Indexed OCR Text

Pages 81-100

١٠٠ - باب يرد المصلي من مر بين يديه
الحديث : ٥٠٩
وقد قالَ بعضُ الشَّافعية والمالكية وبعضُ أصحابنا: لا يُكْرَهُ المرورُ
حينئذٍ ولا يُمْنِعُ منه. قال أصحابنا: لكن يضع المارُّ شيئًا يَمرُّ من ورائِهِ أو
يَخُطُّ خَطا إذا لم يجد.
وكلامُ أحمدَ وأكثرِ أصحابنا ليسَ فيه شيءٌ من هذا: وكذا كلامُ أكثر
أصحابِ الشَّافعيِّ.
والرجوعُ إلى ما فهمه الصَّحابيُّ من الحديثِ الذي رَوَاه وعَمِلَ به
مستدلا به أَوْلَى، وقولُ النبيِّ وَله: «إذا كان أحدكم يصلِّي فلا يدعْ أحدًا
يمرُّ بين يديه وليدرأْهُ ما استطاع)) أَمَرٌ بدفع المارِّ ونَهيٌ عن تمكينه من
المرور، وظاهرُه الوجوب. وقد وقع في كلام ابنِ عبدِ البرّ(١) ما يقتضيه
وأَنَّه لا يَعلمُ فيه خلافًا، ووقع في كلامه - أيضًا - ما يقتضي أنَّه على(٢)
الندب دونَ الوجوب (١٤٤ - أ/ ك١)، وهو قولُ كثير من أصحابنا
والشَّافعية وغيرهم.
ورُويَ عن سفيانَ الثوريِّ أَنَّه كان أحيانًا لا يمنع (٤٧٤ - أ/ق) المارَّ بين
يديه إذا كان فقيرًاً ويمنعه إذا كان جَبَّارًا(٣). وروى أبو نعيم: ثنا سفيانُ، عن
داودَ، عن الشعبيِّ قال : إذا مرَّ الرجلُ بين يديك وأنت تُصلِّي فلا
ترده(٤). ولعلَّه أرادَ إذا مرَّ(٥) وذهبَ من بين يديه إلى النَّاحية الأخرى فإنَّه
لا يردّه من حيثُ جاء فإنَّه يصيرُ مرورًا ثانيًا. وهذا قولُ الجمهورِ،
وخالفَ فيه بعضُ السَّلْفِ منهم: ابنُ مسعودٍ، وسالم (٦).
(١) ((التمهيد)) (١٨٨/٤).
(٣) راجع ((التمهيد)» (١٨٩/٤).
(٥) ليست في ((ك))، و((ط)).
(٢) في ((ك)، و(ط)): ((على أنه)).
(٤) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٢٥/٢).
(٦) انظر ((الأوسط)) لابن المنذر (٩٥/٥، ٩٦).
٨١

الحديث : ٥٠٩
كتاب الصلاة
وفي كلامِ بعضِ المالكيةِ ما يقتضي وجوبَ الدفعِ إذا كان للمارِّ (١)
مندوحةٌ عنه وكان المصلِّي قد تعرضَ لذلك في ابتداء (١٨٠ - أ/ ط)
صلاته. وسيأتي مزيدُ بيانٍ لذلك في الباب الآتي إن شاءَ اللهُ تعالى(٢).
وفي روايةٍ سليمانَ بنِ المغيرةِ المخرجةِ في ((الصَّحيحين)): (٣) ((إذا كان
أحدُكم يصلّي إلى شيءٍ يسترُهُ من النَّاسِ فأرادَ أحدٌ أن يمرَّ بينَ يديه
فليدفعْهُ)) دليلٌ من قبلِ مفهوم الشَّرطِ على أَنَّ من صَلَّى إلى غيرِ سترةٍ فلا
يَرَدُّ مَن مَرَّ بينَ يديه، وهو قولُ ابنِ المنذرِ (٤) وبعضِ أصحابنا.
وأمَّا أكثر أصحابِنَا فعندهم أَنَّ ردَّ المصلِّي لا يختصُّ بمن كان يصلِّي
إلى سترة؛ [ بل يشتركُ فيه مَن صلَّى إلى سترةٍ ومَنْ صلَّى إلى غير
سترةٍ](٥) ومَرَّ بقربه مارٌّ،
واستدلوا بعمومٍ الأحاديثِ التي لم يُذكرْ فيها هذا الشَّرطُ، وجعلوا
هذه(٦) الروايةَ المذكورةَ فيها الشرطُ من بابِ تخصيص بعضِ أفرادِ العُموم
بِالذكرِ فلا يقتضي تخصيصَه إلا أن يكونَ له مفهومٌ فيبنى (٧) على أنه هل
يُخصّ العمومُ بالمفهوم أم لا؟
وأمَّا الشَّافعيةُ فقالوا: يحرمُ المرورُ بينَ يدي المصلِّي إلى سترةٍ وبينَ
سترتِه علي الصّحيح عندهم. ومن صَلَّى إلى غيرِ سترةٍ كُرِّهَ المرورُ بين
يديه ولم يَحْرُمَ، وهل(٨) يدفعه المصلِّي؟ فيه لهم وجهان؛ أصحهما
(٢) ليست في ((ق)).
(١) في ((ك١)): ((لمار)) كذا بلام واحدة.
(٣) البخاري (الفتح: ٥٠٩)، ومسلم (٢٥٩/٥٠٥).
(٤) في ((الأوسط)) (٩٥/٥).
(٦) ليست في ((ق)).
(٨) في ((ك)): ((وهو)) خطأ.
(٥) ما بين المعقوفين سقط من ((ك١)).
(٧) في ((ك))، و((ط)): ((فينبني)).
٨٢

١٠٠ - باب يرد المصلي من مر بين يديه
الحديث : ٥٠٩
عندهم: لا يدفعُه؛ لمفهومٍ قولِهِ: ((إذا كانَ أحدُكم يُصلِّي إلى سترةٍ)) وقولِه
نَّهُ: «فليدْفَعْه)) وفي رواية مسلمٍ (١): ((فليدفع في نحرِه)) وفي روايته:
أن أبا سعيدِ دفعَ في نحرِ المارِّ بينَ يديه، وفي رواية البخاريِّ: أَنَّه دفعَ في
صدره .
وقد كان ابنُ عمرَ وغيرُهُ من الصَّحابة يدفعونَ المارَّ بينَ أيديهم.
ونقلَ أبو طالبٍ، عن أحمدَ - وذكر حديثَ أبي سعيد هذا - فقال
أحمدُ: يمنعُه، فإن أبى عليه فهو في صلاتِه يَدْرأُ عن نفسِه ما استطاعَ.
وقال إسحاقُ (٤٧٤ - ب/ ق) بنُ إبراهيمَ بنِ هانئٍ(٢) : رأيتُ أبا عبدِ الله -
يعني: أحمد - إذا صلَّى فمرَّ بينَ يديه أحدٌ دفعه دفعًا رفيقًا، فإن أبى
[إلا](٣) أن يمرُّ(٤) دفعَه دفعًا شديدًا.
وقال أبو الحارث: أخبرني بعضُ أصحابِنَا أَنَّه رأى أحمدَ يومَ الجمعة
يُصلِّي في مسجد الجامعِ فمرَّ بين يديه رجلٌ فردَّه فأبى أن يرجعَ فدفعه
حتی رمی به.
وقال في روايةِ حنبلٍ: إذا أرادَ أن يمرَّ بين يديك رجلٌ فامنعْهُ ما
قدرت .
وقد دلَّ فعلُ أبي سعيد (١٤٤ - ب/ ك١) على أَنَّ المارَّ إذا أبى أن
يرجع بالدفعِ الأولِ (١٨٠ - ب/ط) فإنَّه يُدْفَعُ في (٥) المرة (٦) الثّانية أشدَّ من
(١) (٢٥٩/٥٠٥).
(٢) في ((مسائله)) (٦٦/١).
(٣) ليست في جميع النسخ والمعنى لا يستقيم بدونها، واستدركناها من ((مسائل)) ابن هانئ.
(٤) في ((ك)): ((يرد)).
(٦) في ((ق)): ((المراة)) خطأ.
(٥) ليست في ((ك١).
٨٣

الحديث : ٥٠٩
كتاب الصلاة
الدفعِ الأولِ، وكذلك فعلَه الإمامُ أحمدُ.
وأما قولُه «فإن أبى فليقاتلْهُ)): إذنٌ في قتالِهِ في المرة الثّانيةِ. وفي
روايةِ ابنِ عمرَ أَنَّ القتالَ في الرابعةِ؛ لكن في إسنادِها ضعفٌ كما سبق.
وقالَ أصحابُ الشَّافعيِّ: يدفعُهُ دفعَ الصَّائِلِ بالأسهل فالأسهلِ ويزيدُ
13
بحسب الحاجة وإن أدّى إلى قتله فماتَ منه(١) فلا ضمان فيه كالصائل.
وحَكَى القاضي أبو يعلى ومن تابعه من أصحابِنَا عن أحمدَ في قتاله
روايتين :
إحداهما(٢): يقاتلُه، وذكروا نصوصَ أحمد السابقة.
والثّانية: لا يفعلُ؛ فَإنَّه قال في روايةِ إسماعيلَ بنِ سعيدِ الشَّالِنْجِيّ(٣):
يَدرأُ ما استطاعَ وأكره القتالَ في الصَّلاةِ. ذكره عنه الجوزجانيّ في كتابه
((المترجم)) وخالفَ في ذلك وقال: بل يقاتلُه للأمرِ بقتاله؛ فإنَّه شيطانٌ لا
حُرمةَ لَهُ.
وقال ابنُ عبدِ البرِّ في (التمهيد)) (٤) في قولِهِ (فليقاتلْه)): المرادُ بالمقاتلة
المدافعةُ، وأظنُّه كلامًا خرج على التغليظِ، ولكلَّ شيءٍ حَدٌّ. قال:
وأجمعوا على أَنَّه لا يقاتلُه بسيف ولا بخاطفةٍ ولا يبلغ معه(٥) مبلغًا
تفسد به صلاته، وحُكِيَ عن أشهبَ أَنَّه قال: يردُّه بإشارة ولا يمشِ إليه؛
لأنَّ مشيَه إليه أشدَّ من مُرورِه بين يديه، فإن فعلَ لم تبطلْ صلاتُه إذا لم
(٢) في ((ك))، و(ط)): ((أحديهما)).
(١) من ((ق)).
(٣) انظر ترجمته في ((طبقات الحنابلة)) (١٠٤/١ - ١٠٥).
(٤) (١٨٩/٤).
(٥) في «ك١))، و((ط)): ((به))، وفي المطبوع من ((التمهيد)): ((منه)).
٨٤

١٠٠ - باب يرد المصلي من مر بين يديه
الحديث : ٥٠٩
يكن عملا كثيرًا.
قال ابنُ عبد البرِّ: (١) وقد بلغني أَنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ في أكبر ظني
ضَمَّنَ رجلا دَفَع آخر مرَّ بينَ يديه [وهو يُصلِّي فكسرَ أنفَه ديةَ ما جَنَى
على أنفهِ، فدلَّ على أنَّه لم يكنْ له أن يبلغَ به ذلك. وقد كان الثَّوريُّ
يدفعُ المارَّ بين يديه] (٢) دفعًا عنيفًا (٤٧٥ - أ/ق).
وذكر القاضي أبو يعلى من أصحابنَا أنَّ أبا بكر أحمدَ بنَ سلمان(٣)
النجاد روى بإسناده عن مالك أنَّه بلغه أَنَّ رجلا في زمان عثمانَ مرَّ بين
يدي رجلٍ وهو يصلِّي فرماه فشجَّه فأتوا عثمانَ فقال: أيمرُّ بينَ يدي وأنا
أصلِّي؟ فقال عثمانُ: الذي صنعتَ (٤) أعظمُ.
وقال ابنُ عبد البرِّ في ((الاستذكار)): (٥) فإن دافعَه مدافعةً لا يقصدُ بها
قتلَه فكان فيها تلفُ نفسه كانت عليه ديتُه كاملةً في ماله. وقد قيلَ:
الديةُ على عاقِلَتِهِ، وقيل: هي هدرٌ على حسب ثنيةِ العاضِّ. قال(٦): وهذا
كلُّه يدلُّ على نفي القَوَدِ؛ لأنَّه فعلٌ تولَّدَ من عملِ أصلُهُ مباحٌ. قال: وقد
كانَ أبو سعيد الخدريَّ يشتدَّ في (١٨١ - أ/ ط) هذا وهو راوي الحديث
طلبًا لاستعمالِ ظاهرِهِ. ثم ذكرَ عن ابنِ أبي شيبةَ (٧) أَنَّه روى عن أبي
معاويَة، عن عاصمٍ، عن ابنِ سيرينَ قال: كان أبو سعيدٍ قائمًا يصلِّي
(١) («التمهيد)): (٤ /١٨٩).
(٢) ما بين المعقوفين سقط من ((ك))، و((ط))، والمثبت من ((ق)).
(٣) في ((ك))، و(ط)): ((سليمان)) خطأ وهو أحمد بن سلمان بن الحسن النجاد مترجم في
((السير)» (٥٠٢/١٥) وغيره.
(٤) في ((ك))، و((ط)): ((ضيعت)).
(٦) ليست في ((ق)).
(٥) (١٦٣/٦).
(٧) في ((المصنف)) (١/ ٢٨٣).
٨٥

الحديث : ٥٠٩
كتاب الصلاة
فجاءه عبدُ الرحمن بنُ الحارثِ بنِ هشام يمرّ بين يديه فمنعه فأبى إلا أن
يمضيَ فدفعه أبو سعيدٍ وطَرَحَه، فقيل له: تصنعُ (١) هذا بعبدِ الرحمنِ ؟!
فقالَ: والله لو أبى إلا أن آخذَ بشَعرِه لأخذتُ. قال: وذكر عبدُ الرزاقِ، (٢)
عن الثوريِّ، عن عاصمٍ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، عن أبي العاليةِ، عن
أبي سعيد الخدريِّ قال: مَرَّ رجلٌ من بني مروان بين يدي في الصّلاةِ
فدفعتُهُ ثلاثَ مراتٍ فشكاني إلى مروان، (١٤٥ - أ/ ك١) فذكر ذلك لي،
فقلتُ: لو أبى لأخذتُ بشعرِهِ. قال عبدُ الرزاقِ: وأنا (٣) ابنُ جريجٍ قال:
سمعتُ سليمانَ بنَ موسى يُحدث عن عطاء قال: أرادَ داودُ بنُ مَروان أن
يمرَّ بين يدي أبي سعيد الخدريِّ وهو يصلِّي وعليه حُلةٌ له ومروانُ أميرٌ
بالمدينة فَرَدَّه فكأنَّه أبى فلَهَزَه في صَدرِهِ، فذهبَ الفتى إلى أبيه فأخبره
وَ الر:
فدعا مروانُ أبا سعيدٍ فذكر ذلك له، فقال: نعم، قال النبيّ
«اردده، فإن أبی فجاهده)).
ورَوَى أبو (٤) نعيمٍ في ((كتاب الصلاة)): ثنا عبدُ اللهِ بن عامر، عن
زيدِ بنِ أسلمَ قال: بينما أبوسعيدٍ يصلِّي في المسجدِ فأقبلَ الوليدُ بنُ
عقبة بن أبي معيطٍ فأرادَ أن يمرَّ بين يديه فدَرَأَهُ فأبى إلا أن يمرَّ فدفعَه
ولطمه وقال: سمعتُ رسولَ الله وَ لَه يقولُ: ((إن أبى إلا أن يمرَّ فارددْه،
فإن أبى إلا أن يمرَّ فادفعه؛ فإنَّما تدفع الشَّيطانَ)).
(١) في (ك)): ((فتضع))، وفي ((ط)): ((فتصنع))، والمثبت من ((ق)).
(٢) في ((المصنف)) (٢١/٢، ٢٢) ووقع فيه: ((محمد بن بشير))، بدلا من ((محمد بن سيرين))
وهو تصحيف ظاهر .
(٣) في ((المصنف)) - أيضًا - (٢٢/٢)، وفيه: ((عن ابن جريح)) وفي ((ق)): ((أبنا))، والمثبت من
(ك))، و(ط)).
(٤) سقطت أداة الكنية ((أبو)) من ((ك١)، و((ط)).
٨٦

١٠٠ - باب يرد المصلي من مر بين يديه
الحديث : ٥٠٩
عبدُ اللهِ بنُ عامر الأسلمي فيه ضعفٌ، وزيدُ بنُ أسلمَ إنما رواه عن
عبد الرحمنِ (٤٧٥ - ب/ق) بنِ أبي سعيدٍ، عن أبيه كما تقدم، وتسميةُ
المارَّ الوليدُ بنُ عقبةَ غريبٌ غيرُ محفوظ.
ورَوَى ابنُ أبي شيبةً(١): ثنا أبو أسامةَ، عن عبد الرحمن بنِ يزيدَ بنِ
جابر قال: سمعتُ عبدَ الحميد بن عبد الرحمن عاملَ عمرَ بنِ عبدِ العزيز
ء
ومرّ بين يديه رجلٌ وهو يصلِّي فجبذه حتَّى كادَ يخرقُ ثيابَه.
وبإسنادِه(٢) عن سعيدِ بنِ جبيرٍ أَنَّه سُئِلَ: أدعُ أحدًا يمرُّ بين يدي؟
(١٨١ - ب / ط) قال: لا، فقيل له: فإن أبى قال: فما تصنعُ؟ قيل له:
إنَّ ابنَ عمرَ لا يدعُ أحدًا يمرُّ بين يديه. قال: إن ذهبتَ تصنعُ صَنِيعَ ابن
عمر دقَّ أنفَك(٣).
وفي هذا إشارةٌ إلى شدةٍ ردِّ ابنِ عمرَ مَن مرَّ بين يديه وأَنَّ غيرَه لا
یتمکنُ من مثل ذلك.
وقولُهُ وَّله((فإنَّما هو شيطانٌ)) تعليلٌ للإذن في قتاله.
وقد اختُلِفَ في معناه.
فقيلَ: المعنى أنَّ معه الشيطانَ المقترِنَ (٤) به وهو يأمرُهُ بذلك. وهو
اختيار أبي حاتمٍ (٥) وغيرِهِ، ويدلُّ عليه حديثُ ابنِ عمرَ (٦): ((فإنَّ معه
(١) في ((المصنف)) (١/ ٢٨٢).
(٣) فى ((ك١)): ((دوانفل)) كذا.
(٢) أي: ابن أبي شيبة؛ وانظر ((المصنف)) (١ / ٢٨٣).
(٤) في ((ك))، و((ط)): ((المقرن)).
(٥) وهو البستي صاحب ((الصحيح)) حيث قال (٦ / ١٣٣ - إحسان): ((ذكر البيان بأن قوله
وَل: ((فإنما هو شيطان)) أراد به؛ أن معه شيطانًا يدله على ذلك الفعل، لا أن المرء المسلم
يكون شيطانًا)) اهـ. ووقع في ((ك))، و((ط)): ((ابن أبي حاتم)) خطأ.
(٦) عند الإمام مسلم (٥٠٦).
٨٧

الحديث: ٥٠٩
كتاب الصلاة
القرينَ)). وقيلَ: المرادُ أَنَّ فعلَه (١) هذا فعلُ الشَّيطان، فهو بذلكَ من
شياطين الإنسِ. وهو اختيارُ الجوزجانيِّ وغيرِهِ. ورَوَىَ الدراورديُّ، عن
صفوان بن سليمٍ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي سعيدِ أَنَّه كان يصلِّي ومرَّ
بين يديه ابنٌ لمروان فضربه، فقال مروانُ: ضربتَ ابنَ أخيك، فقالَ: ما
ضربتُ إلا شيطانًا؛ سمعتُ رسولَ اللهِ وَّهِ يقول(٢): ((إِنْ أَبَى فردَّه، فإن
أبى فقاتلْه؛ فإنَّما هو شيطانٌ)(٣).
وبكلِّ حالٍ فيُستدلُّ به على تحريمِ المرورِ بينَ المصلِي وسترتِهِ؛ لأنَّه
جعلَه من عملِ الشَّياطين وأمرَ بالعقوبة عليه وذلك من أدلةِ التّحريمِ.
(١) في (ك))، و((ط)): ((فعل)) كذا.
(٢) ليست في ((ق)).
(٣) أخرجه ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٤ / ١٨٦).
٨٨

الحديث : ٥١٠
١٠١ - بَابُ
إِثْمِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي
٥١٠ - حَدَّثَنَا (١٤٥ - ب/ ك١) عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ: أنا(١) مَالِكٌّ، عَنْ
أَبِيِ النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبِّدِ اللهِ، عن بُسْرٍ(٢) بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ زَّدَ بْنَ خَالِدِ
أَرْسَلَهُ إِلَى أَبِي جُهَيٍ يَسْأَلُهُ مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِوَلَ فِي الْمَارِّ بَيْنَ
يَدَي الْمُصَلِّي؟ فَقَالَ أَبُو جُهَيْمٍ: قَالَ رَسُولُ اللهَِ(٤٧٦- ٢/ ق): ((لَوْ يَعْلَمُ
الْمَارُّبَيْنَ يَدَي الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ(٣) لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ
يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ أَبُو النَّضْرِ: لاَ أَدْرِي قَالَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَّةً.
وخرَّجَه مسلمٌ(٤)، عن يحيى بن يحيى، عن مالكٍ، وخرَّجَه .
أيضًا - من طريقِ وكيعٍ، عن سفيانَ - هو الثوريّ -، عن سالمٍ أبي
النّضرِ بمعنى حديث مالكٍ، ورَوَاه ابنُ عيينةَ، عن سالمٍ أبي النّضرِ،
(١٨٢ - أ / ط) عن بُسرِ (٢) بنِ سعيدِ قالَ: أرسلني أبو الجهيمِ (٥) أسألُ
(١) في ((ق)): ((أبنا)).
(٢) في ((ط)): (بشر)) كذا بالمعجمة.
(٣) في الهامش العلوي للنسخة ((ق)) كتب: ((خ - من الإثم)) إشارة إلى أنها نسخة، وهي في
بعض نسخ ((الصحيح)) كما في ((اليونينية)).
وهذه الزيادة استنكرها الحافظ ابن رجب، وقال: ((إنها مدرجة من قول بعض الرواة،
وتفسيرٌ للمعنى)) كما سيأتي في (ص٩١).
وانظر كلامًا مهما للحافظ ابن حجر حول هذه الزيادة في ((الفتح)) (١ / ٥٨٥).
(٤) (٥٠٧)، والذي يليه.
(٥) في ((ك))، و((ط)): ((الجهم)) - بدون ياء، والصواب بها.
٨٩

الحديث : ٥١٠
كتاب الصلاة
زيدَ بنَ خالدِ الجهنيَّ: ما سمعتَ من النبيِّ نَّ يقولُ؟ فذكره من رواية
زيدِ بنِ خالدٍ، عن النبيِّ وَّ؛ كذا رويناه في مسند الحُمَيَديِّ(١)، عن
سفیانَ.
وكذا خرَّجَه ابنُ ماجه(٢)، عن هشام بنِ عمَّارِ، عن ابن عيينةَ إلا أنَّه
قال: أرسلوني (٣) إلى زيدِ بنِ خالد أسألُهُ، ولم يذكرْ من أرسلَه، وذكر
أنَّ الشَّكَّ في تمييزِ الأربعين من ابنِ عيينةَ.
وهذا کُّه وَهمٌ.
وممن نصَّ على أَنَّ جَعْلَ (٤) الحديثِ من مسندٍ زيدِ بنِ خالدٍ، عنْ
النبيِّ ◌َّهِ وَهْمٌ مِن ابنِ عيينةَ وخَطَأْ:َ ابنُ معينٍ في روايةِ ابنِ أبي
خيثمةً(٥)، وأشارَ إليه الإمامُ أحمدُ في روايةٍ حَنبل.
وقد اضطربَ ابنُ عيينةَ في لفظِه وإسنادِه ولم يحفظْه جيدًا .
وقد رُوِيَ عنه كقولِ مالكٍ وسفيانَ على الصَّوابِ. خرَّجَه ابنُ
خزيمةً(٦)، عن علي بنِ خشرمٍ، عنه.
ومن تكلَّفَ الجمعَ بين القولينِ من المتأخِرِينَ فقولُه ليسَ بشيءٍ ولم
(١) (٢ / ٣٥٨).
(٢) (٩٤٤).
(٣) في ((ق)): ((فأرسلوني)).
(٤) في ((ك))، و((ط)): ((فعل))، وضبب عليها في ((ك١))، والمثبت - وهو الصواب - من ((ق)).
(٥) في ((التمهيد)) (٢١ /١٤٨): ((قال أحمد بن زهير: سئل يحيى بن معين عن هذا الحديث
فقال: ((خطأ)): إنما هو زَيْدٌ إلى أبي الجهم - كما روى مالك)) اهـ.
(٦) في ((صحيحه)) (٢ / ١٤).
٩٠

١ ١٠- باب إثم المار بين يدي المصلي
الحديث : ٥١٠
يأتِ بأمرٍ يُقبلُ منه، وأبو جهيمٍ (١) هو ابنُ الحارثِ بن الصِّمَّةِ، وقد سبقَ
له حديثٌ في ((التيممٍ)) .
وقد رَوَاه الضَّحَاكُ بنُ عثمان، عن سالمٍ أبي النَّضرِ، عن بُسٍ بنٍ
سعيد، عن زيد بن خالد قال: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: «لو يعلمُ المارّ بين
يدي المصلِّي والمصلِّي ما عليهما)) وذكر الحديثَ.
خرَّجَه أبو العباس السَّراج في ((مسنده).
وهذا(٢) يوافقُ روايةَ ابنِ عيينةً، وهو - أيضًا - وَهْمٌ، وزيادتُهُ
((والمصلِّي)) (٣) غيرُ محفوظة - أيضًا .
وقد وقعَ في بعضِ نسخِ كتابِ البخاريِّ ومسلمٍ - أيضًا - بعدَ ((ماذا
عليه)): ((من الإِثم)) وهي غيرُ محفوظةٍ، وذكرَ ابنُ عبد البرِّ أَنَّ هذه
اللفظةَ في روايةِ الثَّوريِّ، عن سالمٍ أبي النَّضرِ، وقد وقعتْ في كتابِ ابن
أبي شيبة (٤) من (٤٧٦ - ب/ق) رواية الثَّوريِّ مدرجةً بلفظة ((يعني من
الإثم)) فدلَّ على أنَّها مدرجةٌ من قولِ بعضِ الرُّواةِ وتفسيرٌ للمعنى؛ فإنَّ
هذا يُفهمُ من قوله ((ماذا عليه)) فإنَّ ابنَ آدم له عملُهُ الصَّالحُ وعليه عملُه
(١٤٦ - أ / ك) السَِّئُ كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ
أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦] وَقَالَ: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَّسَبَتْ﴾
[البقرة: ١٣٤، ١٤١] وإذا كانَ هَذَا عليه فهو من سيئاتِهِ.
وفي المعنى أحاديثُ أخرُ ليستْ (١٨٢ - ب/ ط) على شرط البخاريِّ،
(١) في جميع النسخ: ((أبو جهم))، والصواب كما أثبتناه.
(٢) في ((ك))، و((ط)): (وهو))، وقد سبق مثل هذا.
(٣) ضبب فوقها في ((ك١)).
(٤) راجع ((المصنف)) (١ / ٢٨٢) على ما به من تصحيفات ليست بالقليلة والله المستعان.
٩١

الحديث : ٥١٠
كتاب الصلاة
فروى عبيدُ اللهِ بنُ عبد الرحمن(١) بنِ مَوْهَبٍ، عن عمِّهُ(٢)، عن أبي
هريرةَ، عن النبيِّ نََّ قالَ: ((لو يعلمُ أحدُكم ما له أن يمشيَ بين يدي
أخيه معترضًا وهو يناجي ربَّه كان لأن يقفَ في ذلك المكانِ مائة عامٍ
أحب إليه أن يخطو)).
خرَّجَه أحمدُ، وهذا لفظُه: وخرَّجَه ابنُ خزيمةَ، وابن حبان في
((صحيحيهما)) بمعناه، وخرَّجَه ابنُ ماجه(٣) ولم يذكرْ ((وهو يناجي ربّه))
وعنده ((معترضًا في الصَّلاة)).
وعُبيدُ الله بنُ عبد الله بنُ مَوَهَبٍ ضعَّفْه يحيى، وقال النَّسائيُّ: ليسَ
بذاكَ القويِّ، وقال ابنُ عدي: هو حسنُ الحديثِ، يُكتبُ حديثُه.
وخرَّجَ الطَّيرانيُّ(٤) من روايةِ ابنِ أخي ابنِ وهبٍ، عن عمِّه: ثنا عبدُ الله
ابنُ عياشٍ، عن أبي (٥) رزين الغافقيِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو، عن النبيِّ
وَّ قالَ: ((الذي يمرُّ بين يدي الرجلِ وهو يصلِّي عمدًا يتمنى يومَ القيامةِ
أَنَّه شجرةٌ يابسةٌ)) .
إسنادُه(٦) ليسَ بقوي.
(١) في هامش ((ق)): ((لعله عبد الله)) وهذا الاحتمال خطأ، ولعل صاحب هذا التعليق اشتبه
عليه اسم العمّ باسم ابن أخيه والله أعلم.
(٢) وهو عبيد الله بن عبد الله بن مَوْهَب، وتعمدت تعيينَهُ هنا لعدم التخليط بينه وبين ابن
أخيه. وانظر ((تهذيب الكمال)) (١٩ / ٧٩، ٨٤).
(٣) ((المسند)) (٢ / ٣٧١)، وابن خزيمة (٢ /١٤) وابن حبان (١٢٩/٦-١٣٠) وابن ماجه
(٩٤٦).
(٤) في ((المعجم الكبير)) (ص/ ٥٧)، انظر القطعة التي حققها الشيخ حمدي السلفي من
مسانيد العبادلة .
(٥) ليست في ((ق)).
(٦) في ((ك)): ((إسناد)» كذا.
٩٢

١ ١٠- باب إثم المار بين يدي المصلي
الحديث : ٥١٠
وقد رُويَ موقوفًا بلفظ آخر من رواية أبي عبدِ الرحمنِ المقري(١): ثنا
موسى بنُ أيوب قال: سمعتُ أبا عمرانَ الغافقيَّ يقولُ: سمعتُ عبدَ الله
ابنَ عَمرِو يقولُ: لأن يكونَ الرجلُ رمادًا يُذرا به خيرٌ له من أن يمرَّ بين
يدي رجلٍ متعمدًا وهو يُصلِّ.
خرَّجْه ابنُ عبد البرِّ وغيرُه.
ورَوَى ابنُ أبي شيبةً(٢)، عن أبي أسامةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ
ابنِ جابرِ قالَ: سمعتُ عبدَ الحميد بنَ عبد الرحمن عاملَ عمرَ بنِ
عبدِ العزيزِ يقولُ: قالَ رسولُ اللهِ وَلَهُ: ((لو يعلمُ المارُّ بينَ يدي المصلِّي
لأحبَّ أن تنكسر (٣) فخذُهُ ولا يمرُّ بينَ یدیه)).
هذا مرسلٌ، وأبو أسامةَ قد قيلَ: إِنَّه كان يروي (٤٧٧ - أ / ق)، عن
عبدِ الرحمنِ بنِ يزيد بنِ تميمٍ السامي، ويُسميه (٤) ابنَ جابرٍ، وابن تميمٍ
ضعيفٌ، وابن جابر ثقةٌ.
وذكر مالكٌ في ((الموطأ))(٥) عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ،
عن كعبِ الأحبار قال: لو يعلمُ المارُّ بين يدي المصلِّ ماذا عليه لكانَ أن
يخسفَ به خيرٌ له من أن يمرّ بينَ یدیه .
ورَوَى أبو نعيم في كتاب ((الصلاة))(٦): ثنا سليمانُ بنُ المغيرة، عن
(١) ليست في ((ك١)).
(٢) في ((المصنف)) (١ / ٢٨٢).
(٣) في ((ق)) وكذلك في المطبوع من ((المصنف)): (ينكسر)) بالياء و((الفَخذ)) مؤنث.
(٤) في ((ق)): ((ويسميه)) بالياء ، والثاء على أولها، كذا.
(٥) (ص / ١١٤)، وعنه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٢ / ٢٠).
(٦) ذكره المصنف مرة أخرى، (ص٩٩) وقال عقبه: ((هذا منقطع)).
٩٣

الحديث : ٥١٠
كتاب الصلاة
حميدِ بنِ هلالٍ قالَ: قال عمرُ رضي اللهُ عنه: لو يعلمُ المارُّ بين يدي
المصلِّي ما يصيبُ من الإثم ما مرَّ أحد (١٨٣ - أ / ط) بين يدي أحدٍ وهو
يصلّي.
ورَوَى أبو بكرِ النَّجاد الفقيه الحنبليَّ بإسنادِهِ، عن ابنِ عمرَ قال: لأن
يكونَ الرجلُ رمادًا يُذرا به خيرٌ من أن يمرَّ بين يدي رجلٍ وهو يصلّي.
وبإسناده، عن قتادةَ أَنَّ عمرَ، وأبا الدرداء قالا: لو يعلمُ المارّ بين يدي
المصلِّي كانَ أن يقومَ حَوْلا أهون (١٤٦ - ب / ك١) عليه من أن يمرّ بين
یدیە(١).
ورَوَى أبو نعيمٍ - أيضًا -: ثنا أبو خلدةً(٢)، عن أبي العالية قال: إِنَّ
الإنسانَ إذا صلَّى، بين يديه ملكٌ يكتبُ ما يقولُ، فما أُحبُّ أن يمرَّ بين
يدي(٣) شيءٌ.
وفي هذا إشارةٌ إلى علَّةِ كراهةِ المرورِ بين يدي المصلِّي وهو قربُ
الملائكة منه، فالمارَّ يصيرُ دَخيلا بينَ المصلِّي وملائكته الموكلين به .
وفي حديث أبي هريرةَ المتقدمِ(٤) إشارةٌ إلى أَنَّ المصلِّي مشتغلٌ(٥)
بمناجاة ربِّه، والربُّ تعالى يقربُ المصلِّي له إليه قُربًا لا يشبهُ قربَ
المخلوقين كما سبقَ ذكرُه في ((أبواب البُصاقِ في القبلة)). فالداخلُ بين
المصلِّ وبين ربِّه في حالٍ مناجاته له وتقريبه إياه وإقباله عليه واستماعه
(١) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٢ / ٢٠).
(٢) في ((ك))، و((ط)): ((خالد))، وخالد هو اسم أبي خلدة.
(٣) في ((ك))، و((ط)): ((يديه)).
(٥) في ((ك١))، و(ط)): ((يستغل)) كذا.
(٤) برقم (٤١٦).
٩٤

١٠١- باب إثم المار بين يدي المصلي
الحديث : ٥١٠
منه ما يناجيه ورَدّه عليه جوابَ ما يتلوه من كتابه متعرضٌ لمقت الله
ومُستحقٌّ لعقوبته.
وهذا كلُّه يدلُّ على تحريمِ المرورِ بين يدي المصلِّي، وهو الصَّحيحُ عند
أصحابنا والمحقِّقِينَ من أصحابِ الشَّافعيِّ.
وطائفةٌ منهم ومن أصحابنا أطلقوا الكراهةَ، وكذلك أطلقها غيرُهم
من أهلِ العلمِ، منهم: ابنُ عبد البرِّ وغيرُه، وحكاه التِّرمذيَّ عن أهلِ
العلم(١) .
وقد حُمِلَ إطلاقُ هؤلاء للكراهة على التَّحريمِ؛ فإنَّ متقدِّمي العلماءِ
كانوا يستعملونَ (٤٧٧ - ب/ق) ذلك كثيرًا، وقد حكَى ابن حزمٍ في
كتابِ ((الإجماع))(٢) الاتفاقَ على أَنَّ المارَّ بين المصلِّي وسترتِه آثمٌ.
وفي الحديثِ دليلٌ على تحريمِ المرورِ بين يدي المصلِّ سواء كان
يُصلِّي إلى سترةٍ أو لم يكنْ، فإن كان يُصلِّ إلى سترةِ حرمَ المرورُ بينه
وبينها إذا لم يتباعدْ عنها تباعدًا كثيرًا، وإن لم يكن بينَه وبين القبلةِ سترةٌ
أو كانت سترةً وتباعد عنها تباعدًا فاحشًا ففي تحريمِ المرورِ وجهان
لأصحابنا :
أصحُّهما التحریمُ؛ لعمومٍ حديثِ أبي جُهيمٍ (٣) (١٨٣ - ب / ط).
والثّاني: يكرهُ ولا يحرمُ. وهو قولُ أصحابِ الشَّافعيِّ، والذي نصَّ
عليه الشَّافعيُّ في كتابِ ((اختلاف الحديث))(٤) أنَّه مباحٌ غيرُ مكروهِ،
(١) ((التمهيد)) (٤ /١٨٧)، (٢١ /١٤٨)، والترمذي في ((الجامع)) عقب حديث (٣٣٦).
(٢) (ص / ٣٠).
(٤) (ص / ١٣٩).
(٣) في ((ك))، و((ط)): ((جهم)).
٩٥

الحديث : ٥١٠
كتاب الصلاة
واستدلَّ بحديثِ ابنِ عبَّاسٍ، والمطلب بنِ أبي وداعةَ.
وفي قدرِ القربِ الذي يمنعُ من المرورِ فيه وجهانٍ لأصحابنا :
أحدُهما: أنَّه محدودٌ بثلاثة أذرع؛ لأنَّها منتهى المسنونِ في وضعٍ
السترة على ما سبق.
والثَّاني: حَدُّه بما لو مشى إليه لدفعِ المار أو غيرِهِ لم تبطلْ صلاتُه(١).
وجاءَ في حديثٍ مرفوعٍ من حديثِ ابنِ عبَّاسٍ تقديرُهُ بقدرِ قذفة
بحجرٍ (٢).
خرَّجَه أبو داودً(٣)، وسنذكره فيما بعدُ إن شاءَ اللهُ تعالى(٤).
(١) في (ك)). و((ط)): ((الصلاة)).
-
(٢) في ((ك)): ((حجر).
(٣) في ((السنن)) (٧٠٤) وقال عَقِبَهُ: ((في نفسي من هذا الحديث شيء، كنت أذاكر به إبراهيم
وغيره فلم أرَ أحدًا جاء به عن هشام ولا يعرفه؛ وأحسب الوهم من ابن أبي سمينة»
ا.هـ.
ولذلك أورده الذهبي في ((الميزان)) (٣ / ٤٨٢) في ترجمة محمد بن إسماعيل بن أبي
سمينة، وأورد كلامَ أبي داود هذا وقال عقبه: ((صَدَق: لأنه منكر جدًا ولكنه قد شك في
رَفْعِه؛ ووَقْفُهُ يُحتملُ إِن كان محفوظًا)) اهـ.
والحديث استنكره ابن عدي في ((الكامل)) (٦ / ٤٣٣) وكذلك الحافظ ابن رجب - كما
سيأتي في (ص: ١٢٢)، وأخرجه عبد بن حميد في ((مسنده)) - كما في ((المغني)) (٣ / ١٠٢)
- وقال ابن قدامة عقبه: ((وهذا الحديث لو ثبت لتعيَّنَ المصيرُ إليه غير أنه لم يجزم برفعه،
وفيه ما هو متروك بالإجماع، ١ هـ.
والحديث أخرجه عبد الرزاق (٢ / ٢٧) وابن أبي شيبة (١ / ٢٨١) في ((مصنفيهما)) عن
عكرمة مرسلا. ولعل هذا أشبه .
والحديث رُوِيَ من مسند أبي هريرة ولكن استنكره أبو زرعة الرازي - كما في ((العلل))
(١٧٧/١) لابن أبي حاتم -، ونقل ابن رجب - كما سيأتي - عن الأثرم أنه قال: ((هذا
إسناد واه)) اهـ.
(٤) في (ص: ١٢٢).
٩٦

١ ١٠- باب إثم المار بين يدي المصلي
الحديث : ٥١٠
وحُكِيَ عن الحنفيةِ أَنَّه لا يمنعُ من المرورِ إلا في محلٌّ سجودِ المصلِّي
خاصةً. وحكى أبو بكر بنُ العَربيّ(١) عن قومٍ أَنَّهم قَدَّروه بمثلِ طولٍ
الرمحِ، وعن آخرين أَنَّهم قدَّروه برميةِ السَّهمِ، وقالوا: هو حَرِيمٌ للمصلِّي.
قال: وأخذوه من لفظِ المقاتلة ولم يفهموا المرادَ (١٤٧ - أ/ ك١) منها.
قال: والمقاتلةُ هنا المنازعةُ بالأيدي خاصةً. وقال الشَّافعيُّ: قوله «فليُقَاتِلْه)
يعني : فليدفعُهُ.
فأمَّا من وقفَ في مجازِ النَّاسِ الذي ليسَ لهم طريقٌ غيرُه وصلَّى فلا
إثمَ في المرورِ بين يديه. صرَّحَ به أصحابُنَا وغيرُهم؛ لأنَّه مفرِّطٌ بذلك
ولا(٢) حُرمةَ له.
وحَكَى القرطبيُّ عن أصحابِهِم المالكيةِ أَنَّ المصلِّيَ إذا كانَ في موضعٍ
لا يأمنُ المرورَ عليه اشتركَ هو والمارُّ في الإثمِ.
وهذا يدلُّ على أنَّه يحرمُ المرورُ بين يديه - أيضًا -، ولكنَّه يأثمُ المارُّ
والمصلِّي جميعًا.
وكذلك قال بعضُ الشَّفعية أَنَّه إذا صلَّى (٤٧٨ - أ/ ق) على الطريقِ أو
قصَّرَ في الدفعِ شاركَ المارَّ في الإثمِ، وحملوا روايةَ السَّرَّجِ المتقدمةِ(٣) (لو
يعلمُ المارُّ بينَ يدي المصلِّي والمصلِّي ما عليهما)) على ذلك.
وحُكِيَ عن بعض الفقهاء أَنَّه إن كانَ للمارِّ مندوحةٌ عن المرور وكان
المصلِّي متعرِّضًا لذلك أَتمَا جميعًا، وإن لم يكنْ للمارِّ مندوحةٌ ولا
(١) في ((ك)): ((العزيز))، وفي ((ط)): ((بن العزيز)) والمثبت من ((ق)) وكلام ابن العربي المالكي -
رحمه الله - في ((العارضة)) (٢ /١٣٠).
(٢) فى (ك))، و((ط)): ((فلا)).
(٣) (ص: ٩١).
٩٧

الحديث : ٥١٠
كتاب الصلاة
المصلِّي متعَرِّضًا لذلك(١) فلا إثمَ على واحد منهما، وإن لم يتعرَّض
المصلِّي لذلك وكان للمارِّ مندوحةٌ أَثْمَ المارُ (٢) وحدَه، وإن تعرض المصلِّي
لذلك (٣) ولم يكنْ (١٨٤ - أ / ط) للمارِّ مندوحةٌ أثمَ المصلِّي وحدَه.
وقال [أبو عمر](٤) بنُ عبد البرِّ: الإثمُ على المارّ بينَ يدي المصلِّي
فوق الإثمٍ على الذي يدعه يمرَّ بين يديه، وكلاهما عاصٍ إذا كان بالنَّهي
عالمًا، والمارَّ أشدُّ إثمًا إذا تعمد ذلك، وهذا ما(٥) لا أعلمُ فيه خلافًا (٦).
كذا قال، مع أنَّه ذكر في موضع آخر (٧) أَنَّ الدفعَ ليسَ بلازم فلا(٨)
يأثم مَن تركه وأَنَّه قولُ الثَّوريِّ وغيرِهِ.
وخرَّجَ ابنُ أبي شيبةً(٩) من روايةِ الأسود قال: قالَ عبدُ الله - هو ابنُ
مسعودٍ -: من استطاعَ منكم أن لاَ يُمَرَّ بينَ يديه فليفعلْ؛ فإنَّ المارَّ بينَ
يدي المصلِّي أنقصُ من المُمَرِّ عليه.
[ولعلَّه أرادَ أَنَّ المارَّ أنقصُ علمًا أو دينًا أو خيرًا من المُمَرِّ عليه](١٠)
ولم يردْ - واللهُ أعلم - أنَّه أنقصُ منه إثمًا، اللهمَّ إلا أن يُحملَ على ما
إذا كانَ المصلِّي مُفْرِّطًا بصلاتِه في موضعٍ مرورِ النَّاسِ، والمارَّ لا يجدُ بُدا
من مرورِه کما سبقَ.
(١) في ((ط)): ((كذلك)).
(٢) كلمة ((المار)) سقطت من ((ك١))، و((ط))، وأثبتناها من ((ق)).
(٣) في ((ك))، و((ط)): (كذلك)).
(٤) ليست في ((ك))، و((ط)).
(٥) في ((ك))، و((ط)): ((مما)) والمثبت من ((ق)) والمطبوع من ((التمهيد)).
(٧) «التمهيد)» (٤ /١٨٨).
(٦) («التمهيد)» (٢١ /١٤٨).
(٨) في ((ك))، و((ط)): ((ولا)).
(١٠) ما بين المعقوفين سقط من ((ك)) ..
(٩) في ((المصنف)) (١ / ٢٨٣).
٩٨

١٠١- باب إثم المار بين يدي المصلي
الحديث : ٥١٠
وقد رُوِيَ عن جماعةٍ من الصَّحابةِ أَنَّ الصَّلاةَ تنقصُ بمرورِ المارّ.
فرَوَى أبو نعيمٍ(١): ثنا سليمانُ بنُ المغيرة أظنُّه عن حميدِ بنِ هلالٍ
قال: قالَ عمرُ بنُّ الخطّابِ رضي اللهُ عنه: لو يعلمُ المصلِّي قَدرَ ما
ينقصُ من صلاته ما صلَّى أحدكم إلا(٢) إلى شيءٍ يسترُه من النَّاسِ.
وهذا منقطعٌ.
وقد رُوِيَ عن ابن مسعود أنَّه ينقصُ نصف صلاته.
قال أبو طالب: قلتُ لأحمدَ: قولُ ابن مسعودٍ أن ممرّ الرجلِ يضع
نصفَ صلاته. قال: نعم، يضعُ من صلاته؛ ولكن لا يقطعُها(٣)، ينبغي
له أن يمنعَهُ.
وهذا الذي أشارَ إليه خرَّجَه أبو بكرِ النجاد (٤) بإسناده، عن
۵
عبدِ الرحمنِ بنِ الأسودِ، عن أبيه قالَ: كان عبدُ اللهِ إذا مرَّ بين يديه رجلٌ
(١٤٧ - ب / ك١) وهو يصلِّي التزمَه حتى يَرُدَّهُ(٥). قال(٦): وقال عبدُ الله:
إِنَّ مَرَورَ الرجلِ بين يدي الرجلِ ليضعُ (٤٧٨- ب/ق)نصفَ صلاتِه.
قال القاضي أبو يعلى: وينبغي أن يكونَ هذا محمولا على ما إذا
(١) في ((كتاب الصلاة)) كما سبق وأشار إليه المصنف في (ص: ٩٣ - ٩٤)، ولكن بدون هذا
الظن، وزاد هنا حكمه بالانقطاع.
(٢) ليست في ((ك١)).
(٣) نقله عنه صاحب ((المغنى)) (٣ / ٩٤).
(٤) الفقيه الحنبلي المعروف بالنجاد، واسمه أحمد بن سلمان بن الحسن. وترجمه الخطيب في
«تاريخ بغداد)» (١٨٩/٤ -١٩٢)، وابن أبي يعلى في ((طبقات الحنابلة)) (٧/٢ -١٢).
(٥) انظر («المغني)) (٣/ ٩٤) - أيضًا.
(٦) في ((ك)): ((قالت)).
٩٩

الحديث : ٥١٠
كتاب الصلاة
أمكنَه أنْ يردَّه فلم يردَّه فيكون قد أخلَّ بفضيلة الردّ(١).
كذا قال، وفيه نظرٌ، ومذهبُ أحمدَ وأصحابِه أَنَّ مرورَ الكلبِ
الأسود يبطلُ الصَّلاةَ ويقطعُها، سواء أمكنه الردُّ وتركه، أو تركَه عجزًا(٢)
كما سيأتي ذكرُهُ إن شاءَ اللهُ تعالى ..
وعلى هذا فلا يبعدُ القولُ بنقصِ كمالِ الصَّلاةِ بمرورِ غيرِ الكلبِ وإِن
عجزَ عن دفع ذلك (١٨٤ - ب / ط).
ولهذا المعنى ردَّ طائفةٌ من العلماء حديثَ قطع الصَّلاةِ بمرورِ الكلب
وغيرِهِ وقالوا: إِنَّه مخالفٌ للقرآنِ في قولِه تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ
أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] كما ذكر ذلك الشَّافعيُّ(٣).
وقد رُوِيَ أَنَّ مرورَ الرجلِ بين يدي الرجلِ في صلاتِه يقطعُ صلاتَه.
وخرَّجَه أبو داودَ في ((سننه)) (٤) بإسنادٍ فيه نظرٌ أَنَّ النبيِّ وَّهِ صلَّى بتبوك
سھَا الله
إلى نخلةٍ فأقبل غلامٌ يسعى (٥) حتى مرَّ بينه وبينَ قبلتِه فقال: ((قطعَ
صلاتَنَا، قطعَ اللهُ أثرَهُ) قال: فما قمتُ عليها إلى يومي هذا.
وهذا مما يستدلُّ به على أَنَّ قطعَ الصَّلاةِ يُرادُ به إذهابُ كمالِ فضلها
دونَ إبطالِها من أصلِها وإيجابِ إعادتِها كما سيأتي ذكره إن شاءَ اللهُ
تعالی.
(١) نقله عنه ابن قدامة في ((المغني)) (٣ / ٩٤).
(٢) انظر ((مسائل)) عبد الله (ص / ١٠٢)، وابن هانىء (١ /٦).
(٣) في ((اختلاف الحديث)) (٨ / ٥١٢) المطبوع فى آخر كتاب ((الأم)).
(٤) (٧٠٥) وذكره المصنف - أيضًا - في (ص: ١٢٥) وقال عقبه: ((وفي إسناده جهالة)).
(٥) في ((ك١)): ((يسقي)) بالقاف - كذا.
١٠٠