Indexed OCR Text

Pages 381-400

٨٠ - باب الخوخة والعمر في المسجد
الحديث : ٤٦٧
الأمة.
وأما قولُهُ وَله: ((لو كنتُ متخذًا من أهلِ الأرضِ خليلا لاتخذتُ أبا
بكر خليلا)) يدلُّ على أنَّ مقامَ الخلةِ أفضلُ من مقام المحبة؛ فإنَّه وَ لّ كان
يحبُّ أبا بكر وقد نفى عنه الخلةَ، واللهُ تعالى يحبُّ أنبياءَ، ورسله كلَّهم
ولم يخصّ بالخلةِ غيرَ محمدٍ وإبراهيمَ صلى الله عليهما.
وفي ((صحيح مسلمٍ))(١)، عن ابن مسعودٍ، عن النبيِّ وَّ قال: ((ألا
إنِّي أبرأ إلى كلِّ خِلٍّ من خُلته، ولو كنت متَّخذًا خليلا لاتَّخذتُ أبا بكر
خليلا، وإنَّ صاحبكم خليلُ الله)) (٤٣٦ - ب/ق). وفي رواية له(٢) -
أيضًا -: ((لو كنتُ متَّخذًا خليلا لاتخذتُ أبا بكر خليلا؛ ولكنَّه(٣) أخي
وصاحبي، وقد اتَّخذَ اللهُ صاحبكم خلیلا.
وخرَّجَ مسلمٌ(٤) - أيضًا - من حديث جندب بنِ عبدِ اللهِ: سمعتُ
النبيِّ وَّهُ قبلَ موتِهِ بخمسٍ يقول: ((قد(٥) كانَ لي منكم أخلاءُ وأصدقاءُ،
وإنِّي أبرأُ إلى كلِّ ذي(٦) خلَّة من خلَّته، ولو كنتُ متَّخذًا من أهلِ الأرضِ
خلیلا لانّخذتُ أبا بکر خليلاً.
يقولُ ذلك في خطبته هذه، فإن
صَا اللّه
والظَّاهرُ أَنَّ جندبًا سمعَ النبيّ
وَسَّة
ـيبـ
كان كذلك فلعلَّ خطبتَه وَلَيهِ كانت يومَ الأربعاء؛ فإنَّه تُوفِّي يومَ الاثنينِ
واشتدَّ وجعُهُ يومَ الخميس كما قال ذلك ابنُ عباس فالظَّاهرُ أنه لم يخرج
(١) مسلم (٢٣٨٣ / ٧).
(٣) في ((ك)) و((ط)): ((لكنه)) بدون واو والمثبت من ((ق)).
(٤) مسلم (٥٣٢ / ٢٣).
:
(٦) في ((ك)) و(ط)): ((إلى كل خل من خلته)).
(٢) مسلم (٢٣٨٣).
(٥) ((قد)) ليست في ((ك١)) و(ط)).
٣٨١

الحديث : ٤٦٧
كتاب الصلاة
فيه إلى النَّاس أو لعلَّه أعادَ هذا القولَ في بيته [فسَمعَه جندب، وهذا
أظهرُ واللهُ أعلم؛ فإنَّ خطبةَ النبيِّ نَِّ هذه كانتْ](١) في ابتداءِ مرضِهِ
وكانت مدةُ مرضِهِ فوق عشرة أيامٍ واللهُ أعلمُ.
وقد أشارَ وَجّه إلى سببِ براءتِهِ من خلةِ المخلوقينَ وهو أَنَّ اللهَ اتَّخذَه
خليلا لنفسه كما اتَّخذَ إبراهيمَ خليلا، ومن كان خليلا لله فلا يصلحُ(٢)
له أن يخاللَ بشرًا، ومِنْ هنا قيلَ: إنَّ إبراهيمَ عليه السلامُ إنما (٣) أُمرَ
بذبحِ ولدِهِ إسماعيلَ لتفريغ قلبه من محبته شدة (٤) (١٤٦ - أ/ط) تعلُّقه
به حيثُ وُهبَ له على الكَبَر، فلمَّا بادرَ إلى اضطجاعه وإخراجِهِ من قلبِه
امتثالا لأمرِ الله(٥) وطاعته أسقطَ عنه ذبحَه بعدَ ذلك لأنَّه لم يكنِ المقصودَ
و
إراقةَ دمه؛ بل تفريغَ محلِّ الخلة منه حتَّى لا تزاحمَ (٦) خلةَ الواحد الأحد
محبةُ الولدِ. والخلةُ هي المحبةُ البالغةُ المتخللةُ(٧) لمسالكِ الروحِ من القلبِ
والجسد، كما قيل:
قد تخللتَ مسلكَ الرُّوحِ مِنِّي وبذا(٨) سُمِّيَ الخليلُ خليلا
وهذا لا يصلحُ(٩) لغيرِ اللهِ، وإنَّما يصلحُ للمخلوقِ المحبةُ وهي درجةٌ
دونَ الخُلَّةِ، فلهذا اقتصرَ النَّبِيُّ(١٠) وَ في حقِّ الصِّدِّيقِ على الأخوةِ
(١) ما بين المعقوفين ليس في ((ك)) و(ط)).
(٣) ((إنما)) ليست في ((ك)) و((ط)).
(٤) كذا في ((ق)) و((ط)) و(١٥))، ولعل الأليق: ((وشدة)).
(٥) في ((ك١)): ((الله تعالى)).
(٧) في ((ق)): ((المبالغة المخللة)).
(٩) في ((ك)): ((لا يصح)).
(١٠) ((النبي)) ليست في ((ط)) و((ك!)).
(٢) في ((ك١)) و((ط)): ((ينبغي)).
(٦) في ((ك١)) و((ط: ((تتزاحم)).
(٨) في ((ق)): ((وبهذا)).
٣٨٢

٨٠ - باب الخوخة والعمر في المسجد
الحديث : ٤٦٧
والمودة، وهي (١١٦ - ب/ ك١) خلةُ(١) الإسلام المشارُ إليها في حديثِ ابنِ
عبَّاسِ الذي خرَّجَه ها هنا.
وقد خرَّجَه في ((المناقب))(٢) من حديث أيوبَ، عن عكرمةَ، عن
(٤٣٧ - أ/ ق) ابن عبّاسٍ، وفيه: ((ولكنْ أخوةُ الإسلامِ أفضلُ)).
ولعلَّ هذه الروايةَ أصحَّ، وأيوبُ يُقَدَّمُ(٣) على يَعلى بنِ حكيمٍ في
الحفظ والضّبط .
وكان أبو بكرِ مقدمًا على سائرِ الرجالِ في المحبةِ من النبيِّ وَّه؛
ولهذا لما سأله عَمرو بنُ العاص عن أحبِّ النَّاسِ إليه؟ قال: ((عائشةُ))
قال: فمِن الرجالِ؟ قال: ((أبوها)).
وقال عمرُ لأبي بكرٍ يوم السقيفةِ: أنتَ سيدُنا وخيرُنًا وأحبُّنا إلى
رسول الله ماچ.
وقوله(٤): ((سُدُّوا عَنِّي كلَّ بابٍ في المسجدِ إلا بابَ أبي بكرٍ))، وفي
حديثِ ابنِ عبَّاسٍ: ((كلَّ خَوخةٍ)) قال الخطّابِيُّ(٥): الخوخةُ بُويبٌّ صَغِيرٌ.
قال: وفي أمرِهِ وَّهِ بِسَدِّ الأبوابِ الشَّارعةِ إلى المسجدِ غير بابِهِ اختصاصٌ
شديدٌ له وأَنَّه أفردَه بأمر لا يشاركُه فيه أحدٌ، وأولُ ما يضافُ التأويلُ فيه
الخلافة وقد أكدَّ الدلالةَ عليها بأمره إياه بإمامة الصَّلاةِ التي لها بُنيَ
المسجد ولأجلها يُدْخَلُ إليه من أبوابِهِ .
قالَ: ولا أعلمُ دليلا في إثباتِ القياسِ والردِّ على نُفاتِه أقوى من
(١) في ((ك١)) و(ط)): ((أخوة)).
(٣) في ((ك١)»: ((مقدم)).
(٥) ((أعلام الحديث)) (١ / ٤٠٤).
(٢) (فتح: ٣٦٥٧) في كتاب فضائل الصحابة.
(٤) في ((ك)): ((فقوله)).
٣٨٣

الحديث : ٤٦٧
كتاب الصلاة
إجماعِ الصّحابةِ رضي الله عنهم على استخلافِ أبي بكرٍ مُستَدِلِينَ في
ذلك باستخلافِ النبيِّ وَّ إيّاهُ في أعظم أمورِ الدينِ وهو الصَّلاةُ،
٠
وإقامته إياه فيها(١) مقامَ نفسِهِ، فقاسوا عليها سائرَ أمورِ الدين. انتهى.
وأشارَ بإجماعِ الصّحابةِ في ذلك إلى ما روى ابنُ مسعود قال: لَا
قُبِضَ رسولُ اللهِ لَّهِ (١٤٦ - ب/ط) قالت الأنصارُ: منَّا أميرٌ ومنكم
أميرٌ. قال: فأتاهم عمرُ فقالَ: يا معاشرَ (٢) الأنصار! ألستم تعلمون أن
رسولَ اللهِ وَّ﴿ قِد(٣) أَمَرَ أبا بكرٍ يَؤُمُّ النَّاسَ؟ فأيكم تطيبُ نفسُهُ أن يتقدَّمَ
أبا بكرٍ؟ فقالت الأنصارُ: نعوذُ بالله أن نَتَقدَّمَ أبا بكر.
خرَّجَه الإمامُ أحمدُ(٤)، وعليُّ بنُ المدينيِّ، وقالَ: هو صحيحٌ، والحاكمُ
وقال: صحيحُ الإسنادِ.
وقد رُوِيَ هذا المعنى عن طائفةٍ من الصَّحابةِ، منهم: عليٌّ، والزُّبِيرُ،
وأبو عبيدةَ بنُ الجراح رضي اللهُ عنهم أجمعينَ.
وقد دلَّ أمرُ النبيِّ بَّهِ بسدِّ الأبوابِ الشَّارعةِ في المسجدِ على مِنعِ
إحداثِ الاستطراقِ إلى المساجدِ من البيوتِ؛ فإنَّ ذلك نفعٌ يختصّ به
صاحبُ الاستطراقِ فلا يجوزُ في المساجد كما لا يجوزُ الاستطراقُ (٤٣٧.
ب / ق) إلى أملاكِ النَّاسِ بغيرِ إذنِهم، وهذا بخلافِ وضعِ الخَشبِ على
جدار المسجد؛ فإنَّ فيه عن الإمامِ أحمدَ روايتينٍ؛ لأنَّ هذا النفعَ يجوزُ(٥)
عنده في ملكِ الجارِ بغيرِ إذنِه بخلافِ الاستطراقِ إلى ملكِ الجارِ فإنَّه غيرُ
(٢) في ((ك١)): ((معشر)).
(١) ((فيها)) ليست في ((ط)) و((ك!)).
(٣) ليست في ((ك)) و((ط)).
(٤) ((المسند)) (١ / ٣٩٦)، و((المستدرك)) (٣ / ٦٧).
(٥) في ((ك)) و((ط)): ((عنده يجوز)).
٣٨٤

٨٠ - باب الخوخة والعمر في المسجد
الحديث : ٤٦٧
جائزِ.
واسْتثنى من ذلكَ الإمامُ ومن يتبعُه؛ فإنَّ استطراقَه إلى المسجد فيه
نفعٌ يعودُ بمصلحة المصلِّينَ عمومًا، فكانَ النبيِّ وَّةِ (١١٧ - أ/ ك١) في
حياته يستطرقُ إلى المسجد هو وآلُ بيته تبعًا له ولهذا رُويَ أَنَّه أمرَ بسدٍّ
الأبوابِ غير بابِ عليٍّ، كما خرَّجَه الإمامُ أحمدُ، والتِّرمذيُ (١)، وغيرُهما
من وجوه.
فلمَّا انقضتْ مدتُهُ وَِّ من الدنيا(٢) سد الأبوابَ كُلُّها إلى المسجد غير
بابِ أبي بكرٍ لأنَّه الإمامُ بعده، واستطراقُه إلى المسجدِ من بيتِه فيه نفعٌ
عامٌ يعودُ على المصلِّين كُلِّهم، واللهُ سبحانه وتعالى(٣) أعلم.
(١) ((المسند)) (١ / ١٧٥) والترمذي (٣٧٣٢)، وراجع ((القول المسدد في الذب عن مسند
الإمام أحمد» (ص ٥٢).
(٢) فى ((ك١)) و((ط)): ((من الدنيا فَـ
(٣) ((سبحانه وتعالى)) ليست في ((ق)).
٣٨٥

كتاب الصلاة
٨١ - بَابُ
الأَبْوَابِ وَالْغَلَقِ لِلْكَعْبَةِ وَالْمَسَاجِدِ
وَقَالَ لِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حدثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيّجٍ قَالَ: قَالَ
لِي ابن أَبِي مُلَيْكَةَ: يَا عَبْدَ الْمَلِك لَوْ رَأَيْتَ مَسَاجِدَ ابْنِ عَبّاس وأَبْوَابَهَا.
هذا الأثرُ رَوَاه الإمامُ أحمدُ (١)، عن ابنِ عيينةَ.
قال يعقوبُ بنُ بختان: سُئِلَ أبو عبدِ اللهِ - يعني أحمد - عن المسجد
يُجْعَلُ له أبوابٌ (٢) ؟ فلم يَرَ بهِ بأسًا، وقال: ثنا ابنُ عُيينةَ، عن ابنِ
جُرِيجٍ قال: قال لي ابنُ أبي مليكةً: لو رأيتَ مساجدَ ابنِ عبَّاسٍ وأبوابَها.
وقال جعفرُ (١٤٧ - أ/ ط) بنُ محمد: سمعتُ أبا عبد الله يُسألُ عن
المسجد يُغْلَقُ بابُه؟ قال: إذا خافَ أن يدخلَه كلبٌ أو صبيان.
وقال في روايةِ مهنا: ينبغي أن تُجَنَّبَ الصبيانُ المساجدَ ..
وقال أصحابُ الشَّافعيِّ: لا بأسَ بإغلاقِ المسجدِ في غيرِ وقتِ
الصَّلاة لصيانته أو حفظ آلاته(٣).
٠٠
وقال بعضُهم: هذا إذا خيفَ امتهانُه وضَيَاعُ ما فيه ولم تدعُ إلى فتحِه
حاجةٌ، فأمَّا إذا (٤) لم تخفْ من فتحه مفسدة ولا انتهاك حرمة وكان فيه
(٢) في ((ك)) و((ط)): ((أبوابا)).
(١) ((مسائل ابن هانئ)) (٦٨/١).
(٣) في ((ك)) و(ط)): ((ألته)).
(٤) ((فأما)) ليست في ((ك)). وفي ((ط)): ((وإذا)).
٣٨٦

٨١ - باب الأبواب والغلق للكعبة والمساجد
الحديث : ٤٦٨
رفقٌ بالنَّاسِ فالسُّنّةُ فتحُهُ كما لم يُغلَقْ مسجدُ النبيِّ وَّ في زمنِه ولا
بعده .
وقالوا: يُكْرَه إدخالُ المجانين والصبيان الذين لا يميزونَ المساجدَ ولا
يَحْرمُ ذلك؛ فإنَّ النبيَّ نَِِّّ (٤٣٨ - أ/ق) صلَّى وهو حاملٌ أمامةَ، وفعلُه
لبيانِ الجوازِ.
وقال أصحابُ مالكٍ: إذا كان الصبيُّ يعبثُ فلا يُؤْتَ به المسجدَ، وإن
كان لا يعبثُ ويكفُّ إِنَّ نُهِيَ فجائزٌ. قالوا: وإن أتى أباه وهو في الصَّلاةِ
المكتوبة نحَّاهُ عن نفسِه، ولا بأسَ بتركِهِ في النَّافلة.
وخرَّجَ ابنُ ماجه(١) بإسنادٍ ضعيف، عن واثلةَ مرفوعًا: ((جنّبُوا مساجدَنَا
صبیانكم ومجانینکم)).
ورُوِيَ عن بعضِ السَّلْفِ أَنَّ أولَ ما استُنكرَ من أمرٍ(٢) الدين لعبُ
الصِّبيانِ في المساجدِ .
واختلفَ الحنفية في إغلاقِ المساجدِ في غيرِ أوقاتِ الصّلواتِ، فمنهم
من كَرِهَه لما فيه من المنعِ من العباداتِ، ومنهم من أجازَه لصيانته وحفظ
ما فيه .
قال البخاريّ - رحمه اللهُ(٣):
٤٦٨ - حدثنَا أَبُو التُّعْمَانِ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالاَ: ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْد،
عَنْ أُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَِّّ ◌َ قَدِمَ مَكَّةَ فَدَعَا عُثْمانَ بَّنَ
(١) ابن ماجه (٧٥٠).
(٢) ((أمر)) ليست في ((ط)) و ((ك١)).
(٣) في ((ك)) و(ط)): ((رضي الله عنه)).
٣٨٧

الحديث : ٤٦٨
كتاب الصلاة
طَلْحَةَ فَفَتَحَ الْبَابَ، فَدَخَلَ النبي ◌َّهِ وَبَلَاَلٌ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ
طَلْحَةً ثُمَّ أَغْلَقَ الْبَابَ، فَلَبِثَ فَيْهِ سَاعَةٌ، ثُمَّ خَرَجُوا. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَبَدَرْتُ
فَسَأَلْتُ بِلاَلا فَقَالَ: صَلَّى فيه. فَقُلْتُ: فى أَيَّ؟. قال: بَيْنَ الأُسْطَوَانَتَيْن(١).
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَذَهَبَ عَلَيَّ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى.
هذا الحديثُ يدلُّ على أَنَّ الكعبةَ كان لها بابٌ يُغلَقُ (١١٧ - ب/ ك١)
عليها ويُفْتَحُ، ولم يزلْ ذلك في الجاهليةِ والإسلامِ وقد أقرَّ النبيُّ ◌َِلهم
أَمْرَها على ما كانت عليه، ودَفعَ مفتاح الكعبةِ إلى عثمانَ بنِ طلحةَ وأقرَّهُ
بيده كما كان.
وفي ((المسندِ)): أَنَّ النبيَّ وَّ أمرَ عائشةَ أن تطلبَ من شيبةَ أن يفتحَ
لها الكعبةَ ليلا، فأتى النبيِّ وَِّ (١٤٧ - ب/ ط) قال: والله ما فتحتُهُ بليلِ
في جاهليةٍ ولا في (٢) إسلام. فقال: ((فانظرْ ما كنتَ(٣) تصنعُ فافعلْه ولا
تَفْتَحْهُ))(٤)، وأمرَ عائشةَ أن تصلِّي في الحِجْرِ .
وقد رُوِيَ عن ابن جريجٍ وغيرِهِ أَنَّ أولَ من جعلَ للكعبةِ بابا يُغْلَقُ
وكساها كسوةً كاملةً: تُبَّعٌ. وذكرَ ابنُ إسحاقَ أَنَّ ذلك بَلَغَه عن غيرٍ واحدٍ
من أهل العلمِ.
ذكره الأزرقيُّ في ((أخبار مكة))(٥).
ولكنَّ الكعبةَ لا يقاسُ بها سائرُ (٤٣٨ - ب / ق) المساجد في صيانِتِهَا
(١) في ((ق)) الاصطوانتين)).
(٢) ((في)) ليست في ((ك)) و((ط)).
(٣) فى ((ك١)) و((ط)): ((انظر كيف ما تصنع)).
(٤) في ((ك)): ((ولا تفتح)).
(٥)(٢٤٩/١).
٣٨٨

٨١ - باب الأبواب والغلق للكعبة والمساجد
الحديث : ٤٦٨
واحترامهَا؛ فإنَّ سائرَ المساجد إنَّما تُرادُ ليُعبدَ اللهُ فيها، فإغلاقُها لغير
حاجة يمنعُ من المقصود منها، وأَمَّا الكعبةُ فالعبادةُ حولَها لا فيها؛ فإنّ
أخصَّ العبادات منها(١) الطَّوافُ، وإنَّما هو (٢) حولَها، ثم الصَّلاةُ وإنما
يُصلَّى إليها.
وقد اختلفَ العلماءُ في الصَّلاة فيها - كما سبقَ ذكرُه - وكذلك
الاعتكافُ، فإغلاقُها لا يمنعُ حصولَ المقصودِ منها من عبادة الله حولَهَا.
وأما غلقُ المسجدِ الحرامِ الَبنيِّ حولَها فحكمه حكمُ [غلق](٣) سائرِ
المساجد أو (٤) أشدُّ؛ لما فيه من منع الطَّوافِ الذي لا يُتُمكِّنُ منه في غیرِ
ذلك المسجد بخلاف غلقِ سائرِ المساجد؛ فإنَّه لا يتعذرُ بإغلاقها الصلاة؛
فإنَّ الأرضَ كلَّها مسجدٌ، واللهُ أعلمُ(٥).
(١) في (ك)) و((ط)): ((لها)).
(٢) في ((ك)) و((ط)): ((وإنما يطاف حولها)).
(٣) ((غلق)): ليست في ((ق)).
(٤) في ((ق)): ((وأشُدُّ».
(٥) ((والله أعلم)) ليست في ((ط)) و((ك١)).
٣٨٩

الحديث : ٤٦٩
كتاب الصلاة
٨٢ - بَابُ
دُخُولِ الْمُشْرِكِ الْمَسْجِدَ
٤٦٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ: ثَنَا اللَّيْثُ، عَن سَعيد بْن أَبي سَعيد أَنَّهُ سَمعَ أَبَا
هُرَيْرَةَ يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِوَّهُ بِخَيّلِ (١) قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ
بَنِي حَنِفَةَ(٢) يُقَالُ لَهُ: ((ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالِ)) فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي
المسجد.
قد سبقَ هذا الحديثُ بأتمَّ من هذا السياقِ في بابِ («الأسير يُرْبَطُ في
المسجد))(٣)، وفيه: أَنَّ ثمامةَ حينَ رُبْطَ كان مشركًا وأَنَّه إنَّما أسلمَ بعد
إطلاقه .
٠٠
وفي هذا دليلٌ على جواز إدخال المشرك إلى المسجد؛ لكن بإذن
المسلمينَ.
وقد أنزلَ النبيِّ وَّ وفدَ ثقيفٍ في المسجدِ ليكونَ أرقَّ لقلوبهم.
خرَّجَه أبو داودً(٤) من روايةِ الحسنِ، عن عثمانَ بنِ أبي العاص.
ورَوَى وكيعٌ، عن سفيانَ، عن يونسَ، عن الحسنِ قال(٥): إنَّ وفدًا
(١) كتب في هامش (ق) في نسخة: خيلا. وهي في ((اليونينية)) خيلا، ولم يشر إلى خلافها.
(٢) ((من بني حنيفة)) ليست في ((ك١)) و((ط))، وهي مثبتة من ((ق)) و((اليونينية)).
(٣) (فتح: ٤٦٢).
(٤) أبو داود (٣٠٢٦)، وابن أبي شيبة (٣ / ١٩٧).
(٥) ((مصنف عبد الرزاق)) (١ /٤١٤).
٣٩٠

٨١ - باب دخول المشرك المسجد
الحديث : ٤٦٩
قدموا على النبيِّ وَّهِ من ثقيف فدخلوا عليه المسجدَ، فَقِيلَ له: إنَّهم
مشركونَ، قالَ: ((الأرضُ لا ينجِّسُهَا (١٤٨ - أ /ط) شيءٌ).
وخرَّجَه أبو داودَ في ((المراسيل))(١) من روايةٍ أشعث، عن الحسنِ أَنَّ
وفدَ ثقيف قدموا على رسولِ اللهِ وَّله فضربَ لهم قبةً في مؤخرِ المسجدِ
لينظروا إلى صلاة المسلمين إلى ركوعهم وسجودهم. فقيلَ: يا رسولَ
الله! أتنزلُهم (٢) المسجدَ وهم مشركونَ؟! (١١٨ - أ/ ك١) قال: ((إنَّ الأرضَ
لا تَنجسُ إنَّما يَنجسُ ابنُ آدم)) (٤٣٩ - أ/ق). وكذلك سائر وفودِ العربِ
ونصارى نجران كلُّهم (٣) كانوا يدخلونَ المسجدَ إلى النبيِّنَّه ويجلسونَ
فيه عنده(٤)، ولمَّا قدم مشركو قريشٍ في فداءِ أسارَى بدرٍ كانوا يَبيتُون في
المسجد، وقد روى ذلك الشَّافعيّ بإسنادٍ له.
وقد خرج البخاريُّ(٥) حديثَ جبيرِ بنِ مطعمٍ - وكان ممن قدم في
فداء الأسارى - أَنَّه سمعَ النبيِّ وَّهِ يقرأُ في المغربِ بالطّورِ. قال: وكان
ذلكَ أولَ ما وقر الإيمان في قلبي.
وخرَّج البخاريَّ - فيما سبق في كتاب ((العلم))(٦) - حديثَ دخول
ضمامٍ بنِ ثعلبةَ المسجدَ وعقلِه بعيرَه فيه وسؤاله النبيّ وَّ عن الإسلامِ،
ثم أسلمَ عقبَ ذلك.
ورَوَى أبو داودَ في ((المراسيل)) (٧) بإسناده عن الزَّهريِّ قَالَ : أخبرني
(١) ((المراسيل)) لأبي داود (ص ٨٠).
(٣) في ((ك)) و((ط)): ((عليهم)).
(٢) فى ((ك١)) و((ط)): ((أنزلتهم)).
(٤) في ((ك)): ((عنده فيه)).
(٥) (فتح: ٧٦٥).
(٧) ((المراسيل)) (ص ٨٠).
(٦) (فتح: ٦٣).
٣٩١

الحديث : ٤٦٩
كتاب الصلاة
سعيدُ بْنُ المسيَّب أَنَّ أبا سفيان كان يدخلُ المسجدَ بالمدينة وهو كافرٌ.
غير أَنَّ ذلك لا يصلحُ في المسجدِ الحرامِ لما قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ ﴿إِنَّما
المشركونَ نجسٌ فَلا يَقْرِبوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ﴾ [التوبة: ٢٨].
وقد اختلفَ أهلُ العلمِ في ذلك، فرخَّصَ طائفةٌ منهم في دخول
الكافر المسجد (١) وهو قولُ أبي حنيفةَ والشَّافعيِّ، وحُكيَ روايةً عن أحمدَ
رجَّحها طائفةٌ من الأصحاب.
قال أصحابُ الشَّافعيِّ: وليسَ له أن يدخلَ المسجدَ إلا بإذن المسلم(٢)،
ووافَقَهم طائفةٌ من أصحابنا على ذلك. وقالَ بعضُهم: لا يجوزُ للمسلم(٣)
أن يأذنَ فيه إلا لمصلحة من سماعٍ قرآنٍ أو رجاءِ إسلامٍ أو إصلاحِ شيءٍ،
ونحو ذلك، فأمَّا لمجردِ الأكلِ واللبثِ والاستراحة فلا.
ومن أصحابنا من أطلقَ الجوازَ ولم يقيِّدْهُ بإذنِ المسلمِ(٢).
وهذا كلُّه في مساجدِ الحِلِّ، فأمَّا المسجدُ الحرامُ فلا يجوزُ للمسلمينَ
الإذنُ في دخولِه للكافرِ؛ بل لا يُمكَّنُ الكافرُ من دخولِ الحرمِ بالكليةِ
عندَ الشَّافعيِّ وأحمدَ وأصحابهما، واستدلُّوا بقول الله تعالى: ﴿إِنَّما
الْمُشْرِكونَ نَجسٌ (١٤٨ - ب/ط) فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِم
هذا﴾ [التوبة: ٢٨].
وكانَ النبيُّ وَّهِ أَمرَ مناديًا ينادِي: ((لا يحجُّ بعدَ العامِ مشركٌ)(٣).
وأجازَه أبو حنيفةَ وأصحابُه.
(١) في ((ق)): ((في المسجد)).
(٣) مسلم (١٣٤٧ / ٤٣٥).
(٢) في ((ك)) و((ط)): (المسلمين)).
٣٩٢

٨١ - باب دخول المشرك المسجد
الحديث : ٤٦٩
فأمَّا مسجدُ المدينة: فالمشهورُ عندَنَا (٤٣٩ - ب/ق) وعندَ الشَّافعية أَنَّ
حكمه حكمُ مساجدِ الحِلِّ. ولأصحابِنَا وجهُ: أَنَّه ملحقٌ(١) بالمسجد
الحرامِ؛ لأنَّ المدينةَ حَرَمٌ، وحُكيَ عن ابنِ حامدٍ، وقالَه القاضي أبو يعلى(٢)
في بعضِ كتبِه.
وهذا بعيدٌ؛ فإنَّ الأحاديثَ الدالةَ على الجوازِ إِنَّما وردتْ في مسجدٍ
المدينةِ بخصوصه، فكيف يُمْنِعُ منه ويُخَصَّ الجوازُ بغيره؟(٣)
وقالت طائفةٌ: لا يجوزُ تمكينُ الكافرِ من دخولِ المساجدِ بحالٍ .
وهذا هو المرويُّ عن الصَّحابةِ، منهم:
عمرُ، وعليٌّ، وأبو موسى الأشعريُّ، وعن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ،
وهو قولُ مالك والمنصوص عن أحمدَ قالَ: لا يدخلونَ المسجدَ، ولا
ے
ينبغي لهم أن يُدخلوهم. واستدلَّوا بقول الله تعالى ﴿وَمَنْ أَظْلِمُ مَّن مَّنَعَ
مَسَاجِدَ الله أَن يُذْكَرَ فيها اسْمُهُ» وسعى في خَرَابها أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن
يَدْخُلُوَهَا (١١٨ - ب/ ك١) إِلا خَائِفِينَ﴾ [البقرة: ١١٤]، وظاهرُهُ يدلُّ على
أنَّ الكفَّارَ لا يُمكَّنونَ من دخولِ المساجدِ، فإن دخلوا أُخيفُوا وعُوقُبُوا
فيكونونَ في حالِ دخولهم خائفينَ من عقوبةِ المسلمين لهم.
وقد رُويَ عن عليَّ أَنَّه كان على المنبرِ فبصرَ بمجوسيٌّ فنزلَ وضربَه
وأخرجه.
خرَّجَه الأثرمُ.
(١) في ((ط)) و((ك)): ((ملتحق)).
(٢) ((أبو يعلى)) ليست في (ك)) و((ط)).
(٣) في ((ك)) و((ط)): «بالجواز غيره)) .
٣٩٣

الحديث : ٤٦٩
كتاب الصلاة
وعلى هذا القول فأحاديثُ الرخصةِ قد تُحملُ على أَنَّ ذلك قبلَ
النَّهي عنه أو أَنَّ ذلك كان جائزا حيثُ كان يُحْتَاجُ إلى تألفِ قلوبهم،
وقد زالَ ذلك.
وفرَّقَتْ طائفةٌ بينَ أهلِ الذِّمةِ وأهلِ الحربِ فقالوا: يجوزُ إدخالُ أهل
الذِّمَةِ دونَ أهلِ الحربِ .
ورُوِيَ عن جابرِ بنِ عبد الله وقتادةَ، ورَوَى عبدُ الرزَّاقِ (١)، عن ابنِ
جريجٍ: أخبرني أبو الزُّبِيِ أَنَّهَ سَمِعَ جابرَ بْنَ عبدِ الله يقولُ في قوله تعالى
﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِم هَذَا﴾
[التوبة: ٢٨] قالَ: إلا أن يكونَ عبدًا أو أحدًا من أهلِ الذِّمةِ.
وقد رُوِيَ مرفوعًا من رواية شريك: ثنا أشعثُ بنُ سَوَّارِ، عن
الحسنِ، عن جابرٍ، عن النبيِّ وَلِ قالَ: ((لا يدخلُ مسجدَنَا هذا مشركٌ
بعدَ عامِنَا هذا، غير أهلِ الكتابِ وخدمِهم)).
خرَّجَهَ الإمامُ أحمدُ(٢)، وفي روايةٍ له: ((غير أهلِ العهدِ وخدمِهم)).
وأشعثُ بنُ سَوَارٍ ضعيفُ الحديثِ(٣).
وقد خصَّ بعضُ أصحابنا حكايةَ الخلاف المحكيِّ (١٤٩ - أ/ط) عن
أحمدَ (٤٤٠ - أ/ ق) في المسألةِ بأهلِ الذمةِ.
(١) ((المصنف)) (٦ / ٥٣).
(٢) ((المسند)) (٣/ ٣٣٩).
(٣) ((تهذيب الكمال)) (٣ / ٢٦٤ - ٢٧٠).
٣٩٤

الحديث ٤٧٠
٨٣ - بَابُ
رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ
خرَّجَ فيه حدیثینِ :
الحديث الأول موقوفٌ:
٤٧٠ - ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: ثَنَا يَحْبِى بْنُ سَعِيدِ الْقَطَّانُ (١): ثَنَا الْجُعَيْدُ
ابْنُ عَبْدِ الرَّحمنِ: ثَنَا يَزِيدُ بَنْ خُصَيَفَةَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كُنْتُ
قَائِمًا في الْمَسْجِدِ فَحَصَبَنِي رَجُلٌ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا عُمَّرُ بْنُّ الْخَطَّبِ فَقَالَ:
اذْهَبْ فَأْتِي بِهَذَّيْنٍ، قَالَ(٢): فَجِثْتُهُ بِهِمَا فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمَا، و(٣) مِنْ أَيْنَ
أَنْتُمَا؟ قَالا: مِنْ أَهْلِ الطَّاتِفِ قَالَ: لَوَ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ لأَوْجَعْتُكُمَا،
تَرْفَعَانِ أَصْوَتَكُمَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ﴾؟ !.
إنما فرقَ عمرُ بينَ أهلِ المدينةِ وغيرِها في هذا (٤) لأن أهلَ المدينة لا
تَخْفى عليهم حُرمةُ مسجد رسولِ اللهِ وَلَّه وتعظيمه، بخلافٍ مَن لم يكنْ
مِن أهلِها فإنَّه قد يَخفَى عليه مثلُ هذا القدرِ من احترامِ المسجدِ، فَعُفِيَ
عنه بجهله.
ولعلَّ البخاريَّ يرى هذا القبيلَ من المسندِ، أعني: إذا أخبرَ الصّحابيّ
عن شُهرةٍ أمرٍ وتقريرِه وأنَّه ممّا لا يخفى على أهلِ مدينةِ النبيِّ وَّ وأن
(١) ((القطان)) ليست في ((اليونينية)).
(٣) في ((اليونينية)): ((أو)).
(٢) ((قال)) ليست في ((اليونينية)).
(٤) قوله: ((في هذا)) من ((ق)) فقط.
٣٩٥

الحديث ٤٧٠
كتاب الصلاة
ذلك يكونُ كرفعه. ويشبه (١) هذا ما قال الفقهاءُ أنَّ مَن ارتكبَ حدّاً كالزنا
ونحوِه ممن نشأ في بادية بعيدة عن الإسلام وادَّعى الجهلَ بتحريمه فإنَّه لا
يُقَامُ عليه ويُعذرُ بذلك، بخلافٍ من نشأ ببلادِ الإسلام.
وفيه: أنَّ التنبيه في المسجدِ بالحصْبِ بالحصى جائزٌ. وقد كان ابنُ
عمرَ إذا رأى من يصلِّي (١١٩ - أ/ ك١) ولا يرفعُ يديه حَصَبَهُ بالحصباء،
وكذلك إذا رأى من يتكلَّمُ والإمامُ يخطب.
وفي هذه الروايةِ: ((كنتُ قائمًا في المسجد)) كذا هو في كثيرٍ من نسخِ
صحيحِ البخاريِّ، وقد خرَّجه البيهقيُّ في سننه - وقرأتُه بخطّه - من
روايةٍ أبي خليفةَ، عن عليٍّ بنِ المدينيِّ وفيه: ((كنتُ نائمًا)) بالنُّونِ(٢).
وقد خرَّجَهَ الإسماعيليُّ في مسندٍ عمرَ من طُرقٍ، وعنده أنَّه قال:
((كنتُ مضطجعًا))(٣).
وهذه صريحةٌ في النَّومِ، ولم ينكرْ عليه عمرُ نومَه في المسجدِ .
وخرَّجَه الإسماعيليُّ - أيضًا - من روايةِ حاتمٍ - هو ابنُ إسماعيل -،
عن الجعيدِ، عن السَّائبِ لم يذكرْ بينهما يزيدَ بنَ خصيفةَ، وأشارَ إلى
ترجيحِ هذه (٤٤٠ - ب/ ق) الروايةِ على روايةِ القطَّانِ.
وفي قوله نظرٌ، والجعيدُ - ويقال له (٤): الجعدُ - بنُ عبدِ الرحمن بنِ
أوس، ويُنسبُ (١٤٩ - ب/ط) تارةً إلى جَدِّه، وقد وقعَ في بعضِ
(١) في ((ك))، و((ط)): ((وشبه)).
(٢) ((السنن الكبرى)) (٤٤٧/٢ - ٤٤٨).
(٣) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٠٣/١٠) من طريق الإسماعيلي، وعنده: ((بينما
أنا مضطجع في المسجد)).
(٤) قوله: (له)) ليست في ((ق)).
٣٩٦

٨٣ - باب رفع الصوت في المسجد
الحديث ٤٧٠
روايات هذا الحديث تسميتُه ((الجعد)) وفي بعضها تسميتُه ((الجعد بن
أوس)(١) وهو رجلٌ واحدٌ فلا يتوهمنَّ غير ذلك.
وقد رُويّ هذا عن عمرَ من وجه آخر، خرَّجه الإسماعيليُّ في مسندٍ
عمرَ من طريقِ عَبدة، عن عُبيدِ اللهِ بنِ عُمرَ، عن نافعِ أنّ رجلا من
ثقيف أخبره أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ سمع ضحكَ رجل في المسجدِ فأرسلَ
إليه فدعاه فقال: ممن أنت؟ فقال: أنا رجلٌ من أهلِ الطَّائف. فقال: أما إنَّكَ
لو كنتَ من أهلِ البلدِ لنكَّلْتُ بك؛ إنَّ مسجدَنا هذا لا يرفعُ فيه
الصوتُ(٢).
وقد رُوِيَ في حديثِ واثلةَ المرفوع: ((جَنِّبوا مساجدكم خُصُومَاتِكم
ورفعَ أصواتكم)).
خرَّجَهَ ابنُ ماجه بإسناد ضعيف جدّاً (٣).
ورُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ أَنَّه كان يكرهُ أن تُرفعَ الأصواتُ في المسجدِ ،
وقد سبقَ.
ورفعُ الأصواتِ في المسجدِ علی وجهين:
أحدهما: أن يكونَ بذكر الله وقراءة القرآن والمواعظِ وتعليمِ العلمِ
وتعلمه .
فما كان من ذلكَ لحاجةِ عمومِ أهلِ المسجدِ إليه مثل الأذان والإقامة
(١) جاء هكذا في رواية البيهقي السابقة، وقال البيهقي نحوًا مما قاله المؤلف - رحمة الله
عليهما .
(٢) من قوله: ((وقد روي هذا عن عمر)) إلى هنا من ((ق)) فقط.
(٣) ابن ماجه (٧٥٠).
٣٩٧

الحديث ٤٧٠
كتاب الصلاة
وقراءة الإمامِ في الصَّلواتِ التي يُجهرُ فيها بالقراءة، فهذا كلُّه حسنٌ
مأمورٌ به، وقد كان النبيُّ بَل﴿ إذا خطبَ علا صوتُهُ واشتدَّ غضبُه كأنَّه
منذرُ جيشٍ يقولُ: ((صبَّحكم ومسَّكم)) (١)، وكان إذا قرأ في الصَّلاةِ
بالنَّاسِ تُسمِعُ قِراءَتُهُ خارجَ المسجدِ، وكان بلالٌ يؤذنُ بين يديه ويقيمُ في
يومِ الجمعةِ في المسجدِ .
وقد كره بعضُ علماءِ المالكية في مسجدِ المدينةِ خاصةً لمن بَعْدَ النبي
وَ لِ أن يزيدَ في رفعٍ صوتِه في الخطبِ والمواعظِ على حاجةِ إسماعِ
الحاضرين تأدُّبًا مع النبيِّ بَّه؛ لأنه وَّهِ حاضرٌ يَسمع ذلك فيلزم التأدبُ
معه كما لو كانَ حیّا.
وما لا حاجةً إلى الجهرِ فيه: فإن كان فيه أذى لغيره ممن يشتغلُ
بالطَّاعاتِ كمن يُصلِّي لنفسِهِ ويجهر بقراءتِه حتَّى يُغَلِّطَ من يقرأُ إلى
جانبِه أن يُصلِّيَ (٤٤١ - أ/ قَ) فإنَّه مَنْهِيٌّ عنه.
وقد خرجَ النبيُّ نَّهَ ليلةً على أصحابِه وهم يصلُّونَ في المسجدِ
[و](٢) يجهرون بالقراءة فقال: ((كلَّكم يناجي ربَّه، فلا يجهرْ بعضُكم على
بعضٍ بالقرآنِ)). وفي رواية: ((فلا يؤذِ بعضكم بعضًا ولا يرفع بعضكم
على بعضٍ في القراءة)) .
خرَّجَه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ من حديث أبي سعيدٍ(٣).
وكذلك رفع الصوتِ بالعلمِ زائداً على الحاجةِ مكروهٌ عند أكثر
العلماء، وقد سبق ذكره مستوفى (١١٩ - ب/ ك١) في أوائلٍ كتاب ((العلم))
(١) أخرجه مسلم (٨٦٧) من حديث جابر.
(٢) من ((ق)) فقط.
(٣) أحمد (٩٤/٣)، وأبو داود (١٣٣٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (٣٢/٥).
٣٩٨

٨٣ - باب رفع الصوت في المسجد
الحديث ٤٧١
في باب ((رفع الصوت بالعلم)).
الوجه الثَّاني: رفعُ الصوتِ بالاختصامِ ونحوه من أمور الدنيا، فهذا
هو الذي نهى عنه عمرُ وغيرُهُ من الصّحابةِ .
ويشبهه إنشادُ(١٥٠ - أ/ ط) الضَّالة في المسجدِ وفي ((صحيحٍ مسلمٍ))،
عن النبيِّ وََّ كراهتُه والزجرُ عنه من رواية أبي هريرةَ وبريدة(١).
وأشدُّ منه كراهةً: رفعُ الصَّوَتِ بالخِصامِ بالباطلِ [في أمورِ الدينِ،
فإنَّ اللّهَ ذَمَّ الجدالَ في الله بغيرِ علمٍ، والجدالَ بالباطلِ](٢)، فإذا وقع ذلك
في المسجدِ ورُفعتِ الأصواتُ به تضاعفَ قبحُهُ وتحريُه.
وقد كره مالكٌ رفعَ الصوتِ في المسجدِ بالعلمِ وغيره، ورخَّصَ أبو
حنيفة ومحمدُ بنُ مسلمةَ من أصحابِ مالك في رفعِ الصّوتِ في المسجد
بالعلمِ والخصومةِ وغير ذلك مما يحتاجُ إليه النَّاسُ؛ لأنَّه مجمعُهم ولابدَّ
لهم منه(٣). وهذا مبنيّ على جوازِ القضاءِ في المساجدِ، [وقد سبق
ذكره](٤) .
الحديثُ الثَّاني:
قال البخاريّ :
٤٧١ - ثَنَا أَحْمَدُ: ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ
شهَابِ قَالَ (٥): حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ تَعْبِ بْنِ مَالِكِ أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِك
(١) ((صحيح مسلم)) (٥٦٨)، (٥٦٩).
(٢) ما بين المعقوفين من ((ق)) فقط.
(٣) انظر (جامع بيان العلم)) (٥٥٤/١ - ٥٥٥).
(٤) ما بين المعقوفين ليست في ((ق)).
(٥) قوله: ((قال)) ليست في ((اليونينية)).
٣٩٩

الحديث ٤٧١
كتاب الصلاة
أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدَ دَيْنًا كَان لَهُ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ (١) ◌َِّ فِي
الْمَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللهِ وَّةِ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ،
فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللهِثّلِ حَتَّى كَشَفَّ سِجْفَ حُجْرِتَهِ وَتَادَى كَعْبَ بْنَ
مَالك فَقَالَ:(يَا كَعْبُ). قَالَ: لَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ فَأَشَارَ بِيَّدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ
مِنَ دَيْنِكَ. قَالَ كَعْبٌّ، قَدْ فَعَلْتُ (٤٤١ - ب/ ق) يَا رَسُولَ الله قَالَ رَسُولُ
الله ◌َ: ((قُمْ فَاقْضِهِ».
البخاريُّ يروي في كتابه هذا عن أحمدَ غير منسوبٍ، عن ابنٍ
وهب، وقد اختُلِفَ فيه، فقيل: هو ابنُ عبدِ الرحمنِ بنِ وهبٍ، ابنَ
أخي ابن وهبٍ. قالَه أبو أحمدَ الحاكمُ وغيرُه. وأنكرَ آخرون أن يكونَ
يروي عن ابن وهب(٢) هذا شيئًا في كتابه؛ فإنَّه قد كَثُرَ الطَّعنُ عليه،
قالوا: ويحتملُ أنَّه أحمدُ بنُ صالح المصريُّ الحافظُ أو أحمد بنُ عيسى
التُّسْتَرَي، فإنَّه روى عنهما صريحًا في مواضعَ، واللهُ أعلم (٣).
ويَستدلُّ بهذا الحديثِ مَن يُجيزُ رفِعَ الأصواتِ بالخصوماتِ في
المساجد عند الحُكامِ وغيرِهم؛ فإن النبيّ وَله لم ينكر ذلك عليهما، إنَّما
أصلحَ بينهما وأمر صاحبَ الحقِّ بأن يضعَ شيئًا منه، ثم أمرَ المدينَ
بالقضاءِ لما بقي عليه وهذا إصلاحٌ.
ومن كَرِهَ ذلك أجابَ بأنَّ ما وقعَ من النبيِّ وَّرَ هو قطعٌ لما وقعَ
(١) من ((ق)). وفي ((ك١)) و((ط)) و((اليونينية)): ((رسول الله)).
(٢) في ((ق)): ((وهب)) خطأ وابن وهب يعني أحمد بن عبد الرحمن.
(٣) وانظر: ((رجال البخارى)) للكلاباذي (٤٧/١)، و((فتح الباري)) لابن حجر (٥٦١/١)
و ((تهذيب الكمال)) (٥٢٦/١).
٤٠٠