Indexed OCR Text

Pages 401-420

٢٥ - باب وقت العشاء إلى نصف الليل
الحديث : ٥٧٢
في ((صحيحه))(١).
وإسنادُه على شرط مسلم، إلا أنَّ أبا معاويةً(٢) رواه، عن داودَ،
فقال: عن أبي نضرةَ، عن جابرٍ .
والصَّوابُ: قولُ سائرٍ أصحابِ داودَ في قولهم: عن أبي سعيدٍ. قالَه
أبو زرعة، وابنُ أبي حاتمٍ، والدارقطنيّ، وغيرُهم(٣).
وقد سبقَ في حديث ابنِ عبَّاسٍ - الذي خرَّجه البخاريُّ(٤) - قولُ النبيِّ
وَهُ: (لولا أنْ أشقَّ على أُمَّتَي لأمرَتُهم أن يصلُّوا هكذا)).
وهذا مما استدلَّ به من قالَ: إنَّ تعجيلَ العشاءِ أفضلُ؛ لأنَّه لم
يأمرُهُم بالتَّأخيرِ؛ بل أخبرَ أنَّه لولا أنَّه يشقُّ عليهم لأمرَهم، وما كان
ليؤثرَ ما يشقُّ على أُمَّتِهِ؛ فلذلك لم يأمرُهُمْ.
وكذلك قولُه: ((لولا ضعفُ الضَّعيفِ، وسقمُ السَّقِيمِ لأخَّرْتُ)، فإنَّه
يدلُّ على أنَّه لم يؤخِّرْ، وإذا كان الأمرُ بذلك مستلزمًا للمشقة، فهو لا
يأمرُ بما يشقّ عليهم.
وقد تقدَّمَ أنَّهِ وَجَّ كانَ يراعي حالَ المأمومين في تأخيرِ العشاءِ
وتقديمها: فإن اجتمعوا عَجَّلَ، وإن أبطأوا أَخَّرَ.
(١) حديث أبي سعيد: أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (٣ /٥) وأبو داود في ((سننه))
(٤٢٢)، والنسائي في ((المجتبى)) (٢٦٨/١) وابن ماجه في ((سننه)) (٦٩٣) وابن خزيمة في
((صحیحه)) (٣٤٥).
(٢) محمد بن خازم الضرير، ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش وقد يهم في حديث غيره.
(٣) ((علل ابن أبي حاتم)) (٥٣٣)، و ((علل الدار قطني)) (٤ / ق ٤ - أ).
(٤) (٥٧١).
٤٠١

الحديث : ٥٧٢
كتاب مواقيت الصلاة
وقد أجابَ عن ذلك من قال باستحباب التَّأخير: أنَّ المنتفيَ هو أمرٌ
الإيجابِ، دون أمرِ الاستحبابِ - كما في السُّواكِ.
وقد خرَّجَ الَّسائيُّ الحديثَ(١)، وقال فيه: ((لولا أنْ أشقَّ على أمَّتي
لأمرتُهم أن لا يصلُّوها إلا هكذا)).
ويدلُّ على ذلك: أن ((لولا)) تقتضي(٢) جملتين: اسميةً، ثم فعليةً،
فَيُرْبَطُ امتناعُ الثَّانيةِ فيهما بوجودِ الأولى، والأولى هنا: خوفُ المشقة؛
وهو موجودٌ، فالثَّانيةُ منتفيةٌ، وهو الأمرُ، وليس الأمرُ للإيجاب(٣)؛ لأنَّه
ندبَ إلى (٧٦ / م) تأخيرِها، والمندوبُ مأمورٌ به؛ ولأنَّ في حديثٍ
معاذٍ، عن النبيِّ ◌ََّ، قال: ((أَعْتموا بهذه الصَّلاة)) .
خرَّجه أبو داود(٤)، وهذا أمرٌ.
وهاهنا مسألتان يُحتاجُ إلى ذكرهما:
المسألة الأولى:
هل تأخيرُ العشاء إلى آخرِ وقتها المختارِ أفضلُ أم تعجيلُها أفضلُ؟ أم
الأفضلُ مراعاةُ حالِ المأمومين؟
فيه ثلاثةُ أقوال:
أحدُها(٥): (٢٠٩ - أ / ك١) أنَّ تعجيلَها أفضلُ.
وهو أحدُ قولي الشَّافعيِّ - بل أشهرُهما -، وقولُ مالك.
(١) (١/ ٢٦٥ - ٢٦٦).
(٢) في ((ك!)) بالتاء والياء معًا في أولها.
(٣) في ((ك)): ((الأمر م للإيجاب)) وفي ((م): ((الأمره الإيجاب)) !!
(٤) (٤٢١).
(٥) في ((ك١): ((أحدهما)).
٤٠٢

٢٥ - باب وقت العشاء إلى نصف الليل
الحديث : ٥٧٢
وفي ((المدونة)) عنه، أنَّه قالَ: أُحبُّ للقبائل تأخيرَها قليلا بعد مغيبٍ
الشَّفْقِ، وكذلك في الحرسِ، ولا يُؤخَّرُ إلى ثلثِ الليلِ (١).
وقال ابنُ عبدِ البرّ(٢): المشهورُ عن مالكٍ: أَنَّه يستحبُّ لأهلِ مساجدِ
الجماعات أن لا يعجِّلُوا بها في أول وقتها، إذا كان ذلك غيرَ مضرٌ
بالنَّاسِ، وتأخيرُها قليلا عنده أفضل.
ورُوِيَ عنه: أنَّ أولَ الوقتِ أفضلُ في كلِّ الصَّلَواتِ، إلا الظُّهر في
شدة الحَرِّ.
ورجّحَ الجوزجانيُّ القولَ باستحبابِ تعجيلِ العشاءِ، وادَّعى: أنَّ
التأخيرَ منسوخٌ، واستدلَّ بما روى حمَّاد بنُ سلمةَ، عن عليٍّ بنِ زيدٍ،
عن الحسن، عن أبي بكرةَ، أنَّ رسولَ الله وَ لَّ أخَّر صلاةَ العشاء الآخرة
تسعَ ليالٍ - وفي روايةٍ: ثمان ليالٍ - فقالَ أبو بكرِ الصِّديقُ: لو عجّلَتَ
يا رسولَ الله، كان أمثلَ لقيامِنا بالليلِ. فكان بعدَ ذلك يُعَجِّلُ.
خرَّجَهَ الإمامُ أحمدُ(٣). وعليُّ بنُ زيدِ بنِ جدعان، ليسَ بالقويِّ.
وروى سُويد بنُ غَفَلَةَ، قال: قال عمرُ: عجِّلُوا العشاء قبل أن يكسل
العامل (٤).
وقال مكحولٌ: كان عُبادةُ بنُ الصَّامتِ وشدادُ بنُ أوس إذا غابتِ
الحمرةُ ببيت المقدس صلَّوا العشاء.
خرَّجهما أبو نعيم(٥). وهذا منقطع.
(١) انظر ((المدونة)) (١ / ٦١).
(٣) (٤٧/٥).
(٢) راجع ((التمهيد)) (٨ /٩٢).
(٤) ابن أبي شيبة (١/ ٣٣١).
(٥) وكذا ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (١ / ٣٣١، ٣٣٣).
٤٠٣

الحديث : ٥٧٢
كتاب مواقيت الصلاة
والقولُ الثَّاني: أنَّ تأخيرَها أفضلُ. وحكاه التِّرمذيُّ في ((جامعه))(١)
عن أكثرِ أهلِ العلمِ من الصَّحابة، والتَّابعين.
قالَ عبدُ الرحمنِ بنُ يزيد: كنتُ أشهدُ مع عبدِ اللهِ - يعني: ابن
مسعود - الجماعةَ، فكانَ يؤخِّرُ العشاءَ(٢) .
وكان ابنُ عبَّاس يستحبُّ تأخيرَ العشاء ويقرأ: ﴿زُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ﴾
[هود: ١١٤]، وثمَّنْ رأى تأخيرَ العشاء: أبو حنيفةَ، وأصحابُه، والشَّافعيّ -
في أحدِ قوليه، وقيل: إِنَّه نصَّ على ذلك في أكثرِ كتبه الجديدة -،
وأحمدُ، وإسحاقُ.
وعلى هذا فقال أصحابُنا، وأصحابُ الشَّافعيِّ: يكونُ تأخيرُها إلى
آخرِ وقتها المختارِ أفضل.
والمنصوصُ عن أحمدَ أَنَّ تأخيرَها في الحضرِ حتَّى يغيبَ البياضُ؛
لأَّه يكونُ بذلك مصلًّا بعد مغيب الشَّفَقِ المَتَّفْقِ عليه.
وهذا يدلُّ على أنَّ تأخيرَها بعد مغيبِ البياضِ لا يُستحبَّ مطلقًا، أو
يكون مراعى بقدرِ ما لا يشقُ على الجيران (٧٧ /م) - كما نقلَه، عنه
الأثرم.
قال الأثرمُ: قلتُ لأبي عبد الله: قدرُ كم تأخيرُ العشاء الآخرة؟ قال:
ما قُدِّر ما يُؤْخِّرُ بعد أن لا يشقَّ على الجيرانِ.
فقد نصَّ في روايةٍ غيرٍ واحدٍ على أنَّه يستحبُّ للحاضرِ تأخيرُ العشاءِ
(١) (١ / ٣١٢) عقب حديث (١٦٧).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة - أيضاً - (١ / ٣٣٠) مختصرًا.
٤٠٤

٢٥ - باب وقت العشاء إلى نصف الليل
الحديث : ٥٧٢
حتَّى يغيبَ البياض من غيرِ اعتبار للمشقة. ونصَّ على التَّأخير مهما قُدِّر
بحيثُ لا يشقُّ على الجيران. فيحملُ هذا على ما بعدَ مغيبِ الشَّفْقِ
الأبيض.
ويدلُّ على صحة (٢٠٩ - ب / ك١) هذا، وأنَّ التأخيرَ لا يكونُ على
الدَّوامِ إلى نصفِ الليلِ ولا إلى ثلثِهِ: أَنَّ النَّبِيَّ نَّه لم يُؤَخِّر - على
الدَّوامِ - العشاءَ إلى آخرِ وقتها، وإنَّما أخَّرَها ليلةً واحدةً، أو ليالي
يسيرةً، وشقَّ ذلك على أصحابه، فأخبرهم: أنَّه وقتُها لولا أن يشقَّ
عليهم .
وَّة، يشقّ عليهم، بل كان يراعي التَّخفيفَ؛ ولهذا
ءِ
ولم يكنِ النبيّ
صحَّ عنه أنَّه كان أحيانًا وأحيانًا إذا رآهم اجتمعوا عجّل، وإذا رآهم
أبطأوا أخرَّ(١). وحديثُ أبي بكرةَ المتقدمُ، يدلُّ على مثلِ ذلك - أيضًا.
وخرَّجَ ابنُ خزيمةَ في ((صحيحه))، وغيرُهُ من حديث أبي(٢) مسعود
الأنصاريِّ، عن النَّبِيِّ بَّهِ، فذكرَ مواقيتَ الصَّلاةِ، وقال(٣): ويصلِّي
العشاءَ حينَ يسودُ الأفقُ، وربَّما أخَّرِها حتى يجتمعَ النَّاسُ (٤).
ومما يدلُّ على أنَّهِ وَلِّ كان يُؤَخِّرُها - دائمًا - قليلا، ولم يكنْ يؤخِّرُها
إلى آخر وقتِها. ما خرجه مسلمٌ (٥) من روايةٍ سِمَاك، عن جابر بن سمرة
قال: كان رسول الله وَله يُصلِّي الصلوات نحوًا من صَلاتِكم، وكان
(٢) فى ((ك)) و((م): ((ابن)) خطأ.
(١) سبق (٥٦٠).
(٣) كلمة ((وقال)) ليست في ((ك!)).
(٤) ((صحيح ابن خزيمة)) (١ / ١٨١) من طريق أسامة بن زيد الليثي، عن الزهري، عن عروة،
وقد أعل هذه الرواية أبو داود في ((سننه) (٣٩٤) والدارقطني في «علله)) (١٨٤/٦) وغيرهما.
(٥) (٦٤٣ / ٢٢٧).
٤٠٥

الحديث : ٥٧٢
كتاب مواقيت الصلاة
يُؤْخر العَتَمَة بعد صلاتكم شيئًا وكان يخف(١).
وخرَّج الإمامُ أحمدُ وأبو داود والنسائيُّ والترمذيُّ من حديثِ النُّعْمَان
ابن بَشير، قال: أنا أعلمُ الناسِ بوقت هذه الصلاة - يعني العشاء - كان
رسولُ اللهِ وَ لَهِ يُصليها لسقوطِ القمرِ الثالثةٍ (٢).
وفي رواية للإمام أحمد (٣): كان يصليها بعد سقوط القمر في الليلة
الثالثة من أول الشهر.
وفي رواية له (٤): كانَ يصليها مقدارَ ما يغيبُ القمر ليلةَ ثالثة - أو
ليلةَ رابعة .
وهذا الشكَّ من شعبةَ. ولم يذكر الرابعةَ غيرهُ.
قال أحمدُ: وهمَ فيه - يعني: في ذكرِ الرابعةِ .
ومما يدلُّ على اعتبارِ حالِ المأمومينَ، وأَنَّه لا يشقُّ عليهم:
ما رَوَى أسامةُ بنُ زيدٍ، عن معاذِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ خبيب(٥)، عن جابر
ابن عبد الله، قال: كانَ معاذٌ يتخلَّفُ عندَ النَّبِيِّ وَِّ، فإذا جاء أمَّ قومَه،
فاحتبسَ عنهم معاذٌ ليلة فصلَّى سُليمٌ وَحْدَه، وانصرف، فأخبر معاذ ذلك
رسول الله وَّلّه، فأرسل إلى سُلَيم، فسأله عن ذلك، فقال: إنِّي رجلٌ
أعملُ نهاري، حتَّى إذا أمسيتُ أمسيتُ (٧٨ / م) ناعسًا، فيأتينا معاذٌ وقد
(١) في ((صحيح مسلم)): ((يخف الصلاة)).
(٢) ((مسند الإمام أحمد)) (٤ / ٢٧٤)، و ((سنن أبي داود)) (٤١٩)، و((سنن النسائي))
(٢٦٤/١ - ٢٦٥) ((سنن الترمذي)) (١٦٥)، (١٦٦).
(٤) (٤ / ٢٧٢) .
(٣) (٤ / ٢٧٠).
(٥) في ((ك)) بالحاء المهملة، خطأ.
٤٠٦

٢٥ - باب وقت العشاء إلى نصف الليل
الحديث : ٥٧٢
أبطأ علينا، فلمَّا أبطأَ عليَّ أمسيتُ(١) ثُمَّ انقلبتُ إلى أهلي. قال: فأرسلَ
رسولُ اللهِ إِ ل﴿ إلى معاذ: ((لا يكن(٢) فاتنًا تفتنُ النَّاسَ، ارجعْ إليهم
فصلِّ بهم قبلَ أن يناموا)).
خرَّجَهَ البزار(٣).
وخرَّجه الخرائطيُّ من حديثِ عثمانَ بنِ أبي العاصِ، قال: سمعتُ
رسولَ الله وَله يقولُ: ((ما بالُ رجال ينفِّرُونَ عن هذا الدين، يَمسون
و 0 و
بعشاء الآخرةِ؟!».
وإسناده ضعيفٌ.
وقال سويدُ بنُ غَفَلَةَ: قال عمرُ: عجِّلُوا العشاءَ قبل أنْ يكسلَ
العاملُ، وينامَ المريض (٤).
فقد تبيَّنَ بهذا أنَّ هذا القولَ الثَّالثَ - وهو: مراعاةُ حالِ المأمومين في
(٢١٠ - أ / ك١) التَّأخير الكثير دون(٥) اليسير - هو الأرجحُ في هذه
المسألة، وقد عقدَ له (٦) البخاريُّ بابًا منفردًا سبق ذكرُهُ، والكلامُ عليه(٧).
المسألةُ الثَّانيةُ:
في آخرٍ وقتِ العشاء الآخرة.
وفيه أقوالٌ:
(١) كذا، وفي ((كشف الأستار)) و((المحلى)): ((صليت)).
(٢) كذا، وفي ((كشف الأستار)) و((المحلى)): ((تكن)).
(٣)((كشف الأستار)) (٢٥٦/١ - ٢٥٧) وعنه ابن حزم في ((المحلى)) (٤/ ٢٣٠) وسيأتي تحت الحديث
(٧٠١) .
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (١ / ٣٣١).
(٦) فى ((ك١)) ((عقله))!
(٥) سقطت كلمة ((دون)) من ((ك١).
(٧) تقدم في الباب (٢١).
٤٠٧

الحديث : ٥٧٢
كتاب مواقيت الصلاة
أحدُها: ربعُ الليلِ. حكاه ابنُ المنذرِ، عن النَّخعيِّ.
ونقلَه ابنُ منصورِ، عن إسحاقَ.
والقولُ الثّاني: إلى ثلثِ الليلِ. رُوِيَ ذلك، عن عمرَ، وأبي هريرةَ،
وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وهو المشهورُ عن مالك، وأحدُ قولي الشَّافعيِّ -
بل هو أشهرُهما -، ورواية عن أحمدَ، وقول أبي ثورٍ، وغيرِه.
والقولُ الثَّالثُ: إلى نصفِ الليلِ. ورُوِيَ، عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ -
أيضًا -، وهو قولُ الثَّوريِّ، والحسنِ بنِ حي، وابنِ المباركِ، وأبي حنيفةً،
والشَّافعيِّ - في قوله الآخَرَ -، وأحمدَ - في الرواية الأخرى -، وإسحاقَ،
وحُكِيَ عن أبي ثورٍ - أيضًا. وتبويبُ البخاريِّ هاهنا يدلُّ عليه.
وحمل(١) ابنُ سُرَيْجٍ(٢) من أصحابِ الشَّافِعِيِّ قوليه في هذه المسألة،
على أنَّه أراد أنَّ أولَ ابتدائها: ثلثُ الليل، وآخِرَ انتهائها: نصفُه.
وبذلك جمعَ بين الأحاديثِ الواردة في ذلك .
ولم يُوافَقْ على ما قَاله في هذا.
والقولُ الرابعُ: ينتهي وقتُ العشاءِ إلى طلوعِ الفجرِ .
رواه ليثٌ، عن طاوس، عن ابنِ عبَّاسٍ(٣)، وعن أبي هريرةَ، قال:
إفراطُ صلاةِ العشاءِ: طلوعُ الفجر (٤) .
وهو قولُ داودَ، ورواه ابنُ وهب، عن مالك، إلا أنَّ أصحابَه حملوه
(١) في ((ك١)): ((وأحمد)) وهو تصحيف.
(٢) في ((م)) بالشين المعجمة، خطأ، وهو: أحمد بن عمر بن سريج البغدادي القاضي
الشافعي، صاحب المصنفات. مترجم في ((طبقات السبكي)) (٣ / ٢١) و((السير)) (٢٠١/١٤).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١ / ٥٨٤) وابن المنذر في ((الأوسط)) (١ / ٣٤٥).
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١ / ٥٨٢) وابن المنذر فى ((الأوسط)) (١ /٣٤٥) بمعناه.
٤٠٨

٢٥ - باب وقت العشاء إلى نصف الليل
الحديث : ٥٧٢
على حالِ أهلِ الأعذار، فإنَّ قولَ من قال: آخرُ وقتها: ثلثُ الليلِ، أو
نصفُه، إنَّما أراد وقتَ الاختيار. وقالوا: يبقى وقتُ الضَّرورة ممتدا إلى
طُلوعِ الفَجْرِ، فلو اسْتَقَّظَ نائمٌ، أو أفاقَ مغمى عليه أو طَهُرتْ حائضٌ،
أو بَلَغ صبيٍّ، أو أسلمَ كافرٌ بعدَ نصفِ الليل لزمهم صلاةُ العشاء.
وفي لزومٍ صلاة المغربِ، لهم قولانِ مشهورانِ للعلماءِ.
وقد رُوِيَ عن عبد الرحمنِ بنِ عَوفٍ: أن المرأةَ إذا طهرتْ قبلَ طلوعٍ
الفجرِ صلت المغربَ والعشاءَ.
وعن ابنِ عبَّاسٍ - أيضًا -، وحُكِيَ مثلُه عن الفقهاءِ السَّبعةِ، وهو
قولُ أحمد(١).
وقال الحسنُ، وقتادةُ، وحمَّادٌ، والثَّوريُّ، وأبو حنيفةَ، ومالكٌ:
يلزمُهُم العشاءُ دونَ المغرب. وللشَّافعيِّ قولان أصحهما: لزومُ الصَّلاتينِ.
واختلفوا في تأخيرِ العشاءِ اختيارًا إلى بعد نصفِ الليل، فكَرِهَه
الأكثرونَ، منهم: مالكٌ، وأبو حنيفةَ ولأصحابنا وجهانِ في كراهته
وتحريمه. وقال عامةُ أصحابِ الشَّافعيِّ: هو وقتُ جوازٍ.
واستدلَّ من لم يحرِّمُه بما في ((صحيح مسلمٍ)»(٢) من حديثِ ابنِ
جريجٍ: أخبرني المغيرةُ بنُ حكيمٍ، عن أمِّ كلثوم ابنةِ أبي بكرٍ، أَنَّها
أخبرتْه عن عائشةَ، قالت: أعتمَ رسولُ اللهِ وَلِّ ذاتَ ليلةٍ حتَّى ذهبَ
عامة الليلِ ونامَ أهلُ المسجد، ثم خرجَ فصلَّى، فقال: ((إنَّه لوقتُها، لولا
(١) حتى هنا نهاية الصفحة (٧٨) في النسخة (م)) ومن هنا سقط كبير في النسخة ((م)) وسيستمر
هذا السقط في ((م)) إلى الباب (١١٥) من كتاب ((الأذان)) ويكون العمل على ((ك١)» فقط.
(٢) (٦٣٨ / ٢١٩).
٤٠٩

الحديث : ٥٧٢
كتاب مواقيت الصلاة
أن (٢١٠ - ب / ك١) أشقَّ على أمتي)).
وهذا - إن كانَ محفوظًا - دلَّ على استحبابِ التَّأخيرِ إلى النِّصفِ
الثَّاني؛ ولا قائلَ بذلك ولا يُعرف له شاهدٌ، وإنما يتعلَّقُ بهذا من يقولُ:
يمتدُّ وقتُ العشاءِ المختار إلى طلوعِ الفجر، كما رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ،
وهو قولُ داودَ، وغيرِه؛ إلا أنَّهم لا يقولون باستحبابِ التَّأخيرِ إلَى
النِّصفِ الثَّاني. هذا ممّا لا يُعرفُ به قائلٌ.
والأحاديثُ كلُّها تدلُّ على خلاف ذلك، مثلُ أحاديثِ صلاةٍ جبريلَ
بالنبيِّ بَِّ عند مغيبِ الشفق في اليوم الأول، وفي الثَّاني إلى ثلثٍ
الليلِ، وقولُهُ: ((الوقتُ ما بينَ هذين))(١) .
ومثلُ حديثٍ بريدةَ الذي فيه: أن سائلا سألَ النبيَّ وَّهِ عن وقتٍ
العشاء، فأمرَه أن يشهدَ معه الصَّلاةَ، فصلَّى بهم في أول مرة العشاءَ لما
غابَ الشَّفْقُ، وفي الثّانيةِ: إلى ثلثِ الليلِ، وقال: ((ما بينَ هذين وقتٌ).
وقد خرَّجَه مسلمٌ(٢). وخرج نحوه من حديث أبي موسى(٣).
وخرَّجَ - أيضًا - من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمٍو (٤)، أنَّ النبيَّ نَّهِ قال:
(١) أخرجه النسائي (٢٦٣/١) والترمذي (١٥٠) وأحمد (٣٣٠/٣) من حديث جابر بن عبد
الله. ونقل الترمذي عن البخاري قوله: ((أصح شيء في المواقيت حديث جابر، عن النبي
وَّخة)). وقال: ((وحديث جابر في المواقيت قد رواه عطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار وأبو
الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن النبي وَ لا نحو حديث وهب بن كيسان، عن جابر،
عن النبي ◌َّآر)).
وقد تقدم كلام المصنف على هذا الحديث وغيره مما روي في هذا الباب عقب حديث
(٥٢١)، فراجعه.
(٤) (٦١٢) .
(٢) (٦١٣).
(٣) (٦١٤).
٤١٠

٢٥ - باب وقت العشاء إلى نصف الليل
الحديث : ٥٧٢
((وقتُ العشاء إلى نصف الليل)).
وهذا كلُّه يدلُّ على أن ما بعد ذلك ليس بوقت، والمرادُ: أنَّه ليس
بوقتِ اختيارِ؛ بل وقتُ ضرورة. وذهبَ الإصطخريِّ من أصحابِ
الشَّافعيِّ إلى أن الوقتَ بالكليةِ يخرجُ بنصفِ الليلِ أو ثلثِه، ويبقى
قضاءً. وقد قالَ الشَّافعيُّ: إذا ذهبَ ثلثُ الليلِ لا أراها إلا فائتةً. وحملَه
عامةُ أصحابِهِ على فواتِ وقتِ الاختيارِ خاصةً. واللهُ أعلمُ.
٤١١

الحديث : ٥٧٣
كتاب مواقيت الصلاة
٢٦ - بَابُ
فَضْلٍ صَلاةِ الْفَجْرِ
فيه حديثان :
الأولُ:
٥٧٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: ثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ: ثَنَا قَيْسُ: قَالَ لي
جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِّ ◌َ إِذْ(١) نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَقَالَ:
((أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَ، لاَ تُضَامُّونَ - أَوْ لا تُضَاهُونَ - في
رُؤْنَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَّبُوا عَلَى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ
غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا)). ثُم قَالَ: ((فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ
و و
غُرُوبِها)(٢).
قد سبقَ هذا الحديثُ(٣) والكلامُ عليه في باب ((فضلِ صلاةِ العصرِ))،
وليسَ في هذه الرواية زيادةٌ على ما في الروايةِ السَّابقةِ، إلا الشَّك في
(تُضَامُّونَ أو تضاهون)). وقد سبقَ تفسيرُ: ((تُضَامونَ)).
وأما: ((تُضَاهون)) - فإن كانت محفوظةً: فالمعنى واللهُ أعلمُ: أنَّكم
لا تُشبِّهونَ به عند رؤيته شيئًا من خلقه؛ فإنَّه سبحانه وتعالى لا مثلَ له
(١) في ((ك١)): ((إذا)) خطأ.
(٢) في ((ك)) (( .. وقبل الغروب)). وما أثبتناه موافق لجميع نسخ البخاري وموافق لكلام
المصنف في شرحه لهذا الحديث. وسيأتي آخر شرحه لهذا الحديث.
(٣) برقم (٥٥٤).
٤١٢

٢٦ - باب فضل صلاة الفجر
الحديث : ٥٧٣
ولا عدْلَ ولا ◌ُفُؤْ.
ويشهدُ لهذا: ما رَوَى عليٌّ بنُ زيدِ بنِ جدعان، عن عمارةَ القرشيِّ،
عن أبي بردةَ، عن أبي موسى، عن النبيِّ بَّ قالَ: ((يجمعُ اللهُ الأممَ في
صعيد واحدٍ يومَ القيامةِ، ثم يأتينا ربّنا ونحنُ على مكانٍ مرتفع، فيقولُ:
من أنتم؟ فنقولُ: نحنُ المسلمونَ، فيقولُ: ما تنتظرونَ؟ فنقولُ: ننتظرُ
ربَّنَا عزَّ وجلَّ، فيقولُ: (٢١١ - أ / ك١) وهل تعرفونَه إن رأيتموه؟
فنقولُ: نعم، إنَّه لا عدلَ له، فيتجلَّى لنا ضاحكًا، فيقول: أبشروا
معاشرَ المسلمين؛ فإنَّه ليسَ منكم أحدٌ إلا جعلتُ في النَّارِ يهوديّا أو
نصرانيا مكانه)).
خرَّجَه الإمامُ أحمدُ(١).
وخرَّجَه أبو بكر الآجريُّ في كتاب ((التصديق بالنظر))(٢)، ولفظُه:
((فيقولونَ: إنَّ لنا ربّا كُنَّا نعبدُه في الدنيا لم نره، قال: وتعرفونَه إذا
رأيتموه؟ فيقولونَ: نعم، فيُقَالُ لهم: وكيف تعرفونَه ولم تروه؟ قال(٣):
إِنَّه لا شبهَ له، فيكشفُ لهم الحجاب، فينظرونَ إلى الله عزَّ وجلَّ
فيخرُونَ له سُجَّدًا))، وذكر الحديث.
وروى أبو حُمَة محمدُ بنُ يوسف (٤): حَدَّثنا أبو قرةَ الزَّبيديّ(٥)، عن
(١) (٤ / ٠٧ ٤) .
(٢) ص (٧٥) رقم (٣٩).
(٣) في ((التصديق بالنظر)): ((قالوا)) وهو الأشبه.
(٤) هو محمد بن يوسف الزَّبيدي، قال المزي: كنيته أبو حُمَةً من أهل زَبيد اليمن. وقال ابن
حبان: ((أبو حُمَةَ: لقب))، وكذا ذكره ابن حجر في ((نزهة الألباب في الألقاب)) (٢٩٨٨)
وقال: كنيته أبو يوسف.
(٥) هو موسى بن طارق الزبيدي اليماني.
٤١٣

الحديث : ٥٧٣
كتاب مواقيت الصلاة
مالكِ بنِ أنسٍ، عن زيادِ بنِ سعدٍ، عن أبي الزُّبِيرِ ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ،
يقولُ: سمعتُ رسولَ اللهِ وَ له يقولُ: ((إذا كان يوم القيامةِ جُمعتِ الأممُ،
ودُعِيَ كلُّ أناسٍ بإمامِهم))، فذكر الحديثَ بطوله، إلى أن قال: ((حَتَّى
يبقى المسلمونَ، فيقفُ عليهم فيقولُ: من أنتم؟ فيقولونَ: نحنُ المسلمون،
قال: خيرُ اسمٍ وخيرُ داعيةٍ. فيقولُ: من نبيُّكم؟ فيقولونَ: محمد.
فيقولُ: ما كتابُكم؟ فيقولون: القرآن. فيقول: ما تعبدونَ؟ فيقولون: نعبدُ
اللهَ وحدَه لا شريكَ له. قال: سينفعكم ذلك إن صدقْتُمْ. قالوا: هذا
يومُنا الذي وعدنا. فيقول: أتعرفونَ اللهَ إن رأيتموه؟ فيقولونَ: نعم.
فيقولُ: وكيف تعرفونَه ولم تروه؟ فيقولونَ: نعلمُ أَنَّه لا عدْلَ له. قال:
فيتجلَّى لهم تباركَ وتعالى، فيقولونَ: أنت ربَّنا تباركتْ أسماؤك،
ويخرون له سجدا، ثم يمضي النور بأهله)) .
خرَّجَهَ أبو إسماعيلَ الأنصاريُّ في كتاب ((الفاروق)).
ورَوَى شعبةُ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ حديثَ جريرِ بنِ عبدِ اللهِ،
وقال في روايته: ((لا تضارونَ في رؤيتِه)) وكذا في روايةِ أبي سعيدٍ،
وأبي هريرةَ، عن النبيَِّلَه وقد خرَّجَ حديثَهما البخاريَّ في آخر كتابه(١).
ورُويتْ ((تضارون)) بتشديدِ الرَّاءِ، وتخفيفها، فمن رَوَاه بالتَّشديد
فالمعنى: لا يخالفُ بعضكم بعضًا فيكذبه، كما يفعلُ النَّاسُ في رؤيةٍ
الأشياء الخفية عليهم كالأهلة، يقالُ: ضاررْتُه مُضارَّةً إذا خالفتُه، ومنه
سُمِّيت الضَّرَةُ لمخالفتها الأولى. وقيل: المعنى: لا تضايقونَ، والمضارةُ
المضایقةُ. ذكره الهروي.
(١) (٦٥٧٣، ٦٥٧٤ - فتح).
٤١٤

٢٦ - باب فضل صلاة الفجر
الحديث : ٥٧٤
ومن رَوَاه بتخفيفِ الرَّاءِ، فهي من الضَّيْرِ، والضَّيْرُ: الضُّرُّ، يُقَالُ:
ضَارَه يضيرُهُ ويضرره إذا ضرَّه، وهي قريبةٌ من المعنى إلى الأولى.
وفي روايةِ أبي هريرةَ، عن النبيِّ نَّهِ: ((هل تُمَارونَ في القمرِ ليلةَ
البدرِ ليسَ دونَه سحابٌ؟)) قالوا (١): لا. قال: ((فهلْ تُمارونَ في الشّمْسِ
ليسَ دونها سحابٌ؟)) قالوا: لا. قال: ((فإنَّكم ترونَه كذلك)). وفسر
قوله: ((هل تُمارونَ)، بأنَّ المعنى: هل تشكُّونَ، والمريةُ: الشَّكُّ، ويحتملُ
أن يكونَ المرادُ: هل يحصلُ لكم تمارٍ، واختلافٌ في رؤيتهما؟ فكما لا
تحصلُ لكم في رؤيتهما تمارٍ، واختصام، فكذلك رؤيةُ اللهِ عزَّ وجلَّ.
والتَّماري والتَّارِعُ، إِنَّما يقعُ من الشَّكِّ وعدمِ اليقينِ كما يقعُ في رؤيةٍ
الأهلة .
وقولُه في هذه الروايةِ: ثم قال: ((فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعٍ
الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا))، هكذا في (٢١١ - ب / ك١) هذه الروايةِ، وهذا
إشارةٌ إلى آية سورة طه، وتلك إنَّما هي بالواو: ﴿وسَبِّحْ﴾ وفي الروايةِ
السَّابقةِ ((فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ)) وهو إشارةٌ
إلى آية سورة ق، وهي بالفاء(٢) كما في الروايةِ .
الحديثُ الثَّاني:
٥٧٤ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدْ ثَنَا هَمَّامٌ: حَدَّثَنِي أَبُو جَمْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ،
عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِّهِ قَالَ: ((مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ)).
(١) في ((ك١)): ((قال)).
(٢) التلاوة للآية التي في سورة (ق) بالواو - أيضًا - ﴿وسبح﴾ وليست بالفاء كما ذكر
المصنف رحمه الله .
٤١٥

الحديث : ٥٧٤
كتاب مواقيت الصلاة
وَقَالَ ابْنُ (١) رَجَاءَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ اللهِ
ابْنِ قَيْسٍ، أَخْبَرَهُ بِهَذَا.
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ: ثَنَا حَبََّنُ: ثَنَا هَمَّامٌ: ثَنَا أَبُو جَمْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ
عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِهِ، عَنِ النَِّيِّ ◌َ مِثْلَهُ.
أبو جمرةً هو نصرُ بنُ عمران الضَّبَعي، وهو بالجيمِ والراءِ المهملة.
وقد خرَّجَ هذا الحديثَ مسلمٌ (٢) عن هدَّاب بن خالد - وهو هدبةُ
الذي خرَّجَه عنه البخاريُّ -، ونسب فيه أبا جمرة، فقالَ: حَدَّثَني
ءُ
أبو جمرةَ الضّبعي.
وأما أبو بكر، فقد أشار البخاريُّ إلى أنَّه أبو بكر بنُ أبي موسى
الأشعريِّ عبدِ اللهِ بنِ قَيْسٍ.
واستشهدَ له بشيئينٍ، أحدُهما: روايةُ ابن(٣) رجاء التي ذكرها تعليقًا
عنه، عن همّامٍ، عن أبي جمرةً أن أبا بكر بنَ عبدِ الله بنِ قيسٍ أخبره.
والثَّاني: أَنَّه أسندَه من روايةٍ حَبَّنَ بنِ [هلالٍ](٤)، عن همَّامٍ: ثنا أبو
جمرة، عن أبي بكر بن عبد الله - وهو: ابنُ أبي موسى عَبْدِ اللهِ بنِ قیس.
وخرجه مسلم٢ٌ) من طريق بشرِ بنِ السَّري، وعمر بن عاصم، قالا:
ثنا همَّامٌ، بهذا الإسناد، ونسبا أبا بكر، فقالا: ابنُ أبي موسى.
(١) في ((ك١)): ((أبو)) خطأ، والمثبت من ((اليونينية)).
(٢) (٦٣٥).
(٣) في ((ك١)): ((أبي)) وهو خطأ.
(٤) في ((ك١)): ((موسى))، خطأ، وما أثبتناه هو الصواب، وصرح الحافظ في ((الفتح)) (٢/ ٥٣)
أنه ابن هلال.
٤١٦

٢٦ - باب فضل صلاة الفجر
الحديث : ٥٧٤
وإنَّما احتيجَ إلى هذا؛ لاختلاف وقعَ بين الحفّاظ في نسبةٍ أبي بكر
هذا .
فمنهم من قال: هو أبو بكر بن أبي موسى، وتصرَّفُ الشَّيخين في
((صحیحیهما)) يدلُّ على ذلك.
ومنهم من قالَ: هو أبو بكر بنُ عمارةَ بنِ رؤيبة. واستدلُوا بما خرَّجَه
مسلمٌ(١) من روايةٍ وكيعٍ، عن ابنِ أبي خالدٍ، ومسعرٍ، والبختريِّ بنِ
المختار: سمعوا من أبي بكر بنِ عمارةَ بنِ رؤيبة، عن أبيه، قال: سمعتُ
رسولَ اللهِ وَله يقولُ: ((لن يلجَ النَّارَ أحدٌ صَلَّى قبلَ طلوعِ الشَّمْسِ وقبلَ
غروبها)» - يعني: الفجر والعصر -، وعنده رجلٌ من أهلِ البصرةِ، فقالَ
له: أنتَ سمعتَ هذا من رسولِ اللهِ وَ خُوَ؟ قال: نعم. قال الرجلُ: وأنا
أشهدُ أَنِّي سمعتُهُ من رسولِ اللهِ وَّهِ سَمِعَتْهُ أذناي ووعاه قلبي.
وخرَّجه - أيضًا(٢) - من حديثِ ابنِ عمارةَ بنِ رؤيبةَ، عن أبيه
والرجلِ البصريِّ، وزادَ البصريّ: قال: سمعتُه من رسول الله وَ له بالمكان
الذي سمعته منه.
فمن هنا قالَ بعضُهم: أبو بكر الذي روى عنه أبو جمرةً هو ابنُ
عمارةَ بن رؤيبةَ، عن أبيه عمارة بن رؤيبة؛ لأنَّ معنى الحديثين متقاربٌ.
قال ابنُ أبي خيثمةَ في ((كتابه)): سألتُ يحيى بنَ معينٍ عن أبي بكرٍ
الذي رَوَى حديثَ البردينِ: من أبوه؟ قال: يرونَ أَنَّه أبو بكر بنُ أبي موسى،
فلذلك استغربوه. قال: فقال له أبي: يشبهُ أن يكونَ أبو بكر بن عمارة
(١) (٦٣٤ / ٢١٣).
(٢) (٦٣٤ / ٢١٤).
٤١٧

الحديث : ٥٧٤
كتاب مواقيت الصلاة
ابن رؤية؛ لأنَّه يروي عن أبيه عمارة: من صلَّى قبلَ الغداةِ وقبلَ غروبِ
الشَّمسِ .
وقال صالح بنُ محمدٍ(١)، عن عليٍّ بنِ المدينيِّ: هو عندي أبو بكر
ابنُ عمارة؛ لأن معنى الحديثين واحدٌ. قيل له: إنَّ أبا داودَ الطيالسيِّ،
وهدبة نسباه، فقالا: عن (٢١٢ - أ/ ك١) أبي بكر بنِ أبي موسى؟ فقال:
ليسا ممَّنْ يضبطُ هذا، حدَّثناه بهزٌ وحبان، ولم ينسباه.
قال أبو بكر الخطيبُ: قد نسبه جماعةٌ عن همَّامٍ، منهم: بشرُ بنُ
السَّري، وعبدُ الله بنُ رجاء، وعمرو بنُ عاصم؛ وللنَّاسبِ فضلُ تعرُّفٍ،
وبيان على من لم ينسبه. قال: وكان عفَّان ينسبُه كذلك حتَّى قال له
بُلْبُلٌ، وعليُّ بنُ المدينيِّ: إنَّه أبو بكر بنُ عمارة، فترك نسبته(٢)، وقال:
عن أبي بكرٍ، عن أبيه.
ونقل البرقانيُّ، عن الدارقطنيٍّ، أَنَّه كانَ يقولُ: هو أبو بكر بنُ عمارة
ابنُ رؤيبة(٣).
(١) هو: الإمام: صالح بن محمد بن عمرو بن حبيب بن حسان لقبه: ((جزرة)) أحد
الأعلام. له ترجمة في «تاريخ الخطيب)» (٩ /٣٢٢).
(٢) رواية عفَّان: أخرجها أبو عوانة في ((مستخرجه)) (١ / ٣٧٧).
ونص كلام عفان: كان همام - [وهو شيخ عفان في هذه الرواية] قال لنا عن أبي بكر بن
أبي موسى، فقال لي بلبلٌ وعليٌّ بن المديني: إنما هو: عن أبي بكر بن عمارة بن رؤيبة،
عن أبيه. فأنا أقول عن أبيه. اهـ.
وبُلُبُل - شيخ عفان بن مسلم - هو: أبو بكر بن حرب البصري وكان من الحفاظ وكان
يجالس ابن عيينة، وذكر مسلمة بن قاسم أن اسمه أحمد بن عبد الله بن معاوية.
وانظر ((نزهة الألباب)) لابن حجر (١ /١٢٩).
(٣) راجع ((علل الدار قطني)) (٧ / ٢٢٢).
٤١٨

٢٦ - باب فضل صلاة الفجر
الحديث : ٥٧٤
وعن الإسماعيليِّ، عن مُطَيِّن مثله.
وقال أبو الحسنِ العَقِيليُّ(١): اخْتُلِفَ فيه؛ فالأقوى: أَنَّه أبو بكر بنُ
أبي موسى الأشعريِّ، عن أبيه، ويقال: هو أبو بكر بن عمارة بن رؤيبة،
عن أبيه.
وكذلك قال مُطَيَّنٌ، وإليه كان يميلُ شيخُنا أبو الحسنِ - يعني:
الدار قطني - رحمه الله .
(والبردان): صلاةُ الصُبْحِ والعصرِ؛ لأنَّهما تُصلَّانِ في بردِ النَّهارِ،
من أوله وآخره.
وأمَّا الظُّهرُ، فتسمَّى ((الهجير))، كما في حديث أبي بردةً؛ لأنَّها تُصلَّى
بالهاجرة.
ويقال للعصرِ والفجرِ: ((العصران))، كذلك رُوِيَ عن النبيِّ وَّ من
حديثٍ فضالةَ الليثيِّ، وأنه وصَّاه بالمحافظةِ عليهما(٢).
وصلاةُ الصُّبْحِ: مَنْ صلاها فهو في ذمةِ اللهِ، كما في حديثٍ جندب
ابنِ سفيانَ، عن النبيِّ نَّهِ قال: ((من صلَّى الصُّبْحَ فهو في ذمةِ اللهِ فلا
تخفروا اللهَ في ذمتِه)).
خرَّجَهَ مسلمٌ (٣). وفي رواية له - أيضًا - زيادة: ((فإنَّه من يطلبْه من
(١) هو الإمام: أبو الحسن عيسى بن زيد بن عيسى بن زيد بن محمد بن عقيل - بفتح العين -
الأديب الشافعي. ذكره الحاكم أبو عبد الله في ((تاريخ نيسابور)) وهو مترجم في
((الأنساب)) للسمعاني (٤ /٢١٨) وهو غير أبي جعفر العقيلي صاحب ((الضعفاء)).
(٢) أخرجه الإمام أحمد (٣٤٤/٤) وأبو داود (٤٢٨).
(٣) (٦٥٧ / ٢٦١).
٤١٩

الحديث : ٥٧٤
كتاب مواقيت الصلاة
ذمته بشيءٍ يدركه، ثم يكبّه على وجهِه في نار جهنّمَ))(١).
وقد رُوِيَ مثلُه في صلاةِ العصرِ - أيضًا - خرَّجَه نعيمُ بنُ حماد في
كتاب ((الفتن))، عن عبدِ العزيز الدراورديِّ، عن زيدِ بنِ أسلم، عمَّنْ
حدَّثَه أَنَّ رسولَ اللهِ وَِّ قال: ((من صَلَّى الصُّبْحَ كان في جوارِ اللهِ حتَّى
يمسي، ومن صلَّى العصرَ كان في جوارِ اللهِ حتى يصبحَ، فلا تخفروا اللهَ
في جوارِهِ؛ فإنَّه من أخفرَ اللهَ في جوارِهِ طلبَه اللهُ، ثم أدركه، ثم كبَّه
على منخرِه)) (٢) - أي: في جهنم.
(١) (٦٥٧ / ٢٦٢) .
(٢) ذكره صاحب ((الكنز)): (١٩٣١٤) وعزاه لنعيم بن حماد في ((الفتن)) - أيضًا -؛ ولكن عن
زید بن أسلم عن جدته مرسلا.
٤٢٠