Indexed OCR Text

Pages 261-280

١٢ - باب تأخير الظهر إلى العصر
الحديث : ٥٤٣
أن لا يُحرِجَ أُمْتَه))(١).
وخرَّجَ - أيضًا - من طريقِ الأعمشِ، عن حَبِيبِ بْنِ أبي ثابتٍ، عن
سعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عِبَّاسٍ قالَ: جمعَ رسولُ اللهِ وَهُ بِينَ الظُّهرِ
والعصرِ والمغربِ والعشاءِ بالمدينةِ في غيرِ خوفٍ ولا مطرٍ. قلتُ لابْنِ
عبَّاسٍ: لِمَ فعلَ ذلكَ؟ قالَ: كي لا يحرجَ أُمَّتَهُ(٢).
وقد اخْتُلِفَ على الأعمشِ في إسنادِ هذا الحديثِ، وفي لفظِه -
أيضًا.
فقال كثيرٌ من أصحابِ الأعمشِ عنه فيه: من غيرِ خوفٍ ولا مطرٍ،
ومنهم من قالَ عنه: من غيرِ خوفٍ ولا ضررٍ، ومنهم مَنْ قال: ولا
عذر .
وذكر البزَّارُ أَنَّ لفظةَ ((المطر)) تفرَّدَ بها حبيبٌ، وغيرُهُ لا يذكرُهَا.
قَالَ: عَلَى أَنَّ عبدَ الكريمِ قد قالَ نحوَ ذلك.
وكذلك تكلّم فيها ابْنُ عبدِ البِّ(٣).
ورُوِّنا من طريقِ عبدِ الحميدِ بْنِ مهديِّ البالسيِّ: حدَّثَنَا المعافِى بْنُ
سليمانَ الحوري(٤): ثنا محمدُ بْنُ سلمةَ: حدَّثَنَا أبو عبد الرحيمِ (٥)، عن
(٢) مسلم (٧٠٥/ ٥٤).
(١) مسلم (٧٠٥/ ٥١).
(٣) ((التمهيد)) (٢١٤/١٢ - ٢١٥).
(٤) كذا في ((ك)) والمشهور أنه: ((جزري))، أما ((الحوري)) بفتح الحاء وكسر الراء المهملتين -
نسبة إلى ((حورة))، وهي قرية من قرى ((الرقة)) قريبة منها، و((الجزري)) نسبة إلى الجزيرة
وهي نسبة إلى عدة بلاد ومنها ((الرقة)) - أيضًا - فلعله نسب إليها - أيضا - وانظر
((الأنساب)) و ((معجم البلدان)) والله أعلم.
(٥) هو خال محمد بن سلمة، وهو أبو عبد الرحيم خالد بن أبي يزيد الحراني، ومحمد بن
سلمة راويته .
٢٦١

الحديث : ٥٤٣
كتاب مواقيت الصلاة
زيدِ بْنِ (١)أبي الزُّيرِ، عن سعيدِ بْنِ جُيِيرٍ، عن ابن عبَّاسٍ قال: صَلَّيْتُ
معَ رسولِ اللهِ وَلّ بالمدينةِ من غيرِ مطرٍ ولا قر الظَّهرَ (١٨٠ - أ/ ك١)
والعصرَ جميعًا. قلتُ لَهُ: لِمَ فعلَ ذلكَ؟ قَالَ ابْنُ عَّاسٍ: أرادَ أن لا
بحرجَ أُمَّتَه .
وعن زيدٍ، عن عمرِو بْنِ دينارٍ، عن أبي الشَّعْثاءِ، عن ابْنِ عِبَّاسٍ
مثله .
ولكنْ عبدُ الحميد هذا قالَ فيه الحافظُ عبدُ العزيز النخشبي(٢): له
مناكير.
وأما روايةُ عبدِ اللهِ بنِ شَقِيقٍ: فمنْ طريقِ الزُّبِيرِ بْنِ الخِرِّيْتِ، عن
عبدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَّ: خَطَيَنَا ابنُ عبَّاسٍ يومًا بعدَ العصرِ حَتَّى غربتِ
الشَّمْسُ وبدتِ النَّجومُ، وجعلَ النَّاسُ يقولونَ: الصَّلاةَ، الصَّلاةَ. قالَ:
فجاءَه رجلٌ من بني تَمِيمٍ لا يفترُ ولا يَنْثَنِي: الصَّلَاةَ الصَّلاةَ: فقالَ ابْنُ
عبَّاسٍ: أَتُعلِّمُنِي السَّنَّةَ؟! لَا أَمَّ لكَ، ثم قالَ: رأيتُ رسولَ اللهِ مَّ جمعَ
بينَ الظُّهرِ والعصرِ والمغربِ والعشاء. قالَ عبدُ اللهِ بْنُ شقيقٍ: فحاكَ في
صدري من ذلكَ شيءٌ، فأتيتُ أبا هريرةَ فسألتُه، فَصدَّقَ مقالتَه.
(١) كذا في ((ك))، ولعل صواب الإسناد هكذا: ((زيد عن أبي الزبير عن سعيد))، وزيد
لعله: ابن أبي أنيسة؛ فإن أبا عبد الرحيم - وهو خالد بن أبي يزيد الحراني - رَاوِيَتَهُ.
وزید یروي عن أبي الزبير، وكذلك أبو الزبير يروي عن سعيد بن جبير.
ولعل الناسخ انتقل نظره في الأصل الذي ينسخ منه، من ((أبي أنيسة)) إلى ((أبي الزبير))؛
فكان ما ترى.
(٢) هو: عبد العزيز بن محمد النسفي، كان حافظا، مات في حدود سنة (٤٥٧)، له ترجمة
في ((السير)) (٢٦٧/١٨).
٢٦٢

١٢ - باب تأخير الظهر إلى العصر
الحديث : ٥٤٣
خرَّجَه مسلمٌ (١).
وخرَّجَه - أيضًا - من روايةٍ عِمْرَانَ بْنِ حُديرٍ، عن عبدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ
قال: قالَ رجلٌ لابن عبّاس: الصَّلاةَ، فسكت، ثم قال: الصَّلاةَ،
فسكت، ثُمَّ قَالَ: الصَّلاةَ، فسكت، ثم قالَ: لا أَمَّ لكَ، تعلِّمُنَا
الصَّلَاةَ؟! كُنَّا نجمعُ بينَ الصَّلاتينِ على عَهْدِ رسولِ اللهِ وَلَّ(٢).
وأما روايةُ عكرمةَ: فمن طريقِ الحكمِ بْنِ أَبَانٍ، عن عكرمةَ، عن ابْنِ
عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَّى رسولُ اللهِ وَّهِ مُقِيمًا غيرَ مُسَافِرٍ سَبْعًا وثَمانيًا.
خرَّجَه الإمامُ أحمدُ(٣).
وفي روايةِ أشعثَ بنِ سَوَّار - وفيه ضعفٌ - عن عكرمةَ، عن ابْنِ
عبَّاسِ قَالَ: جمعَ رسولُ اللهِ وَاخِِّ بين الظَّهرِ والعصرِ والمغربِ والعشاءِ
بالمدينة من غيرِ خوفٍ ولا مطرِ؛ أرادَ التخفيفَ عن أُمَّتَه.
وأما روايةُ عطاءِ بْنِ يسارٍ: فمن روايةِ عبدِ الرحمنِ بْنِ زیدِ بْنِ
أسلم، عن عطاءِ بْنِ يسارٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ أَنَّ النبيَّ بَّهِ جَمْعَ بَيْنَ الظُّهْرِ
والعصرِ والمغربِ والعشاءِ من غيرِ مرضٍ ولا مطرٍ. فقيلَ لابنِ عبَّاس: ما
أرادَ بذلكَ؟ قَالَ: التوسعَةُ على أُمَّتِهِ .
خَرَّجَه حرب الكرمانيُّ، عن يحيى الحِمَّانِيِّ، عن عبدِ الرحمنِ، به.
وعبدُ الرحمنِ فيه ضعفٌ.
وأما روايةُ صالحٍ مَوْلَى التَّوَمَة: فذكَرَهَا أبو داودَ تعليقًا، وفيها: مِنْ
(١) مسلم (٧٠٥/ ٥٧).
(٣) (٢٢١/١).
(٢) مسلم (٧٠٥/ ٥٨).
٢٦٣

الحديث : ٥٤٣
كتاب مواقيت الصلاة
غيرِ مطرٍ(١).
وخرَّجَها الإمامُ أحمدُ من طريقِ داودَ بْنِ قيسٍ، عن صالحٍ مولى
التَّوَمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جمعَ رسولُ اللهِ وَهَ بِينَ الظُّهْرِ وَالعصرِ
والمغربِ والعشاءِ في غيرِ مطرٍ ولا سفرٍ. قالوا: يا أبا عبَّاسٍ، ما أرادَ
بذلكَ؟ قال: التَّوسعُ على الأمةِ(٢).
وصالحٌ مختلفٌ في أمرِه، وفي سماعِهِ من ابْنِ عِبَّاسٍ - أيضًا.
وفي البابِ أحاديثُ أُخر في أسانيدها مقالٌ.
وخرَّجَ النَّسائيّ من روايةٍ يحيى بْنِ هانئ (١٨٠ - ب/ك١) الْمُرَادِيِّ:
حَدَّثَنَا أَبُو حُذيفةَ، عن عبدِ الملكِ بْنِ محمدِ بن أبي بَشِيرٍ (٣)، عن
عبد الرحمنِ بْنِ علقمةَ قَالَ: قَدِمَ وفدُ ثقيفِ على النبيِّ وَلِّ فَأَهْدَوا له
هديةً وقعدَ معهم يسألُهم ويَسْألونَهُ حتَّى صَلَّى الظُّهرَ معَ العصرِ(٤).
قال الدَّار قطنيُّ: عبدُ الملك، وأبو حذيفةَ مجهولان، وعبدُ الرحمن
ابْنُ علقمةَ لا يصحّ صحبتُهُ ولا يعرفُ(٥).
وقد اختلفتْ مسالكُ العلماءِ في حديثِ ابْنِ عِبَّاسٍ هذا في الجمعِ من
غيرِ خوفٍ ولا سفرٍ، ولهم فيه مسالكُ متعددةٌ.
(١) أبو داود (١٢١٤).
(٢) أحمد (٣٤٦/١).
(٣) كذا في ((ك)): ((ابن أبي بشير)) والذي في ترجمته: ((ابن بشير))، وفي ((التقريب)): ((نسير))
بالنون والمهملة مصغرًا.
(٤) النسائي (٢٧٩/٦).
(٥) وقال البخاري: ((ولم يتبين سماع بعضهم من بعض)) وانظر ((التاريخ)) (٤٣١/٥)،
والعقيلي (٣٣/٣)، وانظر ((تهذيب الكمال)) (٣٩٩/١٨ - ٤٠١).
٢٦٤

١٢ - باب تأخير الظهر إلى العصر
الحديث : ٥٤٣
المسلكُ الأولُ: أَنَّه منسوخٌ بالإجماعِ على خلافِهِ.
وقد حكَى الترمذيُّ في آخرِ كتابِهِ (١) أنَّه لم يقلْ به أحدٌ من العلماء.
وهؤلاء لا يقولونَ: إنَّ الإجماعَ ينسخُ كما يُحْكَى عن بعضِهِم،
وإنَّما يقولونَ: هو يدلُّ على وجودِ نصّ ناسخٍ.
المسلكُ الثَّاني: معارضتُه بما يخالفُه.
وقد عارضَه الإمامُ أحمدُ بأحاديثِ المواقيتِ، وقوله: ((الوقتُ ما بينَ
هذينٍ))، وبحديث أبي ذرٍّ في الأمراءِ الذين يُؤْخِّرُونَ الصَّلاةَ عن وقتها
وأمرِهِ بالصَّلاةِ في الوقتِ، ولو كانَ الجمعُ جائزًا من غيرِ عذرٍ لم يحتج
٥
إلى ذلكَ؛ فإنَّ أولئكَ الأمراءَ كانوا يَجْمَعونَ لغيرِ عذرِ ولم يكونوا
يؤخِرُونَ صلاةَ النَّهارِ إلى الليلِ ولا صلاةَ الليلِ إلى النَّهارِ، وكذلكَ في
حديثِ أبي قتادةَ، عن النبيِّ بَّ أَنَّه قالَ - لَّا ناموا عن صلاةِ الفجرِ حتَّى
طلعتِ الشَّمْسُ -: ((ليسَ في النَّومِ تفريطٌ؛ إنَّما التفريطُ على مَنْ لم
يصلِّ الصَّلاةَ حَتَّى يجيءَ وقتُ الصَّلاةِ الأخرى)).
خرَّجَه مسلمٌ، وخرَّجَه أبو داودَ، وعندَه: ((إنَّما التفريطُ في اليقظةِ:
أَنْ يؤخر صلاةً حَتَّى يدخلَ وقتُ صلاةٍ أخرى))(٢).
وَقَدْ عارضَ بعضُهم حديثَ ابنِ عبَّاسِ هذا بحديثٍ آخر يُرْوَى عنه،
وقد أشارَ إلى هذه المعارضةِ الترمذيّ، وابْنُ شاهين، وهو من رواية
حنشٍ، عن عكرمةَ، عن ابْنِ عِبَّاسٍ، عن النبيِّ وَ ◌ّ قَالَ: ((مَنْ جمعَ بينَ
(١) في كتاب ((العلل)) الذي بآخر ((الجامع)) (٧٣٦/٥) وانظر ((شرح ابن رجب)) عليه
(٣٢٣/١).
(٢) مسلم (٦٨١) وأبو داود (٤٤١).
٢٦٥

الحديث : ٥٤٣
كتاب مواقيت الصلاة
صلاتينِ من غيرِ عُذْرِ فقد أتى بَابًا من أبوابِ الكبائرِ)).
خَرَّجَه الترمذيُّ(١)، وَقَالَ: حنشرٌ هذا هو أبو عليِّ الرَّحبيُّ، وهو
حسينُ بْنُ قِيسٍ، وهو ضعيفٌ عندَ أهلِ الحديثِ، ضعَّفَهُ أحمدُ وغيرُه،
والعملُ على هذا عندَ أهلِ العلمِ يعني: عَلَى حديثِ حنشٍ مع ضَعْفِهِ.
وخرَّجَه الحاكمُ وصحَّحه، ووثَّقَ (٢) حنشًا، وقالَ: هو قاعدةٌ في
الزَّجرِ عن الجمعِ بلا عذرٍ(٣).
ولم يُوافَقْ علی تصحیحِه.
وقال العقيليُّ(٤): ليسَ لهذا الحديثِ أصلٌ.
ورواه بعضهم وشك في رفعه ووقفه. كذلك خرَّجَه الحارثُ بْنُ
أبي أسامةَ .
ولعلَّه من قولِ ابْنِ عِبَّاسٍ .
وقد رُوِيَ مثلُه عن عُمَرَ، وأبي موسى.
رَوَى وكيعٌ، عن سفيانَ، عن هشامٍ (١٨١ - أ/ ك١) عن رجلٍ، عن
أبي العاليةِ، عن عُمَرَ بْنِ الخطّابِ قَالَ: الجمعُ بين الصَّلاتينِ من غيرِ عذرٍ
من الكبائرِ .
وعن أبي هلال الراسبيِّ، عن حنظلةَ السدسي(٥)، عن أبي موسى
قَالَ: الجمعُ بين الصِّلاتينِ من غيرِ عُذْرٍ مِنَ الكبائرِ.
(١) ((الجامع)) (١٨٨).
(٢) قال الذهبي في ((التلخيص)): ((بل ضعفوه)).
(٣) الحاكم (٢٧٥/١).
(٤) (٢٤٨/١).
(٥) كذا، وهو: السدوسي.
٢٦٦

١٢ - باب تأخير الظهر إلى العصر
الحديث : ٥٤٣
المسلكُ الثَّالثُ: حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ النبيَّ بِّهِ أَخَّرِ الظُّهْرَ إلى آخرٍ وقِتِهَا
فوقعتْ في آخرِ جزءٍ من الوقتِ، وقدَّمَ العصرَ في أولِ وقتِهَا فصلاها في
أولِ جزء من الوقتِ فوقعت الصَّلاتانِ مَجْموعَتَيْنِ في الصُّورةِ، وفي
الَعْنَى: كلُّ صلاة وقعتْ في وقتِهَا، وفعلَ هذا ليبيِّنَ جوازَ تأخيرِ الصَّلاة
إلى آخرِ وقتِهَا .
وقد رُوِيَ من حديث معاذِ بْنِ جبل أَنَّ جمعَ النَّبِيِّ نَّهِ بِينَ الصَّلاتِينِ
بتبوك كانَ عَلَى هذا الوجه - أيضًا .
خرجه الطبراني فى ((أوسطه)) بإسناد فيه ضعف(١) . وقد سبق عن
عمرو بن دينار وأبي الشعثاء أنَّهما حملا الحديثَ على هذا الوجه كما
خَرَّجه مسلمٌ، وأشارَ إليه الإمامُ أحمدُ وغيرُهُ. وعلى مثلِ ذلكَ حملَ
الجمعَ بينَ الصَّلاتينِ في السَّفْرِ بغيرِ عرفةَ والمزدلفةِ مَنْ لا يرى الجمعَ في
السَّفْرِ، منهم: سفيانُ الثوريُّ وغيرُهُ من الكوفيينَ.
والمسلكُ الرَّابعُ: أَنَّ ذلك كَانَ جمعًا بينَ الصَّلاتينِ لمطرٍ.
وهذا هو الذي حَمَلَه عليه أيوبُ السَّخْتيانيُّ - كما في روايةٍ
البخاريِّ - وهو الذي حملَه عليه مالكٌ - أيضًا.
ومَنْ ذهبَ إلى هذا المسلك فإنَّه يطعنُ في روايةٍ مَنْ روى ((من غيرِ
خوفٍ ولا مطرٍ)) كما قالَه البزَّارُ، وابنُ عبد البرِّ، وغيرُهما.
ومن حملَ الحديثَ على هذا فإنَّه يَلْزمُ من قولهِ جوازُ الجمعِ في
الحضرِ للمطرِ بينَ الظَّهرِ والعصرِ والمغربِ والعشاءِ.
وقد اختُلفَ في ذلكَ.
(١) ((الأوسط)) (٦٩٠١).
٢٦٧

الحديث : ٥٤٣
كتاب مواقيت الصلاة
فأمَّا الجمعُ بينَ العشائينِ للمطرِ: فقد رُوِيَ عن ابْنِ عُمَرَ.
رَوَى مالكٌ، عن نافعٍ أَنَّ ابنَ عمرَ كانَ يجمعُ في الليلةِ المطيرةِ (١).
وقد رويناه عن طريقِ سفيانَ بْنِ بشيرٍ، عن مالكٍ، عن نافعٍ، عن
ابنِ عمرَ مرفوعًا .
ولا يصحُّ رفعُهُ.
وفيه حديثٌ آخرُ مرفوعٌ من روايةٍ أولادٍ سعد القرظ، عن آبائِهم،
عن أجدادهم، عن سعد القرظ أَنَّ النبيَّ ◌َّهُ كانَ يجمعُ بينَ المغربِ
والعشاءِ في المطرِ.
خرَّجَه الطبرانيُّ(٢)، وإسناده ضعيفٌ. قال يحيى - في أولادٍ سعد
القرظ -: كلُّهم ليسوا بشيءٍ.
ومِمَّنْ رأى الجمعَ للمطرِ: مالكٌ - في المشهورِ عنه - والأوزاعيَّ،
والشافعيّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورِ، ورُويَ عن عمرَ بنِ
٥
عبدِ العزيزِ، عن فقهاءِ المدينةِ السّبعة.
وعن مالك - روايةٌ -: لا يجوزُ الجمعُ للمطرِ إلا في المدينةِ في
مسجد النبيِّ (١٨١ - ب/ ك١) وَّلَهُ لفضله، ولأنَّه يُنْتَابُ من بُعدٍ فيجمعَ
بينهما بعدَ مغيبِ الشَّفْقِ وليسَ بالمدينةِ غيره.
والمشهور عنه: الأولُ.
وأصلُ هذا: أَنَّ الأمراءَ بالمدينةِ كانوا يجمعونَ في الليلةِ المطيرةِ،
فيؤخِّرُونَ المغربَ، ويجمعونَ بينهما(٣) وبينَ العشاء قبلَ مغيبِ الشَّفْقِ،
(١) ((الموطأ)) (ص١٠٩).
(٣) كذا.
(٢) في ((الكبير)) (٤١/٦).
٢٦٨

١٢ - باب تأخير الظهر إلى العصر
الحديث : ٥٤٣
وكانَ ابْنُ عمر يَجمعُ معهم، وقد عُلِمَ شدةُ متابعةِ ابْنِ عمرَ للسُّنّةِ، فلو
كانَ ذلكَ مُحْدَثًا لم يوافقْهم عليه البتة. وقد نصَّ على أن جمع المطر
يكون على هذا الوجه المذكور قبل مغيب الشفق: مالكٌ، وأحمدُ،
وإسحاقُ.
وقيل لأحمد: فيجمعُ(١) بينهما بعدَ مغيبِ الشَّفْقِ؟ قَالَ: لا إلا قبل
كما فعلَ ابْنُ عمرَ وقال: يجمعُ إذا اختلطَ الظَّلامُ.
وأما الجمعُ بينَ الظُّهرِ والعصرِ في المطرِ: فالأكثرونَ على أَنَّه غيرُ
جائزٍ. وقال أحمدُ: ما سمعتُ فيه شيئًا. وأجازَهُ الشَّافعيُّ إذا كانَ المطرُ
نازلا . وبه قال أبو ثورٍ، وهو روايةٌ عن أحمدَ.
والعجبُ من مالك رحمه اللهُ كيفَ حملَ حديثَ ابْنِ عِبَّاسٍ على
الجمعِ للمطرِ، ولم يقلُ به في الظُّهرِ والعصرِ، والحديثُ صريحٌ في جمعِ
الظهرِ والعصرِ والمغربِ والعشاء؟!
المسلكُ الخامسُ: أَنَّ الذي نقلَه ابْنُ عبَّاسٍ عَنِ النبيِّ ◌َّ إنَّما كانَ في
السَّفْرِ لا في الحضرِ .
كما في روايةٍ قرة، عن أبي الزَّبيرِ، عن سعيدِ بْنِ جبيرٍ، عن ابنِ
عبَّاسٍ أَنَّ ذلكَ كانَ في غزوة تبوكِ، وقد خرّجَه مسلمٌ كما تقدَّمَ.
وكذلكَ رَوَى عبدُ الكريمِ، عن مجاهدٍ، وسعيدِ بْنِ جُبِيرِ، وعطاءِ،
وطاوسٍ أخبروه عن ابْنِ عبَّاسٍ أنه أخبرَهم أَنَّ رسولَ اللهِ وَ لَ كَانَ يجمعُ
بينَ المغربِ والعشاءِ في السّفرِ من غيرِ أَنْ يعجله شيء ولا يطلبُه عدوٍّ،
(١) في ((ك١)) بالتاء والياء معًا.
٢٦٩

الحديث : ٥٤٣
كتاب مواقيت الصلاة
ولا يخافُ شَيْئًا.
ولكنْ عبدُ الكريم هذا هو أبو أميةَ، وهو ضعيفٌ جدا، وأكثرُ رواة
حديثِ ابْنِ عبَّاسٍ ذكروا أن جمعَه كانَ بالمدينةِ، وهُمْ أكثرُ وأحفظُ.
والمسلكُ السَّادسُ: أَنَّ جمعَه ذلكَ كانَ لمرضٍ .
وقد رُوِيَ عن الإمامِ أحمدَ أَنَّه قال: هذا عندي رخصةٌ للمريض
والمرضع .
وقد اخْتُلِفَ في جمعِ المريضِ بينَ الصَّلاتينِ.
فرخَّصَ فيه طائفةٌ، منهم: عطاءٌ، والنخعيُّ، والليثُ، وأحمدُ،
وإسحاقُ، وكذلك جوَّزه مالكٌ للمضطرِ في رمضة(١)، فإن جمعَ لغيرِ
ضرورة أعادَ في الوقتِ عندَه.
وعندَ أبي حَنِيفةَ، والشَّافعيِّ: لا يبيحُ المرضُ الجمعَ بينَ الصَّلاتينِ
بحالٍ.
واستدلَّ مَنْ أباحَ الجمعَ للمريضِ بأمرِ النبيِّ نَّه المستحاضةَ أَنْ تجمعَ
بينَ الصَّلاتينِ بغسلٍ واحدٍ لمشقّةِ الغسلِ عليها لكلِّ صلاةٍ، وذلك من
ے
روى عَنِ النّبِيِّ بََّ (١٨٢ - أ/ ك١) من حديث حَمْنَةً بنتِ جحشٍ،
وعائشةَ، وأسماءَ بنتِ عُمَيْسٍ، وفي أسانيدِهَا بعضُ شيءٍ، وأمر به
عليٌّ، وابْنُ عَبَّاسٍ، وهو قولُ عطاءٍ، والنَّخعيِّ، والأوزاعيِّ، وأحمدَ،
وإسحاقَ.
(١) ضبب عليها في ((ك١)).
٢٧٠

١٢- باب تأخير الظهر إلى العصر
الحديث: ٥٤٣
والمسلكُ السَّبِعُ: أَنَّ جمعَهُ كانَ لشغلٍ .
وفي روايةٍ حبيبِ بْنِ أبي حَبِيبٍ، عن عمرو بْنِ هرمٍ، عن جابرِ بْنِ
زيدٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّه جمَع من شغلٍ، كما خرَّجَه النسائيّ - وقد سبقَ -،
وكذلكَ في حديث عبد الرحمن بنِ علقمةَ أَنَّ وفدَ ثقيف شَغَلَوا النَّبِيَّ
مكا الله
عالية
وستا
وخرَّجَ النَّسائيُّ من روايةٍ سالمٍ، عن ابْنِ عمرَ أَنَّه لما استصرخَ على
امرأته صفيةَ أسرعَ السيرَ وجمعَ بينَ الظُّهرِ والعصرِ والمغربِ والعشاءِ، ثَمَّ
قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ وَهِ: ((إِذَا حَضَرَ أحدُكم أمرًا يَخْشَى فوتَه فيصلِّي
هذه الصَّلاةَ)(١).
وخرَّجَهَ النَّسائيُّ، وفي رواية له: «إذا حضرَ أحدَكُم الأمرُ الذي
يخافُ فواتَه فليصلِّ هذه الصلاة))(٢).
وقد نصَّ أحمدُ على جوازِ الجمعِ بينَ الصَّلاتِينِ للشُّغْلِ.
قَالَ القاضي وغيرُهُ من أصحابِنَا: مرادُه: الشُّغْلُ الذي تباحُ معه تركُ
الجمعة والجماعة .
وفي ذلكَ نظرٌ.
وَعَنِ ابْنِ سيرينَ: لا بأسَ بالجمعِ بينَ الصِّلاتينِ للحاجةِ والشيء ما
لم يُتَّخَذْ عادةً.
المسلكُ الثَّامنُ: حملُ الحديث على ظاهرِهِ، وأَنَّه يجوزُ الجمعُ بِينَ
(١) النسائي (٢٨٨/١ - ٢٨٩).
(٢) النسائي (٢٨٥/١).
٢٧١

الحديث: ٥٤٣
كتاب مواقيت الصلاة
الصَّلاتينِ في الحضرِ لغيرِ عذرٍ بالكليةِ (١).
وحُكِيَ ذلكَ عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ، وابْنِ سيرينَ، وعن أشهبَ صاحبٍ
مالك، وروى ابنُ وهب وغيرُهُ، عن مالك أَنَّ آخرَ وقتِ الظّهرِ والعصرِ
غروبُ الشمسِ .
قال ابنُ عبد البرِّ: وهذا محمولٌ عندَ أصحابه على أهلِ الضّروراتِ
كحائضٍ تطهَّرتْ ومغمّى عليه يفيقُ. وحُكِيَ - أيضًا - عن طاوسٍ امتدادُ
الظهرِ والعصرِ إلى غروبِ الشَّمسِ. وعن عطاءِ امتدادُهما إلى أن تصفر
الشمسُ. وكذلك رُوِيَ عن عطاء وطاوسٍ أَنَّ وقتَ المغرب والعشاء لا
يفوتُ حَتَّى يطلعَ الفجرُ. وحُكِيَ مَعنى ذلكَ عن ربيعةَ وأَنَّ الوقتينِ
مشتركان، وأَنَّ وقتَ الصَّلاتينِ يمتدُّ إلى غروبِ الشَّمْسِ. وحُكِيَ عن أهلٍ
الحجاز حمله.
وعدّه الأوزاعيُّ مما يُجْتَنَبُ من أقوالِهم.
فَرَوَى الحاكمُ عن الأصمِّ: أخبرنا العبّاسُ بْنُ الوليدِ البيروتيُّ: ثنا
أبو عبدِ اللهِ بْن بحرٍ قَالَ: سمعتُ الأوزاعيَّ يقولُ:
يُجْتَنَبُ من قولِ أهلِ العراقِ: شربُ الْمُسْكِرِ، والأكلُ عندَ الفجرِ في
رمضانَ ولا جمعة إلا في سبعة أمصار، وتأخيرُ صلاة العصرِ حتَّى يكونَ
ظلُّ كلِّ شيءٍ أربعةَ أمثاله والفرارُ يوم الزحف، ومن قولِ أهلِ الحجازِ:
استماعُ الملاهي، والجمعُ بينَ (١٨٢ - ب/ك١) الصَّلاتينِ من غيرِ عذرِ،
والمتعةُ بالنِّساءِ، والدرهمُ بالدرهمينِ، والدينارُ بالدينارينِ، وإتيانُ النِّسَاءِ
(١) راجع ((الأوسط)) (٤٣٢/٢ - ٤٣٤).
٢٧٢

١٢- باب تأخير الظهر إلى العصر
الحديث : ٥٤٣
في أدبار هنّ(١).
قال الأثرمُ في كتابِ ((العللِ)): قلتُ لأبي عبدِ اللهِ - يعني: أحمد -:
أيُّ شيءٍ يقولُ في حديثِ ابْنِ عِبَّاسٍ أَنَّ النبيَّ ◌َهِ صَلَّى ثمانيا جميعًا،
وسبعًا جميعًا من غيرِ خوفٍ ولا سفرٍ؟ فقالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ كما ترى قد
أثبت هذا أو صححه. وغيرُه يقولُ: ابْنُ عمرَ، ومعاذٌ وغيرُ واحد
يقولونَ: إِنَّه في السَّفْر. فقلتُ: أيفعلُه الإنسانُ؟ فقالَ: إنَّما فعلَه لئلا
يحرجَ أُمَّتَه. وذكرَ الأثرمُ نحوهَ في كتابِ ((مسائله لأحمدَ))، وزادَ: قالَ
أحمدُ: أليسَ قالَ ابْنُ عبَّاسٍ أن لا يحرج أُمَّتَه إن قدم رجل أو آخر نحو
هذا. وهذا الذي زادَه في كتابِ ((المسائلِ)) يبيِّنُ أَنَّ أحمدَ حمَلَه على تأخير
الصَّلاة الأولى إلى آخرِ وقتِها وتقديمِ الثّانيةِ إلى أول وقتها، كما حملَه
على ذلكَ أبو الشَّعْثاءِ، وعَمرو بْنُ دينار، وغيرُهما كما سبقَ، واللهُ
أعلم.
وقولُ ابنِ عبَّاسٍ: ((مِنْ غيرِ خوفٍ ولا سفرٍ» يدلُّ بمفهومِهِ على جوازِ
الجمعِ للخوفِ والسَّغْرِ .
فأما الجمعُ السَّفْرِ فيأتي الكلامُ فيه في موضعِهِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
وأما الجمعُ للخوفِ للحضر(٢): فظاهرُ حديثِ ابْنِ عِبَّاسٍ جوارُه.
وقد اختلفَ العلماءُ في جواز تأخيرِ الصَّلاةِ عن وقتها بالكليةِ، وإن
لم تكنْ مما يُجْمِعُ كتأخيرِ صلاةِ الصُّبْحِ حَتَّى تطلعَ الشَّمْسُ، والعصرِ
حَتَّى تغربَ الشَّمسُ إذا اشتدَّ الخوفُ، وفيه عن أحمد(٣) (١٩/م) روايتانِ
(١) انظر ((التمهيد)) (١١٥/١٠).
(٢) كذا والجادة: بالحضر.
(٣) من هنا تبدأ النسخة ((م)) بعد السقط الذي نبهنا عليه آنفا آخر الباب (٣).
٠٠ ٠٫٠٠
٢٧٣

الحديث: ٥٤٣
كتاب مواقيت الصلاة
فتأخيرُ الصَّلاتين المجْمُوعتينِ إلى وقتِ الثانيةِ، وتقديمُهَا في أول وقت
الأولى إذا احتيجَ إلى ذلكَ في الخوفِ أولى بالجوازِ؛ بل لا ينبغي أَنْ
يكونَ في جوازِهِ خلافٌ عندَ مَنْ يبيحُ الجمعَ للسَّهْرِ، والمرضِ، والمطرِ،
ونحوِ ذلكَ من الأعذارِ الخفيفةِ .
وعن أحمدَ روايتانِ في جوازِ الفطر في الحَضَرِ للقتالِ .
ومن أصحابِنَا مَنْ طردهما في قصرِ الصَّلاة أيضًا.
وقد حكَى أبو عُبَيْد في ((غريبِهِ))، عن عثمانَ بْنِ عَفَّنَ - رضي الله
عنه - جوازَ قصر الصَّلاةِ في الحضرِ للخوفِ. فالجمعُ أولى بالجواز، واللهُ
أعلم.
٢٧٤

الحديث: ٥٤٦،٥٤٥،٥٤٤
١٣ - بَابُ
وَقْت العَصْرِ
خرَّجَ فيه عن عائشةَ، وأبي بَرْزَةً، وأنسٍ. فحديثُ عائشةَ خرَّجَه من
طرق (١) مسندات تعليقًا فَقَالَ:
وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ، عن هِشَامٍ: في قَعْرِ (١٨٣ - أ/ ك١) حُجْرتها.
وفي بعضِ النُّسخِ ذَكَرَ هذا بعد أَنْ أسنَدُهُ من حديث أبي ضمرةً،
وهو أحسنُ. وَقَالَ:
٥٤٤ _ حَدَثنا (٢) إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: ثَنَا (٢) أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ
هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ (٣) عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهُِّ يُصَلِّى الْعَصْرَ،
والشَّمْسُ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ حُجْرِتَهَا.
٥٤٥ - حَدَّثَنَا(٤) قُتَيْبَةُ: فَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَبٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ
عَائِشَةِ أَنَّالنَّبِيَّ(٥)بَِّ صَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا لَمْ يَظهَرِ الفَيْءُ
مِنْ حُجْرَتِهَا.
٥٤٦ - حَدَّثَنَا(٤) أَبُو نُعَيْمٍ: ثَنَا(٢) ابْنُ عُبَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ،
(١) في ((ك)): ((طريق)).
(٣) في ((اليونينية)): ((أن)).
(٥) في ((اليونينية)): ((رسول الله)).
(٢) في ((م): ((نا)).
(٤) في (م)): ((ثنا)).
٢٧٥

الحديث: ٥٤٦،٥٤٥،٥٤٤
كتاب مواقيت الصلاة
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َ يُصَلِّي صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ فِي
حُجْرَتِي لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ بَعْدُ.
وَقَالَ أُبُو عَبْد الله (١): وَقَالَ مَالكِّ، وَيَحْيَى بْنُ سَعيد(٢)، وَشُعَيْبٌ، وابْنُ
أَبِي حَقْصَةَ: ((والشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ تَظَهَرَ).
حديثُ مالك هذا الذي أَشَارَ إليه قد خرَّجَه في أولِ ((كتابٍ
المواقيتِ))(٣) في ضمنٍ حديث أبي مسعود الأنصاريِّ من طريقِ مالك،
عن الزهريِّ ولفظُه: قَالَ عُرْوةُ: ولقدْ حَدَّثَتْني عائشةُ أنَّ رسولَ الله
صَلى الله
وسلم
كَانَ يُصَلِّي العصرَ، والشَّمْسُ في حجرتهَا قبلَ أَنْ تَظْهَرَ، وكانَ مقصودُ
عروةَ الاحتجاجَ على عمرَ بْنِ عبدِ العزيزِ - رَحمَه اللهُ - حيثُ أخَّرَ العصَر
醬
يومًا شيئًا فأخبرَهُ عروةُ بهذا الحديثِ مستدلا به عَلَى أنَّ النَّبِيَّ
(٢٠/م) كَانَ يُعجِّلُ العصرَ في أول وقتها، ووجهُ(٤) الدلالة منَ الحديث
و
على تعجيلِ العصرِ: أنَّ الحجرةَ الضيقةَ القصيرةَ الجدران يسرعُ ارتفاعُ
الشَّمْسِ منها، ولا يكونُ(٥) الشَّمْسُ فيها موجودةً إلا والشَّمْسُ مرتفعةٌ في
الأفق جدا.
وفسَّرَ الهرويُّ وغيرُهُ ظهورَ الشَّمْسِ من الحجرةِ بعلوِّهَا(٦) على
السطحِ فيكونُ الظُّهورُ: العلوَّ. ومنه قولُه تعالى ﴿وَمَعَارِجَ عليها
يَظْهَرونَ﴾ [الزخرف: ٣٣]، وقولُه [تعالى] (٧) ﴿فما اسطاعوا (٨) أَن
(١) في ((ك١)): ((قال أبو عُبيد الله)).
(٣) حديث (٥٢٢).
(٥) كذا بالياء.
(٧) من ((م)).
(٢) في ((ك١)): ((سَعْد)).
(٤) فى ((م)): ((ووجهة).
(٦) في ((ك١)): ((لعلوها)).
(٨) في ((ك!)) و((م)): ((استطاعوا)).
٢٧٦

١٣ - باب وقت العصر
الحديث: ٥٤٦،٥٤٥،٥٤٤
وَهُ: ((لا تزالُ طائفةٌ من أُمتي
يَظْهروهِ﴾ [الكهف: ٩٧] وقولُ النَّبِيِّ
ظاهرينَ على الحقِّ)(١).
وقد ذكرَ ابنُ عبدِ البر في معنى ظهورِ الشَّمْسِ من الحجرة في هذا
الحدیث قولینِ:
أحدُهما: العلوَّ كما تقدّمَ.
والثَّاني: أنَّ معناه خروجُ الشَّمْسِ من قاعةِ الحجرةِ قال: وكلُّ شيءٍ
خرجَ فقد ظهرَ (٢).
قلتُ: وروايةُ أبي ضمرة(٣) أنسِ بْنِ عَيَاضٍ، عن هشامٍ التي خرَّجها
البخاريُّ ههنا تدلُّ على هذه؛ لأنَّه قالَ في روايته: والشَّمْسُ لم تخرجْ
من حجرِتِهَا، وفي روايةِ الليثِ، وغيرِهِ: لم يظهرِ الفيءُ من (٤) حجرتها.
والفيءُ: هو الظلُّ بعدَ الزوالِ بذهابِ الشَّمسِ (١٨٣ - ب/ ك١) منه.
والمعنى أنَّ الفيءَ لم يعمَّ جميعَ حجرٍتِها؛ بل الشَّمْسُ باقيةٌ في بعضِهَا،
وعلى هذه الروايةِ فيكونُ معنى ظهورِ الفيءِ من الحجرةِ وجودُهُ، وبيانُهُ،
ووضوحُهُ. وفُسِّ - أيضًا - ظهورُه بعُلُوِّ لجدرِ الحجرةِ.
وفَسََّ محمدٌ بْنُ يحيى (٥) الهمدانيُّ في ((صحيحه)) ظهورَ الفيءِ بغلبتِهِ
على الشَمْسِ قال: والمعنى لم يكنِ الفيءُ أكثرَ من الشَّمْسِ حينَّ صَلَّىَ
العصرَ كما يقالُ: ظهرَ فلانٌ على فلان إذا غلبَ عليهِ .
(١) متفق عليه .
(٢) ((التمهيد)» (٩٧/٨).
(٣) في ((م)): ((أبي حمزة)).
(٤) تكررت كلمة ((من)) في (م)).
(٥) في ((ك١)»: ((يحيى بن محمد)) مقلوب.
وقد سبق ذكر المصنف له على الصواب (٤٢٥/٣) تحت شرحه للحديث رقم (٤٨٢)،
وسيأتى ذكره(٢٩٢/٤)، (١١٥/٥) تحت الحديث رقم (٥٥٢)، (٥٩٥).
٢٧٧

الحديث: ٥٤٤، ٥٤٦،٥٤٥
كتاب مواقيت الصلاة
وفي بعضِ رواياتِ ابْنِ عيينةَ لهذا الحديثِ زيادةُ ((بيضاءُ نقيةٌ).
وأمَّا روايةُ أبي أُسامةَ، عن هشامٍ التي ذكرَهَا البخاريُّ تعليقًا:
((والشَّمْسُ في قعرِ حجرتِهَا)) فهذه الروايةُ تدلُّ على أنَّ الشمسَ كانتْ
موجودةً في وسطِ الحجرةِ وأرضِها لم تظهر على جدرانِ الحجرةِ وهذه
الروايةُ تدلُّ على شدةِ تعجيلِ العصرِ أكثرَ من غيرِها من الروايات؛ فإنَّ
بقيةَ الروايات إنَّما تدلُّ على بقاءِ الشَّمْسِ في الحجرةِ لم تخرج منها،
فيحتملُ أن تكون موجودةً على حيطانِ الحجرةِ قد قاربتِ الخروجَ.
وروايةُ أبي أسامةَ تدلُّ على أنَّ الشمسَ كانت موجودةً في أرض
الحجرة وقد خرّجَه الإسماعيلىّ في ((صحيحِه))، والبيهقيّ من حديث
أبي أسامةَ، عن هشامٍ، عن عائشةَ قالت: كانَ رسولُ اللهِّهِ يُصَلِّي العصرَ،
والشَّمْسُ في قعرِ حجرتي(١).
وخرَّجه البيهقيُّ - أيضًا (٢) - من طريق أبي معاويةَ: نا هِشَامٌ فذكره.
وقال: والشَّمْسُ بيضاءُ في قعرِ حجرتي طالعة(٣).
وحَكَى عن الشَّافعيِّ أَنَّه قالَ: هذا من أبينِ ما رُوِيَ في أول (٤)
الوقت؛ لأنَّ حجر النَّبِيِّ ◌ِّ(٥) في موضعٍ منخفضٍ من المدينةِ، وليستْ
بالواسعة. وذلكَ أقربُ لها من أن ترتفعَ الشَّمْسُ منها في أول وقتٍ
العصر .
(١) أخرجه البيهقي (١ /٤٤٢) عن الإسماعيلي.
(٢) (١ / ٤٤٢).
(٣) وليس في ((السنن) لفظ: ((طالعة)) في هذا الموضع.
(٤) في ((م): ((أوال))!
(٥) وقع هنا سقط في ((م)). ويستدرك من ((ك)) وهو مستمر إلى (ص٢٨٢) أول شرح الحديث
(٥٥١).
٢٧٨

١٣ - باب وقت العصر
الحديث: ٥٤٧
وحديثُ أبي بَرْزَةَ قَالَ:
٥٤٧ - حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ: أَنْبَا (١) عَبْدُ اللهِ: أَنْبَا(١) عَوْفٌ، عَنْ
سَّارِ بْنِ سَلامَةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ فَقَالَ لَهُ أَبي:
كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِِّ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ؟. فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ -
الَّتِي تَدْعُونَها الأُولَى - حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، ويُصَلِّي العصر ثُمَّ يَرْجِعُ
أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ، وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنَسِيتُ مَا قَالَ في
الْمَغْرِبِ، وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنَ الْعِشَاءِ - الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ،
وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْقَتِلُ مِنْ صَلاةِ الْغَدَةِ
حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرأُ بالسَِّّنَ إِلى المَائِةِ.
المقصودُ من هذا الحديث (١٨٤ - أ/ ك١) في هذا البابِ قولُ أبي بَرْزَةَ:
كَانَ النَّبِيُّ بِّهِ يُصَلِّي العصرَ ثُمَّ يرجعُ أحدُنا إلى رحلِه في أقصى المدينةِ،
والشَّمْسُ حيَّة .
وقد سبقَ الحديثُ من رواية أبي شعيب(٢)، عن أبي المنهال، وفيه:
ويصلِّي العصرَ وأحدُنا يذهبُ إلى أقصى المدينةِ ثُمَّ يرجعُ والشَّمْسُ حية
وذكرَ في حديثهِ زيادةَ الرجوعِ وقَوْلُهُ: والشَّمْسُ حَيَّةٌ فسَّرَ خيثمةُ حَيَاتَها
بأنَّه يجدُ حرَّها. خرَّجه البيهقيُّ(٣).
(١) في ((اليونينية)): ((أخبرنا)).
(٢) كذا في ((ك١)»، وصوابه: ((شعبة)) وقد سبق الحديث برقم (٥٤١) وانظر ((التحفة)) (١٢/٩
- ١٣) ولا يوجد من يكنى بأبي شعيب ويروي عن أبي المنهال.
(٣) ((السنن)) (٤٤٠/١ - ٤٤١) وانظر ((التمهيد)) (٣٠٠/١).
٢٧٩

الحديث: ٥٤٨
كتاب مواقيت الصلاة
وقيلَ: حياتُها بقاءُ لونها، وقيلَ: بقاءُ حرِّها، ولونها. قَالَه الخطَّابيُّ،
وغيرُ(١).
وحديثُ أنسٍ خرَّجَ له ثلاثَ أحاديثَ
الحديثُ (٢) الأولُ:
٥٤٨ - حَدَّثْنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالك، عَنْ إِسْحَاقَ بْن عَبْد الله
ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: كَنَّا نَّصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَخَرُجُ
الإِنْسَانُ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَنَجِدُهُمْ (٣)يُصَلُونَ الْعَصْرَ.
وكذا خرَّجَه مُسْلِمٌ، عن يحيى بْنِ يحيى، عن مالكٍ به (٤). وَكَذَا هو
في ((الموطَّ))(٥).
ورواه ابْنُ المبارك، وعتيق بْنُ منصور(٦)، عن مالك، عن إسحاقَ،
عَنْ أنس قالَ: كنَّا نُصَلِّي العصرَ مِعَ رسولِ اللهِ نَّهِ فذكرَ الحديثَ،
ء
وصرَّحَا برفعِهِ.
والروايةُ المشهورةُ، عن مالكِ في معنى المرفوعِ؛ لأنَّ أنسًا إنَّما أخرجه
في مخرجِ الاستدلالِ بهِ على تعجيلِ العصرِ، وبنو عمرِو بْنِ عوفٍ على
ثُلُثي فرسخٍ من المدينةِ ورُويَ ذلك في حديثٍ عن عروةَ بنِ الزبيرِ.
(١) ((معالم السنن)) (١٢٧/١).
(٢) في (ك)): ((حديث)).
(٣) في ((ك)) بالنون، والياء المثناة التحتية. وكذا في ((اليونينية)).
(٤) مسلم (٦٢١ /١٩٤).
(٥) (ص٣٢).
(٦) كذا فى ((ك)) فلعله سعيد بن منصور، وهو من الرواة عن مالك، ووجدنا ابن عبد البر
ذكره في «التمهيد)» (٢٩٥/١) وقال: ((عتيق بن يعقوب الزبيري)) وهو الصواب إن شاء الله
تعالى، وعتيق هذا ممن حفظوا ((الموطأ)) في حياة مالك - كما قال أبو زرعة فيما بلغه.
٢٨٠