Indexed OCR Text

Pages 361-380

الحديث : ٤٦١
٧٥، ٧٦ - بَابُ(١)
الأَسيرِ وَ الْغَرِيمِ يُرْبَطُ إِلَى(٢) سَارِيَةِ الْمَسْجِد.
فیه حديثان: أحدهما قال:
٤٦١ - ثَنَا (٣) إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: ثَنَا (٣) رَوْحٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرَ(٤)،
عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ: ﴿ قَالَ: «إِنَّ
عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - لِيَقْطَعَ عَلَيَّ
الصَّلَاةَ فَأَمْكَنَنِّي (٥) اللهُ مِنْهُ، فَأَرَدَتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِن سَوَارِي
الْمَسْجِدِ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنَظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرَّتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ:
﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ هَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِيٍ﴾ [ص: ٣٥].
قَالَ رَوْحٌ (٦): فَرَدَّهُ خَاسِئًا.
(١) قال الحافظ في ((الفتح)): ((وعند بعضهم ((باب)) بلا ترجمة، وكأنه فصل من الباب الذي
قبله)). ا. هـ. ويقول العيني في ((عمدة القاري)): ((والصواب هنا النسخة التي فيها ذكر
الباب مفردًا بلا ترجمة؛ لأن حديث هذا الباب من جنس حديث الباب الذي قبله، ولكن
لما كانت بينهما مغايرة ما فصل بينهما بلفظ باب مفردًا)). ا.هـ. في ((اليونينية))،
والقسطلاني: ((باب الاغتسال إذا أسلم، وربط الأسير ... )).
(٢) في ((ق)) كتب فوقها: في نسخة: ((في)). وفي ((اليونينية)): ((يربط في المسجد))، وكذا
القسطلاني .
(٣) في ((ط)): ((نا)).
(٤) في ((ق)) و((ط)) و((ك١)): ((عن محمد بن جعفر))، والصواب: ((ومحمد بن جعفر)) كما
في ((تحفة الأشراف)) (١٠ /٣٢٥) - وكما فى ((اليونينية)).
(٦) (روح)) ليست في ((ك١)).
(٥) في ((ك)): ((فأمكنِّي)).
٣٦١

الحديث : ٤٦٢
كتاب الصلاة
والثَّاني: قال: (١)
٤٦٢ - ثَنَا(٢) عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ: ثَنَا(٢) اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي
سَعِيدٍ أَنَّه سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ◌َ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ فَجَاءَتْ
بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ(ثُمَامَةُ بْنُ أَثَال))، فَرَبَطُوهُ بَسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي
الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ◌َ فَقَالَ: ((أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ)، فَانطَلَقَ إِلَى نَخْلِ
قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إلا
اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ.
دلَّ هذان الحديثان على ربطِ الأسيرِ إلى سارية من سواري المسجد؛
فإنَّ النبيَّ وَّهِ لم يكنْ في زمانِه سجنٌ يسجنُ فيه الأسارى، ولهذا لَّا ندمَ
أبو لبابةً على ما قالَ لبني قريظة (١١٢ - ب/ ك١) ربطَ نفسَه بسارية من
سواري المسجد .
وفي بعضِ نسخِ كتابِ البخاريِّ في هذا الباب (٤٣١ - ب/ق) زيادةٌ:
وكان شريحٌ يأمرُ بالغريمِ(٣) أن يحبسَ (٤) إلى سارية المسجد.
ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ - أيضًا - قال يعقوبُ بنُ شيبةَ: ثنا عُبِيدُ بن
يَعيش: ثنا صَيَفيَّ بنُ ربعيِّالأنصاريُّ، عن أبيه: حدَّثني مشيخةُ (١٤١ - أ/ ط)
الحيِّ أنَّ عليّا استعملَ رجلا على عملٍ فأتاه فسأله عن المالِ فلم يرفع إليه
ما أراد. قالَ: فشدَّهُ على أُسطوانة من أساطين المسجد فقال: أدِّ مالَ الله.
(١) ((قال)) ليست في ((ق)).
(٢) في ((ط)): ((نا)).
(٣) في ((ق)) كتب في الهامش: ((في نسخة: الغَريمَ)).
(٤) في ((ق)): ((حبس)).
٣٦٢

الحديث : ٤٦٢
٧٥، ٧٦ - باب الأسير والغريم يربط إلى سارية المسجد
ورَبْطُ الأسيرِ إن كانَ من الكفارِ فربطُه من مصالحِ الدينِ، وقد أمرَ
اللهُ تعالى به بقولهٍ(١): ﴿حتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مِنّ بَعْدُ
وَمَّا فِدَاءٍ﴾ [محمد: ٤].
وإن كانَ من المسلمينَ على دَيْنِ له أو حقٍّ ليخرجَ منه فهو من مصالحٍ
ےے
المسلمينَ المحتاجِ إليها لحفظِ أموالهم واستيفاءِ حقوقِهم، وهو من جنسٍ
القضاءِ في المسجدِ وأمرِ الخصومِ بإنصافِ بعضِهِم لبعضٍ والخروج من
الحقوقِ اللازمةِ لبعضهم بعضًا، وقد سبقَ أَنَّ القضاءَ في المسجدِ جائزٌ.
وَالله بربط الشَّيطان هو من عقوباتِ العُصاةِ المتمردينَ
وهَمُّ النبي
المتعرضينَ لإفساد الدين(٢)، وليسَ من جنسِ إقامةِ الحدودِ بالضّربِ
والقَطعِ حتَّى تُصانَ عنه المساجدُ، إنما هو حبسٌ مجردٌ فهو کحبسٍ
الأسارى من الكفَّارِ.
وبقيةُ فوائد الحديثين تذكرُ في مواضع(٣) أُخر إن شاءَ اللهُ سبحانه(٤)
وتعالى .
(١) ((بقوله)) في ((ق)) فقط.
(٣) في ((ك١)): ((موضع)).
(٢) في ((ق)): ((المدين)).
(٤) في ((ق)): ((إن شاء الله تعالى)).
٣٦٣

الحديث : ٤٦٣
كتاب الصلاة
٧٧ - بَابُ
الْخَيْمَةِ فِي الْمَسْجِدِ لِلْمَرْضَى وَغَيْرِهِمْ
٤٦٣ - حدَّثَنَا زَكَرِيًّا بْنُ يَحْيَى: ثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ: ثَنَا هِشَامٌ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ عَائشَةَ قَالَتْ: أُصيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَندَق في الأكحلِ، فَضَرَبَ
الَّبِيُّ ◌َّ خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدَ لَيَعُودَهُ مِن قَرِيبٍ، فَلَمْ يَرُعُهُمْ - وَفِي الْمَسْجِدِ
خَيْمَةٌ مِنْ بَنِي غِفَار - إِلا الدَّمُ يَسِيلُ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا أَهْلَ الْخَيْمَة! مَا هَذَا
الَّذِي يَأْتِنَا مِن قِبَلِكُمْ؟ فَإِذَا سَعْدٌ يَغْذُوْ جُرْحُهُ دَمًا، فماتَ فِيهَا (١) .
في الحديثِ دليلٌ على جوازِ ضربِ الخيامِ في المسجد، فإنَّه كانَ فيه
خيمةٌ لبني غفارٍ، وضَرَبَ النبيُّ وََّ خيمةً لسعد بن معاذٍ لما رُمِيَ بسهمٍ
في أكحلِهِ يومَ الخندقِ وقصدَ بذلك أن يعودَه من قرب؛ فإنَّ منزلَه كان
فيه بعدٌ عن المسجدِ، وقد كانَ النبيُّ نَّهِ يُضِرَبُ (٤٣٢ - أق) له قُبّةٌ في
اعتكافِهِ في المسجدِ وأزواجُه معه، وقد كانَ للأمةِ السَّوداءِ حِفشٌ (٢) أو
خِباءٌ في المسجدِ - كما سبقَ. ورُوِيَ أن النبيَّ وَ ◌ّ أَنْزِلَ وفد ثقيفٍ في
قُبَّةٍ (٣) في المسجد.
وقد اختلفَ العلماءُ في ذلك، فكَرِهَ أحمدُ للمعتكف (١٤١ - ب/ط)
أن يضربَ خيمةً ونحوها في المسجدِ إلا لشِدةِ البَردِ، ورخَّصَ فيه إسحاقُ
(١) في ((ق)) كتب فوقها: ((في نسخة منها)).
(٢) هو: الصغير من بيوت الأعراب - كما في ((اللسان)).
(٣) في ((ق)): ((قبنة)).
٣٦٤

٧٧- باب الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم
الحديث : ٤٦٣
إذا كان قصدُه أن يَصُونَ المسجدَ عمَّا يكونُ منه من حدث أو سُقوطِ شيءٍ
من طعامِه في المسجد، نقلَه عنهما إسحاقُ بنُ منصورٍ في ((مسائِلِه)).
ومن(١) رخَّصَ في ضرب الأخبيةِ ونحوِها في المساجد، كما دَّتْ
عليه الأحاديثُ في هذا الباب قال: (١١٣ - أ/ ك١) هي لا تتأَبَّدُ فلا تكونُ
ممنوعةً بخلاف ما يتأبّدُ كالغِراس والبناءِ، فإنَّه لا يجوزُ.
وقد نصَّ أحمدُ على منعِ الغِراسِ في المساجدِ، وهو قولُ مالك.
وقالَ أصحابُ الشَّافِعِيِّ: يُكْرَهُ.
وحُكِي جوازُه عن الأوزاعيّ(٢).
(١) فى ((ك١))، و((ط)): ((وممن)).
(٢) في ((ك))، و((ط)): ((وحكي عن الأوزاعي جوازه).
٣٦٥

الحديث : ٤٦٤
كتاب الصلاة
٧٨ - بَابُ
إِذْخَال الْبَعير في المَسْجد للعلَّةَ
وَقَالَ(١) ابْنُ عَّاسٍ: طَافَ النَِّيُّ ◌ََّ عَلَى بَعِيرِ
٤٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَبَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنِ زَيْنَبَ بِنتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ
قَالَتْ: شَكَّوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ أَنِّي أَشْتَكِي. قَالَ: ((طُوفِي مِن وَرَاءِ
النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ)). فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللهِ وَ يُصَلِّي إِلَى جَنَبِ الْبَيْتِ بَقْرَاً
بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ.
حديثُ ابنِ عبَّاس في طوافِ النّبِيِّ نَّ على بعيرٍ: قد خرَّجَه
البخاريُّ (٢) في كتاب ((الحج)) مع حديثِ أمِّ سلمةَ هذا في بابِ ((طوافٍ
المريضِ راكبًا)) وبوَّبَ على الحديثينِ ها هنا «إدخال البعير في المسجدِ
للعلَّةِ)) يعني للحاجة(٣) إلى إدخاله، مثل أن يطوفَ عليه في مرضه.
وقد جاءَ في روايةٍ أخرى في هذا الحديثِ أنَّ النبيَّ ◌ِِّ أمرَ أمَّ سلمةَ
أن تطوفَ على بعيرِها.
وإدخال ما يؤكلُ لحمُه من الحيوانات إلى المساجدِ ينبني على
حكمٍ (٤٣٢ - ب/ ق) بولِهَا وروثِهَا، فمن قالَ: إِنَّه طاهرٌ أجازَه ولم يكرهْهُ
للحاجة إليه.
٠
(١) في ((ق)): ((قال)) .
(٣) في ((ق)): ((لحاجة)).
(٢) (فتح: ١٦٣٢ - ١٦٣٣).
٣٦٦

٧٨ - باب إدخال البعير في المسجد للعلة
الحديث : ٤٦٤
وقد استدلَّ أصحابُنا وأصحابُ مالك بهذه الأحاديث على طهارةِ بولِ
ما يُؤْكلُ لحمُه، وقالوا: لو كان بولُ البعيرِ نجسًا لم يدخلِ المسجدَ.
وقد خرَّجَ البخاريُّ في كتاب ((العلم))(١) حديثَ قُدوم ضِمامِ بنِ ثعلبةَ
ودخولِهِ المسجدَ وعقلِهِ بعيرَه فيه والنبيُّ وَّرِ متكئٌّ في المسجدِ (١٤٢ -
أ/ ط).
ومن قال: إِنَّه نجسُ كره دخولَها. وقد صرَّحَ به أصحابُ الشَّافعيِّ
وقالوا: إنَّما طافَ النبيُّ وَِّ على بعيرِه (٢) لبيانِ الجوازِ.
وهذا مردودٌ بأمرِهِ أمَّ سلمةَ بالطَّوافِ راكبةً وبإقرارِهِ ضمامًا على عقلٍ
بعيرِه في المسجدِ .
وأما ما لا يؤكل لحمه من الحيوانات فيُكْرِهُ إدخالُه المسجدَ بغيرِ
خلاف. وقد نصَّ عليه مالكٌ في ((الكلاب وجَوارحِ الطير)) ورخَّصَ
أحمدُ في غلقِ المساجدِ لئلا تدخلَها الكِلابُ.
وقد رُوِيَ عن عمرَ أَنَّه نَهَى عن الطَّوافِ بالبيتِ راكبًا على فرسٍ
ونحوِها، فرَوَى سفيانُ، عن عمرو بن دينار قال: طافَ رجلٌ بالبيت
على فرسٍ فمنعوه فقال: أتمنعوني؟، فكتب في ذلك إلى عمرَ بنِ
الخطّابِ، فكتب عمرُ أن امنعوه. وإنَّما منعَ عمرُ من ذلك مبالغةً في
صيانة المسجد ولئلا(٣) يؤذي الرَّاكبُ الماشينَ في الطَّوافِ. [والله سبحانه
وتعالى أعلم] (٤).
(١) (فتح: ٦٣).
(٣) ليس فى ((ط)) و((ك١)) حرف الواو.
(٢) في (ط)) و((ك١)): (بعير)).
(٤) ما بين المعقوفين ليس في ((ق)).
٣٦٧

الحديث : ٤٦٥
كتاب الصلاة
٧٩ - بَابٌ
٤٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى: ثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ: ثَنَا أَبِي، عَن قَتَادَةَ:
ثَنَا أَنَسٌ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ(١) وَ خَرَجَاً مِّنْ عِندِ النَّبِّ ◌َ﴿هُ فِي
لَيْلَة مُظْلِمَةٍ وَمَعَهُمَا مِثْلُ الْمِصْبَاحَيْنِ (١١٣ - ب/ك١) يُضِيئَانِ بَيْنَ
أَيْدِيْهِمَا. فَلَمَّا افْتَرَقَا صَارَ مِع كُلِّ وَاحِدٍ مَنْهُمَا وَاحِدٌ (٢) حَتَّى أَتَى أَهْلَهُ.
وخرَّجَهَ(٣) في ((المناقب)) من روايةِ همَّامٍ: ثنا قتادةُ، عن أنسٍ أَنَّ رجلينِ
خَرَجَاً من عندِ النبيِّ وَّ في ليلة مظلمةٍ فإذا نورٌ بينَ أيديهما حتَّى تفرّقًا،
فتفرق النُّورُ معهما.
قال البخاريّ: وقال (٤٣٣ - أ/ ق) معمرٌ، عن ثابت، عن أنسٍ أنَّ أُسيدَ
ابنَ حُضَيْرٍ ورجلا من الأنصار. وقالَ حمَّدٌ: أبنا ثابتٌ، عن أنسٍ: كانَ
أُسيدُ بنُ حضَيرٍ وعبَّادُ بنُ بشرٍ عندَ النبيِّ وَلَ.
وهاتان الروايتانِ الْمُعَلَّقَتانِ ليستًا على شرطِهِ؛ لأنَّ رواياتٍ معمرٍ، عن
ثابت رديئة، قاله ابنُ معين، وابنُ المدينيّ(٤)، وغيرُهما (٥)؛ فلذلكَ (٦) لا
(١) في ((ق)): ((رسول الله)).
(٢) ((واحد)) ليست في ((١٥)).
(٣) فى ((ق)) ((خرج)). (فتح: ٣٨٠٥).
(٤) في ((ك١)) و((ط)): ((ابن المديني وابن معين)).
(٥) انظر (شرح علل الترمذي)) لابن رجب (٢ / ٦٩١).
(٦) في ((ك١)»: «فكذلك».
٣٦٨

٧٩ - باب
الحديث : ٤٦٥
يخرِّجُ البخاريُّ منها شيئًا، وحمادُ بنُ سلمةً لم يخرِّجْ له شيئًا
استقلالا(١)
وفي روايةِ حمَّادِ بنِ سلمةَ أَنَّهما كانَا عندَ النبيِّ وَّهِ وتحدَّثَا عندَه في
ليلة ظلماء حِندسِ ثم خرجا (١٤٢ - ب/ط) من عنده. فيحتملُ أنَّهما
كانا عنده في المسجد، وأنَّهما كانا عنده في بيته، فإن كان اجتماعهما به
في المسجدِ فإنه يستفادُ من الحديثِ أنَّ المشيَ إلى المساجدِ والرجوعَ منها
في الليالي المظلمةِ ثوابُه النُّورُ من اللهِ عزَّ وجلَّ، وذلك يظهرُ في الآخرةِ
عيانًا، وأَمَّا في الدُّنيا فقد يستكن النُّورُ في القلوبِ، وقد يظهرُ أحيانا
كرامةً لمن أرادَ اللهُ كرامتَه ولم يُرِدْ فتنتَه .
وإن كان اجتماعُهما [عندَ النبيِّ نَّوَ](٢) في بيتِه فإنَّه يستنبطُ منه
فضيلةُ الذِّهابِ إلى المساجدِ والرجوعِ منها في الظُّلَمِ - أيضًا - فإنَّه أفضلُ
(١) قال أبو يعلى الخليلي في ((الإرشاد)) (١ / ٤١٧ - ٤١٨):
«ذاكرت يومًا بعض الحفاظ فقلت: البخاري لم يخرج حماد بن سلمة في الصحيح. وهو
زاهد ثقة؟!
فقال: لأنه جمع بين جماعة من أصحاب أنس، فيقول: حدثنا قتادة وثابت، وعبد العزيز
ابن صُهيب. وربما يخالف في بعض ذلك!
فقلت: أليس ابن وهب اتفقوا عليه، وهو يجمع بين أسانيد، فيقول: حدثنا مالك،
وعمرو بن الحارث، والليث بن سعد، والأوزاعي بأحاديث، ويجمع بين جماعة غيرهم؟!
فقال: ابن وهب اتقن لما يرويه وأحفظ له)) ا. هـ.
قال الحافظ ابن رجب في ((شرح العلل)) (٢ / ٨١٦) - معلقًا على هذا الكلام -:
((ومعنى هذا: أن الرجل إذا جمع بين حديث جماعة، وساق الحديث سياقة واحدة
فالظاهر أن لفظهم لم يتفق فلا يقبل هذا الجمع إلا من حافظ متقن لحديثه، يعرف اتفاق
شيوخه واختلافهم كما كان الزهري يجمع بين شيوخ له في حديث «الإفك وغيره)» ا. هـ.
(٢) ما بين المعقوفين في ((ك)) و((ط)): ((عنده)).
٣٦٩

الحديث : ٤٦٥
كتاب الصلاة
ما مشى إليه المسلمونَ في الدنيا، فيلتحقُ بالمشي إلى النبيِّ وَلّ في حياتِه
ذهابًا إليه ورجوعًا من عنده.
وإنَّما اقتصرَ البخاريُّ على هذا الحديثِ في هذا البابِ لأنَّ الأحاديثَ
الصَّريحةَ في تبشيرِ المشَّائين إلى المساجدِ في الظُّلَمِ بالنُّورِ النَّامِ يومَ القيامةِ
ليسَ شيءٌ منها على شرطه وإن كانتْ قد رُويتْ من وجوهٍ كثيرةٍ.
ولكن يُستدلُّ - أيضًا - لفضيلةِ المشي إلى المساجدِ في الظُّلم بما في
((الصحيحين)) (١) من رواية أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّ قالَ:
((ليسَ صلاةٌ أثقل على المنافقينَ من الفجرِ والعشاءِ، ولو يَعْلمونَ ما فيهما
لأَتَوْهما ولو حَبْوًا. ويُستدلُّ - أيضًا - بحديث أنسِ الذي خرَّجَه
البخاريُّ(٢) ها هنا على جوازِ الاستضاءةِ في الرّجوعِ من المسجدِ في
مے
(١٩
الليالي المظلمة .
وقد وردَ حديثٌ أصرحُ من هذا خرَّجَه الإمامُ أحمدُ (٣) من روايةٍ
(٤٣٣ - ب/ق) فليحِ بنِ سليمانَ، عن سعيدِ بنِ الحارثِ، عن أبي سلمةً
سمعَ أبا سعيد الخدريَّ قالَ: هاجتِ السَّمَاءُ ليلةً، فلمَّا خرجَ النبيُّ ◌َِل
لصلاة العشاء الآخرة برقت برقةٌ فرأى قتادةَ بنَ النعمان فقال: ((ما السّرى
يا قتادةُ؟» قال: علمتُ أنَّ شاهدَ الصَّلاة قليلٌ فأحببتُ أن أشهدَهَا. قال:
((فإذا صلَّيتَ فاثبُتْ حَتَّى أمرّ بك))(٤). فلما انصرفَ أعطاه عرجونًا وقالَ:
(خُذْ هذا سيضيءُ (٥) لكَ أمامَك عشرًا وخلفك عشرًا)» وذكرَ حديثًا فيه
طولٌ، وهذا إسنادٌ جيدٌ.
(١) (٦٥٧)، ومسلم (٢٥٢).
(٣) («المسند» (٣ /٦٥).
(٥) في ((ق)): ((يستضيء)).
(٢) (٤٦٥).
(٤) في ((ك١)) و((ط)): ((حتى أريك)).
٣٧٠

٧٩ _ باب
الحديث : ٤٦٥
وقد كان السَّلْفُ (١٤٣ - أ/ ط) يختارونَ المشيَ إلى صلاة العشاء
والصُّبْحِ في غيرِ (١١٤ - أ/ ك١) ضوءٍ، ورُويَ عن سعيدِ بنِ الْمَسَيِّبِ أَنَّهَ
قالَ لقومٍ معهم ضوءٌ يمشونَ به إلى المساجد: ضوءُ الله خيرٌ من ضوئِكم.
ولَّا وَلَّى عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ أبا بكر بنَ حزم إِمْرَةَ المدينةِ مع قضائِها
أرسلَ إلى عمرَ يطلبُ منه شمعًا كان للأمراء قبله يمشونَ به إلى المسجدِ
في الليلٍ، فأرسلَ إليه عمرُ - رحمه اللهُ - يعاتبه على ذلك ويأمرُهُ(١) أن
يفعلَ كما كان(٢) يفعلُ منْ قبل ولايتِه ويمشي إلى المسجدِ في الظُّلمة وأنَّ
ذلك خيرٌ له. وقال النَّخعيُّ: كانوا يرونَ أَنَّ المشيَ في الليلةِ الظلماء إلى
الصَّلاة موجبةٌ - يعني: توجب المغفرة.
وروينا عن الحسنِ قالَ: أهلُ التَّوحيدِ في النّارِ لا يُقَيَّدونَ فتقولُ
الخزنةُ بعضُهم لبعضٍ: ما بالُ هؤلاءِ لا يُقَيَّدونَ وهؤلاء يُقَيِّدُونَ(٣)،
فيناديهم منادٍ: إنَّ هؤلاء كانوا يمشونَ في ظلمٍ الليل إلى المساجد.
وقد كانَ بعضُ المتقدِّمِينَ يمشي بين يديه الشيطانُ في الليل إلى المسجد
بضوء(٤)، فمنهم من يفطنُ لذلك فلم يغتر به، ومنهم من قلَّ علمُهُ فاغترَّ
وافتتنَ بذلك؛ فإنَّ جنسَ هذه الخوارقِ تُخْشَى منها الفتنةُ إلا لمن قَوِيَ
إيمانُهُ ورسخَ في العلمِ قدمُهُ ومَّزَ بين حقِّها وباطلِها. والحقُّ منها فتنةٌ
أيضًا - فإنَّه شبيهٌ بالقدرة والسُّلطان الذي يعجزُ عنه كثيرٌ من النَّاسِ،
فالوقوفُ معه والعُجبُ بهَ مُهلكٌ، وَقد اتَّفْقَ على ذلك مشايخُ العارفينَ
ءِ
الصَّادقينَ، كما ذكره عنهم أبو طالب المكيّ في كتابه(٥) ((قوت القلوب))
(١) في ((ك)): ((وأمره)).
(٣) في ((ط)) و((ك١)): ((مقيدون)).
(٥) في ((ط)) و((ك١)): ((كتاب)).
(٢) ((كان)) ليست في («ك!)).
(٤) ((بضوء)) ليست في ((ك١)) و((ط)).
٣٧١

الحديث : ٤٦٥
كتاب الصلاة
وأنَّهم رأوا الزُّهدَ فيه كما آثروا الزُّهدَ في الملكِ والسُّلطانِ والرياسةِ
والشُّهرة فإنَّ ذلكَ كلَّه فتنةٌ ووبالٌ على صاحبِه إلا لمن شكرَ عليه وتواضعً
(٤٣٤ - أ/ ق) فيه وخَشِيَ من الافتتانِ به، وقد أخبرَ اللهُ تعالى عن سليمانَ
عليه السَّلامُ أَنَّه لما رأى عرشَ ملكة سبأ عنده قالَ: ﴿هذا مِن فَضْلٍ رَبِّي
لِيَبْلُوَنَي أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ، وَمَن شَكَرَّ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي
غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠].
وقد قيلَ: إنَّ مرادَ البخاريِّ بهذا البابِ(١) وتخريجِ هذا الحديثِ فيه:
أَنَّ النبيَّ ◌َّهِ كان يُصلِّي في مسجدِه بالليلِ في الظُّلمةِ من غير سراجٍ ولا
ضوء؛ ولهذا خَرَجَا من عندِه ومعهما مثلُ المصباحينِ، وهذا يدلُّ على أَنَّ
هذا الضوءَ صَحِبَهما من قبلِ مفارقتِهِ مِنَ المسجدِ، فلو كانَ في (١٤٣ -
ب/ ط) المسجد مصباحٌ لما احتاجَاً إلى الضوء(٢) إلا بعدَ خروجهما، وهذا
حقٌّ - أعني: صلاةَ النبيُّ بِّهِ وأصحابِهِ في المسجدِ في غيرِ مصباحٍ، وقد
أخبرَ أنسٌ أَنَّه رأى بريقَ خاتم النبيِّ ◌َّ الذي في يدِه من فضَّةٍ في
الليلِ، وهذا إنَّما يكونُ في الظَّلمةِ.
وقيلَ: إنَّ أولَ من أسرجَ(٣) مسجدَ المدينة تميمٌ الداريُّ في عهدِ عمرَ،
وكأنَّ تميمًا أخذَ الإيقادَ في المساجد ممّا عرفه بالشَّامِ من إيقادِ المسجد
الأقصى. وقد رُوِيَ عن النبيِّ وََّ أَنَّه أمرَ بإرسالِ زيتٍ إلى المسجدِ
الأقصى يسرج في قناديله، وقال: إنَّ ذلك يقومُ مقامَ (١١٤ - ب/ ك١)
الصَّلاة فيه .
(١) في ((ك١)) و ((ط)) ((بهذا الباب على تخريج .... )).
(٢) في (ك)) و((ط)): ((الوضو)).
(٣) في ((ط)) و((ك!)): ((سرج)).
٣٧٢

٧٩ - باب
الحديث : ٤٦٥
وقد خرجَه أبو داود(١) وفي إسناده نظرٌ.
ي
وفي ((سنن ابن ماجه))(٢) بإسنادٍ ضعيفٍ، عن أبي سعيد الخدريَ
۔
قال: أولُ من أسرجَ المساجدَ: تميم الداري.
والمرادُ به: المساجدَ في الإسلامِ.
(١) ((سنن أبي داود)) (٤٥٧).
(٢) ((سنن ابن ماجه)) (٧٦٠).
٣٧٣

الحديث : ٤٦٧،٤٦٦
كتاب الصلاة
٨٠ - بَابُ
الْخَوْخَةِ وَالْمَمَرِّ فِي الْمَسْجد
٤٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانِ: ثَنَا فُلَيْحٌ: ثَنَا أَبُو النَّضْرِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ
حُنّنٍ، عَنْ بُسْرِ بْنٍ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَطَبَ النَِّيُّ
فَقَالَ: ((إنَّ اللهَ خَّرَ عَبْدَا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيَّنَ مَا عِندَهُ فَاخْتَارَ مَا عِندَ الله عزَّ
وجَلَّ)(١). فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: مَا يُبْكِي هَذَا الشَّيْخَّ؟ إِن يَكُنٍ
اللهُ خََّ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عَنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِندَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: فَكَانَ
رَسُولُ اللهِ هُوَ الْعَبْدُ، وَكَانَ أَبُوَ بَكْرِ أَعْلَمَنَا. فَقَالَ: (يَا أَبَا بَكْرٍ! لاَ تَبْكِ
إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْتِهِ وَالِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنتُ مُتَّخِذَاً مِنْ أُمَّتِي
خَليلا لاتَّخَذْتُ أَبَا بكر خليلا (٢) (٤٣٤ - ب / ق)؛ وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلَام
وَمَوَّتُهُ، لاَ يَبْقَيَنَّ فِي الْمُسْجِدِ بَابٌ إلَّ سُدَّ إلا بابُ أَبِي بَكْرٍ).
٤٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مُحَمَّدِ الْجُمْقِيُّ: ثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ: ثَنَا أَبِي
قَالَ: سَمِعْتُ يَعْلَى بْنَ حِكِيمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ
رَسُولُ اللهِّهِ فِي مَرَضِهِ الَّذِيِّ مَاتَ فِيهِ عَاصِبًا رَأْسَهُ بِخِرْقَةُ، فَقَعَدَ عَلَى
الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَيَّ
فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ تُحَافَةَ، وَلَو (٣) كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنَ النَّاسِ
(١) ((عز وجل)) ليست في ((ك)) و((ط)) و((اليونينية)).
(٢) ((خليلا)) ليست في ((ق))، وفي هامش ((اليونينية)) في نسخة الأصلي: يعني خليلا.
(٣) في ((ك)) و((ط)): ((فلو)).
٣٧٤

٨٠ - باب الخوخة والعمر في المسجد
الحديث : ٤٦٧
خَلِيلا لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْر خَلِيلًا (١٤٤ - أ/ط)؛ وَلَكِنْ خُلَّةُ الإِسْلامِ أَفْضَلُ.
سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرَ خَوْخَةٍ أَبِي بَكْرٍ).
رَضِيَ اللهُ عَنْه (١).
حديثُ أبي سعيد قد رواه - أيضًا - مالكٌ، عن أبي النَّضر، وخرَّجَه
البخاريّ من طريقِهِ في موضعٍ آخر (٢).
وخرَّجَه مسلمٌ(٣) من طريقِ مالكٍ وفليح - أيضًا وإنَّما خرَّجَ لفليحِ
متابعةً ولم يخرِّجْ حديثَ ابنِ عبَّاسٍ، فَإِنَّه لا يخرِّجُ لعكرمةَ إلا متابعةً -
أيضًا -، وحديثُ ابنِ عبَّاسٍ إنَّما يرويه عنه عكرمةُ، وقد رَوَى بعضَه
أيوبُ عن عكرمةً.
وخرَّجَهَ(٤) البخاريُّ في موضعٍ آخر (٥).
هذه الخطبةُ التي خطبها النبيُّ وََّ في هذا اليومٍ كانت آخر خطبة
ء
خطبها على المنبرِ فعرَّضَ فيها باختيارِه لقاءَ اللهِ على المقامِ في الدنيا وأخبرَ
أنَّهِ أُعْطِيَ مفاتيحَ خزائنِ الدنيا، وخُيِّرَ بينَ أن يبقى فيها ما شاءَ اللهُ وبينَ
لقاء ربِّه، فاختارَ لقاءَ ربِّه ولكنَّه لم يصرِّحْ بتخييرِه واختارَه في نفسِهِ،
وإنَّما قالَ: ((إِنَّ عبدًا خُيّ)) فلم يتفطنْ لذلك أحدٌ غيرُ أبي بكرِ الصِّدِيقِ،
وكان أبو بكرِ أعلمَهم برسولِ اللهِ يَّاهِ وأفهمَهم عنه.
وهذا من الفهم في العلم الذي يخصُّ اللهُ به من يشاء من عباده.
(١) قوله: ((رضي الله عنه)) ليست في ((اليونينية)).
(٢) (فتح: ٣٩٠٤).
(٤) في ((ط)): ((وخرج)).
(٣) مسلم (٢٣٨٢).
(٥) (فتح: ٣٦٥٤).
٣٧٥

الحديث : ٤٦٧
كتاب الصلاة
وذَكر في هذه الخطبةِ تخصيصَ أبي بكرٍ من بينِ الصَّحابةِ كلِّهم
بالفضلِ، وأومأً إلى خلافتِهِ بفتحِ بابِه إلى المسجدِ وسدٌّ أبواب النَّاس
كلِّهم، ففي(١) ذلكَ إشارةٌ إلى أَنَّه هو (١١٥ - أ/ ك١) القائمُ بالإمامة بعدَه،
فإنَّ الإمامَ يحتاجُ إلى استطراقِ المسجدِ، وذلكَ من مصالح المصلِّينَ فيه.
وفي هذه الخطبةِ وصَّ بالأنصارِ، وأمرَ من يلي الأمرَ بالإحسانِ
إليهم، وفيه إشارةٌ إلى أَنَّه ليسَ لهم من (٤٣٥ - أ/ق) الأمرِ شيء كما
ظَنَّه من قالَ منهم للمهاجرينَ: ((منا أميرٌ ومنكم أميرٌ)) .
وفي هذه الخطبةِ أخبرَ عن نفسِهِ وَِّ أَنَّه فرطٌ لهم على الحوضِ -
يعني: أَنَّه سابقٌ لهم إلى الحوضِ وهو ينتظرُهم عنده، فهو الموعدُ بينَه
وبينَهم، وحذَّرَ من الاغترارِ بزهرةِ الدنيا والركون إليها، فإنَّه كان قد
أُعْطِيَ خزائنَها فاختارَ لقاءَ ربِّه قبل ذلك، وفُتحتْ بعدَه على أُمَّتَه.
وهذا كلُّه ثابتٌ عنه وَلِ.
وقد خرَّجَه البخاريُّ في كتابه هذا.
فبعضُه من حديث أبي سعيدٍ .
وبعضُهُ (١٤٤ - ب / ط) من حديث عقبةَ بنِ عامرٍ (٢).
وبعضُهُ من حديثِ ابنِ عبَّاسٍ .
وبعضُهُ من حديث أنسٍ .
ورُويَ - أيضًا - أَنَّهِ وَيْهِ وَصَّى في تلك الخطبةِ بتنفيذٍ جيشِ أسامةَ
وذكر فضلَه ووصَّى به خيراً.
(١) في ((ك١)) و(ط)): (وفي)).
(٢) (فتح: ١٣٤٤)، ومسلم (٢٢٩١).
٣٧٦

٨٠ - باب الخوخة والعمر في المسجد
الحديث : ٤٦٧
ونحنُ نذكرُ هذه الأحاديثَ ها هنا.
فأمَّا حديثُ أبي سعيد.
فقد خرَّجَه البخاريُّ ها هنا وفي غيرٍ (١) موضعٍ، وخرَّجَه مسلمٌ (٢) .
أيضًا .
وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، وابنُ حبان(٣) في ((صحيحِه)) من روايةِ أُنيس بنِ
أبي يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيدٍ قال: خرج علينا رسولُ اللهِ وَله في
مرضه الذي ماتَ فيه وهو معصوبُ الرأسِ فاتبعتُهُ حتَّى قامَ على المنبرِ
فقال: ((إنِّي السَّاعَةَ قائمٌ على الحوضِ))، ثمَّ قالَ: ((إِنَّ عبدًا عُرِضَتْ عليه
الدُّنْيا وزينَتُهَا فاختارَ الآخرةَ». قالَ: فلم يَفْطِنْ لها أحدٌ من القومِ إلا أبو
بكر فقال: بأبي وأمي، بل نُفْديكَ بأموالِنَا وأنفسِنَا. قال: ثم هبطَ من
المنبرِ فما رُؤي عليه حتَّى السَّاعَةِ .
وأمَّا حديثُ: عقبةَ بنِ عامٍ:
فخرَّجَه البخاريُ (٤) في غزوةِ أحدٍ من روايةِ أبي الخيرِ، عن عقبةَ قالَ:
صَلَّى رسولُ اللهِ وَِّ على قتلى أحدٍ بعد ثمانِ سنينَ كالمودِّعِ للأحياءِ
والأمواتِ، ثم طلعَ المنبرَ فقالَ: ((إِنِّي بينَ أيديكم فرطٌ وأنا شهيدٌ عليكم،
وإنَّ موعدكم الحوضُ، وإنِّي لأنظرُ إليه من مقامي هذا، وإنِّي لستُ
أخشى عليكم أن تشركوا؛(٥) ولكنِّي(٦) أخشى عليكم الدُّنيا أن تنافسوها))
(١) مكان كلمة ((غير)) في ((ط)) بياض.
(٣) («المسند» (٣/ ٩١)، و(«الإحسان)) (١٤ / ٥٥٧).
(٥) في ((ق)): ((تشكروا)).
(٦) في ((ك١)) و ((ط)): (ولكن)).
(٢) مسلم (٢٢٩١).
(٤) (فتح: ١٣٤٤).
٣٧٧

الحديث : ٤٦٧
كتاب الصلاة
قال: فكانتْ آخر نظرة نظرتُها إلى رسول الله وحَله.
وخرَّجَه مسلمٌ (١) - أيضًا - وعنده قال (٤٣٥ - ب/ق) عقبةُ: فكانت
آخرَ ما رأيتُ رسولَ اللهِ وَلَه على المنبرِ.
وتوديعُهُ للأحياء والأموات هو أنَّه صلَّى على الموتى واستغفرَ لهم
وهنَّأهم بما هم فيه من سبقِهم للفتنِ.
وتوديعُهُ للأحياءِ هو نصيحتُهم وتحذيرُهُم من الاغترارِ بالدنيا وإيماؤه
إلى أنَّه منتقلٌ (٢) عنهم إلى الآخرةِ وأنَّه سابقٌ لهم إلى الحوضِ فهو
موعدُهم. وقد كانَ وََّ(٣) أتى أهلَ البقيعِ بالليلِ فاستغفرَ لهم ثم ذهبَ
إلى شهداء أحد بالنَّهارِ فاستغفرَ لهم، ثم (١١٥ - ب/ ك١) رجعَ فخطبَ
هذه الخطبةَ وودَّعَ الأحياءَ.
ففي ((المسند))(٤) عن أبي موهبةً(٥) أَنَّ رسولَ الله وَلَّ خِرِجَ ليلةً إلى
البقيعِ فاستغفرَ لأهلِ البقيعِ وقال: ((ليهنئكُم ما أصبحتم فيه مِمَّا أصبحَ
فيه النَّاسُ، أقبلتِ الفتنُ كقطعٍ(٦) الليلِ المظلمِ يتبعُ بعضُها بعضًا. يتبعُ
آخرُها أولَها، الآخرةُ شرٌّ من الأولى)» (١٤٥ -أ/ط)ثم قالَ: ((يا أبا مويهبةً(٥)
إنِّي قد أُعْطِيتُ خزائنَ الدنيا والخلدَ ثم الجنة فخُيِّرتُ بينَ ذلك وبينَ
لقاء ربِّي فاخترتُ لقاءَ ربِّي والجنَّةَ)). ثم انصرف فابتدأه وجعُه الذي
(١) مسلم (٢٢٩٦ / ٣١).
(٢) في ((ك)) و((ط): ((ينتقل)).
(٣) وَخّ ليست في ((ك)) و(ط)).
(٤) ((المسند)) (٣/ ٤٨٨ - ٤٨٩)، وانظر ((علل الدارقطني)) (٧ /٣١).
(٥) في ((ك)) و((ط)): ((موهبة)).
(٦) في ((ق): ((كقع)). هكذا كتبها، وكتب في الهامش: كقطع، ووضع عليها حرف ((ن)) أي:
للبيان.
٣٧٨

٨٠ - باب الخوخة والعمر في المسجد
الحديث : ٤٦٧
قبضه اللهُ فیه.
وذكرَ ابنُ سعد (١) بإسناده، عن زيد بن أسلمَ قال: أُمرَ رسولُ الله
وَّ ثلاثَ مرات كل مرة يقالَ لَهُ: ((صلِّ على أهلِ البقيع))، فيفعلُ (٢)
ذلك وقالَ: ((اللهمَّ اغفرْ لأهلِ البقيعِ))، ثم أُمِرَ أن يأتيَ الشَّهداءَ، فذهبَ
إلى أحد فصلَّى على قتلى أحدٍ، فرجعَ معصوبَ الرأسِ فكانَ بدو الوجعِ
الذي مات فيه گل﴾ .
وأما حديثُ ابنِ عبَّاسٍ:
فقد خرَّجَه البخاريُّ ها هنا وخرج في ((المناقب))- أيضًا - من حديث
عكرمةً، عن ابنِ عبّاس أن النبيَّ نَّ خرجَ وعليه ملحفةٌ متعطفًا بها
وعليه عصابةُ بُردِ دَسْماء حتَّى جلسَ على المنبرِ فحمد الله وأثنى عليه
وقالَ: ((أما بعدُ أَيُّها النَّاسُ فإن الناس يكثرونَ ويقلُّ الأنصارُ حتَّى يكونوا
كالملحِ في الطَّعامِ، فمن(٣) ولي منكم أمرًا يضرُّ فيه أحدًا أو ينفعُه فليقبلْ
من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم.
وخرَّجَه ابنُ سعد في ((طبقاته)»(٤) وزادَ فيه: وكان آخرَ مجلسٍ جلسَه
حتَّى قُبِضَ وَهُ .
وأمَّا حديثُ أنسٍ .
فخرَّجَه البخاريّ في ((المناقب)) من حديث هشامٍ بنِ زيدٍ، عن أنسٍ
قال: خرجَ النبىّ وَّهِ (٤٣٦ - أ/ ق) قد عصبَ على رأسه حاشيةَ بردِ،
ءِ
(١) ((الطبقات)) (٢ /٢٠٤ - ٢٠٥).
(٣) في ((ك)) و((ط)): ((من)).
(٢) في ((ك١)) و((ط)): ((ففعل)).
(٤) ((الطبقات)) (٢ / ٢٢٧ - ٢٢٨).
٣٧٩

الحديث : ٤٦٧
كتاب الصلاة
فصعدَ المنبرَ - ولم يصعدْهُ بعد ذلك اليوم - فحمد اللهَ وأثنى عليه، ثم
قالَ: «أُوصيكم بالأنصارِ فإنَّهم كَرِشِي وَعَيْبَتي، وقد قَضَوا الذي عليهم
وبَقِيَ الذي لهم، فاقبلوا من محسنِهم وتجاوزُوا عن مسيئِهم)).
وأما أمرُهُ وَِّ بتجهيزِ جيش أسامةَ:
فقد خرَّجَهَ ابنُ سعد(١) بإسناد فيه ضعفٌ، عن عروةَ مرسلا قال: كانَ
رسولُ اللهِ وَ لَ قد بعث أسامةَ وأمرَه أن يُوطِئَ الخيلَ نحو البلقاء حيثُ
قُتل أبوه وجعفرٌ، فجعلَ أسامةُ وأصحابُهُ يتجهَّزونَ وقد عسكرَ بالْجُرُف
فاشتكى رسولُ اللهِ وَّوَ وهو على ذلك، ثم وجدَ من نفسه راحةٌ(٢)
فخرجَ عاصبًا رأسَه فقال: ((أَيُّها النَّاسُ أَنْفذوا بعثَ أسامةَ)) - ثلاثَ مرات
- ثم دخلَ النبيُّ ◌ََّ فاستعر(٣) به فَتُوفِّيَّ ◌َِّ(٤) (١٤٥ - ب /ط).
وقد خرَّجا في «الصحيحين))(٥) من حديثِ ابنِ عمرَ أنَّ النبيَّ
أثنى على أسامةَ ووصَّى به وقالَ: ((إِنَّه لخليقٌ بالإمارةِ)) .
صَنَا الله
وسلم
وقولُه وَّهِ (١١٦ - أ/ ك١): ((إنَّ أمنَّ النَّاسِ عليَّ في صحبتِهِ وماله:
أبو بكر))، قال الخطابيُّ (٦): معنى قوله ((أَمَنَّ)) أي: أبذلَ لنفسه وأَعْطَى
لماله، والمنُّ: العطاءُ من غيرِ اسْتِثَابَة، ومنه قولُه تعالى ﴿هذَا عطاؤُنَا
فامْنُنْ أَوْ أَمْسكْ﴾ [ص: ٣٩] وقولُه ﴿وَلَأُ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرْ﴾ [المدثر: ٦]
أي: لا تُعْطِي لتأخذَ أكثر مِمَّا أعطيتَ، ولم يُردْ به المنَّةَ؛ فإنَّها تفسدُ
الصنيعةَ، ولا منَّةً لأحد على رسول الله وَّهِ؛ بل له النَّةُ على جميعِ
(٢) في ((ك)) و((ط)): ((خفة)).
(١) ((الطبقات)) (٢٤٨/٢)
(٣) كذا فى ((ق)) و((ك١))و ((ط)) ولا وجه لها، والصواب: ((فاستعز به)) بالزاي المعجمة. كما
في ((الطبقات))، وانظر ((النهاية)) (٢٢٨/٢).
(٤) في ((ك)): ((رسول الله)).
(٦) ((أعلام الحديث)) (١ / ٤٠٣).
(٥) (فتح: ٣٧٣) ومسلم (٢٤٢٦).
٣٨٠