Indexed OCR Text

Pages 61-80

٨ - باب الاستحاضة
الحديث: ٣٠٦
أو كانت لها عادةٌ ونَسيتها .
وقد اختلفَ العلماءُ في حكم ذلك؛ فذهبَ الشَّافعيّ، وأحمدُ إلى
اعتبار التَّمييز والعادة معًا فإن انفردَ أحدهما عمل به بغيرِ خلاف عنهما،
وإن اجتمعا واختلفا ففيه قولان:
أحدهما: تقدمُ التَّمييزِ على العادةِ، وهو قولُ الشَّافعيِّ ورواية عن
وُ
أحمدَ اختارها الخرقيّ.
والثَّاني: تقدمُ العادةِ على الثَّمييرِ، وهو المشهورُ عن أحمدَ وعليه أكثرُ
أصحابه، وهو قول إسحاقَ والإصطخريِّ وابن خَيْران (١) من الشَّافعيةِ، وهو
قولُ الأوزاعيِّ حتى أنَّ قَدَّمَ رجوعَها إلى عادةٍ نسائها على تمييزِ الدَّمِ،
وذهبَ مالكٌ إلى أَنْ لا اعتبارَ بالعادة وأَنَّ العملَ على التَّمييز وحدَه، فإن
لم يكنْ لها تمييزٌ فإنها لا تتركُ الصَّلاةَ أصلا؛ بل تُصلِّي أبدًا ويلزمُها (٢)
الغسلُ لكلِّ صلاةٍ في الوقتِ لاحتمالِ انقطاعِ الحيض فيه.
ومذهبُ أبي حنيفةَ وسفيانَ: أَنَّ الاعتبارَ بالعادة وحدّها دونَ التَّمييز،
فإن لم يكن لها عادةٌ فإنَّها تجلسُ أقل الحيضِ ثم تغتسلُ وتُصلِّي، وأَمَّا
من لا عادةً لها ولا تمييزَ: فإن كانتْ ناسيةً، فذهبَ أبو حنيفةً إلى أنَّها
تقعدُ العادةَ تجلسُ أقلَّ الحيضِ ثم تغتسلُ وتصلِّي.
ومذهبُ مالك: أَنَّها تقعدُ التَّمييزَ أبدًا وتغتسلُ لكلِّ صَلاة كما تقدَّم.
وللشَّافعيِّ فيها ثلاثةُ أقوال: أحدها: أنَّها تجلسُ أقلّ الحيضِ، والثَّاني:
(١) هو الحسين بن صالح بن خيران من أركان المذهب الشافعي. ترجمه السبكي في ((طبقات
الشافعية)» (٢٧١/٣ - ٢٧٤).
(٢) في ((ط)): وتلزمها بالتاء.
٦١
٠

الحديث: ٣٠٦
كتاب الحيض
تجلسُ غالبَه ستّا أو سبعًا، والثالث - وهو الصَّحيحُ عند أصحابهِ كقولٍ
مالك أنَّها لا تجلسُ شيئًا؛ بل تغتسلُ لكلِّ صلاة وتُصلِّي.
ومذهبُ أحمدَ: أن الناسيةَ لعادتها تجلسُ غالبَ عادات النساء ستّا أو
سبعًا من كلِّ شهرٍ ثم تغتسلُ وتُصلِّي وتصوم. هذا هو المشهورُ عنه،
وحُكيَ عنه رواية: أَنَّها تجلسُ أقلَّ الحيضِ ثم تغتسلُ وتصلِّي. ورواية
ثالثة: أَنَّها تجلسُ عادةَ نسائها وأقاربها ثم تغتسلُ وتُصلِّي، وأما المبتدأةُ إذا
(٥٤ - ب/ ط) اسْتُحيضتْ [فإذا كانت مميزة](١) فإنَّها تُردُّ إلى تمييزِها عند
الشَّافعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ.
وإن لم يكن لها تمييزٌ: فعن أحمدَ فيها أربعُ روايات: إحداهنّ :
تجلسُ أقلَّ الحيضِ والثّانية: أكثَره. والثَّالثة: غالبَه وهو ستٍّ أو سبعٌ.
والرابعة: عادةَ نسائها .
وللشَّافعي قولان: أحدُهَما: تجلسُ أقلَّه، والثّاني: غالبَه. وقال أبو
حنيفَةٍ: تجلسُ أكثرَ الحيضِ - بخلافِ قوله في النَّاسية .
وعن مالك رواياتٌ إحداهنَّ: تجلسُ أكثر الحيضِ. والثّانية: تجلسُ
عادةَ لدَاتها وأقرانها. والثَّالثةُ: تجلس عادتَهنَّ وتستظهرُ بعدَها بثلاث.
وحُكي عنه روايةٌ أخرى: أَنَّها لا تجلسُ شيئًا أصلا. هذا في أولِ شهرٍ ،
فَأَمَّا ما بعدَه فلا تجلسُ(٢). فيه أصلا؛ بل تغتسلُ وتصلِّي أبدًا إذا لم يكنْ
لها تمییزٌ.
(١) هذه العبارة وُجدت أعلى الصفحة بمقلوبها كأنها حاشية والظاهر أنها من أصل الكتاب
لأنها ختمت بـ ((صح)).
(٢) انتقل نظر الناسخ فأعاد ما كتبه أولا بعد قوله: ((فلا تجلس))، فقال: ((عادة لداتها وأقرانها
والثالثة)) ثم تدارك الأمر فضرب عليها، فصارت العبارة كما أثبتناه.
٦٢

٨ - باب الاستحاضة
الحديث: ٣٠٦
وَقَالَ عطاءٌ، والأوزاعيُّ، والثَّوريُّ (١) في المشهورِ عنْهُ: تجلسُ عادةً
نسائها وأقاربها، فإن لم يكنْ لها أقاربٌ جلستْ غالبَ حيضِ النِّساءِ ستّا
أو سبعًا.
وقَدْ وَرَدَ عن النبيِّ بَّهِ فِي رَدِّ المستحاضة إِلى غالبِ حيضِ الحَيْضِ
من روايةٍ حَمْنَةَ بنتِ جَحش قالتْ: كنتُ أُستحاضُ حيضةً كبيرةً(٢)
شديدةً فأتيتُ النبيَّ ◌ِّهِ أَسْتَفْتِه، فذكرتِ الحديثَ إلى أنْ قالتْ: قال
النبيُّ وَّ: ((إنَّما ذلكَ مِنَ الشَّيْطانِ فَتحيضِي ستَّةَ أيامٍ أو تسعةَ(٣) أيامٍ في
علمِ الله عَزَّ وجَلَّ ثمَّ اغتسلِي))، وذكر الحديث.
خرَّجهُ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والتّرمذيَّ، وابن ماجه (٤).
وفي روايةٍ لأبي داودَ: ((وكذلكِ فافعلي في كلِّ شهرٍ كما تحيضُ
النِّساءُ وكما يَطْهُرْنَ)).
وقال التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ، قالَ: وسألتُ محمدًا - يعني البخاري
عنهُ فقالَ: هو حديثٌ حسنٌ (٥)، وكذا قال أحمدُ بنُ حنبلٍ: هو حسن
صحیحٌ (٦).
(١) راجع ((اختلاف العلماء)) (ص ٣٨) لمحمد بن نصر المروزي.
(٢) عند أحمد وأبي داود ونسخة للترمذي: ((كثيرة)).
وعند ابن ماجه جاءت: ((كثيرة)) و ((كبيرة)) و ((منكرة)).
(٣) قوله: ((تسعة)) هكذا في ((ط))، وفي سائر المصادر: ((سبعة)).
(٤) ((المسند)) (٤٣٩/٦)، وأبو داود (٢٨٧)، والترمذي (١٢٨)، وابن ماجه (٦٢٢، ٦٢٧).
(٥) في إحدى نسخ الترمذي: ((حسن صحيح)) وهو الموافق لما في ((تحفة الأشراف)) (٢٩٤/١١)،
وفي ((العلل الكبير)) (ص ٥٨) للترمذي: ((هو حديث حسن))، وهو كذلك عند البيهقي
(٣٣٩/١) فيما بلغه عن الترمذي. انظره (ص١٦٢) عند الحديث (٣٢٧).
(٦) هكذا عند الترمذي، وفى ((العلل الكبير)) (ص ٥٨) للترمذي: ((هو حديث صحيح))،
وهو كذلك عند البيهقي (٣٣٩/١) فيما بلغه عن الترمذي، وانظره عند الحديث (٣٢٧).
٦٣

الحديث: ٣٠٦
كتاب الحيض
هذا ما ذكرهُ التِّرمذي.
ونقلَ حربٌ، عن أحمدَ أنهُ قالَ: نذهبُ إليه، ما أحسنَهُ من حديثٍ .
واحتجَّ بهِ إسحاقُ وأبو عبيدٍ وأخذا بهِ.
وضعَّفَهُ أبو حاتم الرازيّ(١) والدار قطنيُّ (٢) وابنُ منده، ونقلَ الاتِّفَاقَ
على تضعيفهِ من جهةِ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بن عَقِيلٍ، فإنَّهُ تفرَّدَ بروايته.
والمعروفُ عنِ الإمام أحمدَ أنَّهُ ضَعَّفَهُ ولمْ يأخذْ بهِ، وقالَ: ليسَ
بشىءٍ، وقالَ مرةً: ليسَ عندي بذلكَ وحديث فاطمةَ أصحَ (٥٥ - أ/ ط)
منهُ وأقوَى إسنادًا(٣) .
وقالَ مرةً: في نفسي منهُ شيءٌ (٤).
ولكنْ ذكَر أبو بكر الخلالُ أنَّ أحمدَ رجعَ إلى القول بحديث حَمنةَ
والأخذِ بهِ (٥) والله أعلمُ.
(١) في ((العلل)) (١/ ٥١) لابنه أبي محمد الرازي.
(٢) في ((العلل)) (٥ ب/ ق ١٠١ - أ).
(٣) النَّصَّ عند ابن هانئ في ((مسائله)) (٣٣/١).
(٤) ذكر هذا عنه أبو داود في ((السنن)) (٢٨٧) ((ومسائل أبي داود)) (ص ٢٣).
وفي («التمهيد)» (٦١/١٦) لابن عبد البر «وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول
في الحيض حديثان والآخر في نفسي منه شيء.
قال أبو داود: يعني أن في الحيض ثلاثة أحاديث هي أصول هذا الباب، أحدها: حديث
مالك، عن نافع، عن سليمان بن يسار؛ والآخر: حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن
عائشة؛ والثالث - الذي في قلبه منه شيء- هو: حديث حمنة بنت جحش الذي يرويه
ابن عقيل)) ا. هـ.
(٥) راجع ((مسائل عبد الله)) (ص ٤٩)، و((مسائل أبي داود)) (ص ٢٢ - ٢٣)، و ((مسائل
صالح)» (١٢٧٥).
٦٤

٨ - باب الاستحاضة
الحديث: ٣٠٦
وقد اختلفَ النَّاسُ فِي حَمنَةَ هلْ كانتْ مبتدأةً أو كانتْ معتادةً ناسيةً
لعادتها أو معتادةً وذاكرةً(١) لعادتها؟ فمنهمْ منْ قالَ: كانتْ مبتدأَةً،
ورجَّحَهُ الخَطَّبيُّ (٢) وطائفةٌ من أصحاب الشافعىِّ وغيرِهم، وضَعَّفُه
الإمامُ أحمدُ بأنَّ حَمْنَةَ كانتْ امرأةً كبيرةً لم يكنى صعره (٣).
ومنهم منْ قالَ: كانتْ ناسيةً لعادتها ولا تمييزَ لها. وعلَى هذا حَمَلَهُ
الإمامُ أحمدُ - على رواية أخْذه بالحديثِ وأصحابُه الذينَ أخذوا بهِ كأبي
بكر الخلالِ وصاحبهِ أبي بكرِ بن جعفرٍ (٤).
ومنهمْ منْ حَمَلَهُ على أنَّها كانتْ معتَادةً عالمةً بالعادة. وهوَ اختيارٌ
الشافعيِّ في ((الأُمِ)) (٥).
واختلفَ أصحابُهُ علَى هَذَا كيفَ ردَّها إلى ستٍّ أو سبع؟ فمنهم من
۵
قالَ: إِنَّما ردَّها إلَى ما تذكرُهُ من عادَتِها من الستِّ أوْ السبعِ.
ومنهمْ مَنْ قالَ: كانت عادتُها فى الشَّهور مختلفةً، ففى بعضها كانت
تحيضُ ستّا وفي بعضها : سبعًا، فردَّها إلى عادتِها فِي ذَلِكَ.
وقَدْ حَمَلَ طائفةٌ من أصحابنا حديثَ حمنَةَ علَى مثلِ ذلكَ، بناءً عَلَى
أنَّ المبتدأةَ والنَّاسيةَ لا تجلسان أكثر منْ أقلِّ الحيضِ؛ ولكنَّ المنصوصَ عنْ
(١) فى ((ط)): ((وأكثره)) فضرب على ((أكثره)) ووضع فوقها علامة لحق، وكتب فى الهامش:
((ذاكرة)) وكتب فوقها: ((صح)).
(٢) في ((معالم السنن)) (٨٨/١ - ٨٩).
(٣) قوله: ((لم يكنى صعره))، هكذا جاءت في (ط))، ولعل صوابه: ((لم تكن صغيرة)).
(٤) هو عبد العزيز بن جعفر المعروف بغلام الخلال، مترجم في ((طبقات الحنابلة))
(١١٩/١)، و((السير)) (١٤٣/١٦ - ١٤٥).
(٥) (٦٠/١).
٦٥

الحديث: ٣٠٦
كتاب الحيض
أحمدَ - وهوَ قولُ أبي بكر وغيره - أنَّا لا نَقُولُ إنَّ الناسيةً (١) تجلسُ أقلَ
الحيضِ إلا لتضعِيفِنا إسنادَ حديثٍ حَمنةَ لا لتأويله.
وثمَّنْ رجَّحَ تأويلَهُ: ابنُ أبي موسَى(٢) فِي ((شرحِ الخرقيِّ)، وقالَ:
نحملُهُ عَلَى أنَّ الستَّ كانتْ عادتُها، وشكَّت فى اليومِ السابعِ فردّها إِلَى
عادتِها المتَيَقْنَةِ، وردَّها فِي اليومِ المشكُوكِ فيهِ إِلَى النَّحري فيهِ والاجتهادِ.
وأمَّا قولهُ بَّ: ((فَإِذَا أَدْبَرَتْ - أَوْ فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا - فاغْسلي عنْك
الدَّمَ وصَلِّي)) وفِي روايةٍ أُخْرَى (٣): ((فاغْتَسلِي وصَلِّي)) فإِنّهُ يجمعُ بينَّ
الروايتينِ ويُؤْخَذُ بهِما فِي وجوبِ غَسلِ الدَّمِ والاغتسالِ عندَ ذهابٍ
الحيضِ. وقد جاءَ ذلكَ مُصرَّحًا بهِ فِى روايةٍ خَرَّجَها النَّسائيُّ (٤) مِنَ
طريقِ الأوزاعيِّ، عن يَحيَى بنِ سعيدٍ، عن هشامٍ، عن أبيهِ، عن فاطمةً
بنت قيس، (٥) أسد قريشٍ، عن النَّبِيِّ مَّ أَنَّهُ قالَ لهَا: ((اغتسلى
وَأَغْسَلَى عَنَكِ الدَّمَ وصلِّي».
قال (٥٥ ب/ط) الطبرانيُّ: فاطمةُ بنتُ قيسٍ هذه هِيَ بنتُ أَبِي
(١) في ((ط)): ((الناسية لا تجلس)) وضرب على: ((لا)).
(٢) هو محمد بن أحمد بن أبي موسى، أبو علي الهاشمي القاضي.
قال ابن أبي يعلى في ((طبقات الحنابلة)) (١٨٢/٢): ((صنف ((الإرشاد)) في المذهب.
وشاهدت أجزاء بخطه من شرحه لكتاب الخرقی)).
(٣) من طريق سفيان، وأبي أسامة، عن هشام به، عند البخاري (فتح: ٣٢٠ _ ٣٢٥).
(٤) في ((السنن)) (١١٦/١ - ١١٧).
(٥) في ((ط)) كأنه كتب ((من)) ثم أصلحها إلى ((بني)).
وفي ((سنن النسائي)) (١١٦/١): ((فاطمة بنت قيس من بني أسد قريش)).
وهي من بني أسد، ترجمها المزي في ((تهذيب الكمال)) (٢٥٤/٣٥).
٦٦

٨ - باب الاستحاضة
الحديث: ٣٠٦
حُبَيْشٍ - واسْمهُ قَيسٌ - قالَ: وليستْ فاطمةَ بنتَ (١) قيسِ الفهريَّةِ التِي
رَوَتْ قِصَّةَ طلاقِها(٢).
وقالَ الدار قُطْنِيُّ في ((عَلِه)) (٣): وَهِمَ الأوزاعيُّ فِي قولِهِ ((بنت قيسٍ))
إنَّما هى (بنت أبي حبيشٍ)).
وكذلكَ رواهُ أبو معاويةَ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، عنْ عائشةَ
أنَّ النبيَّ وَِّ قَالَ لفاطمةَ: ((فإذا أدبرتْ فَاغسلِي الدَّمَ ثمَّ اغتَسلي)»(٤).
ورواه حمَّادُ بنُ سَلمةَ، عن هشامٍ وقالَ فيهِ: ((فاغْسِلِي عنكِ الدَّمَ
وتَطَهَّرِي وصلِّي))(٥).
والغسلُ عِندَ انقضاءِ حيضِ المُسْتحاضةِ المحكوم بهِ لابدَّ منهُ كَما لو
طَهُرتْ مِن الحيضِ .
وقد تعلَّقَ بعضُ النَّاسِ بِظاهرِ الرواية المشهورةِ فى حديث فاطمةَ:
((اغسلِي عنكِ الدَّمَ وصَلِّي)) وقالَ: ((لا غُسلَ عليها، إنَّما عَليها أنْ تَغْسلَ
الدَّمَ وَتُصَلِّي)).
وقدْ حَكَى الأثرمُ هَذا القول للإمامِ أحمدَ ولم يُسَمِّ مَنْ قالَه فأنكَرَهُ
(١) كلمة (بنت)) وضع فوقها علامة لحق، وكتب في الهامش ما يشبه: ((بن)) وفوقها ما يشبه (حر))
كذا، وانظر ما سيأتي (٣٥٧/٤) ففيه ما يفيد في هذا، حيث ألحق ((ابن)) في الحاشية
وعليها ((صح)) وانفتحت منه رأس الصاد، فأشبهت ما في ((ط)).
(٢) الطبراني في ((الكبير)) (٣٥٧/٢٤)، وترجمها الإمام المزي في ((تهذيب الكمال))
(٣٥/ ٢٦٤).
(٣) ((العلل)) (٥ ب/ ق ١٠٤ - ب).
(٤) أخرجه البخاري (فتح: ٢٢٨)، ومسلم (٦٢/٣٣٣).
(٥) أخرجه الدارمي (١٩٩/١) من طريق حماد بن سلمة، وفيه: ((وتوضئ)) بدلا
من: و ((تطهري)).
٦٧

الحديث: ٣٠٦
كتاب الحيض
الإمامُ أحمدُ وقالَ: الغسلُ لابدَّ مِنهُ.
وفسَّرَ سفيانُ الثَّورِيُّ قولَه «اغسلِي عنكِ الدَّمَ)) أنَّها إذَا اغتَسلتْ عندَ
فراغِ حِيْضِها المحكوم بأنَّهُ حيضُها ثمَّ رأت دَمًا فإنَّها تغسل الدَّمَ وتُصَلِّي
فإنّهُ دَمُ استحَاضَةِ لا يَمنعُ الصَّلاةَ وإنَّما تَغْسلُه وتَتَحِفَّظُ مِنْهُ فَقَطْ، فَفي
حديث عائشةَ الأمرُ بِغَسلِ الدَّمِ. وفى حديث أمِّ سَلَمَةً(١) الأمرُ بالاستثفار
بَثَوبٍ(٢) والمرادُ بِهِ الثَّلْجُمُ بالثَّبِ والتَّحفُظُ بِهِ.
وقد اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ هل يجبُ الغسلُ عليها لكلِّ صلاة؟ على قولينِ،
وأكثرُ العلماء على أنَّ ذلكَ ليسَ بواجبٍ. وَرَبّما نَذْكُر المسألة مستوفاةً
ے
فيما بعدُ إن شاءَ اللهُ تَعَالَى.
وكَذَلِكَ اختلفوا هل يجبُ عليها غَسَلُ الدَّمِ والتَّحقُّظُ والتَّلَجُمُ عِنْدَ
كلِّ صلاة؟ وفيه قولان هُما روايتان عن أحمدَ،
ورُّمَّاً يرجعُ هذا الاختلافُ إلى الاختلاف المشهور في أنَّ الأمرَ المطلقَ
هلْ يقْتَضي التكرارَ أمْ لا؟ وفيه اختلافٌ مشهورٌ؛ لكن الأَصَحُّ هُنَا أَنَّهُ لا
يَقتضي التّكْرارَ لكلِّ صلاة، فإنَّ الأمرَ بالاغتسال وغَسْلِ الدَّمَ إنَّمَا هُوَ
معلَّقٌ بانقضاء الحيْضَةِ وإدْبَارِهَا، فإذا قيلَ: إِنَّهُ يَقْتَضِي التَّكَرارَ لم يقْتَضِهِ
إِلا عندَ إدبارِ كلِّ حيضةٍ فقط.
وقولُه ((وصلِّي)): أمرٌ بالصلاة بعدَ إدبار الحيضة حيثُ نهاها عن
(١) أخرجه الإمام مالك في ((الموطأ)) (ص ٦٢)، وأبو داود (٢٧٤ - ٢٧٨)، وابن ماجه
(٦٢٣)، وأحمد (٢٩٣/٦ - ٣٢٠)، والدارمي (١٩٩/١ - ٢٠٠).
(٢) كلمة ((بثوب)) من الهامش، وقد أشار لها بعلامة لحق بين كلمة: ((بالاستثفار)) وكلمة
((والمراد)» ولم یکتب فوقها (صح)).
٦٨

٨ - باب الاستحاضة
الحديث: ٣٠٦
الصلاة فى وقت إقبالها، والأمرُ بعدَ الحظرِ يعيدُ الأمرَ إلى ما كانَ عليه
عندَ كثيرٍ منَ الفقهاء، وقد كانت الصلاةُ عليها واجبةً قبلَ الحيضةِ فكذلكَ
بعدَها (٥٦ - أ / ط).
وأمَّا علَى قول من يقولُ: لا يقتضي غيرَ الإباحةَ فقدْ يُقالُ: إنَّ هذَا
الأمرَ اقتضَى إطلاقَ الصلاة والإذنَ فيها بعد حَظرِها فصارت الصلاةُ
مباحةً بعدَ حظرِها، فإنْ كانتْ نافلةً فهيَ غيرُ محظورة، وإنْ كانتْ
مفروضةً اكتُفِيَ في الاستِدْلالِ عَلَى فَرْضيتِها بالأدلةِ العامةِ الدَّالةِ على
افتراضِ الصَّلاةِ على كلِّ مسلم، وإنّمَّا خرجَ من ذلكَ حالُ الحيضِ بمثلٍ
هذا الحديث وشبْهه، وإطلاقُهُ وَّلِّ دليلٌ على أنَّها في حُكمِ الطَّاهراتِ فِي
جميعِ العباداتِ التي يمنعُ منها الحيضُ.
هذا قول جمهور العلماء.
وشدَّ منهم مَّن قالَ باختصاصِ الإذنِ بالصلاةِ خَاصَّةً، وسنذكرهُ فيما
بعدُ إن شاءَ اللهُ تَعالى.
وقدْ زادَ قومٌ (١) مِنَ الرُّواة في حديثِ عائشةَ الأمرَ بالوضوءِ، منهم:
حمادُ بنُ زيد، عن هشامٍ.
(١) منهم: حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وأبو معاوية، وأبو حمزة السكري، وأبو حنيفة
وعيسى بن يونس، ومحمد بن عجلان، ويحيى بن سليم، كما سيذكر المصنف فيما بعد
وأصحاب هشام لا يذكرون هذه الزيادة مما يدل على غرابتها.
وقد نص غير واحد من الأئمة منهم: النسائي والدارقطني وابن عبد البر والبيهقي على
تفرد حماد بن زيد بهذه الزيادة مع وقوفهم على ما صورته المتابعة، مما يدل على أنها
غرائب عندهم - رحمهم الله - لم تتوفر فيها شروط المتابعة.
٦٩

الحديث: ٣٠٦
كتاب الحيض
خرَّجهُ النَّسائيُّ (١) من طريقه وقالَ فيه: ((فاغسلي عنكِ الدّمَ
وتَوَضَّأَي، فإنََّ ذلِكِ عِرقٌ)).
قال النَّسائيُّ: لا نَعلمُ أحدًا ذكَر في هذا الحديث ((وتوضَّأَي)) غيرَ
حمادِ بنِ زيدٍ (٢).
وقد خرَّجَ مسلمٌ (٣) حديثَهُ هذا وقالَ: فى حديثِ حمَّادِ بنِ زيدٍ زيادةٌ
حرفٍ تركنا ذِكرَهُ - يَعني قولَه («توَّضأي)) .
قال البَيْهَقِيُّ: هذه الرِّوايةُ غيرُ محفوظة (٤).
وفي روايةٍ أُخرَى عن حماد بن زيدٍ في هذَا الحديثِ: ((فِإِذَا أَدْبَرَتِ
الحيضةُ فاغسلِيَ عنْكِ الدَّمَ وتوَضَّأَي)» .
فَقيلَ لحمَّاد: فالغُسلُ؟ قالَ: ومنْ يشكُّ أنَّ في ذلكَ غسلاً واحداً بعدَ
الحيضة؟
وقال حمَّدٌ: قالَ أَيُّوبُ: أرأيتَ لو خرجَ من جِيْبِها دمٌ أتغسلُ؟ -
يشيرُ أيوبُ إلى أنَّها لا تغتسلُ لكلِّ صلاةٍ.
(١) (١ / ١٢٣ - ١٢٤) .
(٢) ولفظ النسائي في ((السنن)): لا أعلم أحدًا ذكر في هذا الحديث ((وتوضئي)) غير حماد بن
زيد وقد روى غير واحد عن هشام، ولم يذكر فيه: ((وتوضئي)» ا. هـ.
(٣) في (( («صحيحه (٦٢/٣٣٣).
(٤) ((السنن الكبرى (( (١١٦/١).
ونصه - بعد ذكره لكلام مسلم من ((الصحيح)) - هكذا: ((وهذا لأن هذه الزيادة غير
محفوظة؛ إنما المحفوظ ما رواه أبو معاوية وغيره عن هشام بن عروة هذا الحديث وفي
آخره قال: قال هشام: قال أبي: ثم توضأ لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت)» ا. هـ.
وقال البيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) (١٤٩/٢): ((إلا أن حماد بن زيد زاد فيه
الوضوء، وهو غلط، إنما الوضوء من قبل عروة)» ا. هـ.
٧٠
--

٨ - باب الاستحاضة
الحديث: ٣٠٦
قالَ ابنُ عبد البَرِّ(١): جَوَّدَ حمادُ بنُ زيدٍ لَفِظَهُ - يَعني بذكرِ الوُضُوءِ -
وهذا يدلُ على أنَّهُ رآهُ محفوظًا؛ وليسَ كما قالَ.
وقد رُويتْ لفظةُ الوُضُوءِ من طريقِ حمَّادِ بنِ سلمةَ، عن هشامٍ.
خرَّجَهُ الطحاويُّ(٢) من طريقِ حجَّاج بنِ منهالٍ عن حمَّادٍ.
ورواهُ عفان، عن حمادٍ ولفظهُ: ((فاغسلِي عنكِ الدَّمَ، ثمَّ تطَهَّرِي
وصلِّي)). قال هشامٌ: كانَ عُرْوَةُ يقولُ (٣): الغسلُ الأولُ ثمَّ قالَ بعدُ:
والُّهرُ (٤).
وكذلكَ رُويتْ من طريقِ أبِي معاويةَ، عن هشامٍ .
خرَّجَهُ الترمذيُّ(٥) عن (٥٦ - ب / ط) هناد، عنهُ وقالَ: قالَ أبو معاويةً
فى حديثه: وقالَ: ((توضّأي لكلِّ صلاة حتَّى يجيءَ ذلكَ الوقتُ)).
والصَّوَابُ: أنَّ هَذَا مِنْ قولِ عُرُوَةَ كَذَلِكَ خرَّجَهُ البخاريُّ فِي كتابٍ
الوُضوء(٦)، عن محمد بن سلامٍ، عن أبي معاويةَ، عن هشامٍ، فذكرَ
الحديثَ وقالَ في آخِرِهِ: قالَ: وقالَ أبي: ((ثُمَّ توضَّي لكلِّ صلاةٍ حَتَّى
يَجِيءَ ذلكَ الوقتُ)).
وكذلكَ رواهُ يعقوبُ الدورقيَّ(٧)، عن أبي معاويةَ، وفي حديثهِ: ((فإذا
(١) راجع ((التمهيد)) (١٠٣/٢٢).
(٢) ((شرح معاني الآثار)) (١٠٣/١)، والدارمي (١٩٩/١).
(٣) قوله: ((يقول)) من الهامش، ولم يكتب فوقها ((صح)) ووضع عند قوله: ((عروة)) علامة لحق.
(٤) أخرجه ابن عبد البر في ((التمهيد)) (١٠٤/٢٢).
(٥) برقم (١٢٥).
(٦) (فتح: ٢٢٨).
(٧) أخرجه ابن عبد البر في ((التمهيد)» (١٠٤/٢٢).
٧١

الحديث: ٣٠٦
كتاب الحيض
أدَبَرتْ فاغسلِي الدَّمَ ثمَّ اغتسلِي)»، قال هشامٌ: قالَ أبي (١): ((ثم توضَّأَي
لكلِّ صلاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الوقتُ).
وخرَّجَهُ إِسحاقُ بنُ راهويهِ، عن أبي معاويةَ، وقالَ في حديثهِ: قالَ
هشامٌ: قال أَبِي: ((وَتَوضَّأَي لكل صلاةٍ حتَّى يجيءَ ذلِكَ الوَقتُ)).
وكَذَلِكَ رَوَى الحديثَ عيسَى بنُ يونُسَ، عن هشامٍ، فقالَ في آخرِ
الحديث: وقالَ هشامٌ: ((تَتَوَضَّأُ لكلِّ صلاة)) .
وذكَر الدارقُطِنِيُّ فِي ((العِلَلِ)) (٢) أنَّ لفظَةَ ((توضَّأَي لكلِّ صلاة)) رَوَاهَا
- أيضًا - عَن هشامٍ: أبو حنيفةَ، وأبو حمزةَ السكريُّ، ومحمدُ بنُ
عجْلانَ، ويَحْيَى بنُ سُلَیم.
قُلتُ: وكذلكَ رواهُ أبو عوانَةً(٣)، عن هشامٍ ولفظُ حَديثِهِ: ((المستحاضةُ
تدعُ الصَّلاةَ أيامَ أقرائِها وتغتسلُ غُسلاً واحدًا وتتوضأُ لكلِّ صلاةٍ) .
قلتُ: والصوابُ أنَّ لفظةَ الوُضُوءِ مُدَرَجَةٌ في الحديثِ من قولٍ
عُروةً(٤).
وكذلكَ رَوى مالكٌ (٥)، عن هشام، عن أبيه أنَّهُ قالَ: ليسَ علَى
المستحاضة إلاَّ أنْ تغتسلَ غُسلاً واحدًا ثمَّ تتوضأً بعدَ ذلكَ لكلِّ صلاةٍ.
(١) الذي في ((التمهيد)) أن هذا القول لهشام، لا لعروة.
(٢) ((العلل)) للدار قطني (٥أ / ق ٣١ أ : -٣٢ - ب)، و((صحيح ابن حبان)) (الإحسان -
١٨٨/٤)، و((التمهيد)» (١٠٣/٢٢)، و((شرح معاني الآثار)) (١٠٢/١).
(٣) أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) (الإحسان - ١٨٩/٤).
(٤) وقد نص على ذلك أبو داود، وابن عبد البر، والبيهقي، وراجع المسند (١٩٤/٦).
(٥) في ((الموطأ)) (ص ٦٣).
٧٢

٨ - باب الاستحاضة
الحديث: ٣٠٦
قالَ مالكٌ(١): والأمرُ عندنا عَلَى حديثِ هشامٍ، عن أبيهِ، وَهوَ أحبُ
ما سمعتُ إليَّ.
قال ابنُ عبد البرّ(٢): والوضوءُ عَليْها عندَ مالك عَلى الاستحبابِ دونَ
الوجوبِ، قالَ: وقَد احتَجَّ بعضُ أصحابِنَا عَلَىَ سُقُوطِ الوضُوءِ بقولِ
رسول الله وَله: ((فإذا ذهبَ قَدرُهَا فاغتَسلِي وصَلِّي)) ولم يذكرُ وُضوءًا.
قالَ: وثمَّن قالَ بأنَّ الوضوءَ على المستحاضةِ غيرُ واجبٍ: ربيعةُ،
وعكرمةُ، ومالكٌ، وأيوبُ، وطائفةٌ(٣).
قالَ: وأمَّا الأحاديثُ المرفوعةُ في الغسلِ لكلِّ صلاة فَكلُّها مضطربةٌ
لا تجبُ بمثلها حجةٌ(٤). انتهى.
وأحاديثُ الأمرِ بالغُسل لِكلِّ صلاةٍ كلُّها معلُولَةٌ، ورُبّمَّا تأتي الإشارةُ
إليها في موضعٍ آخر إنْ شاءَ اللهُ تعَالى.
وإنما المرادُ هُنَا أحاديثُ الوُضُوء لكلِّ صلاة، وقد رُويتْ مِن وجوهِ
مُتَعدِّدة (٥٧ - أ/ط) وهي مضطربةٌ - أيضا - ومعلَّلَةٌ، تقدَّمَ بعضُها، ومن
أشهرها: روايةُ الأعمشِ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن عُرُوةَ، عن
عائشةَ قالتْ: جاءتْ فاطمةُ بنتُ أَبِي حُبَيْش(٥) فقالتْ: يا رسولَ الله!
إنِّي امرأةٌ أُستحاضُ فلا أطهرُ أفادعُ الصَّلاةَ؟ قال: ((لا، اجتنبِي الصَّلاةَ
(٢) ((التمهيد)) (١٠٩/٢٢).
(١) في ((الموطأ)) (ص ٦٣).
(٣) انظر ((التمهيد)) (٩٨/١٦ - ٩٩).
(٤) ونصه في ((التمهيد)): ((وأما الأحاديث المرفوعة في إيجاب الغسل لكل صلاة، وفي الجمع
بين الصلاتين بغسل واحد، والوضوء لكل صلاة على المستحاضة، فكلها مضطربة لا
تجب بمثلها حجة)) ا. هـ.
(٥) في ((ط)): ((حبيب))، والمثبت من («المسند»، وأبي داود، وابن ماجه.
٧٣

الحديث: ٣٠٦
كتاب الحيض
أيامَ محيضِكِ ثمَّ اغتسلِي وتوضَّأَي لكلِّ صلاةٍ، ثمَّ صَلِّي وإنْ قَطْرَ الدَّمُ
عَلَى الْحَصِيرِ)).
خرَّجَهُ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجه(١).
وقالَ أبو داود: هُوَ حديثٌ ضعيفٌ لا يصحّ، وقالَ: ليسَ بصحیحٍ،
وهو خطأٌ من (٢) الأَعمشِ(٣).
وقالَ الدار قطنيُّ(٤): لا يصحُّ(٥).
وقَدْ رُوِيَ موقوفاً عَلَى عَائِشَةَ وهُوَ أصحُّ عِندَ الأكثرينَ.
وروى هُشَيمٌ: نا أبو بشرٍ، عَن عكرمةَ أنَّ أَمَّ حَبيبَةَ بنتَ جَحشٍ
اسْتَحِيضَتْ فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ فَ ﴿ أَنْ تنظرَ أيامَ أقرائِها ثمَّ تَغْتَسلَ وتُصَلِّي، فإنْ
رأَتْ شيئًا مِن ذلِكَ توضَّأَتْ وصَلَّتْ .
خرَّجَهُ أبو داود (٦).
والظَّاهرُ أنَّه مرسلٌ، وقد يكونُ آخرُهُ مَوْقُوفًا عَلى عِكرِمَةَ من قولِهِ،
والله أعْلَم.
(١) ((المسند)) (٢٠٤/٦)، وأبو داود (٢٩٨)، وابن ماجه (٦٢٤).
(٢) كذا في ((ط))، ولعل صوابها: ((عن)) كما يفيده كلام أبي داود.
(٣) ((السنن)) (٢٩٨ - ٣٠٠)، وقد استطرد أبو داود في هذا الحديث.
(٤) ((العلل)) (٢٥/ ق١٠٤ - أ، ب)، وراجع ((سنن الدار قطني)) (٢١١/١-٢١٤) فقد أطال القول
في هذا الحديث، ونقل البيهقي في ((المعرفة)) (١٦٥/٢) عن غير واحد تضعيفهم لهذا
الحديث .
(٥) قوله: ((وقال الدارقطني: لا يصح)) من هامش ((ط)) وكتب فوقها: (صح)) ووضع علامة
لحق بعد كلمة ((الأعمش)).
(٦) فى ((السنن)) (٣٠٥).
٧٤

٨ - باب الاستحاضة
الحديث: ٣٠٦
وقد رُوِيَ الأمرُ للمستحاضةِ بالوضُوءِ لِكلِّ صَلاةٍ عَن جماعةٍ مِن
الصَّحابةِ. منهم: عليٌّ، ومعاذٌ، وابنُ عبَّاسٍ، وعائشةُ، وهُوَ قولُ سَعيدٍ
ابنِ الْمُسِّبِ، وعروَةَ، وأبي جعفرٍ، ومذهبُ أكثرِ العلماءِ كالثوريِّ، وابنٍ
المباركِ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ، وأبي عُبَيْدِ
وغيرهمُ؛ لكنَّ منهُم من يُوجِبُ عليها الوُضُوءَ لِكُلِّ فريضةٍ كالشافعيِّ،
ومنهم من يرى أنَّها تَتَوضَّأُ لَوَقتٍ كُلِّ صلاةٍ، وَتُصلِّي بِهِ مَا شاءتْ من
فرائضَ ونوافلَ حتَّى يخرجَ الوقتُ وهُوَ قولُ أبي حنيفة والمشهورُ عن
أحمدَ، وهُوَ - أيضًا - قولُ الأوزاعيِّ، والليث، وإسحاقَ.
وقد سبقَ ذِكرُ قولِ مَنْ لم يُوجِبِ الوضوءَ بالكلِيَّةِ لأجلِ دمٍ
الاستحاضة كمالك وغيره؛ وهكذا الاختلافُ في كلِّ مَن بِه حدثٌ دائمٌ
لا ينقطعُ، كَمِنْ بِهِ رعافٌ دائمٌ أو سَلَسُ البَولِ أو الريح ونحوُ ذَلِكَ.
وعنْ مالكِ روايةٌ بوجُوبِ الوُضوءِ كقول الجمهور.
٧٥

الحديث: ٣٠٧
كتاب الحيض
٩ - بابُ
غَسْلٍ دَمِ الْمَحِيضِ(١)
خرَّج فیه حدیثین:
أحدهما: حديث :
٣٠٧ - مَالك(٢)، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ فاطمَةَ بنْتِ الْمُنْذر، عَنْ أَسْمَاءَ
قَالَتْ: سَأَلت امْرَأَةٌ رَسُولَ اللهَِّةِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله! أَرَأَيْتَ إِحْدَانًا إذَا
أَصَبَ ثَوْبَهَا الدَّمُ مِنَ الْحَيَضَةِ كَيْفَ تَصْنَعُ؟ فقالَ (٥٧ - ب/ ط) رَسُولُ
اللهِ وَّه: ((إِذَا أَصَابَ ثَوْبَّ إِحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنَ الْخَيْضَةِ فَلْتَقْرُصُهُ ثُمَّ
لِنْضَحْهُ بِمَاءِ، ثُمَّ لِتُصَلِّ (٣) فِيهِ).
وَقَدْ تَقَدَّمَ تخريجُهُ(٤) لِهِذَا الحديثِ فِي أواخرِ ((كتاب الوُضوءِ))(٥) مِن
حديث يَحيى القَّطان، عنِ هشامٍ بمعناهُ في بابِ ((غَسْلِ الدَّمِ))، وتَقَدَّمَ
الكَلامُ عليه هُنَاكَ بما فيهِ كِفَايةٌ.
(١) هكذا في ((اليونينية)) وأشار إلى اختلاف النسخ في هذا الموضع، وقال القسطلاني في شرحه
على ((الصحيح)) (١ / ٣٥٠): ((ولأبي الوقت وابن عساكر: ((الحيض)) وفي رواية: ((الحائض))
ا. هـ.
(٢) اختصر المصنف الإسناد، وهو في البخاري هكذا: ((حدثنا عبد الله بن يوسف، قال:
أخبرنا مالك به)).
(٣) في ((اليونينية)): ((لتصلي)).
(٤) (فتح: ٢٢٧).
(٥) قد أشرنا في غير ما موضع إلى أن هذا الكتاب ساقط من مجموع ما بين أيدينا من
النسخ، وانظر المقدمة .
٧٦

٩ - باب غسل دم المحيض
الحديث: ٣٠٨
والثَّاني: حديثُ
٣٠٨ - ابن القاسم(١)، عَنْ أَبيه، عنْ عَائشَةً قَالَتْ: كَانتْ إِحْدَانَا
تَحِيضُ ثُمَّ تَقْرُصُ الدَّمَّ مِنْ ثَوْنِهَا عِنَّدَ طُهْرِهَا فَتَفْسِلُهُ وَتَنْضَحُ عَلَى سَائِرِهِ
ثُمَّ تُصَلِّي فِیهِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ - أيضًا - في البابِ المشارِ إليهِ، وذَكَرْنا مَا فِيهِ من الفَوائدِ.
(١) اختصر المصنف الإسناد، وهو في البخاري هكذا: ((حدثنا أصبغ، قال: أخبرني ابن
وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن عبد الرحمن بن القاسم)» به .
٧٧

الحديث: ٣٠٩، ٣١١،٣١٠
كتاب الحيض
١٠ - بابُ
اعْتكَاف الْمُسْتَحَاضَة
خَرَّجَ فِيهِ حَدِيثَ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَائِشَةً مِن ثَلاثَةِ طُرُقٍ .
أحدها : قال:
٣٠٩ - نَا إسْحَاقُ بْنُ شَاهينَ: نَا خَالدُ بْنُ عَبْد الله، عَنْ خَالد، عَنْ
عِكْرِمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّالنَّبِّ ◌َاعْتَكَفَ مَعَهُ بَعْضُ نِسَائِهِ وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ
تَرَىَ الدََّ ورُبّا (١) وَضَعَتْ الطّئْتَ(٢) تَحْتَهَا مِنَ الدَّمِ، وزَعَمَ أَنَّ عَائِشَةَ
رَأَتْ مَاءَ العُصْفُرْ فَقَالَتْ: كأَنَّ هذَا شيْءٌ كَانَتْ فُلانَةُ تَجدُهُ.
خَالِدُ بنُ عَبدِ اللهِ هُوَ الطَّحانُ الواسِطِيُّ، وشَيْخُهُ خَالِدٌ هُوَ الحذَّاءُ.
والثَّانِي: قَالَ:
٣١٠ - ثَنَا قُتَيْبَةُ: نَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ خَالِدٍ - يَعْنِي الحَذَّاءَ -، عَنْ
عِكْرِمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ اعْتَكَفَتْ مَعَ رسول الله وَ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِه
فَكَانَتْ تَرَى الدَّمَّ وَالصُّفْرَةَ وَالطَّئْتُ(٢) تَحْتَهَا وَهْيَ تُصَلِّي.
والثالثُ: قالَ:
٣١١ - نَا مُسَدَّدٌ: نَا مُعْتَمَرٌ، عَنْ خَالد، عَنْ عكْرِمَةَ، عَنْ عَائشَةَ أَنَّ
بَعْضَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ اعْتَكَفَتْ وَهِيَ مُسْتَّحَاضَةٌ.
(١) في ((اليونينية)): ((فربما)).
(٢) فى ((اليونينية)): ((الطست)) بإهمال السين، وهو لغة.
٧٨

٠ ١- باب اعتكاف المستحاضة
الحديث: ٣١١
وَهَذه الروايةُ ليسَ فيها تصريحٌ بِرفعه؛ فإنَّهُ ليسَ فيها أنَّ ذلكَ كانَ
في زمنِ النَّبِيِّنَ﴿ ولا أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ.
وفي إسنادهِ اختلافٌ - أيضًا -؛ فإنَّ عبدَ الوهَّابِ الثَّقْفِيَّ رواية(١) عَنْ
خالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ عَائِشَةَ قَالتْ، وَهِيَ (٢) الرِّوايةُ تشعِرُ بأنّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ
مِنْهَا. ورُويَ عن مُعْتَمٍ، عَنْ خالدٍ، عن عكرمَةَ، عَنْ ابنِ عباسٍ. وهُوَّ
وَهْمٌ، قَالَهُ الدَّارِ قُطْنِيُّ(٣).
وَهَذَا الحديثُ يدلُّ عَلى أنَّ المستحاضةَ مِنْ أَهلِ العِبَاداتِ كالطَّاهرة،
فَكَمَا أنَّها تُصَلِّى فإنَّها تَصومُ وتعتكفُ وتجلسُ في المسجد وتقرأُ القرآنَ
وتمسُّ المصحفَ وتطوفُ بالبيتٍ؛ فإنَّ اعتكافَ النَّبِيِّ نَّهِ غالبُهُ كانَ فِي
شهر (٥٨ - أ / ط) رَمَضَانَ، فَلَوْ كانت المستحاضةُ كالحائضِ لا تَصُومُ لمْ
تَعتكفْ لاَ سيَّما عَلَى رَأْي مَن يقولُ: إنَّ الاعتكافَ لا يصحَ بغيرِ صومٍ.
93
وقد حكَى إسحاق بن راهويه إجماعَ المسلمينَ عَلَى ذَلِكَ.
وَرَوَى عبدُ الرَّزَّاقِ(٤)، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ(٥)، عَنْ الثَّوْرِيِّ، عَنْ جابرٍ،
عَنْ أبي جعفرٍ قالَ: جَاءَتِ امرأةٌ إلى النبيِّ نَّهِ فقالتْ: إنِّي اسْتُحِضْتُ
فِي غيرِ قُرِىءٍ قالَ: ((فاحتَشِي كرسُفًا(٦) وصُومِي وصلّي واقْضِي مَا
عَلَیكِ)).
(١) كذا في ((ط)): ((رواية)) ولعل صوابها: ((رواه)).
(٢) كذا في ((ط)): ((وهي))، ولعل الصواب: ((وهذه)).
(٣) ((العلل)) للدار قطني (٥ أ / ق ٨٦ - ب)، وذكر رواية الثقفي، ومعتمر.
(٤) في ((المصنف)) (١/ ٣١١).
(٥) كذا في ((ط))، والذى في ((المصنف)): ((عبد الرزاق، عن الثوري، عن جابر)).
(٦) في ((المصنف)) بعد كلمة: ((كرسفا)) زاد: ((فإن يعد فاحتشي کرسفا»، وعلق محققه بقوله:
((صورة الكلمة في الأصل سعد)).
٧٩

الحديث: ٣١١
كتاب الحيض
وهَذَا مُرُسَلٌ، وفيهِ خِلافٌ شاذٌ .
رَوَىَ عبدُ الرَََّّق(١)، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إبراهيمَ قالَ:
المستحاضةُ لا تصومُ ولاَ يأْتِيهاَ زوجُها ولا تَمَسُّ المصحفَ.
وَعَنْ معمرٍ عَنْ أيوبَ قال: سُئِلَ سُليمانُ بنُ يسارِ: أيصيبُ
المستحاضةَ زوجُها؟ قال: إنَّما سَمعنا بالرُّخصَةِ لَها في الصَّلاةِ(٢).
ونَقَل صالحُ (٣) بنُ أحمدَ، عَنْ أَبيهِ فِي المستحاضةِ: لا تطوف بالبيت
إلاَّ أنْ تطولَ بِها الاستحاضةُ.
قالَ أَبُو حَفْصِ العُكْبِرِيُّ(٤): لَعَلَّها غلطٌ مِن الرََّوي؛ فإنَّ الصَّحِيحَ
عَنْ أحمَد أنَّ المستحاضَةَ بمَنزلة الطَّاهرِ تَطوفُ بالبيتِ قَال في رِوايةٍ
الميمونيِّ: المستحاضةُ أَحكامُها أحكامُ الطَّاهرِةِ في عِدَّتِهَا وصَلاتِها وحجِّها
وجَميع أَمرِها .
ونقل عنه ابنُ منصور: تطوفُ بالبيتِ . وأمَّا مَا وقعَ في روايةٍ صالحٍ:
أَّها لا تَطُوفُ إلاَّ أنْ تَطولَ بِها، فَلَعَلَّهُ اشْتَبَهَ عَلَى الراوي الطَّوَافُ
بالوطءِ، فإنَّ ابنَ مَنْصورٍ نقلَ عَنْ أحمدَ ذَلِكَ في الوطءِ.
(١) في ((المصنف)) (٣١١/١)، دون قوله: ((المستحاضة)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٣١١/١).
(٣) في ((مسائله)) عن أبيه (١٠٤٦): ((قلت: فالمستحاضة تطوف بالبيت؟ فقال: نعم،
المستحاضة بمنزلة الطاهر تطوف بالبيت».
(٤) هو: عمر بن إبراهيم، يعرف بابن المسلم، معرفته بالمذهب المعرفة العالية، له التصانيف
السائرة: ((المقنع))، و((شرح الخرقي))، و((الخلاف بين أحمد ومالك)» وغير ذلك. ترجمه
ابن أبي يعلى في ((طبقات الحنابلة)) (١٦٣/٢).
٨٠