Indexed OCR Text

Pages 1-20

النَِّي
شَرْحٌ صَحِيح البُخاريُ
لحافِظُ زَيْنِ الدّين أبي الفرجُ ابْن رَجَبُ الحَبَلِىِّ
٧٣٦ - ٧٩٥
((وَشْعُ قطَعَة مِنَّ البُخَارِيّ إِلَى كِتَابٍ
الجنائِ، وَهِيَ مِن عجائب الدّهر وَلوكمَل
كان مِنَّ العجائبٌ»
إِبْ عَبد الهادي
تَحَقِّيق
محمود بن شعبان مِنْ عبد المقصود
إبراهيم بن اسماعيل القاضى
محمّد بنْ عَوض المنقوش
علاء بن مصطفى بن حمّام
مُجْدِي بِنَّ عَبْد الخالق الشافعيّ
السَّيِّرِبِنْ عَزّت المرسي
صَلاَح بتْ سالم المصراتي
صُبِّي بنُ عبد الخالق الشافعي
الجُزْء الشَالِثْ
النّاشِرْ
◌ُكْتَحُهُ العَرَّاءِ الْأَشْرِنَّ

-----

فَعُ الْبَارِيُ
شرع صَحِيْحَ البُخاري
٣

كافة الحقوق محفوظَة
(((مكتب تحقيق دَار الحرمَيْن))
٧٢ - شارع مصر والسودان - حدائق القبّة - القاهِرة
ت : ٤٨٢٠٣٩٢
الطّبعَة الأولى
١٤١٣٦ هـ - ١٩٩٦مــ
النّاشِرُ
مكتَبة الغرباء الأثريّة
المدينة المنوّرة
هاتف: ٨٢٤٣٠٤٤ - فت : ٨٢٦٤١٠٦
ص.ب: ١٤٤٩ - المدينة النّبويّة
المملكة العَربيّة السّعُوديّة

الحديث : ٣٧٩
١٩ - بَابٌ
إِذَا أَصَابَ ثَوْبُ الْمُصَلِّي امْرَأَتَهُ إِذَا سَجَدَ
٣٧٩- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ خَالِد: ثَنَا سُلَيْمَانُ الثَّانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
شَدَّادِ، عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: كَانَ رَّسُولُ اللهِهِ يُصَلِّي وَأَنَا حِذَاءَهُ وَأَنَا
حَائِضٌَ، وَرَبَّمَا أَصَابَنِي ثَوْبُهُ إِذَا سَجَدَ. قَالَتْ: وَكَانَ يُصَلِّي عَلَى الْخُمْرَةِ.
قد سبقَ هذا الحديثُ في ((أبوابِ الحيضِ)) (١)، والاستدلال به على
طهارةِ ثيابِ الحائضِ، وأنه تجوز الصَّلاة فيها ما لم يرَ فيها نجاسةً.
ويُستدلُّ به - أيضًا - على أنَّ المصلِّيَ إذا حاذتْه امرأةٌ وكانت إلى جانبه
فإنَّ صلاتَه لا تفسدُ بذلك إذا كانتِ المرأةُ في غيرِ صلاةٍ. وقد نصَّ على
ذلك: سفيانُ الثوريُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، ولا نعلمُ فيه خلافًا.
وإنما اختلفوا فيما إذا كانَا جميعًا في صلاة واحدة وليس بينهما
سُتُرةٌ.
فقال مالكٌ، والشَّافعيُّ، وأبو ثورٍ، وأكثرُ أصحابنا: لا تبطلُ بذلك
صلاةُ واحد منهما مع الكراهةِ للرجلِ في مصافتها وفي التأخيرِ عنها.
وقالتْ طائفةٌ: تبطلُ صلاةُ مَن يليها، ومن خَلفَها بحيالها. وهو قولُ
أبي حنيفةَ، والثوريِّ، وطائفة من أصحابِنا منهم: أبو بكرٍ عبد العزيز، وأبو
حفصٍ البرمكي، وزاد: إنَّه تبطلُ صلاتها - أيضًا(٢) .
(١) حديث رقم (٣٣٣).
(٢) انظر ((الأوسط)) لابن المنذر (١٠٨/٥)، و((المغني)) (٤١/٣)، وانظر الحديث (٨٧١).
٥

الحديث : ٣٧٩
كتاب الصلاة
ومن أصحابنا من خصَّ البُطلانَ بَمَن يليها دون من خلفها. ولا وجهَ
له، ونصُّ أحمدَ يدلُّ على خلافه. قال حربٌ: قلتُ لأحمدَ: الرجلُ
يصلِّي وامرأةٌ بحياله قائمة تصلّ أو بين يديه؟ فقال: إن كانتْ بحياله
فهو أسهلُ من أن تكونَ بين يديه - قلتُ: أيعيدُ الصَّلاةَ؟ قال: ما أدري،
وقال: إن كانت المرأةُ في غيرِ الصَّلاة فإنَّه لا بأسَ؛ قد كانت عائشةُ بين
يدي النبيِّ وَليق . .
وقال إسحاقُ: تفسدُ صلاةُ المرأةِ دون الرجلِ؛ لأنَّها هي المنهيةُ عن
مصافةِ الرجلِ، وعن (٣٤٣ - أ/ ق) أن تَتقدمَ بينَ يديه، فتختصُّ صلاتُها
بالبطلان لعصيانها بالمخالفة دونه.
وهذا ينبغي تقييدهُ بما إذا كانَ هو يُصلِّي قبل صلاتِها، ثم دخلت في
الصَّلاة بعده.
وقد قالَ محمدُ بنُ نصر: ثنا حسانُ بنُ إبراهيمَ في رجلٍ صلَّى وركزَ
بين يديه نشابةً أو لم يركزْ ثم جاءت امرأةٌ فصلَّتْ أمامه والنشابةُ بينهما:
هل تفسدُ صلاتُه؟ فقال: قال سفيانُ: إن لم يركزُ فسدتْ صلاتُه. قلتُ:
أرأيتَ إن ركزتْ بعد ما رآها تصلِّي أمامه هل تفسد صلاتُه؟ قال: لا.
وقال الأوزاعيُّ في امرأةٍ تُصلِّي بصلاةِ زوجِها: تقومُ خلفه، فإن
ضاق مكانُهما قامتْ عن يمينه وجعلا بينهما سترةً، فإن كانا في بيتٍ
فصلَّت امرأةٌ في ناحيةٍ وصلَّى زوجُها في ناحيةٍ بينهما عَرض البيت
وطوله فلا يُفسدُ ذلك عليه صلاته .
وقال سفيانُ: إن كانت المرأةُ تُصلِّي غيرَ صلاة الرجل لم تفسد عليه
صلاته .
٦

١٩ - باب إذا أصاب ثوب المصلي امرأته
الحديث : ٣٧٩
وروى أبو نعيم: الفضلُ بن دُكين: ثنا هشامُ بنُ سعد: حدثني صالح
ابنُ جبيرِ الأزدي، عن رجلٍ قال: جئتُ عمرَ بنَ الخطاب فقلتُ: يا أميرَ
المؤمنين لي بيتٌ فتكلف امرأتي فلا يَسعُنا إلا أن تقومَ حذائي، قال:
«اجعلْ بينك وبينها ثوبًا، ثم صلِّ ما شئت)). أبنا إسرائيل: حدثني ثوير
قال: سألتُ مجاهدًا قلتُ: أُصلِّي وامرأتي إلى جنبي؟ قال: لا بأسَ.
وقد ضعََّ الشَّافعيُّ المرويَّ عن عمرَ في هذا؛ وقال: لا يُعرفُ.
وخرجه البيهقيُّ من طريقِ بُرد بن سِنَان، عن عُبادةَ بن نُسي، عن
غُضَيَفِ بن الحارث قال: سألتُ عمرَ بنَ الخطاب قلت: إنَّا نبدوا فنكون
في الأبنية فإنْ خَرجتُ قَررتُ، وإن خرجت امرأتي قرتْ، فقال عمرُ:
اقطع بينك وبينها ثوبًا، ثم ليُصلِّ كلُّ واحدٍ منكما(١).
وخرَّجَهَ الإسماعيليُّ في ((مسندِ عمرَ» من روايةٍ صفوان بنِ عمرو:
ثنا عبدُ الرحمن بن جُبير بن نُفير، عن الحارثِ بنِ معاويةَ الكندي أنه
(٣٤٣ - ب/ ق) سأل عمرَ قال: ربَّما كنتُ أنا والمرأةُ في ضيق فتحضر
الصَّلاةُ، فإن صلَّيتُ أنا وهي كانت تجاهي، وإن صلَّتْ خلفي خَرجتْ
من البناء. قال: استرْ بينك وبينها بثوبٍ، ثم تُصلِّي وراءَك إنْ شئتَ.
(١) («السنن))(٣١٢/٢).
٧

كتاب الصلاة
٢٠ - بَابُ
الصَّلاة عَلَى الْحَصير
وَصَلَّى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَأَبُو سَعِيدٍ فِي السَّفِينَةِ قِيَامًا(١)
وَقَالَ الْحَسَنُّ: تُصَلِّي(٢) قَائِمًا مَا لَمْ تَشُقَّ عَلَى أَصْحَابِكَ تَدُورُ مَعَهَا،
وَإِلاَ فَقَاعِدًا
إنَّما افتتحَ هذا البابَ بذكرِ الصَّلاةِ في السفينةِ؛ لأنَّ المصلِّيَ في السَّفينةِ
لا يمكنُهُ الصَّلاةُ على التَّرابِ ولا على وجهِ الأرض، وإنمَّا يصلِّي على
خشب السفينة أو ما فوقه من البُسطِ أو الحصيرِ أو الأمتعة والأحمال التي
فيها، ولهذا المعنى - واللهُ أعلم - رُوِيَ عن مسروقٍ، ومحمد بنِ سيرينَ
أنَّهما كانا يحملانِ معهما في السفينة لبنةً أو آجُرةً يسجدان عليها(٣).
والظَّاهرُ أنَّهما فعلا ذلك لكراهتهما السَّجودَ على غيرِ أجزاءِ الأرض،
أو أن يكونا اختاراً السجودَ على اللبنة على الإيماء كما اختار قومٌ من
العلماءِ للمريضِ أن يسجدَ على وسادةٍ ونحوها ولا يومئ.
وروى حمادُ بنُ زيدٍ، عن أنسِ بنِ سيرينَ أنَّ أنسَ بنَ مالك صلَّى
بهم في سفينة على بساط (٤).
(١) في ((اليونينية)): ((قائمًا)».
(٢) في ((ق)): بالتاء والياء، وكذا ((اليونينية)).
(٣) انظر ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٢/ ٢٧٠).
(٤) انظر ((الأوسط)) لابن المنذر (١١٥/٥) و((المصنف)) لابن أبي شيبة (٢٦٦/٢).
٨

٢٠ - باب الصلاة على الحصير
وقال حربٌ: قلتُ لأحمدَ: في الصَّلاة في السفينةِ يسجدونَ على
الأحمالِ والثيابِ ونحو ذلك، فسَهَّلَ فيه، قال: وقال إسحاقُ: يُصلِّي
فيها قائمًا على البسط.
وروى ابنُ أبي شيبةً: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن حميد، عن عبدِ اللهِ
ابنِ أبي عُتْبةَ مولى أنس قال: سافرتُ مع أبي سعيد الخدريِّ، وأبي الدرداءِ،
وجابرِ بنِ عبدِ اللهِ - قال حميدٌ: وناس قد سمَّاهُم - فكان إمامُنَا يُصلَّي
بنا في السّفينةِ قائمًا ونصلِّي خلفَه قيامًا، ولو شئنا لأرفتنا (١)
وخرجنا (٢).
ورواه الأثرمُ، عن ابن أبي شيبةَ، وذكر أنَّ أحمدَ احتج به. وقد رواه
عن حميد: معاذُ بنُ معاذٍ، وسفيانُ الثوري وقال: أراه ذكر منهم أبا هريرةَ.
وروى الأثرمُ: ثنا مسلم بنُ إبراهيم: ثنا عبد الله بن مروان (٣٤٤ -
أ/ ق) قال: سألتُ الحسنَ قلتُ: أسافرُ فكيف الصَّلاَةُ فِي السَّفينةِ؟ قال:
قائمًا، ما لم تشق(٣) على أصحابك، قلت: إنها عَواقيل قال: أدرْهَا كما
تدورُ، فإذا استقبلتَ القبلةَ فصلّهْ(٤).
وأكثر العلماء على أن المصلِّيَ في السفينةِ يلزمُه أن يصلِّيَ قائمًا إذا
قدرَ على ذلك من غيرِ ضررٍ. وهو قولُ مالك، والثوريِّ، والشَّافعيِّ،
وأحمدَ.
(١) في ((ق)): ((لأوقبنا))، والمثبت من ((المصنف)) و((أرفئنا)) يعني: دنونا من الشط بالسفينة
حيث ترسي. انظر ((مشارق الأنوار)) للقاضي عياض (٢٩٦/١).
(٢) («المصنف)) (٢٦٦/٢).
(٣) في ((ق)) بالياء، والتاء.
(٤) انظر ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٢٦٦/٢ - ٢٦٨).
٩

كتاب الصلاة
وقالت طائفةٌ: لا يلزمُهُ القيامُ، وله أن يصلِّيَ قاعدًا بكلِّ حال إذا
كانتْ سائرةً. وهو قولُ أبي حنيفةَ وأصحابه.
ورُويَ عن أنسٍ أَنَّه صلَّى بهم في السفينةِ قاعدًا.
وعن مجاهد قال: كُنّا مع جنادةَ بنِ أبي أمية في البحرِ، فكنّا نصلِّي
قعودًا.
وهذه قضايا أعيان يحتملُ أنَّهم فعلوا ذلك للخوفِ على أنفسهم أو
لضررٍ يحصل لهم بالقيام.
وقد رُوِيَ في هذا حديثٌ مرفوعٌ عن جعفر بن بُرقان، عن ميمونَ بنِ
مِهران، عن ابنِ عمرَ أن النبيِّ نَّ أمرَ جعفر بن أبي طالب وأصحابَه أن
يُصلُّوا في السفينةِ قيامًا إلا أن يخافوا الغرقَ.
وقد رواه عن جعفرِ بنِ بُرقان: عبدُ الله بنُ داودَ الْخُرَيْبِي، ولم يسمعه
منه؛ بل قال: ثناه رجلٌ من أهلِ الكوفةِ من ثقيفٍ، عن جعفرِ بن
بُرقان، واختلف عليه بعد ذلك في إسناده.
فقيل: عنه، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ وَّل، وقيل: عنه، عن ابنِ عباس،
عن النبيِّ وَّة، وقيل: عنه، عن ابنِ عمرَ، عن جعفرِ بنِ أبي طالب.
ورواه حُسينُ بن علوان(١)، عن جعفرٍ بن بُرقان، عن ميمونَ، عن
ابنِ عِبَّاسٍ، عن النبيِّ وَل.
وحُسينٌ: متروكُ الحديث.
ورواه - أيضًا - أبو نُعيم: الفضلُ بنُ دُكَين: ثنا جعفرُ بنُ بُرقان، عن
(١) فى ((ق)): ((علون)) خطأ.
١٠

٢٠ - باب الصلاة على الحصير
ميمونَ بنِ مهران، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ أَ
كيا الله
عليه
.
وسلم
خرَّجَه من طريقه الدارقطنيُّ، والبيهقيُّ(١).
وهذا منكرٌ، وفي صحتِه عن أبي نعيمٍ نظرً.
وقد خرّجه الدارقطنيّ من روايةٍ بشرٍ بن فافا، عنه، وهذا رجلٌ لا
يعرفُ حالُه بالكلية، وقد وصفَه بالجهالة جماعةٌ، منهم: عبدُ الحقِّ
الإشبيليُّ، وابنُ الجوزيّ(٢).
وخرجه الحاكمُ والبيهقيُّ(٣) من طريقِ ابنِ أبي الحنين (٤)، عن أبي
نعيم.
وزعم الحاكمُ (٣٤٤ - ب/ق) أنَّه على شرط الشيخينِ(٥)، وما أَبعدَهُ
من ذلك، ولو كانَ مقاربًا لشرط البخاريِّ فضلا عن أن يكونَ على شرطِه
لذكره تعليقًا ولم يقتصر على ما روِيَ عن الصَّحابةِ خاصةً(٦).
وقال البيهقيُّ: هو حسنٌ، واللهُ أعلم.
(١) الدار قطني (٣٩٥/١)، والبيهقي (١٥٥/٣). وفي ((سنن الدارقطني)) (٣٩٤/١ - ٣٩٥)
أكثر الروايات السابقة .
(٢) انظر ((العلل المتناهية)) (٤١٣/١)، و((الميزان)) (٣٢٣/١ - ٣٢٤) ترجمة بشر.
(٣) الحاكم (٢٧٥/١)، والبيهقي (١٥٥/٣).
(٤) الذي في ((المستدرك)): ((محمد بن الحسين بن أبي الحسين))، وفي ((سنن البيهقي)): ((محمد
ابن الحسن بن أبي الحنين)) .
(٥) الذي في ((المستدرك)) و((تلخيص الذهبي)): ((صحيح الإسناد على شرط مسلم، ولم
يخرجاه، وهو شاذٌّ بمرة)). فالله أعلم.
(٦) وفي مثل هذا المعنى قال الزيلعي في ((نصب الراية (٣٥٥/١ - ٣٥٦) بعد أن أورد
أحاديث الجهر بالبسملة وضعفها كلها: ((وبالجملة، فهذه الأحاديث كلها ليس فيها صريح
صحيح؛ بل فيها عدمها، أو عدم أحدهما، وكيف تكون صحيحة، وليست مخرجة في
شيء من الصحيح، ولا المسانيد، ولا السنن المشهورة ... ويكفينا في تضعيف أحاديث
الجهر: إعراض أصحاب الجوامع الصحيحة، والسنن المعروفة، والمسانيد المشهورة المعتمد=
١١

الحديث : ٣٨٠
كتاب الصلاة
وقولُ الحسنِ: ((يدورونَ كلما دارتْ)) يعني: إِنَّهم يُصلُّون إلى القبلةِ،
فكلَّما انحرفت السفينةُ عن القبلة داروا معها. وهذا مع القدرةِ، فإذا
عجزوا عن ذلكَ للخوف على أنفسهم فإنَّه يكفيهم(١) الاستقبالُ في أول
الصلاة. نصَّ عليه مالكٌ، وأحمدُ، وغيرُهما من الأئمة، واللهُ أعلم(٢).
ثم قال البخاريُّ رحمه الله:
٣٨٠ - ثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَبَنَا (٣) مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ
أَبِي طَلْحَةَ(٤)، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالك أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ الله ◌ِهُ
لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ، فَأَكَلَ مِنَّهُ ثُمَّ قَالَ: ((قُومُوا فَلَأُصَلِّي لَكُمْ)). قَالَ أَنَسّ:
فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِن طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَخْتُهُ بِمَاءٍ. فَقَامَ
= عليها في حجج العلم، ومسائل الدين، فالبخاري - رحمه الله - مع شدة تعصبه وفرط
تحمله على مذهب أبي حنيفة ، لم يودع صحيحه منها حديثًا واحدًا ، ولا كذلك مسلم
- رحمه الله -؛ فإنهما لم يذكرا في هذا الباب إلا حديث أنس الدال على الإخفاء.
ولا يقال في دفع ذلك: إنهما لم يلتزما أن يودعا في ((صحيحيهما)» كل حديث صحيح،
يعني فيكونان قد تركا أحاديث الجهر في جملة ما تركاه من الأحاديث الصحيحة.
وهذا لا يقوله إلا سخيف أو مكابر؛ فإن مسألة الجهر بالبسملة من أعلام المسائل
ومعضلات الفقه، ومن أكثرها دورانًا في المناظرة، وجولانًا في المصنفات؛ .... ومسألة
الجهر يعرفها عوام الناس ورِعَاعُهم، هذا مما لا يمكن، بل يستحيل، وأنا أحلف بالله،
وبالله: لو اطلع البخاري على حديث منها موافق بشرطه - أو قريبًا من شرطه - لم يخل
منه كتابه، ولا كذلك مسلم رحمه الله .... )) ا. هـ.
وقد أنكر هذا طوائف من الناس، اكتفاءً منهم - سامحهم الله - على ظاهر الإسناد، وهم
يظنون أن كل حديث رواه ثقة فهو صحيح، ولا يتفطنون لدقائق علم علل الحديث.
(١) في ((ق)): ((يكفهم)) خطأ .
(٢) انظر ((المدونة الكبرى)) (١١٧/١).
(٣) في ((اليونينية)): ((أخبرنا)).
(٤) في ((اليونينية)): ((إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة)).
١٢

٢٠ - باب الصلاة على الحصير
الحديث : ٣٨٠
رَسُولُ اللهِِّ وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِن وَرَائِنَا. فَصَلَّى لَنَا
رَسُولُ اللهِوََّ رَكْعَتَيْنٍ ثُمَّ انصَرَفَ.
مُلَيْكَةُ: قال كثيرٌ من النَّاس: هي جَدَّةً إسحاقَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي
طلحةَ. قالوا: والضميرُ في قوله ((أن جدَّتَه)) إليه يعودُ، لا إلى أنسٍ.
وقد رَوَى هذا الحديثَ: عبدُ الرزاقِ، عن مالكِ، وقال: يعني: جَدّة
إسحاق (١).
وهذا تفسيرٌ من بعضِ رُواِ الحديثِ .
وقد ذكر ابنُ عبدِ البرِّ وغيرُه(٢) أنَّها هي أمُّ سليمٍ: أمُّ أنسِ بنِ مالكٍ؛
فإنَّ أبا طلحةَ تزوَّجَها بعد أبي أنسٍ فولدتْ له عبدَ الله.
وقيل: بل مُلَيْكَةُ أختها: أمُّ حرامٍ، زوجة عبادة، وسمَّها جدتَه لأنَّها
أختُ جَدَّه على حَدِّ قوله تعالى حاكياً عن بني يعقوبَ أنَّهم قالوا لأبيهم
﴿َنَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ أَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] فَإِنَّ
إِسْمَاعِيلَ عَمُّهُ، والعمّ صِنْوَ الأبِ. وظاهر سياقِ الحديثِ يدلُّ على أَنَّ
مُليكةَ جَدَةُ أنس، وهذا هو الأظهرُ، والله أعلم.
ورُوِيَ صريحًا من روايةٍ مقدم بن يحيى(٣)، عن عَمِّهِ: القاسم، عن
عُبيدِ اللهِ بنِ عُمرَ، عن إسحاقَ بنِ أبي طلحة، عن أنس قال: أرسلتْ
جَدّتي إلى رسولِ اللهِ وَلَه ـ واسمها: مُليكة - فجاءنا فحضرت الصَّلاةُ،
(١) انظر ((التمهيد)) (٢٦٤/١).
(٢) في ((ق)): ((وقد ذكر ((أن)) ابن عبد البر، وغيره)). وقوله: ((أن)) مقحم لا معنى له.
(٣) هو: مقدم بن محمد بن يحيى بن عطاء الهلالي، وعمه هو: القاسم بن يحيى الهلالي.
١٣

الحديث : ٣٨٠
كتاب الصلاة
وذکر الحديث (٣٤٥ - أ/ق).
خرَّجَه أبو نعيمٍ في ((تاريخ أصبهان)) .
وقد ذكرَ ابنُ سعد أنَّ مُليكةَ بنتَ مالكِ بنِ عديٌّ بنِ زيد مناة بن
عدي بن عمرو بن مالك بن النجار هي أمُّ حرام، وسُليم، وأم سليم،
وأم حَرَامِ أولادُ ملحان(١).
فتبيَّن بهذا أنَّ مُليكةَ جدَّةٌ أنسٍ حقيقة، ولا يمنعُ من هذا أنَّه لم يذكرها
في أسماء النِّساءِ الصَّحابياتِ كثيرٌ ممن جمعَ في أسماء الصحابة(٢)؛ لأنَّ
هذا الحديثَ الصحيحَ يشهد بذلك، والاعتمادُ عليه أقوى من الاعتماد
على قولِ مثل ابنِ إسحاقَ والواقدي.
ويعضدُ صحةً هذا: أنَّ أحدًاً ممن يُعْتَمدُ على قوله لم يسمِّ أمّ سليمٍ
«مُلیکة)).
وقولُ أنسٍ: ((فقمتُ إلى حصير لنا)) يدلُّ على أن هذا البيتَ كان
بيتَ أم سُليم: أم أنس.
وقد رواه ابنُ عيينةَ، عن إسحاقَ بنِ عبد الله مختصرًا، وصرَّحَ فيه
بأنَّ العجوزَ التي صلَّتْ وراءهم هي أم سُليم: أم أنس.
وهذا يدلُّ على أنَّها هي التي دعتِ النبيَّ وَّ إلى طعامِها.
وخرجه النسائيّ من طريقٍ يحيى بن سعيد، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللهِ،
(١) في «الطبقات)) (٥١٦/٣). وانظر ((الإصابة)) (١٢٤/٨).
(٢) العبارة في ((ق)) هكذا: ((ولا يمنع من هذا أنه لم يذكرها في أسماء الصحابيات ((ولا)) كثير
ممن جمع في أسماء الصحابة)). وقوله: ((ولا)) لا معنى له، والعبارة بدونها مستقيمة.
١٤

٢٠ - باب الصلاة على الحصير
الحديث : ٣٨٠
عن أنسٍ أنَّ أَمَّ سُليمٍ سألتْ رسولَ الله ◌ِّهِ أن يأتيَها ويُصلِّيَ في بيتِها
فتتخذه مُصَلّى، فأتاها فعمدتْ إلى حصير فنضحتْهُ بماء فصلّى عليه
ے
وصلَّوا معه(١).
وقولُه: ((قد اسودَّ من طول ما لُبِسَ)) يدلُّ على أنَّ لُبسَ كلِّ شيء
بحسبِه، فلُبسُ الحصير هو بسطُه واستعمالُه في الجلوس عليه.
واستدلَّ بذلك من حرَّمَ الجلوسَ على الحريرِ وافتراشَه؛ لأنَّ افتراشَ
فرشِ الحريرِ وبسطِه لباسٌ له، فيدخلُ في نصوصِ تحريمٍ لباسِ الحرير.
وزعمَ ابنُ عبدِّ البرِّ أنَّ هذا يُؤْخذُ منه أنَّ من حلفَ لا يلبسُ ثوبًا
وليسَ له نيةٌ ولا ليمينه سببٌ؛ فإنَّه يحنثُ بما يُتَوَطَّأُ ويبسطُ من الثِّيَابِ؛
لأن ذلك يُسمَّى لباسًا (٢).
وهذا الذي قالَه فيه نظرٌ؛ فإنَّ اللبسَ المضافَ إلى الثَّوب إنَّما يرادُ به
اشتمالُ البدن أو بعضه به دونَ الجلوسِ عليه، بخلافِ اللبسِ إذا أُضيفَ
إلى ما يُجلسُ عليه ويُفترش أو أُطلقَ ولم يُضفْ إلى شيءٍ، كما لو
حلفَ لا يلبسُ شيئًا فجلسَ على حصيرٍ، أو حلفَ لا يلبسُ حصيرًا فجلس
عليه .
ولو تعلَّقَ (٣٤٥ - ب/ق) الحنثُ بما يُسمَّى لباسًا بوجه ما لكان
ينبغي أن يحنثَ بمضاجعة زوجته وبدخول الليل عليه، قالَ تعالَى: ﴿هُنَّ
لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَقَالَ ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾
[النبأ: ١٠] وكل ما لابسَ الإنسانَ من جوعٍ أو خوفٍ فهو لباسٌ، قالَ
تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢].
(١) ((سنن النسائي)) (٥٦/٢، ٥٧).
(٢) في ((التمهيد)» (٢٦٥/١).
١٥

الحديث : ٣٨٠
كتاب الصلاة
ولا نعلمُ خلافًا أنَّه لو حلفَ لا يجلسُ على بساط فجلسَ على
الأرضِ لم يحنثْ، وقد سمّاها اللهُ بساطًا، وكذلك لو حلفَ لا يجلسُ
تحت سقف فجلسَ تحتَ السماء، وقد سمَّى اللهُ السَّماءَ سقفًا، وكذلك
لو حلفَ لا يجلس في ضوءِ سراجٍ فجلسَ في ضوءِ الشَّمسِ. فإنَّ هذه
الأسماءَ غيرُ مستعملةٍ في العُرْفِ. والأَيْمَانُ إنما تنصرفُ إلى ما يتعارفُه
النَّاسُ في مخاطباتهم دون ما يصدقُ عليه الاسمُ بوجهِ ما في اللغةِ على
وجهِ التجوزِ، واللهُ أعلم.
وإنما قال أصحابنا: لو حلفَ ليرينَّ امرأتَه عاريةً لابسةً أَنَّه يبرُّ برؤيتها
في الليل عاريةً؛ لأن جمعَه بين عُريها ولبسها قرينةٌ تدلُّ على أنَّه لم يرد
لبسَها لثيابها؛ فإنَّ ذلك لا يجتمعُ مع عُربها
وأما نضحُ الحصيرِ: فاختلفَ في معناه، فقيلَ: هو تطهيرٌ له وإزالةٌ
لَمَا يُتَوَهَّمُ فيه من إصابةِ النجاسةِ له مع كثرةِ استعمالِه وطولِ عهده في
بيته يتربى فيه أولادٌ صغارٌ، وعلى هذا - فقيل: إن النضحَ هو الغسلُ،
وقيل: بل هو الرشُّ.
وهذا يُستدلُّ به على تطهيرٍ ما شُكَّ في نجاستِهِ بالنَّضحِ، وقد سبق
ذكرُ ذلك في كتاب ((الوضوء)) وأنَّ عمرَ، وغيرَه فعلوه وأنَّ من النَّاسِ من
خالفَ فيه، وقال: لا يزيدُه النَّضحُ إلا شرّا (١). وقيل: بل النَّضحُ هو
تنظيفٌ له من الوسخ، وتلیین (٢)له.
وعلى هذا فالمرادُ ((بالنَّضح)) فيه ((بالرشِّ)) على ظاهرِ اللفظِ، وهو
(١) في ((ق)): ((إلا سرّا)) ولعل ما أثبتناه هو الصواب. ولعل الصواب - أيضًا: ((إلا سوءً)).
(٢) في ((ق)): ((وتلين))، ولعل ما أثبتناه هو الصواب.
١٦

٢٠ - باب الصلاة على الحصير
الحديث : ٣٨٠
الأظهرُ والله أعلم.
ويشهدُ لذلك: ما خرجه مسلمٌ من حديث أبي النَّيَّاحِ، عن أنسٍ:
قالَ: كَانَ النبيّ وَّهِ (٣٤٦ - أ/ق) أحسنَ الناس خلقًا، فربما تحضرُ الصلاةُ
ءُ
وهو في بيتنا قال: فيأمرُ بالبساطِ الذي تحته فيكنس ثم ينضحُ ثم يؤمٌ
رسولُ الله ◌َّهِ ونقومُ خلفه فيصلِّي بنا. قال: وكان بساطُهم من جريد
النَّخْلِ (١).
وخرَّج - أيضاً - من روايةِ الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرِ قال:
ثنا أبو سعيد الخدريُّ أنَّه دخَل على رسولِ اللهِ وَ له فوجدَه يُصلِّي على
حصيرٍ يسجدُ عليه(٢).
وهذه الصَّلاةُ كانتْ تطوعًا؛ يدلُّ على ذلك: ما خرجه مسلمٌ من
حديثٍ ثابتٍ، عن أنس قال: دخل النبيُّ وَّر علينا وما هو إلا أنا وأمي
وأمّ حرامٍ خالتي، فقال: ((قُومُوا فلأصلِّي بكم)) - في غيرِ وقتٍ صلاةٍ -
فصلَّی بنا(٣).
وخرجه أبو داودَ، وعنده: فصلَّى بنا ركعتين تطوعًا (٤).
وإنما خرَّجَه البخاريُّ في هذا البابِ لأجل صلاة النبيِّ وَّةِ على
الحصيرِ. وقد خرجه في موضع آخر من كتابه هذا، ولفظُه: فقامَ عليه
رسولُ اللهِ وَّهِ - يعني: على الحصير الذي نُضِحَ.
وقد تبيَّنَ بروايةٍ أبي التياح، عن أنسٍ أَنَّه كانَ من جريدِ النَّخلِ، وقد
(١) مسلم (٦٥٩).
(٣) مسلم (٦٦٠).
(٢) مسلم (٦٦١).
(٤) أبو داود (٦٠٨).
١٧

الحديث : ٣٨٠
كتاب الصلاة
سُمَِّ في بعض الرواياتِ بساطًا لأنه يُبسطُ.
وخرجَ أبو داودَ من روايةٍ قتادةَ، عن أنسٍ أنَّ النبيَّ ◌َِّ كان يزورُ أَمَّ
سليم فتدركه الصلاة أحيانًا فيصلِّي على بساط لها، وهو حصيرٌ ينضحُه
بالماء(١).
وقد خرَّجَ البخاريُّ - أيضًا - في موضعٍ آخر من كتابِه هذا من
حديثِ أنسِ بنِ سيرين، عن أنسٍ أَنَّ رجلاً من الأنصار قال: يا رسول
اللهِ، إني لا أستطيعُ الصَّلاةَ معك - وكان رجلاً ضخمًا -، فصنعَ للنبيِّ
وَلَّ طعامًا فدعاه إلى منزله، فبسطَ له حصيرًا، ونضحَ طرفَ الحصيرِ
فصلَّى عليه ركعتين(٢).
فدَّلَتْ هذه الأحاديثُ على جوازِ الصَّلاةِ على الحصيرِ، وفي حديثٍ
أبي سعيد الذي خرَّجَه مسلمٌ التَّصريحُ بأنَّه سجدَ عليه.
وكذلك رُوِيَ من حديث أنسٍ، خرَّجَه الإمامُ أحمدُ من رواية
عبدِ العزيزِ بنِ عبد الله بنِ أبي سلمةَ، عن إسحاقَ بنِ عبد الله، عن أنس
قال: صلَّى بنا رسولُ اللهِ بِ ◌ّهِ في بيتِ أمِّ سُلَيْمٍ على حصيرِ قديمٍ قد
تغيرَ من القدم. قال: ونضحَه (٣٤٦ - ب/ق) بشيءٍ من ماء فسجدَ
عليه(٣).
وأكثرُ أهلِ العلمِ على جوازِ الصَّلاةِ على الحصيرِ والسجودِ عليه،
وأن ذلك لا يُكرهُ إذا كانَ الحصيرُ من جريد النخل أو نحوه مما يَنْبُتُ من
الأرضِ.
(١) أبو داود (٦٥٨) وفيه: ((ننضحه بالماء)).
(٣) ((المسند)) (١٤٥/٣، ٢٢٦).
(٢) البخاري (٦٧٠ - فتح).
١٨

٢٠ - باب الصلاة على الحصير
الحديث : ٣٨٠
وثمَّنْ رُوِيَ عنه أنه صلَّى على الحصير: ابنُ عمرَ، وزيدُ بنُ ثابتٍ،
وجابرٌ، وأبو ذرٍّ .
وقال النخعيَّ: كانوا يُصلّونَ على الحصير والبوري. وقال مجاهد:
لا بأسَ بالصلاة على الأرضِ وما أَنْبتتْ.
ومذهبُ مالك: لا بأسَ أن يسجدَ على الخُمرةِ والحصيرِ وما تُنبتُ
الأرضُ ويضع كفَّيه عليها، والسُّجودُ على الأرضِ أفضلُ عنده، وعند
كثيرٍ من العلماءِ.
وكان ابنُ مسعودٍ لا يُصلِّي على شيءٍ إلا على الأرضِ.
ورُوِيَ عن أبي بكرِ الصديقِ أنَّه رأى قومًا يُصلُّون على بسطِ فقال
لهم: افضوا إلى الأرضِ.
وفي إسناده نظرٌ.
ورُوِيَ عن ابنِ عمرَ أنَّه كان يُصلِّي على الخمرةِ ويسجدُ على
الأرضِ .
ونحوه عن علي بن حسین.
وقال النَّخعيُّ في السُّجودِ على الحصيرِ: الأرضُ أحبُّ إليَّ. وعنه أنَّه
قال: لا بأسَ أن يُصلِّيَ على الحصيرِ؛ لكن لا يسجد عليه(١).
ونقل حربٌ، عن إسحاقَ قال: مضتِ السُّهُ من النبيِّ وَِّ أنَّه صلَّى
على الخُمرةِ والبساطِ وعلى الثوبِ الحائلِ بينه وبين الأرضِ. قال: وإن
(١) وانظر ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٣٩٩/١ - ٤٠١).
١٩

الحديث : ٣٨٠
كتاب الصلاة
سجدَ الرجلُ على الأرضِ فهو أحبّ إليّ، وإن أفضى بجبهته ويديه إلى
الأرض فهو أحبَّ إلينا.
وأكثرُ صلاةِ النبيِّ وََّ كانت على الأرض، ويدلُّ على ذلك: أنَّه لما
وكف(١) المسجد وكان على عريشٍ فصلَّى النبيُّ وَّهِ صلاةَ الصُّبح
وانصرفَ وأثرُ الماءِ والطِّينِ على جبهتهِ وأنفِه .
وخرجَ أبو داودَ من روايةِ شُرَيحٍ بنِ هانئٍ، عن عائشةَ قالتْ: لقد
مُطِرنا مرةً بالليلِ فطرحنا للنبي ◌ِ ◌ّهِ نِطِعًا، فكأنِّي أنظرُ إلى ثقبٍ فيه ينبعُ
الماءُ منه، وما رأيتُه متقيًا الأرضَ بشيءٍ من ثيابِه قط(٢).
وخرَّجَه الإمامُ أحمدُ، ولفظُه: قالتْ: ما رأيتُ رسولَ اللهِوَلَّهِ يَتَّقِي
الأرضَ بشيء إلا مرةً، فإنَّه أصابَه مطرٌ فجلسَ على طرفٍ بِناءِ(٣) فكأنِّي
أنظرُ إلى الماءِ ينبعُ من نقبٍ كان فيه (٤).
وخرَّجه ابنُ جريرٍ، والبيهقيَّ، وغيرهما، وعندهم: أنَّ شُرَيَحًا قال:
سألتُ عائشةَ عن صلاة رسول الله وَّلَه، فذكرت الحديثَ.
صَلى الله
وفي رواية لابنٍ جرير: أنَّ عائشةَ قالتْ: ما رأيتُ رسولَ الله
وسلم
(٣٤٧ - أ/ق) صلَّى على شيء قط، إلا أنَّه أصابنا مطرٌّ ذات ليلة فاجترٌ
نطعًا فصلَّى عليه(٥).
وخرَّجَه الطبرانيُّ، ولفظُه: كان رسولُ اللهِ وَِّ إذا صلَّى لا يضعُ
تحتَ قدميه شيئًا، إلا أنَّا مطرنا يومًا فوضعَ تحت قدميه نطعًا.
(١) ((وكف المسجد)) يعني: قطر سقفه بالماء ((مشارق الأنوار)) (٢٨٦/٢).
(٢) أبو داود (١٣٠٣).
(٣) في الحاشية: ((البناء: النطح)).
(٤) أحمد (٥٨/٦).
(٥) والبيهقي (٤٣٦/٢).
٢٠