللهمَّ ربَّ
هذه الدعوة التامةِ وهذه الصلاة القائمة صلي (٤) على محمد وآته سُؤْلَه
يومَ القيامةِ.
وهذه الآثارُ تشهدُ للمنصوص عن أحمدَ أنه يدعو عند الإقامة - كما
سبقَ عنه.
وقولُهُ ((من قال حين يسمعُ النداءَ))(٥) ظاهرُهُ أنه يقولُ ذلك في حالٍ
سماعِ النداءِ قبلَ فراغِهِ ويحتملُ أن يريدَ به حينَ يفرغُ من سماعِهِ،
وحديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو صريحٌ في أنه يسألُ الوسيلةَ بعد إجابة المؤذن
والصلاة على رسول الله وَّهِ؛ وهذا هو الأظهرُ، فإنه يشرعُ قبلَ جميعِ
(٢) (ص: ٤٢).
(١) ((المصنف)) (١/ ٢٢٧).
(٣) في ((ك٢)): ((ابن حمرة))، وهو تصحيف، والصواب: ((ابن ضمرة)) - كما في ((تهذيب
الكمال)) (١٢٩/١٥)، و((عمل اليوم والليلة)) لابن السني.
(٤) كذا في ((ك))، والذي في المطبوع من ((عمل اليوم والليلة)): ((صل)) وهي الجادة، والله أعلم.
(٥) في ((ك)): ((من قال حين [على الصلاة] يسمع النداء))، وما بين المعقوفين مدرج لا معنى
له؛ یشهد لهذا حديث الباب.
٢٦٩
:

الحديث ٦١٤
كتاب الأذان
الدعاء تقديمُ الثناء على الله والصلاة على رسولِهِ، ثم يدعو بعد ذلكَ.
وقولُهُ ((اللهم ربَّ هذه الدعوةِ التامةِ))، والمراد بالدعوة التامة: دعوةُ
الأذان؛ فإنها دعاءٌ إلى أشرفِ العباداتِ والقيامِ في مقامِ القربِ والمناجاة،
فلذلك كانتْ دعوةً تامةً أي: كاملةً لا نقصَ فيها، بخلافِ ما كانتْ
دعواتُ أهلِ الجاهليةِ إِمَّا إلى استنصار على عدوٍّ أو إلى نعىِ ميتٍ أو إلى
طعامٍ ونحو ذلك مما هو ظاهرُهُ النقصُ والعيبٌ(١).
وروى أبو عيسَى الأسواريُّ(٢) قالَ: كانَ ابنُ عمرَ إذا سَمِعَ الأذانَ
قالَ: اللهم ربَّ هذه الدعوةِ المستجابةِ الْمُستجابِ لها دعوةِ الحقِ وكلمةِ
التقوَى فتوفني عليها وأحيني عليها واجعلني من صالحِي أهلِهَا عملا يومَ
القيامة .
وقد رُويَ عنِ ابنِ عمرَ موقوفًا من وجوهٍ أُخَرَ، ورُويَ عنه مرفوعًا
من وجهٍ ضعيفٍ، قَالَ الدار قطنيُّ: الصحيحُ موقوفٌ.
وخرَّجَ بقيُّ بن مخلدٍ والحاكمُ (٣) من حديثِ عفيرِ بنِ معدانَ، عن أبي
أمامةَ، عنِ النبيِّ وَلّ: ((إذا نادَى المنادي فتحت أبوابُ السماء واستجيب
الدعاءُ، فمن نزلَ به كربٌ أو شدةٌ فليتحينِ المنادِي إذا نادَى فليقلْ مثلَ
مقالتهِ ثم ليقل: اللهمَّ ربَّ هذه الدعوة التامة الصادقة الحقّ المستجابة
(١) في (٢)): ((الغيب)) بالمعجمة، والتصويب من عندنا.
(٢) ((الكنى)) للبخاري (ص: ٥٦)، وقال أبو علي الغساني: لا يوقف له على اسم (١
/ ١٥٦) ((الأنساب)) للسمعاني، وهو مترجم في ((تهذيب الكمال)) (٣٤ /١٦٥).
(٣) ((المستدرك)) (٥٤٦/١).
٢٧٠

٨ - باب الدعاء عند النداء
الحديث: ٦١٤
المستجاب لها دعوة الحقّ وكلمة التقوى أحينا عليها وأَمنْنا (١) عليها،
وابعثْنَا عليها واجعلْنَا من خيارِ(٢) أهلها محيّى ومماتًا، ثم يسألُ حاجَتَهُ)).
وعفيرٌ(٣) (٢٣ - ب / ٢٥) ضعيف جدا.
وقولُهُ ((والصلاةِ القائمةِ)) أي: التي ستقومُ وتحضرُ.
وقد خرَّجَ البيهقيُّ(٤) حديثَ جابرٍ ولفظُهُ: ((اللهمَّ إني أسألك بحقِّ
هذه الدعوة التامةِ والصلاةِ القائمةِ».
وهذا اللفظُ لا إشكالَ فيه؛ فإن اللهَ سبحانَهُ جعلَ لهذهِ الدعوةِ
وللصلاة حقّاً كتبه على نفسِهِ لا يخلفه لمن قامَ بهما من عبادِهِ، فرجَعَ
الأمر إلى السؤال بصفات الله وكلماته؛ وبهذا استدلَّ الإمامُ أحمد على
أن القرآن ليسَ بمخلوقٍ باستعاذة النبي بَّ بكلمات الله التامة وقالَ: إنما
يستعاذُ بالخالقِ لا بالمخلوقِ .
وأما روايةٌ من روَى ((اللهمَّ ربَّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة)).
كما هي رواية البخاريِّ، والترمذيِّ وغيرِهما: فيقالُ: كيف جعلَ هذه
الدعوةَ مربوبة مع أن فيها كلمةَ التوحيدِ وهيَ منَ القرآنِ، والقرآنُ غيرُ
مربوبٍ ولا مخلوقٍ؟!، ولهذا فرّقَ من فرقَ من أهلِ السنةِ بينَ أفعال
الإيمانِ وأقوالِهِ، فقالَ: أقوالُهُ غيرُ مخلوقة وأفعاله مخلوقٌ، لأن(٥) أقوالَةً
ہے
ترجعُ إلى القرآنِ .
وَ
(١) في ((ك)): ((وأمثنا)).
(٢) في ((٢٥): ((خبار)) ووضع تحت الخاء نقطتين وتحت الراء نقطة.
(٣) في ((٢٥)): ((عقير))، وهو تصحيف، والصواب: ((عُفير))، وهو ابن مَعْدَان، مترجم في
(تهذيب الكمال)) (٢٠ /١٧٦).
(٤) ((السنن الكبرى)) (١ /٤١٠). (٥) في ((٢٥)) أشبه بكلمة: ((لأنه))، والأنسب: ((لأنَّ).
٢٧١

الحديث : ٦١٤
كتاب الأذان
وأُجيبَ عن هذا بوجوهِ.
منها: أن المربوبَ هو الدعوةُ إلى الصلاة خاصةً، وهو قولهُ: حيَّ
على الصلاةِ حيَّ على الفلاحِ. وليس ذلك في القرآنِ، ولم يُرِدْ به
التكبير والتهليلَ. وفيه بُعْدُ.
ومنها: أن المربوبَ هو ثوابُها؛ وفيه ضعفٌ.
ومنها: أن هذه الكلماتِ من التهليل والتكبيرِ هي من القرآنِ بوجهِ،
وليست منه بوجه، كما قالَ دِ له: ((أفضلُ الكلامِ بعدَ القرآنِ أربعٌ وَهُنّ
مِنَ القُرآن: سبحانَ الله، والحمدُ لله، ولا إلهَ إلا اللهُ واللهُ أكبرُ)) (١)؛ فهي
منَ القرآنِ إذا وقعت في أثناء القرآن وليست منهُ إذا وقعتْ في كلامِ
خارجٍ عنه، فيصحُّ أن تكونَ الكلماتُ الواقعةُ من ذلك في ضمنِ ذلكَ
مربوبةً.
وقد كره الإمامُ أحمدُ(٢) أن يؤذنَ الجنب؛ وعللَ بأن في الأذانِ كلماتٍ
منَ القرآنِ. والظاهرُ أن هذا على كراهة التنزيهِ دونَ التحريمِ، ومنَ
الأصحابِ من حملَهُ على التحريم، وفيه نظرٌ؛ فإن الجنبَ لا يمنعُ من
قول ((سبحانَ الله والحمدُ لله ولا إلهَ إلا اللهُ واللهُ أكبرُ)) على وجهِ الذكرِ
دونَ التلاوة.
وسُئِلَ إسحاقُ عن الجنب: يجيبُ المؤذنَ؟ قالَ: نعمْ؛ لأنه ليسَ
(١) ((المسند)) (٢٠/٥)، وقد علَّق البخاري هذا في ((صحيحه)) (١ /٥٦٦ - فتح) وقال
الحافظ: ((هذا من الأحاديث التي لم يصلها البخاري في موضع آخر)).
(٢) ((مسائل عبد الله)) (ص: ٥٧ - ٥٨)، و((مسائل أبى داود لأحمد)) (ص: ٢٨)، و((مسائل
ابن هانیء)) (ص: ٤٠).
٢٧٢

٨ - باب الدعاء عند النداء
الحديث : ٦١٤
بقرآن .
ومنها: أن الربَّ: ما يضافُ إليه الشيءُ، وإن لم يكن خَلْقًا له،
کربِّ الدار ونحوه.
فالكلامُ يضافُ إلى (٢٤- أ/ ك٢) الله لأنه هو المتكلمُ به ومنه بدأ
وإليه يعودُ، فهذا معنى إضافته إلى ربوبيةِ اللهِ، وقد صرّحَ بهذا المعنى
الأوزاعيُّ وقال - فيمن قالَ: بربِّ القرآنِ -: إن لم يردْ ما يريدُ الجهميةُ
فلا بأسَ - يعني: إذا لم يرد بربوبيتهِ خلقَهُ كما يريده الجهمية، بل أراد
إضافة الكلامِ إلى المتكلم بهِ .
وقوله ((آت محمدًا الوسيلةَ)) قد تقدمَ حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو (١)،
عنِ النبيُّ بِّرِ أنه قال: ((ثم سلُوا اللهَ لي الوسيلةَ؛ فإنها منزلةٌ في الجنةِ
لا تنبغي إلا لعبد من عبادِ اللهِ وأرجو أن أكونَ أنا هو)).
وخرَّجَ الإمامُ أحمدَ، والترمذيُّ(٢) من حديث أبي هريرةَ، عن النبيِّ
وَلِّ قالَ: ((سلوا الله لي الوسيلةَ)) قالوا: يا رسولَ الله! ما الوسيلةُ؟ قالَ:
((أعلَى درجةٍ في الجنَّةِ لا ينالُها إلا رجلٌ واحدٌ أرجو أن أكونَ أنا)).
ولفظُ الإمامِ أحمدَ : ((إذا صليتمْ عليَّ فسلُوا اللهَ ليَ الوسيلةَ) وذكرَ
باقيَهُ.
وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ(٣) من حديث أبي سعيدٍ، عنِ النبيِّ بَّ قالَ:
((الوسيلةُ درجةٌ عندَ الله عزَّ وجلَّ ليس فوقها درجةٌ، فسلُوا اللهَ أن يؤتِيَنِي
الوسیلةَ)).
(١) مسلم (٣٨٤ / ١١).
(٢) ((المسند)) (٢ /٢٦٥، ٣٦٥) والترمذي (٣٦١٢).
(٣) ((المسند)) (٣ / ٨٣).
٢٧٣

الحديث : ٦١٤
كتاب الأذان
وأما الفضيلةُ: فالمرادُ - والله أعلم - إظهارُ فضيلته على الخلقِ
أجمعينَ يومَ القيامةِ وبعدَهُ وإشهادُ تفضيله عليهم في ذلكَ الموقفِ كما
قالَ: ((أنا سيدُ ولدِ آدَمَ يومَ القيامةِ))(١) ثم ذكرَ حديثَ الشفاعة.
وقولُهُ ((وابعثْهُ (٢) مقامًا محمودًا)» هكذا في رواية البخاريِّ وأبي داودَ
والترمذيِّ والنسائيِّ(٣) وغيرِهم، وعزى (٤) بعضُهم إلى النسائيِّ أنه رواه
بلفظِ ((المقامَ المحمودَ)) بالتعريف، وليسَ كذلكَ وقعت هذه اللفظةُ بالألف
واللام في بعضِ طرقٍ رواياتِ الإسماعيليِّ في ((صحيحه))(٥).
ووجهُ الرواية المشهورة: أن ذلكَ متابعةٌ للفظ القُرآن فهو أَوْلَى،
وعلى هذا فلا يكونُ(٦) ((الذي وعدتَهُ)) صفةً؛ لأن النكرةَ لا توصفُ
بالمعرفة وإن تخصصَتْ، وإنما يكونُ بدلا، لأن البدل لا يشترطُ أن يطابقَ(٧)
في التعريفِ والتنكيرِ (٨) أو يكونَ منصوبًا بفعلٍ محذوفٍ تقديرُهُ: أعنِي
الذي وعدتَهُ، أو يكونَ مرفوعًا خبرُ مبتدٍ محذوفٍ أي: هو الذي وعدتَهُ.
(٢) في ((ك٢)): ((وابعته)) بالمثناة.
(١) ((المسند)) (١ / ٢٨١).
(٣) أبو داود (٥٢٩)، والترمذي (٢١١)، والنسائي (٢ /٢٦ - ٢٧).
(٤) كذا في ((ك٢)»، والجادة: ((عزا)).
(٥) الذي في ((الكبرى)) - من المطبوع - «مقامًا محمودًا)) بدون تعريف، والذي في ((المجتبى))
بالتعريف: ((المقام المحمود))، وأَقَرَّ كل من محمد عابد السندي، والسيوطي في تعليقيهما
على ((المجتبى)) أنها بالتعريف ولم يشر أحد منهما إلى خلاف في ذلك.
ويقول القسطلاني في ((إرشاد الساري)) (٩/٢): ((وللنسائي في هذه الرواية من رواية علي
ابن عياش: ((المقام المحمود)) بالتعريف)) "أ. هـ ولم يشر إلى خلاف في ذلك.
وكذا قال العيني في ((عمدة القاري)) (٢٨٦/٤)، والحافظ في ((الفتح)) (٩٥/٢) وفي ((التلخيص
الحبير)) (٢١٠/١) وقال الحافظ في ((الفتح)) (٩٥/٢) بعد أن ذكر أن رواية النسائي
بالتعريف: ((وفيه تعقب على من أنكر ذلك كالنووي)).
(٦) في (ك(٢)): ((يكون)) بدون نقط.
(٧) في ((ك٢)»: يطابق)) بدون نقط.
(٨) في ((ك(٢)): ((التكبير))، وهو خطأ بيِّن يدل عليه السياق.
٢٧٤

٨ - باب الدعاء عند النداء
الحديث : ٦١٤
والمقامُ المحمودُ: فُسِّرَ بالشفاعةِ، وقد رُويَ ذلكَ عن النبيّ نَظُلّ من
حديث أبي هريرةَ وأبي سعيدٍ وابنِ عباسٍ وغيرِهم.
وفُسِّرَ بأنه يُدْعى يومَ القيامةِ ليكسَى (٢٤ - ب/ ك٢) حلةً خضراء فيقومُ
عن يمينِ العرشِ مقامًا لا يقومُه أحدٌ فيغبطه به الأولونَ والآخرونَ، وقد
رُوَيَ عنِ النبيِّ وَّ من حديثِ ابنِ مسعودٍ ونحوه من حديثِ كعبِ بنِ
مالك - أيضًا - وكذا رُويَ عن حذيفةَ موقوفًا ومرفوعًا. وهذا يكونُ قبلَ
الشفاعة .
وفسرهُ مجاهِدٌ وغيرُهُ بغيرِ ذلكَ (١).
وقوله ((حلَّتْ له شفاعتي)) قيلَ: معناهُ: نالتْهُ وحصلت لَهُ ووجبتْ،
وليسَ المرادُ بهذهِ الشفاعةِ الشفاعةَ في فصلِ القضاءِ؛ فإن تلك عامةٌ لكل
أحد، ولا الشفاعةَ في الخروجِ من النارِ ولابد فإنه قد يقولُ ذلكَ من لا
يدخلُ النارَ؛ وإنما المرادُ - واللهُ أعلمُ - أنه يصيرُ في عناية رسول الله وَل
بحيثُ تتحتمُ له شفاعتَيْهِ، فإن كانَ ممن يدخلُ النارَ بذنوبِهِ شفع له (٢)
٠٩
إخراجه منها أو في منعِهِ من دخولِهَا، وإن لم يكن من أهلِ النارِ فيشفعُ
له في دخولِهِ (٣) الجنةَ بغيرِ حسابٍ أو في رفعٍ درجتِهِ في الجنةِ .
وقد سبقت الإشارةُ إلى أنواعِ شفاعةِ النبيِّ وَّله في كتابِ ((التيممٍ)).
(١) فسره مجاهد بأن الله يجلسه على العرش - كما في ((السنة)) للخلال (٢٤١/١ - ٢٤٤)
وانظر ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (٣٧٤/٤).
(٢) كذا في ((ك٢)»، ولعل الأليق: ((شفع له [في] إخراجه منها)).
(٣) في ((٢٥)): ((دخلوله)).
٢٧٥

كتاب الأذان
٩ - بَبُ
الاسْتِهَامِ فِي الأَذَانِ
وَيُذْكَرُ أَنَّ قَوْمًا اخْتَلَفُوا فِي الأَذَانِ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ سَعْدٌ.
قَالَ عبدُ الله ابنُ الإمامِ أحمدَ: ثنا أبي: ثنا هشيمٌ: قال ابنُ شبرمةَ:
[أخبرنا قالَ](١): تشاحَّ الناسُ بالقادسية على الأذان فارتفعوا إلى سعد
فأقرع (٢) بينهم. وهذا إسنادٌ منقطعٌ. قالَ عبدُ اللهِ ابْنُ الإمامِ أحمد (٣):
سألتُ أبي عن مسجدٍ فيه رجلانِ ورعانِ (٤) أيهما أحقَّ بالمسجد هذا يؤذنُ
فيه وهذا يؤذنُ فيه؟ فقالَ: إذا استووا في الصلاحِ والورع أقرع(٥) بينهما،
وكذلكَ فعلَ سعدٌ(٦)، فإن كانَ أحدُهُمَا أصلحَ في بدنِهِ (٧) فينبغي لهم أن
لا يختصموا، فقلتُ: فإن كانَ أحدُهم أسنَّ وأقدمَ في هذا المسجدِ ينفقُ
عليه ويحوطُهُ ويتعاهدُه؟ قالَ: هذا أحقّ به.
ومعنى هذا: أنه إذا تشاحِّ(٨) في الأذان اثنان، فإن امتازَ أحدُهُمَا
بمزيدٍ فضلٍ في نفسِهِ فإنه يقدمُ، وهو مرادُ أحمدَ بقوله: ((إن كانَ أحدهما
أصلحَ في بدِنِهِ(٧) فينبغي لهم أن لا يختصمُوا)) يعني: أن الأصلحَ أحقُّ
(١) كذا في ((ك) وغالب ظننا أنه مقحم، وانظر ((سنن البيهقي الكبرى)) (٤٢٩/١)، و((فتح
الباري)» لابن حجر (٢ /٩٦) ((وتغليق التعليق)) (٢ /٢٦٥).
(٢) في ((ك٣)): ((فأفرغ)).
(٣) («مسائل عبد الله)) (ص: ٥٧).
(٥) في ((ك٢)): ((أقزع)).
(٤) الذي في ((مسائل عبد الله)): ((يدعيان)).
(٦) تصحَّفت في ((المسائل)) فصارت: ((سفه)).
(٧) كذا في ((ك٢))، ولعل الصواب: ((دينه)).
(٨) في ((ك٢)): ((تساح))، بالسين المهملة، والصواب إعجامها.
٢٧٦

٩ - باب الاستهام في الأذان
فلا ينازعُ، فإن استوَوْا في الفضلِ في نفسهم وامتازَ(١) أحدُهم بخدمةِ
المسجد وعمارته قُدِّمَ بذلكَ.
وكانَ (٢) أصحابُنا: إنه يقدمُ أحدُ المتنازعينَ باختصاصه بصفات الأذان
المستحبةِ فيهِ، مثل أن يكونَ أحدُهما أندَى صوتًا وأعلمَ (٢٥ - أ/ ك٢)
بالمواقيت ونحوَ ذلكَ، فإن استوفَوْا(٣) في الفضائلِ كلِّهَا أقرعَ بينهم حينئذٍ
- كما فعلَ سعدٌ.
والظَّاهرُ: أن مرادَ أحمدَ التنازعُ في طلب الأذانِ ابتداءً، فأما من ثبتَ
له حقَّ الأذان في المسجد وهو مؤذنٌ راتبٌ فيه فليسَ لأحد منازعته ويقدمُ
على كلِّ مَنْ نازعهُ، وَقَد نقلَ الشالنجيُّ(٤) عن أحمدَ ما تبينُ(٥) هذا
المعنَى، قالَ إسماعيلُ بنُ سعيد الشالنجيّ(٤): سألتُ أحمدَ عن القومِ إذا
اختلفوا في الأذانِ فطلبوه جميعًا فقالَ: القرعةُ في ذلك حسنٌ، وقالَ:
ثنا هشيمٌ، عنِ ابنِ شبرمةَ: إنَّ الناسَ تشاحُوا(٦) يومَ القادسية في الأذانِ
فأقرعَ بينهم سعدٌ في ذلكَ.
قالَ الشالنجيُّ: قالَ أبو أيوبَ - يعني سليمانَ بنَ داودَ الهاشميَّ -:
إن ماتَ المؤذنُ وله ولدٌ صالحٌ فهو أحقُّ بالأذانِ وإن لم يطلُبُهُ وإن لم
يكن بأهلٍ كذلك، وطلبَهُ صلحًا (٧) المسجد يقرعُ (٨) بينهم في ذلكَ. وبِهِ
(١) في ((ك٢)): ((وامتار)) بالراء المهملة.
(٢) كذا فى ((ك))"، ولعل الصواب: ((وقال)).
(٣) كتب في ((ك))): ((استوف)) ثم صححها بعد ذلك فصارت: ((استوفوا)).
(٤) ((طبقات الحنابلة)) (١ / ١٠٤).
(٥) كذا في ((ك))، ولعل الصواب: ((ما يُبيِّن))، والله أعلم.
(٦) في ((ك٢)): ((تشاخوا)) بالخاء المعجمة، والصواب الإهمال.
(٧) في (ك٢)): ((صللحا)) ثم ضرب على حرف اللام الثاني فصارت ((صلحًا)).
(٨) في ((ك٢)): (يقرعء بينهم)) بزيادة حرف أشبه برأس العين بعد كلمة ((يقرع)).
٢٧٧

كتاب الأذان
قالَ أبو خيثمةً(١) - يعني: زهيرَ بن حربٍ .
وقالَ ابنُ أبي شيبةَ في الأذانِ: على ما جاءَ: يؤمَّ القومَ أقرأهم(٢)
لكتابِ اللهِ وكذلكَ الأذانُ.
قالَ الجوزجانيَّ بعدَ أن ذكرَ هذا عن الشالنجيِّ ما معناه: إن اختلافَ
الناسِ يردُّ إلى السنةِ، ثم روى حديثَ النبيِّ وَّ: ((المؤذن مؤتمنٌ)(٣) من
طرقٍ، وروَى حديثَ حسينِ بنِ عيسى، عن الحكمٍ بن أبانٍ، عن عكرمةَ،
عنِ ابنِ عباسٍ، عنِ النبيِّ ◌َِِّ: ((ليؤذنْ لكم خيارُكُمْ)). وقد خرَّجهُ أبو
داودَ وابنُ ماجه(٤)؛ وتُكُلِّمَ فيهِ من جهةِ الحسينِ والحكمِ - أيضًا (٥).
وفي مراسيل صفوانَ بن سليم: أن النبيَّ وََّ قالَ لبني خطمةً من
الأنصارِ: ((يا بني خطمةَ! اجعلوا مؤذنَكُم أفضلَكُم في أنفسِكُم)) (٦).
ثم قال الجوزجانيّ: لابد أن يكون المؤذنُ خيارًا (٧) وأن يكون مؤتمنًا
متبعًا للسنةِ؛ فإن المبتدعَ غيرُ مؤتمنٍ، فإن اجتمعَ هذه الخلالُ في عدةٍ من
أهلِ المسجدِ فإنّ أحقّهُم بالأذانِ أنداهم صوتًا، ثم ذكرَ حديثَ عبدِ اللهِ بنِ
زيد أن النبيَّ ◌ِّ قال لهُ: ((ألقهِ على بلالٍ؛ فإنه أندَى صوتًا منكَ))(٨).
قالَ: وإنما أظنهما كانا متقاربينِ في الفضلِ والأمانةِ وفَضَلَهُ بلالٌ
(١) في ((ك))): ((أبو حنيفة)) وهو تصحيف بيِّن.
(٢) كذا في ((ك)، والصواب: ((أقرؤهم))
(٣) ((المسند))(٢٨٤/٢، ٤٢٤، ٤٦١، ٤٧٢)، وانظر البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٤٣٠/١)،
وغيرهما .
(٤) أبو داود (٥٩٠)، وابن ماجه (٧٢٦).
(٥) ((الكامل)) (٣٥٥/٢)
(٦) ((السنن الكبرى)) للبيهقي)) (٤٢٦/١).
(٧) في ((ك٢)): ((حيارًا)) بالحاء المهملة.
(٨) قد سبق (ص ١٨٩) تحت شرحه للحديث (٦٠٤).
٢٧٨

٩ - باب الاستهام في الأذان
بالصوت فلذلكَ رآهُ أحقَّ، فإذا اجتمعَ رجالٌ في المسجدِ فعلاهم رجلٌ
ببعضِ هذهِ الخصالِ كانَ أحقَّ بالأذانِ، وإذا استوت فيها حالاتُهم فالقرعةُ
عندَ ذلكَ (٢٥ - ب / ك ٢) حسنٌّ، وأشارَ إلى فعلِ سعدٍ وعَضَّدَهُ بقول
النبيِّ وَّ: ((لو يعلمُ الناسُ ما في النداءِ ثم ليجدوا(١) إلا أن يستهمُوا
عليه لاستَهَمُوا)) .
ثم قالَ: فأما الآباءُ والأبناءُ والعصبةُ في الأذان والإمامة: فإنا لا
نعلمُ فيه سنةً ماضيةً واللهُ أعلمُ. انتهى ما ذكرهُ ملخصًا.
وخرَّجَ أبو داودً (٢) من روايةٍ غالبِ القطانِ، عن رجلٍ، عن أبيه، عن
جدِّهِ أن رجلا منهم أتى النبيَّ بَّهِ فَقَالَ: إنَّ أبي شيخٌ كبيرٌ وهو عَرِيفُ
الماء، وإنه سألكَ أن تجعل لي العِرَافةَ بعده، فقال: ((إنَّ العرافةَ حقٍّ ولابُدَّ
١
للناسِ من العُرَفَاءِ، والعرفاءُ في النار)).
وهذا إسنادٌ مجهولٌ، ولم يذكر أنه جعلَ العرافةَ له بمجردٍ كونِهِ أبيه
عريفًا، والإمامةُ العظْمَى لا تستحقُّ بالنسب؛ ولهذا أنكرَ الصحابةُ على
٠
من بایعَ لولدِهِ.
وقالَ عبدُ الرحمنِ بنُ أبي بكرٍ: جئتم بها هرقليةٌ(٣) تبايعونَ
لأبنائكم؟! وسمعَ ذلكَ عائشةُ والصحابةُ ولم ينكروه عليه، فدلَّ على أن
البيعةَ للأبناءِ سُنَّةُ الرُّومِ وفارسَ، وأما سنةُ المسلمينَ: فهي البيعةُ لمن هو
أفضلُ وأصلحُ للأمةِ، وما تزعمه الرافضةُ في ذلكَ فهو نزعةٌ من نزعاتٍ
(١) كذا في ((ك))، والصواب: ((لايجدوا)) ولعل سبيل هذا التصحيف: السماع.
(٢) في ((السنن)) (٢٩٣٤) مطولا.
(٣) في ((ك٢)): ((هر قبلة)) بالباء الموحدَّةَ.
٢٧٩

كتاب الأذان
المشركينَ في تقديمِ الأولادِ والعصبات. وسائرُ الولايات الدينية سبيلها
سبيلُ الإمامةِ العُظْمَى في ذلكَ واللهُ أعلمُ.
وقد رُويَ ما يستدلَّ به من جعلِ الأذانِ للأبناءِ بعد آبائهم، قالَ الإمامُ
أحمدُ(١) : ثنا خلفُ بنُ الوليدِ: ثنا الهذيلُ بنُ بلالٍ، عن ابنِ أبي
محذورةَ، عن أبيهِ أو عن جدِّ قالَ: جعلَ رسولُ اللهِ وَ لَّ الأذانَ لنا
ولموالينا والسقايةَ لبني هاشم والحجابةَ لبني عبد الدارِ.
هذيلُ بنُ بلالٍ ضَعََّهُ ابنُ معينٍ، وَقَوَّاهُ الإمامُ أحمدُ وأبوحاتمٍ،
وإسنادُه مشكوكٌ فيهِ، ولم يسمِّ ابنَ أبي محذورةَ هذا(٢).
وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ من روايةٍ أبي مريمَ، عن أبي هريرةَ،
عنِ النبيِّ نَّ قالَ: ((الملكُ في قريشٍ، والقضاءُ في الأنصارِ، والأذانُ في
الحبشة)). وخرَّجُهُ الترمذيُّ موقوفًا على أبي هريرةَ وقالَ: هو أصحُّ(٣).
وأبو مريمَ هذا ليس بالمشهورِ (٤).
والمرادُ بهذا: أن سيدَ المؤذنينَ كانَ من الحبشة؛ لا أنه يتوارثونَهُ بعد
بلال؛ فإنه لا يعرفُ بعدَهُ من الحبشةِ مؤذنٌ.
(١) ((المسند)» (٦ / ٤٠١).
(٢) ((الجرح والتعديل)) (٩ /١١٣)، و((تاريخ بغداد)) (١٤ /٧٦ - ٧٧)، و((تعجيل المنفعة))
(ص: ٤٣٠).
(٣) («المسند» (٢ / ٣٦٤)، والترمذي (٣٩٣٦) - كلاهما - من طريق زيد بن الحباب: حدثنا
معاوية بن صالح، عن أبي مريم به مرفوعًا، ورواه الترمذي من طريق عبد الرحمن بن
مهدي، عن معاوية به موقوفًا .
وقال الترمذي: ((وهذا أصح من حديث زيد بن الحباب)) أ. هـ.
(٤) مترجم في ((تهذيب الكمال)) (٢٨١/٣٤).
٢٨٠