Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٠٥- باب من قال: لا يقطع الصلاة شيء الحديث : ٥١٥ زيدٍ يحدِّثُ عن ابنِ عبَّاسٍ، عن النبيِّ وََّ قال: ((يقطعُ الصَّلاةَ المرأةُ الحائضُ، والكلبُ)). خرَّجَه أبو داودَ، وابنُ ماجه، وابنُ خزيمةَ في ((صحيحه)) (١) وعندهما («الكلب الأسود)) قال أبو داودَ، وقَفَه سعيدٌ وهشامٌ وهمامٌ، عن قتادةَ، عن ابنِ عِبَّاسٍ(٢). انتهى. وكذا وقَفَه غندرٌ، عن شعبةَ، ورَفَعَه سفيانُ بنُ حبيب، عن شعبةَ. وذكر الحافظُ أبو نعيمٍ بإسنادِهِ، عن يحيى بن سعيدٍ قال: لم يرفعْهُ عن قتادةَ غيرُ شعبةَ. قال يحيى: وأنا أَفْرَقُه. وحكى غيرُهُ عن يحيى أنَّه قال: أخافُ أن يكونَ وَهِمَ - يعني: شعبةً(٣) . وقال الإمامُ أحمدُ: ثناه يحيى قال: شعبةُ رفعه. قال: وهشامٌ لم يرفعْهُ. قال أحمدُ: كان هشامٌ حافظًا. وهذا ترجيحٌ من أحمدَ لوقفه، وقد تبيَّنَ أنَّ شعبةَ اخْتُلفَ عليه في وقفِه ورفعِهِ، ورجَّحَ أبو حاتمِ الرازيُّ رفعَه(٤). وخرَّجَ أبو داودً(٥)، عن محمدٍ بنِ إسماعيلَ البصريِّ - هو: ابنُ أبي (١) أبو داود (٧٠٣)، وابن ماجه (٩٤٩)، وابن خزيمة (٢ / ٢٢). (٢) انظر كلامًا غاية في الأهمية حول الْمُبَرَّزِينَ في أصحاب قتادة - وهم: شعبة، وهشام، وسعيد - للإمام البرديجي - رحمه الله - وهو كلام قلما تجده لإمام غيره؛ فهو حقيقٌ بأن ينقش في ذهن كل مشتغل بعلل الأحاديث، وطبقات رواته؛ فراجعه مع توضيحات الحافظ ابن رجب عليه في ((شرح علل الترمذي)) (٢ /٦٩٥ - ٦٩٦). (٣) نقل هذا الكلام ابن أبي حاتم في ((العلل)) (٢١٠/١)، والبيهقي في ((الكبرى)) (٢ /٢٧٤)، و ((العلل)) لابن أبي حاتم. (٤) في ((العلل)) لابنه (١ / ٢١٠). (٥) في ((السنن)) (٧٠٤)، وقد سبق الكلام عليه بشيءٍ من السعة (ص: ٩٦). ١٢١ . الحديث : ٥١٥ كتاب الصلاة سمينةَ -، عن معاذٍ بنِ هشامٍ، عن أبيه، عن يحيى - هو: ابنُ أبي ميل الله عجة وسلم كثيرٍ -، عن عكرمةَ، عن ابنِ عبَّاسِ قال: أحسبُه عن رسول الله ے قالَ: ((إذا صلَّى أحدُكم إلى غيرِ السترةِ فإنَّه يقطعُ صلاتَه الحمارُ والخنزيرُ واليهوديُّ والمجوسيُّ والمرأةُ، ويجزئُ عنه إذا مرَّوا بين يديه على قذفة بحجر)) . وقال أبو داودَ: لم أَرَ أحدًا يُحدِّثُ به عن هشامٍ، وأحسبُ الوهمَ فيه من ابنِ أبي سمينةَ؛ لأنَّه كان يُحدِّثْنَا من حفظه. انتهى. وهو مشكوكٌ في رفعِهِ. وقد خرَّجَه ابنُ عديٍ (١) من طريقين عن معاذ، وقال: هذا عن يحيى ے (١٨٩ - ب / ط) غيرُ محفوظ بهذا المتنِ. وقد تبيَّنَ بذلك أَنَّ ابنَ أبي سمينةً لم ينفردْ به كما ظنَّه أبو داودَ؛ ولكنَّه منكرٌ كما قالَه ابنُ عدي. وخرجه ابنُ أبي شيبةً(٢)، عن أبي داودَ، عن هشامٍ [عن يحيى](٣) عن عكرمةَ من قوله، ورَوَاه عُبَيْسُ بنُ ميمون، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَجِّهِ . قال أبو زرعةَ الرازيُّ(٤): هو حديثٌ منكرٌ، وعُبَيْسٌ شيخٌ ضعيفٌ الحديث. وقال الأثرمُ: هذا إسنادٌ واه. (١) في ((الكامل)) (٦ / ٤٣٣). (٢) في ((المصنف)) (١ / ٢٨١ - ٢٨٢). (٣) ما بين المعقوفين سقط من ((ك))، و((ط)). (٤) كما في «العلل)) لابن أبي حاتم (١ / ١٧٧). ١٢٢ ١٠٥- باب من قال: لا يقطع الصلاة شيء الحديث : ٥١٥ ورَوَى سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، عن عبدِ الله بن مغفَّل (٤٨٣. ب / ق)، عن النبيِّ وَّه قال: ((يقطعُ الصَّلاةَ المرأةُ والحمارُ والكلبُ)). خرَّجَه الإمامُ أحمدُ، وابنُ ماجه، وابنُ حبان في ((صحيحِه)(١). وقد اخْتُلفَ فيه على قتادةَ وعلى الحسنِ، فقيل: عن قتادةَ - كما ترى في هذا الإسنادِ - وهو الصّحيحُ (١٥٢ - أ / ك١) عند الدارقطنىّ(٢) وغيرِهِ، وقيل: عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، وقيل: عنه، عن قتادةَ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ من قوله - كما سبق. وقال هشامٌ، عن قتادةَ، عن زرارةَ، عن سعد، عن أبي هريرةَ - كما سبق. واخْتُلِفَ فيه عن الحسنِ، فقيل: عنه - كما ترى - وقال حَوشبٌ: عن الحسنِ، عن الحكمِ بنِ عَمرٍو، عن النبيِّ وَهِ. وذكر (٣) هذا الاختلافَ الدار قطنيُّ(٤) وقال: الصَّحيحُ من ذلك: قتادةُ، عن الحسنِ، عن ابن مُغفلٍ . وروى يحيى بنُ أبي كثيرٍ، عن شعبةَ، عن عبيدِ اللهِ بنِ أبي بكرِ بنٍ أنسٍ (٥)، عن أنسٍ، عن النبيِّ بَّه قال: ((يقطعُ الصَّلاةَ الكلبُ والمرأةُ والحمارُ)). خرَّجَه البزارُ (٦)، وكذا رواه أبو زيد الهَرويُّ سَعْيدُ (٧) بنُ (١) في ((المسند)) (٨٦/٤)، (٥٧/٥)، وابن ماجه (٩٥١)، وابن حبان (١٤٧/٦ - إحسان)). (٣) في ((ك))، و(ط)): ((ذكر). (٢) في ((العلل)) كما سيأتي. (٤) في ((العلل)) (٩ / ٩١ - ٩٣). (٥) وقع اسمه في ((ك))، و(ط)) هكذا: ((عبيد الله بن أبي بكر بن أبي أنس)) بزيادة أداة الكنية قبل أنس وهو خطأ انظر ((تهذيب الكمال)) (١٩ / ١٥). (٦) في ((مسنده)) (٢ / ق ١٥ - ب). (٧) وقع في جميع النسخ: ((سعد)) - بدون ياء - وضبطه في ((ق)) بفتح أوله وسكون العين، وكتب فوقه: ((صح)). ١٢٣ الحديث : ٥١٥ كتاب الصلاة الربيعِ، عن شعبةَ مرفوعًا . ورواه غندرٌ، وأبو الوليد، ومحمدُ بنُ كثير، عن شعبةَ، عن عبيد الله، عن أنسٍ موقوفًا. قال الدار قطنيُ(١): والموقوفُّ أصحُّ. وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ (٢): ثنا أبو المغيرة: ثنا صفوان: ثنا راشدُ بن سعد، عن عائشةَ قالت: قال رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((لا يقطعُ صلاةَ المسلمِ شيءٌ إلا الحمارُ والكافرُ والكلبُ والمرأةُ)) قالت عائشة: يا رسولَ الله لقد قُرِنَّا بدواب سوءٍ. هذا منقطعٌ، راشدٌ لم يَسمع من عائشةَ بغيرِ شكِّ (١٩٠ - أ/ ط) ووهمَ في ذلك؛ وإنَّما الصَّحيحُ ما رواه أصحابُ عائشةَ الحفَّاظُ أَنَّهَ ذُكرَ عندها ذلك فقالت: لقد قرنتُمونا بقرناء سوءٍ، ونحو هذا المعنى. وقد ذكرَ الميمونيُّ أنَّ أحمدَ ذكر له أنَّ الحَوضيَّ روى من طريقٍ الأسود، عن عائشةَ مرفوعًا: ((يقطعُ الصَّلاةَ المرأةُ والحمارُ والكلبُ الأسودُ)) فقال أحمدُ: غَلطَ الشَّيخُ، عندنا هذا عن رسولِ اللهِ وَ له وهي تقولُ: عَدلتمونا بالكلبِ والحمارِ - يعني: لو كان هذا عندَها عن النبيّ(٣ (١) كلام الحافظ الدارقطني لم نهتد إليه في مظانه من مسند أنس من («العلل))؛ ولكنا وجدناه بفضل الله على هامش مخطوط ((مسند البزار)) وإليك نص ما في الهامش: ((سئل الدارقطني عن حديث عبيد الله بن أبي بكر بن أنس، عن أنس، عن النبي بَّلاّ قال: ((يقطع الصلاة الكلب والمرأة والحمار)) فقال: يرويه شعبة واختلف عنه في رفعه فرفعه: أبو زيد الهروي سعيد بن الربيع عن شعبة، ووقفه غندر وأبو الوليد ومحمد بن كثير، والموقوف أصح)) ! هـ. فالحمد لله على توفيقه. (٢) ((المسند)) (٨٤/٦ - ٨٥). (٣) في ((ك))، و((ط)): ((رسول الله)). ١٢٤ ١٠٥- باب من قال: لا يقطع الصلاة شيء الحديث : ٥١٥ وَ له لما قالتْ ما قالت. وخرَّجَ أبو داودّ(١) من روايةِ سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، عن مَولى ليزيدَ ابنِ نمران، عن يزيدَ بنِ نمران قال: رأيتُ [رجلاً](٢) بتبوك مقعدًا فقال: مررتُ بينَ يدي النبيِّ وَِّ (٤٨٤ - أ/ق) وأنا على حمارٍ وهو يُصلِّي فقالَ: ((اللهمَّ اقطعْ أثرَهُ)) فما مشيتُ عليها بعد. [وفي رواية له](٢) فقال: ((قطعَ صلاتَنَا قطعَ اللهُ أثرهُ). وفي إسناده جهالةٌ (٣). فالقائلون بأنَّ الصَّلاةَ يقطعُها الكلبُ والحمارُ والمرأةُ تعلّقوا بظواهرِ هذه الأحاديث. وأمَّا من قالَ: لا يقطعُ الصَّلاةَ غيرُ الكلبِ الأسودِ - كما قالَه أحمدُ في ظاهرِ مذهبِه وإسحاقُ - فقالوا (٤): المرأةُ والحمارُ قد تعارضتْ فيهما الأحاديثُ؛ فحديثُ عائشةَ دلَّ على عدم قطع الصَّلاة بالمرأة، وحديثُ ابنِ عبَّاسٍ دلَّ على أن الحمارَ لا يقطعُ الصَّلاةَ، وبقي الكلبُ الأسود لا معارضَ له فيُؤْخذُ به وهذا هو جادةُ مذهبِ أحمدَ وأصحابِهِ وما قالوه في ذلك، ولهم في ذلك مسلكان(٥) آخران: أحدُهما: أَنَّ حديثَ عائشةَ لا يعارضُ حديثَ أبي ذرٍّ؛ فإنَّ حديثَ (١) (٧٠٥)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١ / ٢٨٣ - ٢٨٤). (٢) ما بين المعقوفين سقط من (ك))، و(ط). (٣) سبق هذا الحديث في (ص: ١٠٠). (٤) نقل ذلك البغوي في ((شرح السنة)) (٢ / ٤٦٣). (٥) فى ((ك١)): ((مسلكا» كذا. ١٢٥ الحديث : ٥١٥ كتاب الصلاة عائشةَ في (١٥٢ - ب / ك١) وقوفِ المرأةِ بين يدي المصلِّي وأَنَّه لا تبطلُ صلاتُه، وحديثُ أبي ذرٍّ في مرورِ المرأة وأنَّه مبطلٌ(١) الصَّلاة، فيعمل بكلا الحديثينِ فتبطلُ الصَّلاةُ بمرور هذه الثلاثةِ دونَ وقوفها في قبلةِ المصلِّي. وهو روايةٌ عن أحمدَ. وهذا يتوجَّهُ على إحدى الروايتينِ عن أحمدَ في إبطالِ الصَّلاةِ بمرورٍ الثَّلاثة المذكورة في حديث أبي ذرٍّ، وقد رجَّحَها بعضُ أصحابِنَا المتأخِّرِينَ، وقد تقدم قولُ عائشةً(٢) ((فأكره أن أُسَنِّحَهُ)) أي(٣): أعترضُ بين يديه مارَّةً، فدلَّ على أن مرورَها بين يديه مما يكره ويُتَّقى بخلافِ (١٩٠ - ب/ ك١) نومِهَا معترضةً. ورَوَى الإِمامُ أحمدُ(٤): ثنا محمدُ بنُ جعفر: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن الأسود، عن عائشةَ قالت: كنتُ أكونُ بينَ يدي رسول اللهِ وَخلَّ وهو يصلّي، فإذا أردتُ أن أقومَ كرهتُ أن أمرَّ بين يديه فأنسلَّ انسلالا . ويدلُّ على أنَّه يفرَّقُ بينَ المرورِ والوقوفِ: أن المصلِّيَ مأمورٌ بدفعِ المارِّ ولو كان حيوانًا، وقد وردت السُّنةُ بالصَّلاةِ إلى الحيوان الباركِ والمرأة النَّائمة، فدلَّ على الفرق بين الأمرين، وقد استدلَّ الإمامُ أحمدُ بهذا على التفريقِ بينَ المرورِ والوقوفِ . والثَّاني: أن يُحْمَلَ حديثُ عائشةَ على (٤٨٤ - ب / ق) صلاة النَّفل (١) في ((ك))، و((ط)): ((يبطل)). (٢) (الفتح: ٥٠٨). (٣) في ((ك))، و(ط)): ((أني)). (٤) لم نجده في ((المسند)) بهذا اللفظ، و بمعناه في (٦ / ٢٦٦ - ٢٦٧). ١٢٦ ١٠٥ - باب من قال: لا يقطع الصلاة شيء الحديث : ٥١٥ فلا تقطعُها المرأةُ، وحديثُ أبي ذرٍّ على الفريضةِ . وهذا مسلكٌ آخر لأصحابِنا، وقد حكوا روايةً عن أحمدَ بالفرقِ بين الفريضةِ والنَّافلةِ(١) في قطعِ الصَّلاةِ بمرورِ الثلاثة. ومما استدلَّ به أحمدُ على الفرقِ بين الفريضةِ والنَّافِلةِ أنَّ النبيَّ ◌َّ كان إذا أرادَ أن يُوترَ أيقظَ عائشةَ ولم يوتر وهي معترضةٌ بين يديه. وفي روايةٍ خرَّجَها أبو داود (٢) من حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن عائشةَ أَنَّ النبيّ وَّه كان إذا أرادَ أن يوترَ قال لها: ((تنحي)). وبهذه الروايةِ احتجَّ أحمدُ في هذه المسألةِ. وخرَّجَ الجوزجانيُّ من روايةٍ موسى بنِ أيوبَ الغافقي أن عمَّه إياسَ ابنَ عامرِ حدَّثْه أَنَّه سمعَ عليَّ بن أبي طالبٍ يقول: كان رسولُ اللهِ وَه إذا أرادَ أن يوترَ أمرها - يعني عائشةَ - أن تتنحَّى عنه وقال: ((إنَّها صلاةٌ و ف ازددتموها)». فإذا فرق بين النَّفْلِ المطلقِ والوترِ في الصَّلاةِ إلى المرأةِ فالفريضةُ أولی. وقد سلكَ بعضُهم مسلكًا آخرَ وهو نسخُ القطعِ(٣) بالمرأةِ والحمارِ بحديثِ عائشةَ وابنِ عبَّاسٍ؛ لأنَّ حديثَ ابنِ عبَّاسٍ كان في حجةِ الوداعِ في آخرِ عُمُرِ النبيِّ نَّهِ وَحديثُ عائشةَ يدلُّ بظاهرِهِ على استمرارِ النبيِّ وَخله على ما أخبرت به عنه إلى آخر عمره (١٩١ - أ / ط) ولو كان قد (١) في ((ك)): ((والنافل)) كذا. (٢) (٧١٤)، و((المسند)) (٦ / ١٨٢). (٣) كلمة ((القطع)) سقطت من ((ك))، و(ط)). ١٢٧ الحديث : ٥١٥ كتاب الصلاة تركَ ذلك في آخرِ عمرِهِ لما خَفِيَ عليها، وبقي الكلبُ الأسودُ لا ناسخَ له . وهذا المسلكُ فيه نظرٌ، وقد أنكره الإمامُ أحمدُ (١٥٣ - أ / ك١) في رواية حربٍ، وأنكره - أيضًا - الشَّافعيُّ في كتاب ((مختلف الحديث))(١)، وعلى هذا المسلك يتوجَّهُ القولُ بإبطال الصَّلاةِ بالكلبِ الأسودِ خاصةً. وأحمدُ كان شديدَ الورع فى دعوى النَّسخِ، فلا يطلقُه إلا عن يقين وتحقيقٍ؛ فلذلك عدلَ عن دعوى النَّسخِ هنا إلى دعوى تعارضِ الأخبارِ والأخذ بأصحِّها إسنادًا؛ فأخذَ بحديث عائشةَ في المرأةِ، وبحديثٍ (٢) ابنِ عبّاسٍ في الحمارِ فبقي الكلبُ الأسودُ من غيرِ معارضٍ. وهذا إنما يتوجّهُ على القولِ بالفرقِ بين الوقوفِ والمرورِ كما هو إحدى الروايتين عن أحمدَ. فأمَّا (٤٨٥ - أ/ ق) على الرواية الثَّانيةِ عنه بالتَّسويةِ بينهما فلا تعارضَ بينَ حديث عائشةَ وحديث أبي ذرٍّ في المرأة؛ وإنَّما التَّعارضُ بينَ حديث ابنِ عبّاسٍ في مرورِ الحمارِ وبينَ حديث أبي ذرٍّ. فمقتضى ذلك - حينئذ - أن تبطلَ الصَّلاةُ بمرورِ الكلبِ والمرأةِ دون الحمار. ولا يُعْرَفُ هذا عن أحمدَ. وعلى روايةِ التَّفريقِ بينَ الفرضِ والنَّفْلِ فلا تعارضَ بين حديث عائشةً (١) انظر (٨ / ٥١٢ - المطبوع بآخر ((الأم))). (٢) في ((ق)): ((وحديث)). ١٢٨ ١٠٥ - باب من قال: لا يقطع الصلاة شيء الحديث : ٥١٥ وأبي ذرٍّ في حقِّ المرأةِ وإن قلنا: إِنَّ الوقوفَ كالمرورِ. وأمَّا إن فرَّقْنَا بينهما انتفى التعارضُ - حينئذٍ - من وجهينٍ، وتبقى المعارضةُ بين حديث أبي ذرٍّ وحديثِ ابنِ عبَّاسِ [في مرورِ الحمار؛ فإنّ حديثَ ابنِ عبَّاسٍ](١) في الفرضِ وحديثَ أبي ذرِّ [عامٌ)(١) في الفرضِ والنَّفْلِ، فيخرجُ من هذا أن يقالَ: حديثُ أبي ذرِّ عامٌّ في الفرضِ والنَّفْلِّ في مرورِ الثَّلاثةِ خُصَّ من عمومِه النَّلُ بمرورِ المرأة إن سوَّيْنَا بينه وبين الوقوفِ، وإن فرَّقْنَا بينهما فالوقوفُ غيرُ داخلٍ في لفظِ حديث أبي ذرّ ولا في معناه. فأمَّا الحمارُ فقد عارضَه حديثُ ابنِ عباسٍ وهو في الفرضِ وهو أصح من حديث أبي ذرٍّ. ولكن يلزمُ من العملِ بحديثِ ابنِ عبَّاسٍ وتركِ حديث أبي ذرٍّ في الفرض إبطالُ حكمٍ مرورِ الحمارِ جملةً وذلك نسخٌ ويُخصّ - أيضًا - من عمومٍ حديث أبي ذرٍ في الكلبِ النَّفْلُ بالقياسِ على المرأةِ. فيقتضي هذا التقريرُ أن يقالَ: إنَّ مرورَ الكلب والمرأة يُبطِلُ الصَّلاةَ المفروضةَ دونَ النَّافلةِ ومرورَ الحمارِ لا يُبطلُ شيئًا. وهذا - أيضًا - قولٌ غريبٌ لا يُعرفُ عن أحمدَ ولا غيره (١٩١ - ب /ط) وإنَّما حَكَى القاضي أبو يعلى روايةً عن أحمدَ أَنَّ هذه الثَّلاثةَ يُبطلُ مرورُها الفرضَ دونَ النَّفْلِ، وأخذه ممَّا رواه بكرُ بنُ محمدٍ، وغيرُهُ، عن أحمدَ: ((يقطعُ الصَّلاةَ الكلبُ والمرأةُ والحمارُ))، فذكر حديثَ عائشةَ (١) ما بين المعقوفين سقط من ((ك)). ١٢٩ الحديث : ٥١٥ كتاب الصلاة فقال: هو عندي في المارِّ بينَ يدي المصلِّي(١)، فإذا كانتْ بين يديه(١) كان أسهلَ. وهذا في التَّطوعِ. 93 فأمَّا الفرضُ فهو آكدُ؛ أليسَ النبيّ حين أرادَ أن يوتر قال: صل الله وسلم (تنحي))؟(٢). قال: هذا إنَّما يدلُّ على تفريقِ أحمدَ بينَ الفرضِ والتَّطوعِ في استقبال المرأة في الصَّلاةِ دونَ مرورِهَا، أما في المرورِ فلم يفرِّقْ، وإنما فرَّقَ في الصَّلاةِ إلى المرأةِ النَّائمةِ (١٥٣ - ب/ك١) ونحوها بينَ الفرضِ والنَّفْلِ فجوَّزَهُ (٤٨٥ - ب/ ق) في النَّفْل وكَرِهَه في الفرضِ، وفرَّق بينَ المرورِ والوقوفِ في إبطالِ الصَّلاةِ بالمرورِ دونَ الوقوفِ فما يُبطِلُ الصَّلاةَ وهو المرورُ لم يفرق فيه بينَ فرضٍ ونفلٍ، إنَّما فرقَ بينهما فيما يُكْرَهُ في الصَّلاةِ وهو الصَّلاةُ إلى المرأةِ فَكَرِهَه في الفرضِ دونَ النفل. هذا هو الذي دلَّ عليه كلامُ أحمدَ هذا، واللهُ أعلمُ. وظاهرُ قول عائشةَ رضي اللهُ عنها ((عدلتمونا بالحمرِ والكلابِ)) واستدلالِهَا بصلاة النبيِّ وَّ إليها يدلُّ على أنَّها رأتْ أَنَّ المرورَ والوقوفَ سواءٌ، وإلا فلو كانَ الحكمُ عندها مختصًا بالمرورِ لم يكن لها في حديثها دليلٌ. ومتى قيل: إنَّ حديثَ ابنِ عبّاسٍ في مرورِه بالحمارِ بين يدي بعض الصفِّ لم يكن مرورًا بين يدي النبيِّ وَّةِ؛ بل كانت سترتُه محفوظةً فلا ے (١) هنا بياض في ((ق)) قدر كلمة، وكتب فوقه: ((صح))، وكأنه يشير إلى عدم وجود سقط. (٢) أخرجه أحمد في ((المسند)) (٦ / ١٨٢)، وأبو داود في ((السنن)) (٧١٤). ١٣٠ ١٠٥ - باب من قال: لا يقطع الصلاة شيء الحديث : ٥١٥ دليلَ في حديثه هذا على أنَّ مرورَ الحمارِ لا يقطعُ الصَّلاةَ. وإن انضمّ إلى ذلك التَّفريقُ بين مرورِ المرأةِ ووقوفِهَا وجلوسِهَا ونومِهَا لم يَبْقَ في حديثها دليلٌ على أنَّ المرأةَ لا يقطعُ مرورُها الصَّلاةَ(١) فيسلمُ حينئذ حديثُ أبي ذرٍّ وما أشبهَه من مُعَارضِ في الكلبِ والمرأةِ والحمارِ . وأمَّا جمهورُ أهلِ العلمِ الذين لم يروا قطعَ الصَّلاةِ وبطلانَها بمرورٍ شيءٍ بينَ يدي المصلِّي فاختلفتْ(٢) مسالكُهم في هذه الأحاديثِ المرويةِ في قطع الصّلاة . فمنهم من تكلّم فيها من جهةٍ أسانيدها . وهذه تشبهُ طريقةَ البخاريِّ، فإنَّه لم يخرِّجْ منها شيئًا وليسَ شيءٍ منها على شرطه (١٩٢ - أ / ط) كما سبق بيانُه . ومنهم من ادَّعى نسخَها بحديث مرورِ الحمارِ وهو في حجة الوداعِ وهي في آخرِ عمرِ النبيِّ وَّةِ، وإذا نُسِخَ منها شيءٌ دلَّ على نسخِ الباقي. وسلكَ هذا الطَّحاويُّ(٣) وغيرُهُ من الفقهاءِ، وفيه ضعفٌ. وقد أنكرَ الشَّافعيَّ وأحمدُ دعوى النسخ في شيءٍ من هذه الأحاديث لعدمِ العلمِ بالتّاريخِ. ومنهم من قال: حديثُ أبي ذرٍّ ونحوه قد عارضَه ما هو أصحّ منه ءُ إسنادًا كحديثِ ابنِ عبَّاسٍ وعائشةَ. وقد أعضدهما (٤) أحاديثُ أخر تشهدُ لهما، فرَوَى شعبةُ أَنَّ الحكمَ أخبرَهَ قال: سمعتُ يحيى - هو: ابن (١) ليست في ((ك١))، و((ط))، وألحقت بهامش ((ق)) وكتب فوقها ((لعله)). (٢) في ((ك)): ((فاختلف)». (٣) في ((شرح معاني الآثار)) (١ / ٤٥٩ - ٤٦٠). (٤) في ((ك١))، و(ط)): ((عضدها)). ١٣١ الحديث : ٥١٥ كتاب الصلاة الجزار - يُحدِّثُ، عن صهيبٍ قال: سمعتُ ابنَ عبَّاسٍ يحدِّثُ أَنَّه مرَّ بين يدي رسولِ اللهِ وَ لّ هو وغلامٌ من بني هاشم على حمارِ بين يدي رسول اللهِ وَّ وهو يصلِّي فنزلوا ودخلوا معه فصَلَّوا، فلم ينصرفْ، فجاءتَ جاريتان تسعيان من (٤٨٦ - أ/ ق) بني عبد المطلبِ فأخذتا بركبتيه ففرعَ بينهما ولم ينصرف. خرَّجَه الإمامُ أحمدُ، والنَّسائيُّ(١) وهذا لفظُه، وقد سبق ذكرُ إسناده. وخرَّجَ النَّسائيُّ - أيضًا (٢) - من روايةِ ابنِ جريجٍ: أخبرني محمدُ بنُ عمرَ بنِ عليٍّ (١٥٤ - أ/ ك١) عن عبَّاسِ بنِ عبيدِ (٣) اللهِ بنِ عباسٍ، عن الفضلِ بنِ عِبَّاسِ بنِ عبدِ المطلبِ قال: زَارَ رَسولُ اللهِ وَلَه عَبَّاسًا في باديةِ لنا ولنا كلَيبةٌ وحَمَارَةٌ ترَعَى، فصَلَّى النبيُّنَّهِ العصرَ وهما بين يديه فلم يُزْجَرا ولم يُؤخَّرا. وخرَّجَه الإمامُ أحمدُ، وأبو داود(٤)، ولفظُه: أتانا رسولُ اللهِ وَّة. ونحن في بادية لنا ومعه عباسٌ فصلَّى في صحراءَ ليس بينَ يديه سترةٌ، وحمارةٌ لنا وكلَيبةٌ يعبثان أو يَعيثانِ بين يديه فما بَالى(٥) ذاك. ومحمدُ بن عمرَ بنِ عِلِي بنِ أبي طالبٍ وَثَّفَهِ الدارقطنيُّ وغيرُه. وعباس بنُ عبيد الله بنِ عبَّاسٍ روى عنه أيوبُ السَّختيانيّ مع جلالتِهِ وانتقاده للرجال حَتَّى قالَ أحمدُ: لا تسألْ عمن روى عنه أيوب. وذكره و ابن حبان في ((الثقات)). (٢) (٢ / ٦٥). (١) في ((المسند (١ / ٣٤١)، والنسائي (٢ /٦٥). (٣) وقع في جميع النسخ: ((عبد الله)) كذا مكبرًا، والصواب فيه بالتصغير ((عبيد الله)) كما سيأتي على الصواب بعد قليل، وانظر ((تهذيب الكمال)) (١٤ / ٢٣٠ - ٢٣١). (٤) في ((المسند)) (١ / ٢١١)، وأبو داود (٧١٦)، وانظر ((الأوسط)) (٥ / ١٠٦) لابن المنذر، وقال الخطابي في ((معالم السنن)) (١ / ١٩٠): ((وأما حديث الفضل بن عباس ففي إسناده مقال، .. )) إلخ. (٥) في جميع النسخ: ((بالا)). ١٣٢ ١٠٥- باب من قال: لا يقطع الصلاة شيء الحديث : ٥١٥ وقد اختلفَ قولُ أحمدَ في هذا. فمرة قال: حديثُ أبي ذرٍّ يخالفُه، ولم يعتدَّ به. نقلَه عنه عليّ بن سعيد . ے ومرةً عارضَ به حديثَ أبي ذرٍّ وقدَّمَه عليه. نقلَه عنه الحسنُ بنُ ثواب . لكن ليسَ في (١٩٢ - ب/ط) هذا الحديث أَنَّ الكلبَ كان أسودَ فلذلك لم يردَّ به حديثَ أبي ذرٍّ في الكلبِ الأسودِ ولم يجعلْهُ مُعارِضًا له. ورَوَى أسامةُ بنُ زيدٍ، عن محمدِ بنِ قيسٍ - قاص عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ -، عن أبيه(١)، عن أمَّ سلمةَ قالت: كان رسولُ اللهِ وَله يصلِّي في حجرة أمِّ سلمةً بين يديه عبدُ اللهِ أو عمرُ بنُ أبي سلمةَ فقال بيدِه فرجعَ، فمرَّتْ زينبُ بنتُ أمِّ سلمةَ فقال بيدها هكذا فمضتْ، فلمَّ صلَّى رسولُ اللهِ وَلَه قال: ((هن أغلبُ؟)). خرَّجَهَ ابنُ ماجه(٢). وقد يُفرِّقُ مَن يقولُ ببطلان الصَّلاة بمرورِ المرأةِ بينَ الجارية التي لم تبلغٌ وبينَ البالغ ويقولُ: إذا أُطْلقتِ المرأةُ لم يُرَدْ بها إلا البالغُ، وزينبُ حينئذ كانت صغيرةً، والصَّغيرةُ لا تُسمَّى امرأةً في الحال، ولهذا قالت (١) قال البوصيري في ((مصباح الزجاجة)) (١ /٣٢١) عقب هذا الحديث: ((هذا إسناد ضعيف وقع في بعض النسخ ((عن أمه)) - بدل ((عن أبيه)) - واعتمد المزي ذلك وأخرج الحديث في ترجمة أم محمد بن قيس، عن أم سلمة، ولم يسمها، وأبوه - أيضًا - لا يُعرف والله أعلم)) . (٢) (٩٤٨)، والإمام أحمد في ((المسند)) (٦ / ٢٩٤)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١ / ٢٨٣). ١٣٣ الحديث : ٥١٥ كتاب الصلاة عائشةُ: إذا بلغت الجاريةُ تسعَ سنينَ فهي امرأةٌ. وفي دخولِ الصَّغيرةِ في مُسمَّى النِّساءِ خلافٌ ذكره الماورديُّ(١) وغيرُه من المفسِّرِينَ، فكذا ينبغي أن يكونَ في دخولها في مُسمّى المرأةِ. وقد سلكَ الشَّافعيّ في كتاب ((مختلف (٤٨٦ - ب / ق) الحديث)) (٢) هذا المسلكَ في ترجيحِ أحاديثِ الرخصةِ على أحاديثِ قطعِ الصَّلاةِ وعضَّدهما (٣) بظاهرِ القرآنِ وهو قولُه تعالى: ﴿ولا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَّ أُخْرَى﴾[ الأنعام: ١٦٤]. وسلكَ آخرونَ مسلكًا آخر، وهو أَنَّ الأحاديثَ إذا تعارضتْ نُظِرَ إلى ما عملَ به الصَّحابةُ فيرجَّحُ(٤)، وقد عمل الصَّحابةُ بأنَّ الصَّلاةَ لا يقطعُها شيءٌ. وقد رُوِيَ ذلكَ عن الخلفاءِ الراشدينَ الأربعةِ وغيرِهم، وقد سلكَ هذا أبو داودَ في ((سننه)) (٤) وهو من أَجَلِّ أصحابِ الإمامِ أحمد. وسلك آخرونَ (١٥٤ - ب / ك١) مسلكًا آخر وهو تأويلُ القطع المذكورِ في هذه الأحاديث وأَنَّه ليسَ المرادُ به إبطالَ الصَّلاةِ وإلزامَ إعادتها؛ وإنما المرادُ به القطعُ عن إكمالِها والخشوعِ فيها بالاشتغالِ بها والالتفات إليها. وهذا هو الذي قاله الشّافعيّ في روايةٍ حرملة، ورجح ءِ 93 هذا الخطابيّ والبيهقيّ، وغيرهما من العلماءِ. وقد تُعرِّضَ (٥) عليه بأنَّ المصلِّيَ قد يكونُ أعمى وقد يكونُ ذلك ليلا (١) في ((ك١)): ((الماورذي)) بالذال المعجمة . (٢) (٨ / ٥١٢ - المطبوع في آخر ((الأم))). (٣) في ((ك))، و((ط)) ((وعضدها)). (٤) هذا ما قاله أبو داود عقب حديث (٧٢٠). (٥) ((تعرض)) لغة صحيحة، راجع ((القاموس المحيط)) مادة ((عرض)). ١٣٤ ١٠٥- باب من قال: لا يقطع الصلاة شيء الحديث : ٥١٥ بحيثُ لا يشعرُ به المارُّ ولا مَن مرَّ عليه، والحديثُ يعمُّ هذه(١٩٣ - أ) الأحوالَ كلَّها. وأيضًا، فقد يكونُ غيرُ هذه الثلاثة أكثرَ إشغالا للمصلِّي كالغيلِ والزَّرافةِ والوحوشِ والخيلِ المسومةِ ولا يقطعُ الصَّلاةَ مرورُ شيءٍ من ذلك . وأقربُ من هذا التأويلِ أن يقالَ: لَّا كان المصلِّي مشتغلا بمناجاة الله وهو في غايةِ القربِ منه والخلوةِ به أمر المصلِّي بالاحترازِ من دخولٍ الشَّيطانِ في هذه الخلوةِ الخاصةِ والقربِ الخاصِّ، ولذلك(١) شُرِعَت السَّتْرةُ في الصَّلاة خشيةً من دخولِ الشَّيْطانِ وكونه وليجة في هذه الحالِ فيقطعُ بذلك مواد الأنسِ والقربِ؛ فإنَّ الشَّيطانَ رجيمٌ مطرودٌ مبعدٌ عن الحضرة الإلهية فإذا تخلّلَ في محلِّ القربِ الخاص للمصلِّي أوجبَ تخللُه بُعدًا وقطعًا لمواد الرحمةِ والقربِ والأنسِ. فلهذا المعنى - واللهُ أعلمُ - خُصَّتْ هذه الثلاثُ(٢) بالاحترازِ منها وهي المرأةُ؛ فإنَّ النِّساءَ حبائلُ الشيطان وإذا خرجت المرأةُ من بيتها استَشْرَفَها الشَّيطانُ، وإنما تَوصَّل الشَّيطانُ إلى إبعادِ آدمَ من دارِ القربِ بالنِّساءِ. والكلبُ الأسودُ شيطانٌ كما نصَّ عليه في (٣) الحديثِ وكذلك الحمارُ؛ ولهذا يُستعاذُ باللهِ عند سَماعٍ صوتِه بالليل لأنَّه يَرى الشَّيطانَ (٤٨٧ - أ/ ق) فلهذا أمر رَّله بالدنوِّ من السُّرةِ خشيةَ أن يقطعَ الشَّيطانُ عليه صلاتَه، وليسَ ذلك موجبًا لإبطال الصَّلاة وإعادتها، واللهُ أعلم، وإنما هو مقتضٍ لها كما نصَّ عليه الصَّحابةُ كعمرَ، وابن مسعودٍ كما سبق (١) في (ط)): ((وكذلك)). (٢) في ((ك))، و((ط)): ((الثلاثة)). (٣) ليست في ((ك١))، و((ط)). ١٣٥ الحديث : ٥١٥ كتاب الصلاة ذكره في مرورِ الرجلِ بين يدي المصلِّي وقد أمر النبيّ وَ لّ بدفعه وبمقاتلته وقال: ((إنَّما هو شيطانٌ) وفي رواية: ((إنَّ معه القرينَ))؛ لكنَّ النقصََ الداخلَ بمرورِ هذه الحيواناتِ التي هي بالشَّيطانِ أخصُّ أكثرُ وأكثرُ فهذا هو المرادُ بالقطعِ والإبطالِ والإلزامِ بالإعادةِ واللهُ أعلم. وقد ذكرنا - فيما سبق - حديث أبي داودً (١) في مرورِ الغلامِ بتبوك بينَ يدي النبيِّبَهِ وَنَّه قال: ((قطعَ علينا صلاتَنَا)) ودعا عليه، فهذا قطع لا يقتضي البُطلانَ. ويدلُّ على ذلك - أيضًا - أنَّ ابنَ عبَّاسٍ (١٥٥ - أ/ ك١) قد قال: يقطعُ الصَّلاةَ المرأةُ الحائضُ والكلبُ الأسودُ والحمارُ - كما سبق عنه . ورُوِيَ عنه إنكارُ بُطلانِ الصَّلاةِ بذلك. فرَوَى الحسنُ العرنِيُّ(٢) قال: ذُكِرَ عندَ ابنِ عبَّاسٍ: يقطعُ الصَّلاة (١٩٣ - ب/ ط) الكلبُ والحمارُ والمرأةُ. قال: بئسما عَدلتم بامرأة مسلمة كلبًا وحمارًا، لقد رأيتُني أقبلتُ على حمارٍ، ورسولُ اللهِ،وَلَه يُصلِّيّ بالنَّاسِ حَتَّى إذا كنتُ قريبًا منه نزلتُ عنه وخليتُ عنه ودخلتُ مع رسولِ اللهِ وَخِّ في صلاته، فما أعادَ صلاتَه ولا نهاني عما صنعتُ، ولقد كان رسولُ اللهِ وَلَهِ يُصلِّي بالنَّاسِ فجاءت وليدةٌ تُخلل الصُّفَوفَ حتى عادتْ برسول اللهِ وَّ فما أعاد رسولُ اللهِ وٍَّ ولا نهاها عما صَنَعتْ، ولقد يُصلِّي في مسجدٍ فخرجَ جَدي من بعضِ حجراتِه كانَ رسولُ اللهِ وَلَيه فذهبَ يجتازُ بينَ يديه فمنعَهُ رسولُ اللهِ وَّهَ. قال ابنُ عبَّاسٍ: أفلا (١) (٧٠٥)، وسبق في (ص: ١٠٠). (٢) هكذا على الصواب في ((ك١))، وفي ((ق))، و((ط)): ((العمري)) خطأ. وهو الحسن بن عبد الله العُرني، قال الإمام أحمد: ((لم يسمع من ابن عباس)). ((العلل ومعرفة الرجال)) لعبد الله (٣١). ١٣٦ ٠٥ ١- باب من قال: لا يقطع الصلاة شيء الحديث : ٥١٥ يقولون: الجَدي يقطعُ الصَّلاةَ؟! خرجه الإمام أحمد(١) . ومرادُ ابنِ عباسٍ أَنَّه ليس كلَّمَا أمرَ بدفعِه ومنعِه من المرور يُبطلُ الصَّلاةَ بمروره ولا يقطعُهَا بمعنى أنه يُبطلُها وإن كان قد (٤٨٧ - ب /ق) يُسمَّى قطعًا باعتبارِ أَنَّه ينقصُها(٢). ورَوَى سفيانُ، عن سماك، عن عكرمةَ قال: قِيلَ لابنِ عبَّاس: أتقطعُ(٣) الصَّلاةَ المرأةُ والحمارُ والكلبُ؟ فقال: إليه يَصَعدُ الكلمُ الطَّيِبُ والعملُ الصَّالحُ يرفعُه، فما يقطعُ هذا ولكن يكره. خرَّجَهَ البيهقيُّ(٤). وقد أشار طائفةٌ من السَّلف إلى أن الشَّيطانَ لا سبيلَ له إلى قطعِ قربِ المصلِّي ولا أن يحولَ بين المصلِّي وبين تقريب الله له واختصاصه بما سے اختصه به . قال ابنُ أبي شيبةً(٥): ثنا ابنُ نميرٍ: ثنا حنظلةُ، عن القاسمِ قال: لا يقطعُ الصَّلاةَ شيءٌ، اللهُ أقربُ من كلِّ شيءٍ. وقال الحكيمُ التِّرمذيُّ في ((تفسيرِه)): ثنا مؤملُ بنُ هشامِ اليشكريُّ: ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، عن ابنِ عونٍ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ قال: لا يقطعُ الصَّلاةَ شيءٌ، فإن اللهَ دونَ كلِّ شيءٍ إلى العبدِ. قال الحكيمُ: يعني أدنى إليه من كلِّ شيءٍ كما (٢) في ((ك١)): ((ينقضها)) بالضاد المعجمة. (١) في ((المسند)) (١ / ٢٤٧). (٣) في ((ك))، و((ط)): (أيقطع)). (٤) في ((السنن الكبرى))(٢٧٩/٢)، وعبد الرزاق في ((المصنف)) (٢ /٢٩). (٥) في ((المصنف)) (١ / ٢٨٠ - ٢٨١). ١٣٧ الحديث : ٥١٥ كتاب الصلاة قال تعالى ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ﴾. [ق: ١٦]. وحينئذ - فيتوجَّهُ أن يقالَ: إن كان المصلِّي وُجِدَ منه تفريطٌ في حصول مرورِ الشَّيطانِ بين يديه إما بصلاتِهِ في موضعٍ تجتازُ فيه المرأةُ والحمارُ والكلبُ من غيرِ سترةٍ أو مَرَّ ذلك وفَرَّطَ في دفعه وردِّه فإنه يَنْقُصُ (١٩٤ - أ/ ط) أجرُ صلاته، وربَّما يقالُ: إنه (١) يستحبُّ إعادتُها كما أعاد ابنُ عمرَ صلاتَه من مرورِ جروِ الكلبِ وكذلك الحكمُ الغفاريّ .93 أعادَ من مرورِ حمارٍ. وأما إن لم يَحْصُلْ منه تفريطٌ في ذلك بالكلية فإنَّه لا يُنقصُ صلاتَه كمَن صلَّى بين يديه رجلٌ فدفعه ولم يندفعْ فإنَّه لا (١٥٥ - ب/ ك١) تبطلُ صلاتُه؛ بل(٢) ولا تنقصُ مع إخبارِ النبيِّمَّهِ أن المارَّ بين يديه شيطانٌ، وهو بمنزلةٍ من صلَّى وهو يدافعُ وساوسَ الشَّيطان فإنَّه لا يضرَّه ذلك ولا يكون به (٣) مُحَدِّثًا لنفسه في صلاته وإنما يكون مُحَدًِّا لنفسه إذا استرسلَ مع وسَاوسِهِ وخواطِرِهِ. وقد ألحقَ طائفةٌ من أصحابِنَا بمرورِ الكلبِ والمرأةِ والحمارِ(٤) مُرُورَ الشَّيطان حقيقةً، وقالوا: إنَّ حكمَ مرورِه حكمُ مرورِ الكلبِ، وقد صحّ عن النبيِّ وَِّ أَنَّه قالَ: ((إِنَّ الشَّيطانَ تفلَّتَ عليَّ البارحةَ ليقطعَ عليّ صلاتي فأمكنني اللهُ منه))، وقد خرَّجَه البخاريّ(٥) - فيما سبق - في باب (ربط الأسيرِ ونحوه في المسجد))، والظَّاهرُ أَنَّه (٤٨٨ - أ / ق) وَلِ أرادَ يقطعُ صلاتَه ما ذكرناه. (١) لفظة ((إنه)) سقطت من ((ك١)، و((ط)). (٣) ليست في ((ك١)). (٢) ليست في ((ك١))، و(ط)). (٤) في ((ك))، و((ط)): ((والحمار والمرأة)). (٥) (الفتح: ٤٦١) وكلمة ((البخاري)) ليست في (١٥)، و((ط)). ١٣٨ ١٠٥- باب من قال: لا يقطع الصلاة شيء الحديث : ٥١٥ وقد خرَّجَ البخاريُّ حديثَ عائشةً(١) قالت: سألتُ النبيَّ وَ لَّ عن الالتفات في الصّلاة؟ فقال: ((هو اختلاسٌ يختلسُهُ الشَّيطانُ من صلاة العبد)». وفي حديث أبي ذرٍّ، عن النبي ◌َّ: ((لا يزالُ اللهُ مقبلا على العبد وهو مقبلٌ عليه في صلاته ما لم يلتفتْ، فإذا التفتَ انصرفَ عنه)). خرَّجَه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، وابنُ خزيمةً في ((صحيحه)(٢) وفي حديثِ الحارثِ الأشعريِّ، عن النبيِّ نَّهِ: ((إنَّ اللهَ أمرَ يحيى ابنَ زكريا بخمسٍ كلماتٍ أن يعملَ بهنَّ وأن يأمرَ بني إسرائيلَ أن يعملوا بهنّ)، فذكر الحديثَ وفيه: ((وآمَرُكُم بالصَّلاة فإنَّ اللهَ ينصبُ وجهَه لوجه عبده ما لم يلتفتْ، فإذا صلَّيتم فلا تَلْتَفتوا)). خرَّجَه الإمامُ أحمدُ، والتِّرمذيُّ وصحَّحه(٣). والالتفاتُ - أيضًا - مما يَسرقُهُ الشَّيطانُ من صلاة العبد فتنقص به صلاتُه، وقد رُويَ ((لا صلاةَ لملتفت))(٤) وإنما أريدَ نفي كمالِها وتمامِها؛ - (١) (الفتح: ٧٥١)، ومن هنا إلى نهاية الحديث: ((إن الله أمر يحيى بن زكريا ... )) إلخ موجود بتمامه في كتاب ((الذل والانكسار العزيز الجبار)) (ص / ٦١-٦٢) للمصنف بتحقيق وتعليق الشيخ الفاضل: محمد عمرو بن عبد اللطيف، والشيخ / حسين بن إسماعيل الجمل - فجزاهما الله خيرًا . (٢) في ((المسند)» (١٧٢/٥)، وأبو داود (٩٠٩)، والنسائي (٨/٣)، وابن خزيمة (٢٤٤/١). (٣) («المسند» (٤/ ١٣٠)، والترمذي (٢٨٦٣). (٤) أعله الإمام البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٣٠٣/٤)؛ وقال الدارقطني: ((الحديث مضطرب لا يثبت)) ا. هـ. ((العلل)) (٢١٠/٦-٢١١). ١٣٩ الحديث : ٥١٥ كتاب الصلاة فإِنَّه يوجبُ إعراضَ اللهِ عن عبدِه في تلك الحالِ . وكذلك تنخُّم المصلي أَمَامَه في صلاته يوجبُ إعراضَ اللهِ عن عبده المصلِّي في حالٍ تقريبه له وخلوته بمناجاته. فالشَّيطانُ يحملُ المصلِّي على هذا كلِّه ليقطعَ عليه صلاتَه بمعنى أنَّه ينقصُ عليه كمالَها وفوائدَها وثمراتها من خشوعِهَا وحضورِها وما يتنعم به المصلِّي وتقرُّ به عَينُه من ذكر (١٩٤ - ب / ط) الله فيها ومناجاته بتلاوة كتابه، وكذلك ما يَقذفُه الشَّيطانُ في قلبِ المصلِّي من الوسواسِ ويذكِّرُهُ به حتَّى يُنسيَه كم صلَّى؟ وقد أمرَ المصلِّي حينئذٍ بأن يسجدَ سجدتين فتكونا تَرغيمتين(١) للشَّيطان، ولا تَبطلُ الصَّلاةُ ولا يجبُ إعادتها بشيءٍ من ذلك كلِّه، واللهُ أعلمُ (٢) . (١) في ((ك))، و((ط)): ((مرغمتين)). (٢) يوجد حاشية هنا في النسخ الثلاث وزيدَ في ((ق)) أنها بخط المصنف وهي: ((مرور المرأة بين يدي المرأة في الصلاة لا يقطع صلاتها عند ابن حزم، واستدل بحديث ((خير صفوف النساء آخرها)) ولا حجة فيه، لأن سترة الإمام تكفي)) ١٤٠