Indexed OCR Text

Pages 61-80

- ٩١ -
النبي ◌َ اراد بهذا القول تعديل الموازين والأرطال والمكاييل وجعل عيارها
اوزان اهل مكة ومكاييل اهل المدينة ليكون عند التنازع حكماً بين الناس
يحملون عليها اذا تداعوا، فادعي بعضهم وزناً او فى او مكيالاً اكبر وادعى
الخصم ان الذي يلزمه هو الأصغر منها دون الأكبر، وهذا تأويل فاسد خارج
عماعليه اقاويل أكثر الفقهاء وذلك ان من اقر لرجل مكيلة برا وبعشرة ارطال
من تمر او غيره واختلفا في قدر المكيلة والرطل فانهما يحملان على عرف البلد
وعادة الناس في المكان الذي هو به ولا يكلف ان يعطى برطل مكة ولا بمكيال
المدينة، وكذلك اذا اسلفه في عشرة مكاييل قمح او شعير وليس هناك الأ
مكيلة واحدة معروفة فانهما يحملان عليها فان كان هناك مكاييل مختلفة
فأسلفه في عشرة مكاييل ولم يصف الكيل بصفة يتميز بها عن غيره فالسلم
فاسد وعليه رد الثمن. وانما جاء الحديث في نوع ما يتعلق به احكام الشريعة
في حقوق الله سبحانه دون ما يتعامل به الناس في بياعاتهم وامو معاشهم.
فقوله الوزن وزن اهل مكة يريد وزن الذهب والفضة خصوصاً دون سائر
الأ وزان ومعناه ان الوزن الذي يتعلق به حق الزكاة في النفوذ وزن اهل مكة
وهي دراهم الاسلام المعدلة منها العشرة بسبعة مثاقيل فاذا ملك رجل منها مائتي
درهم وجبت فيها الزكاة، وذلك ان الدراهم مختلفة الأوزان في بعض البلدان
والأ ماكن فمنها البغلى ومنها الطبري ومنها الخوارزمي وانواع غيرها ، والبغلى
ثمانية دوانيق والطبري اربعة دوانيق والدرهم الوزان الذي هو من دراهم الاسلام
الجائزة بينهم في عامة البلدان ستة دوانيق وهو نقد اهل مكة ووزنهم الجائز
بينهم، وكان اهل المدينة يتعاملون بالدراهم عددا وقت مقدم رسول اللهعز ئه

- ٩٢ -
اياها، والدليل على صحة ذلك ان عائشة رضى الله عنها قالت فيما روى عنها من
قصة بريرة ان شاء اهلك ان اعدها لهم عدة واحدة فقلت تريد الدراهم التي في
ثمنها فأرشدهم رسولالله ێ الى الوزن فيها و جعل العیار وزن اهلمكة دون
ما يتفاوت وزنه منها في سائر البلدان .
وقد تكلم الناس في هذا الباب وهل كانت هذه الدراهم لم تزل في الجاهلية
على هذا العيار والوزن فذهب بعضهم الى ان الوزن فيها لم يزل على هذا العيار
وانما غيروا الشكل منها ونقشوا فيها اسم الله عز وجل وقام الاسلام .
والأوقية وزنها اربعون درهماً، ولذلك قال رسول الله عَل ليس فيما دون
خمس اواقي صدقة وهي مائتا درهم، وهذا المعنى بلغني عن ابى العباس بن شريح
انه كان يقول وبذهب اليه وحكموا عن ابي عبيد القاسم بن سلام ما يخالف هذا.
قال أبو عبيد حدثني رجل من اهل العلم والعناية بأمر الناس ممن يعني بهذا
الشأن ان الدراهم كانت في الجاهلية على ضربين البغلية السوداء التي فى كل واحد
منها اربعة دوانيق وكانوا يستعملونها على النصف والنصف مائة بغلية ومائة
طبرية فكان في المائتين منها من الزكاة خمسة دراهم، فلما كان زمان بني امية
قالوا ان ضربنا البغلية ظن الناس ان هذه التي تجب فيها الزكاة المشروعة فيضر
ذلك بالفقراء وان ضربنا الطبرية اضر ذلك بأرباب الأموال فجمع بين الدراهم
البغلية والطبر ية فكان فىاحدهما ثمانية دوانيق وفي الآخر اربعة دوانيق وجملتها
اثنا عشر دانقاً فقسموها نصفين وضربوا الدراهم على ستة دوانيق .
واما الدنانير فمشهور من امرها انها كانت تحمل اليهم من بلاد الروم وكانت
العرب تسميها المرقلية وقد ذكره كثير فى شعره فقال :

- ٦٣ -
هى فلي وزن احمر التبر راجح
يروق العيون النظرات كأنه
ثم ضرب الدنانير فى عهد الاسلام عبد الملك بن مروان حدثنى احمد بن
عبد العزيز بن شابور قال حدثنا على بن عبد العزيز قال حدثنا الزبير بن بكار
قال حدثنا عمر بن عثمان عن اسحاق بن عبد الله بن كعب بن مالك قال لما اراد
عبد الملك بن مروان ضرب الدنانير والدراهم سأل عن اوزان الجاهلية فأجمعوا
له على ان المثقال اثنان وعشرون قيراطاً الا حبة بالشامى، وان العشرة دراهم
وزن سبعة مثاقيل فضربها على ذلك .
فأما اوزان الأرطال والأمناء فهو بمعزل عن هذا وللناس فيها عادات مختلفة
فى البلدان قد اقروا عليها مع تباينها واختلافها كالشامي والحجازي والعراقي
وارطال اهل اذر بيجان مضاعفة وارطال اهل الري واصبهان دون الأردبيلي
وفوق الحجازي والعراقي بزيادة كثيرة وكل من اهل هذه البلدان محمول على
غرف بلده وعادة قومه لا ينقل عنها ولا يحمل على ماسواها وليست كالدراهم
والدنانير التي حمل الناس فيها على عيار واحد وحكم سواء الا ان الدراهم قد يختلف
حكمها في شيء واحد وهو ان رجلاً لو باع ثوبًا بعشرة دراهم فى بلدة يتعاملون
فيها بالدراهم الطبرية او الخوارزمية لم يلزم المشتري ان يدفع في ثمنه الوازنة ،
وانما يلزمه نقد البلد ولكن ان كان أفر له بعشرة دراهم لزمته الوازنة لأنه ليس
في الاقرار عرف یتغیر به الحکم في بلد دون بلد ٠ الا تری ان رجلاً من اهل
خوارزم لو اقر عند حاكم بغداد بمائة درهم لرجل من خوارزم انه يلزمه الدراهم الوازنة
ان ادعاها المقر له بها فباب الاقرار خلاف باب المعاملات على ما بيناه والله اعلم.
واما قوله والمكال مكيال اهل المدينة فانما هو الصاع الذي يتعلقبهوجوب

- ٦٤ -
الكفارات ويجب اخراج صدقة الفطر به ويكون تقدير النفقات وما في معناها
بعياره والله اعلم .
وللناس صيعان مختلفة فصاع اهل الحجاز خمسة ارطال وثلث بالعراقي وصاع
اهل البيت فيما يذكره زعماء الشيعة تسعة ارطال وثلث وينسبون الى جعفر بن
محمد وصاع اهل العراق ثمانية ارطال وهو صاع الحجاج الذي سعر به على اهل
الأسواق ، ولما ولى خالد بن عبد الله القسري العراق ضاعف الصاع فبلغ به
ستة عشر رطلاً فإذا جاء باب المعاملات حملنا العراقي على الصاع المتعارف المشهور
عند اهل بلاده والحجازي على الصاع المعروف ببلاد الحجاز، وكذلك كل
اهل بلد على عرف اهله اذا جاءت الشريعة واحكامها فهو صاع المدينة فهو
معنى الحديث ووجهه عندي والله اعلم .
﴿ ومن باب التشديد في الدين).مـ
قال أبو داود : حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني قال حدثنا عبد الرزاق
قال حدثنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر قال كان رسول
الله عَّى لا يصلي على رجل مات وعليه دين فأتى بميت ، فقال أعليه دين
قالوا نعم ديناران فقال صلوا على صاحبكم فقال ابو قتادة الأنصاري هما على
يارسول الله فصلى عليه، فلما فتح الله على رسوله قال انا اولى بكل مؤمن من نفسه
فمن ترك ديناً فعليْ قضاؤه ومن ترك مالا فلورثته .
قال الشيخ فيه من الفقه جواز الضمان عن الميت ترك وفاء بقدر الدين اولم يترك
وهذا قول الشافعي واليه ذهب ابن ابي ليلى .
وقال أبو حنيفة إذا ضمن عن المبت شيئاً لم يترك له وفاء لم يلزم الضامن لأن

- ٦٥ -
الميت منه برئ وان ترك وفاء لزمه ذلك، وان ترك وفاء ببعضه لزمه بقدر ذلك.
قال الشيخ ويشبه ان يكون هذا الحديث لم يبلغه وقد روى فى هذه القصة
من غير هذا الطريق انه لم يترك لما وفاء .
وروی محمد بنعمرو عن سعيد بن ابى سعيد عن عبد الله بن ابي قتادة عن ابيه
قال اتى النبي ◌ُّ مجنازة ليصليعليها فقالعليهدین، قال نعم ديناران، قال فهل
ترك لها وفاء ، قالوا لا ، قال فصلوا على صاحبكم، وذكر حديث الضمان حدثناه
الحسن بن یحی قال حدثنا ابن المنذر قال حدثنا محمد بن عبد الوهاب قال حدثنا
یعلي بن عبيد عن محمد بن عمرو .
﴿ ومن باب فى المطل الرمـ
قال أبو داود : حدثنا القعني عن مالك عن ابن ابي الزناد عن الأعرج عن ابي
هريرة أن رسول الله عربي قال مَعْل الغني ظلم فأذا اتبع احدكم على على فليتبع.
قال الشيخ قوله مطل الغنى ظلم دلالته انه اذا لم يكن غنيًا يجد ما يقضيه لم
يكن ظالماً، واذا لم يكن ظالمًا لم يجز حبسه لأن الحبس عقوبة ولا عقوبة
على غير الظالم .
وقوله اتبع يريد اذا احيل واصحاب الحديث يقولون اذا اتبع بتشديد التاء
وهو غلط وصوابه اتبع ساكنة التاء على وزن افعل ومعناه اذا احيل احدكم
على مليّ فليحتل، يقال نبعت الرجل بحقي اتبعه تباعة اذا طالبته وانا تبيعه، ومنه
قوله تعالى [ ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا].
وفيه من الفقه اثبات الحوالة وفيه دليل على ان الحق يتحول بها الى المحال
( ج ٢٣ ٩)

- ٦٦ -
عليه ويسقط عن المحيل ولا يكون عليه للمحتال سبيل عند موت المحال عليه
وافلاسه، وذلك لأنه قد اشترط عليه الملاة والحوالة قد تصح حكما على الملى
فكان فائدة الشرط ماقلناه واللهاعلم.
وقد يستدل بهذا الحديث من يذهب الى ان له الرجوع على المحيل اذا مات
او افلس المحال عليه، ويتأوله على غير وجه الأول بأن يقول انما امر بأن يتبعه
اذا كان مليًا والمغلس غير ملى فليكن غير متبع به .
قال الشيخ والدلالة على الوجه الأول في الصحيحة لأنه انما اشترط له الملاة
وقت الحوالة لا فيما بعدها لأن اذا كلمة شرط موقت فالحكم يتعلق بتلك الحال
لا بما بعدها والله العلم .
وقوله فليتبع معناه فليحتل وهذا ليس على الوجوب وانما هو على الأذن له
والاباحة فيه ان اختار ذلك وشاء.، وزعم داود ان المحال عليه ان كان مليا
كان واجباً على الطالب ان يحول ماله عليه ويكره على ذلك ان أباه .
وقد اختلف العلماء في عود الحق الى ذمة الغريم اذا مات المحال عليه او افلس
فقال اصحاب الرأي اذا مات ولم يترك وفاء او افلس حياً فان المحتال يرجع به
على الغريم .
وقال مالك والشافعي واحمد وابو عبيد وابو ثور لا يرجع واحتجوا كلهم
بهذا الحديث، وفيه قول ثالث ذكره ابن المنذر عن بعضهم فلا احفظه انه لا
يرجع عليه مادام حياً فان الرجل يوسر ويعسر ما دام حياً فاذا مات ولم يترك
وفاء رجع به عليه .

- ٩٧ -
...
-﴿ ومن باب في حسن القضاء مـ
قال أبو داود: حدثنا القعنى عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن
يسار عن أبي رافع قال استسلف رسول الله عَل بكراً فجاءته ابل الصدقة
فأمرني ان اقصى الرجل بكره فقلت لم اجد فى الابل الاجملاً خياراً رباعياً
فقال النبى معَّ اعطه اياه فإِن خيار الناس احسنهم قضاء.
قال الشيخ البكر في الابل بمنزلة الغلام من الذكور والقلوص بمنزلة الجارية
من الاناث والرباعي من الابل هو الذي انت عليه ستة سنين ودخل فى السنة
السابعة فإذا طلعت رباعيته قيل للذكر رباع والأنثي رباعية خفيفة الياء .
وفيه من الفقه جواز تقديم الصدقة قبل محلها، وذلك ان النبي على لا يخل
له الصدقة فلا يجوز ان يقضي من اهل الصدقة شيئًا كان لنفسه فدل انه انما
استسلف لأهل الصدقة من ارباب الأموال وهو استدلال الشافعي .
وقد اختلف العلماء في جواز تقديم الصدقة على محل وقتها فأجازه الأ وزاعي
واصحاب الرأي واحمد بن حنبل واسحاق بن راهوية .
وقال الشافعي يجوز ان يعجل صدقة سنة واحدة . وقال مالك لا يجوز ان
يخرجها قبل حلول الحول و کرهه سفيان الثوري .
،﴿ ومن باب الصرف ےمـ
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعني عن مالك عن ابن شهاب
عن مالك بن اوس عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله
الذهب بالورق ربى الا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربى الاها وها .
قال الشيخ ها وها معناه التقابض واصحاب الحديث يقولون ها وها مقصورين

نشـ
- ٩٨ -
٠٠٠
والصواب مدهما ونصب الألف منهما . وقوله ها انما هو قول الرجل لصاحبه
اذا ناوله الشيئء هاك اي خذ فأسقطوا الكاف منه وعوضوه المد بدلا من
الكاف يقال للواحدها والاثنين ها وما بزيادة الميم وللجماعة هاوم ؛ قال الله
تعالى [ هاؤُم اقرؤا كتابيه]. وهذا قول الليث ابن المظفر.
قال أبو داود: حدثنا الحسن بن على حدثنا بشر بن عمر قال حدثنا همام
عن قتادة عن ابى الخليل عن مسلم المكى عن ابي الأشعث الصنعانى عن
عبادة بن الصامت ان رسول الله وَ} قال الذهب بالذهب تبرها وعينها
والفضة بالفضة تبرها وعينها والبر بالبر مدى بمدى والملح بالملح مدى
بمدی فن زاد او ازداد فقد اربى ولا بأس يبيع الذهب بالفضة والفضة
اكثرهما يداً بيد واما نسيئة فلا .
قال ابو داود ورواه ابن أبي عروبة وهشام الدستوائي عن قتادة عن
مسلم بن يسار .
قال الشيخ قوله تبرها وعينها التبر قطع الذهب والفضة قبل ان تضرب وتطبع
دراهم ودنانير واحدتها نبرة، ومن هذا قوله تعالى [ان هؤلاء متبر ماهم فيه
وباطل ما كانوا يعملون] والله اعلم.
والعين المضروب من الدراهم والدنانير والمدى مكيال يعرف ببلاد الشام
وبلاد مصرية يتعاملون به واحسبه خمسة عشرمكوكاً والمكوك صاع ونصف
وحرم رسول اللّه عَ ان يباع مثقال ذهب عين بمثقال وشيء من تبر غير
مضروب وكذلك حرم التفاوت بين المضروب من الفضة وغير المضروب،
وذلك معنى قوله تبرها وعينها اي كلاهما سواء ، وهذا من باب معقول الفحوى

- ١٩ -
ثم زاده بيانًا بما نسق عليه من قوله ولا بأس يبيع الذهب بالفضة والفضة أكثرهما
يدابيد، وكان ذلك من باب دليل الخطاب ومفهومه وكلا الوجهين بيان واهل
اللغة يتفاهمون بها، ثم هو قول عامة المسلمين الا ما روي عن أسامة بن زيد
وابن عباس في جواز بيع الدرهم بالدر همين، وقد روي عن ابن عباس انه رجع عنه.
قالالشيخ وقد روي غیر ابي داود هذا الحديث فقال الا سواء بسواء مثلا
بمثل. حدثنا محمد بن المكي قال حدثنا محمد بن على بن زيد الصایغ قال حدثنا
سلمة بن علقمة عن محمد بن سيرين ، قال حدثني مسلم بن يسار عن عبادة بن
الصامت قال نهى رسول الله عمر عن الذهب بالذهب والورق بالورق والتمر
بالتمر والبر بالبر والشعير بالشعير الا سواء بسواء مثلاً بمثل .
وفيه دليل على ان الدراهم والدنانیر اذا بيع بعض جنسها ببعض منه فلم يكونا
معاً ذهباً محضاً او فضة محضة حتى يتعادلا في الوزن او كان فى احدهما شوب
او حملان ان البيع فاسد والصرف منتقض وذلك لوجود التفاوت وعدم التساوي.
وفيه بيان ان التقابض شرط لصحة البيع فى كل ما يجري فيه الربا من ذهب
وفضة وغيرهما من المطعوم وان اختلف الجنسان، ألا تراه يقول فلا بأس
يديع البر بالشعير والشعير اكثر هما يداً بيد واما النسيئة فلا قبض عليه كماترى.
وجوز اهل العراق بيع البر بالشعير من غير تقابض وصاروا الى ان القبض
انما يجب في الصرف دون ماسواه وقد جمعت بينهما السنة فلا معنى للتفريق بينهما
وحملته ان الجنس الواحد مما فيه الزبا لا يجوز فيه التفاضل نسيئا ولا نقداً .
وفيه دليل على ان خيار الثلث لا يدخل فى بيوع الصرف كما يدخل في سائر
البيوع وذلك لأنه قد اشترط فيه التقابض لئلا تبقى بينهما علاقة فلو جاز ان

- -٧ -
يكون هناك علاقة باقية لجاز ان يبقى علاقة القبض كما جاز فى سائر العقود.
وفيه أن البر جنس والشعير جنس غيره ولولا انهما جنسان مختلفان لم يجز
التفاضل بينهما يدا بيدٍ كما لا يجوز ذلك في الجنس الواحد .
وقال مالك البر والشعير جنس واحد وزعم ان البر لا يكاد يخلص من الشعير
فلولا انهما جنس واحد لم ينجز بيع البر بالبر ، وفيه شيء من الشعير لأنه لا بد
من تفاوتهما .
قال الشيخ وهذا خلاف النص والحديث حجة عليه وقد اباحه وعَّ مع علمه
بما يخالطه من يسير الشعير وجعله كالبيع له ولم يعتد به ثم فرق بين جنس البر
والشعير واباح التفاضل فيهما يداً بيدٍ فثبت جوازه وفساد قول من ذهب الى
الجمع بينهما.
وفيه دليل على انه لا يجوز بيع البر بالبر وزناً بوزن مثلاً بمثل وذلك لأنه
قال والبر بالبر مدى بمدى، وفي غير هذه الرواية كيلا بكيل فعلق الماثلة
بالمكيال دون غيره من انواع العيار وباب الربى غير معقول المعنى فيجري فيه
القیاس کما يجري في سائر الأحكام فلا يجوز مغارقة امثلته الىغيره واللهاعلم.
وفي الخبر دليل على ان القوت ليس بعلة الربا لأنه ذكر الملح مع البر ومعلوم
انه لا يقتات، وانما يصلح به القوت ولو جازان يكون الربا فيما يصلح به
القوت لجازان يكون في الماء الربا على مذهب اصحاب مالك؛ وقد يصلح
القوت ايضاً بالحطب والوقود ثم لا ربا فية بالاجماع.
وقد استدل أصحاب الشافعى بذكره الملح مع البر على ان العلة فى الربا الطعم
لأنه لما ضم جنس ادني ما يطعم الى جنس اعلا ما يؤ كل دل على ان ما بين

- ٧١ -
النوعين لاحق بهما وداخل في حكمها.
﴿ ومن باب السيف المحلاً والقلادة فيها الذهب والفضة رمـ
قال ابو داود: حدثنا محمد بن عيسى وابو بكر بن أبي شيبة واحمد بن منيع
قالوا حدثنا ابن المبارك حدثنا ابن العلاء اخبرنا ابن المبارك عن سعيد بن زيد
قال حدثني خالد ابن أبي عمران عن حنش عن فضالة بن عبيد قال التى النبي مزيج
عامٍ خيبر بقلادة فيها ذهب وخرز، قال ابو بكر وابن منيع فيها خرز معلقة
بذهب ابتاعها رجل بتسعة دنانير او بسبعة دنانير ، فقال النبي عَ لا حتى تميز
بينه وبينه، فقال انما اردت الحجارة وقال ابن عيسى التجارة فقال النبي حزبية
لا حتی تمیز بینہما قال فرده حتی میز یینهما .
قال الشيخ فى هذا الحديث أنه نهى عن بيع الذهب بالذهب مع احدهما
شيء غير الذهب وممن قال هذا البيع فاسد شريح ومحمد بن سيرين والنخعي،
واليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق بن راهوية وسواء عندهم كان الذهب الذي
هو الثمن اكثر من الذهب الذي مع السلعة او اقل .
وقال ابو حنيفة ان كان الثمن ا كثر مما فيه من الذهب جاز وان كان مثله
او اقل منه لم يجز .
وذهب مالك الى نحو من هذا في القلة والكثرة الا انه حد الكثرة بالثلثين
والقلة بالثلث .
وقال حماد بن ابيسلیمان لا بأس بأن تشتريه بالذهب كان الثمن اقل اوا كثر.
قال الشيخ قول حماد قول منكر لمخالفته الحديث واقاويل عامة العلماء وفساده
غير مشكل لما فيه من صريح الربا .

*
- ٧٢ -
فاما ما ذهب اليه ابو حنيفة فانه يخرج على القياس لأنه يجعل الذهب بالذهب
سواء ويجعل مافضل عن الثمن بازاء السلعة، غير ان السنة قد منعت هذا
القياس ان يجري؛ الا تراه يقول انما اردت الحجاره او التجارة فقال لا حتى
تميز بينهما فنفى صحة هذا البيع مع قصده الى ان يكون الذهب الذي هو الثمن
بعضه بازاء الذهب الذي هو مع الخز مصارفة وبعضه بازاء الحجارة التي هي
الخرز بيعاً وتجارة حتى يميز بينهما فتكون حصة المصارفة متميزة عن حصة
المتاجرة فدل على ان هذا البيع على الوجهين فاسد .
وبيان فساد هذا البيع من جهة المعنى على وجوه: احدهما انه عقد تضمن بيعاً
وصرفًا ومتى جهل التماثل فى الذهب بالذهب وقت العقد بطل الصرف ولا سبيل
الى معرفة التماثل الا بعد التمييز والتفضيل فتكون التسوية حينئذ بينهما بالوزن
فروي اصحاب ابي حنيفة عنه انه قال اذا باع صبرة من الطعام بصبرة من جنسه
جزافًا لم يجز وان خرجا عند الكيل متساويين وفي هذا اعتبار التماثل حال العقد
وهو نظير مسئلة الصرف .
والوجه الثاني ان الصفقة اذا تضمنت شيئين مختلفين في الجنس كان الثمن
مفضوضاً عليهما بالقيمة، واذا كان كذلك واردنا ان نسقط الثمن عليها بالقيمة
واسقطنا قيمة الخرز من جملة الثمن لم ندر كم مقدار ما يبقى منه وهل يكون مثل
الذهب المشتري مع الخرز او اقل منه او ا كثر فبطل العقد للجهالة .
والوجه الثالث ان احكام عقد الصرف لا تلاثم احكام سائر العقود لأن
من شرطه التقابض قبل التفرق وانقطاع شرط الخيار وسائر العقود نصح من
غير تقابض ويدخلها شرط الخيار فإنجز الجمع بينهما في صفقة واحدة لتنافى معانيها

- ٧٣ -
ولأن حكم احدهما لا يبتني على حكم الاخر .
قال الشيخ وهذا معنى قوله لا حتى تميز وتأويله تميز العقدين لا تميز المبيع
وعلى هذا القليل لا يجوز بيع فضة وسلعة معها بدينار وقد ذهب اليه بعض الفقهاء.
وإما الشافعي فقد اجاز ذلك وهو قول اكثر اهل العلم، الا ان مالكاً قال
لا يجوز دراهم وسلعة بدينار الا ان تكون الدراهم يسيرة فان كانت اكثرمن
قيمة السلعة لم يجز .
قال الشيخ وهذا قول لا وجه له ولا فرق بين القليل والكثير فيما يدخله
الربا لأن أحداً لم يجوز الحبة من الذهب بالحبتين لأنها يسيرة كما لم يجوز الدينار
بالدينارين والدرهم بالدر همين .
ومن باب اقتضاء الذهب مـ
قال ابو داود : حدثنا موسى بن اسماعيل ومحمد بن محبوب المعنى واحد قالا
حدثنا حماد عن سماك بن حرب عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال كنت أبيع
الابل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وابيع بالدراهم وآخذ الدنانير آخذ
هذه من هذه واعطي هذه من هذه فأنبت رسول الله عليه بعنى فذكرت ذلك
له فقال لا بأس ان تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكا شئ .
قال الشيخ اقتضاء الذهب من الفضة والفضة من الذهب عن اثمان السلعة هو
فى الحقيقة بيع مالم يقبض فدل جوازه على ان النهي عن بيع مالم يقبض انما ورد
في الأشياء التي يبتغي بيعها وبالتصرف فيها الربح كما روي أنه نهى عن ربح
ما لم يضمن واقتضاء الذهب من الفضة خارج عن هذا المعنى لأنه انما يراد به
( ج ٣ ٢ ١٠ )

- ٧٤ -
....
التقابض والتقابض من حيث لا يشق ولا يتعذر دون التصارف والترابح ،
ويبين لك صحة هذا المعني قوله لا بأس ان تأخذها بسعر يومها اي لا تطلب
فيها الربح ما لم تضمن واشترط ان لا يتفرقا وبينهما شيء لأن اقتضاء الدرام
من الدنانير صرف وعقد الصرف لا يصح الا بالتقابض .
وقد اختلف الناس في اقتضاء الدراهم من الدنانير فذهب أكثر أهل العلم الى
جوازه ومنع من ذلك ابو سلمة بن عبد الرحمن وابن شبرمة، و کان ابن ابي
ليلى بكره ذلك الا بسعر يومه ولم يعتبر غيره السعر ولم يتاء ولو ا كان ذلك
بآغلا او بأرخص من سعر اليوم والصواب ما ذهبت اليه وهو منصوص فى
الحديث ومعناه ما بينته لك فلا تذهب عنه فانه لا يجوز غير ذلك والله اعلم.
-﴿ ومن باب الحيوان بالحيوان)ا.هـ
قال ابو داود : حدثنا موسى بن اسماعيل قال حدثنا حماد عن قتادة عن الحسن
عن سمرة أن النبي عَبة نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة .
قال الشيخ وجهه عندي ان يكون انما نهى عما كان منه نسيئة فى الطرفين
فیکون من باب الکالی بالکالی بدلیل حدیث عبد الله بن عمروبن العاص
الذي يليه .
﴿ومن باب الرخصه﴾.هـ
قال ابو داود : حدثنا حفص بن عمرو قال حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن
اسحاق عن یز ید ین الی حبيب عن مسلم بن جبير عن ابي سفيان عن عمرو بن
حريث عن عبد الله بن عمروبن العاص أن رسول الله عَ لى امره ان يجهز جيشاً
فنفدت الابل فيأمره ان يأخذ على قلائص الصدقة فكان يأخذ البعير بالبعيرين

- ٧٥ -
الى ابل الصدقة .
قال الشيخ هذا يبين لك ان النهي عن بيع الحيوان نسيئة انما هو ان يكون
نسئًا في الطرفين، جمعاً بين الحديثين وتوفيقاً بينهما وحديث سمرة يقال انه صحيفة
والحسن عن سمرة مختلف فى اتصاله عند أهل الحديث، اخبرنا ابن الأعرابي،
قال حدثنا عباس الدوري عن يحيى ابن معين قال حديث الحسن عن سمرة صحيفة
وقال محمد بن اسماعيل حديث النهي عن بيع الحيوان نسيئة من طريق عكرمة
عن ابن عباس رواه الثقاة عن ابن عباس موقوفً او عكرمة عن النبي محمد ته مرسل
قال وحديث زياد بن جبير عن ابن عمر انما هو زياد بن جبير عن النبيمحمد مرسل
وطرق هذا الحديث واهية ليست بالقوية وتأويله اذا ثبت على ماقلنا والله اعلم.
وفي الحديث دليل على جواز السلم فى الحيوان لأنه إذا باع بعير او بعيرين
فقد صار ذلك حيواناً مضموناً عليه في ذمته .
واختلف اهل العلم في بيع الحيوان بالحيوان نسيئة فكره ذلك عطاء بن ابي
رباح ومنع منه سفيان الثوري وهو مذهب اصحاب الرأي ومنغ منه احمد
واحتج بحديث سمرة ، وقال مالك اذا اختلف اجناسها جاز بيعها نسيئة وان
شابهت لم يجز.
وجوز الشافعي بيعها نسيئة كانت جنساً واحداً او جناساً مختلفة اذا كان
احد الحيوانين نقداً .
قال الشيخ فى اسناد حديث عبد الله بن عمرو ايضاً مقال وقد اثبت احمد
حديث سمرة .

- ٧٩ -
ح﴿ ومن باب بيع الثمر بالمراهـ
قال ابو داود : حدثنا القعنيعنمالك عنعبدالله بن زيد ان زيداً ابا عياش
اخبره انه سأل سعد بن أبي وقاص عن البيضاء بالسلت فقال له سعد ايهما افضل
قال البيضاء قال فنهاه عن ذلك وقال سمعت رسول الله حين سئل عن شراء
الثمر بالرطب فقال رسول الله عَ ل اينقص الرطب اذا يبس قالوا نعم فنهى عن ذلك.
قال الشيخ البيضاء نوع من البرابيض اللون وفيه رخاوة يكون ببلاد مصر
والسلت نوع غير البر وهو ادق حباً منه ، وقال بعضهم البيضاء هو الرطب من
السلت والأول اعرف، الا ان هذا القول اليق بمعنى الحديث وعلته تبين موضع
التشبيه من الرطب بالتمر واذا كان الرطب منهما جنساً واليابس جنساً آخر
لم يصح التشبيه .
وقوله ((ابنقص الرطب اذا يبس)) لفظه لفظ الاستفهام ومعناه التقرير والتنبيه
فيه على نكتة الحكم وعلته ليعتبروها فى نظائرها واخواتها وذلك انه لا يجوز
ان يخفي عليه عَية ان الرطب اذا يبس نقص وزنه فيكون سوآ له عنه سؤال
تعرّف واستفهام وانما هو على الوجه الذي ذكرته وهذا كقول جرير :
الستم خير من ركب المطايا واندى العالمين بطون راح
ولو كان هذا استفهام لم يكن فيه مدح وانما معناه انتم خير منركب المطايا.
وهذا الحديث اصل في ابواب كثيرة من مسائل الربا وذلك ان كل شيء من
المطعوم مما له نداوة وجفافه نهایة فانه لا يجوز رطبه يابسه كالعنب والزبيب
واللحم الني بالقديد ونحوهما، وكذلك لا يجوز على هذا المعنى منه الرطب
بالرطب كالعنب بالعنب والرُّطَب بالرطب لأن اعتبار الماثلة انما يصح فيهما.

- ٧٧ -
٠٠١
عند اوان الجفاف وهما اذا تناها جفافهما كانا مختلفين لأن احدهما قد بكون
ارق رقة واكثر مائية من الآخر، فالجفاف ينال منه أكثر ويتفاوت مقاديرهما
فى الكيل عند الماثلة .
وفي معنى ماذكرنا المطبوخ بالني كالعصير الذي اغلى بالنار بما لم يطبخ منه
وكاللبن الذي عقد بالنار باللبن الحليب ونحوهما، ولا يجوز على هذا القياس بيع
حنطة بدقيق ولا حنطة بسويق ولا بيع خبز بخبز، وهذا كله على مذهب
الشافعي ؛ فأما العصير النبيُ بالعصير النيئ والشيرج بالشريح واللبن الحليب
باللبن الحليب نفجائز عند الشافعي ، وكذلك خل العنب بخل العنب فان كان فى
احد النوعين ما لم يجز ولا يجوز عنده بيع اصل شيء فيه الربا بفرعه كبيع الزبد
باللبن وبيع الزيت بالزيتون والشيرج بالسمسم وعلى هذا المعنى عندهبيع اللحم بالحيوان.
وقد ذهب أكثر الفقهاء الى ان بيع الرطب بالتمر غير جائز، وهو قول مالك
والشافعي واحمد بنحنبل وبه قال ابو يوسف ومحمد بن الحسن وعن ابي حنيفة
جواز بيع الرطب بالتمر نقداً، ويشبه ان يكون تأويل الحديث عنده على النسيئة
دون النقد، قال ابن المنذر واحسب ابا ثور وافقه على ذلك .
قال الشيخ ولفظ الحديث عام لم يستثن فيه نسيئة من نقد والمعنى الذي نبه
عليه فى قوله اينقص الرطب اذا يبس يمنع من تخصيصه وذلك كانه قال اذا.
علمتم أنه ينقص فى المتعقب فلا تبيعوه وهذا المعنى قائم في النقد والنسيئة معاً.
واجاز ابو حنيفه بيع العنب بالزبيب واللحم النيئ بالقديد والعصير المطبوخ
بالنِئُ منه نقداً .
وقال مالك بن انس لا بأس يبيع الدقيق بالبر مثلاً بمثل لأن الدقيق انما هو

- ٧٨ -
حنطة فرقت اجزاؤها وبيع الحنطة بالحنطة جائز متساويين ، وقال مثل ذلك
مكتفـ
في الحنظة بالسويق والسويق بالدقيق، وقال في الخبز بالخبز لا بأس به اذا تحرى
ان يكون مثلاً بمثل وان لم يوزن، وقال احمد واسحاق لا بأس يبيع الدقيق
بالقمح وزناً بوزن، وقال الأ وزاعي الخبز بالخبز جائز وهو قول ايي ثور .
وحکي ابو ثور عن ابىحنيفة انه قال لا بأس به قرصًا بقرصين، وروى حرملة
عن الشافعي انه اباج بيع الخبز اليابس مثلا بمثل واصحاب الشافعي ينكرون
ذلك فلا يعدونه قولاً صحيحاً له وهو خلاف قياس اصله والخبز يدخله الماء
والملح وفيهما عنده الرّبا ومبلغهما يتفاوت في الخبز وليس هذا كاللحوم يجوز
بعضها ببعض يابسين لأن اللحم نوع واحد لا يدخله غيره .
قال الشيخ قد تكلم بعض الناس في اسناد حديث سعد ابن ابي وقاص،
وقال زيد ابوعياش راويه ضعيف ، ومثل هذا الحديث على اصل للشافعي لا يجوز
ان يختج به .
قال الشيخ وليس الأمر على ما توهمه، وابو عياش هذا مولى لبني زهرة
معروف، وقد ذكره مالك في الموطأ وهو لا يروي عن رجل متروك الحديث
بوجه، وهذا منشأن ما لك وعادته معلوم، وقد روي ابو داود في هذا الباب
مثل حديث سعد من طريق ابن عمر .
قال حدثنا ابو بكر بن ابي شيبة قال حدثنا ابن ابي زائدة عنعبيد الله عن
نافع عن ابن عمر ان النبيټے نهی عن بيع التمر بالتمر وعن بيعالعنب بالزبيب.
کیلا وعن الزرع بالحنظة کیلا .

- ٧٩ -
﴿ ومن باب العواياكمـ
قال ابو داود : حدثنا احمد بن صالح قال حدثنا ابن وهب اخبرنا يونس عن
ابن شهاب اخبرني خارجة بن زيد بن ثابت عن ابيه ان النبي ◌َ رخص في
بيع العرايا بالتمر والرطبّ .
قال العرية فسرها محمد بن اسحاق بن يسار فقال في النخلات يهبها الرجل
للرجل فیشق علیه ان يقوم عليها فيبيعها قبل خرصها، وقد ذكر أبو داود هذا
التفسير عنه .
وروي الشافعی خبراً فيه قلت لمحمود بن لبيد او قال محمود بن لبيد لرجل من
أصحاب رسول الله عَيّ اما زيد بن ثابت واما غيره ماعراياكم فقال او سمي
رجالاً محتاجين من الأنصار شكوا الى النبي مي ان الرطب بأني ولا نقد بأيديهم
يبتاعون به رطباً يأكلونه مع الناس وعندهم فضول من قوتهم من التمر فرخص
لهم ان يبتاعوا العرايا خرصا من التمر فى ايديهم يأكلونها رطبًا.
فأما اصلها فى اللغة فأنهم ذكروا في معنى اشتقاقها قولين: احدهما انها مأخوذة
من قول القائل: اعريت الرجل النخلة اي اطعمته ثمرها يعروها متى شاء اي
يأتيها فيأكل رطبها، يقال عروت الرجل اذا اتيته تطلب معروفه كما يقال
طلب الي فأطلبته وسألني فأسألته .
والقول الآخر انما سميت عربة لأن الرجل يعريها من جملة نخله اي يستثنيها
لا يبيعها مع النخل فربما اكلها وربما وهبها لغيره او فعل بها ما شاء.
قال الشيخ العرايا ما كانت من هذه الوجوه فانها مستثناة من جملة النهي
عن المزابنة والمزابنة بيع الرطب بالتمر الا تراه يقول رخص في بيع العرايا

- ٨٠ -
والرخصة انما تقع بعد الحظر وورود الخصوص على العموم لا ينكر في اصول
الدين وسبيل الحديثين اذا اختلفا فى الظاهر وامكن التوفيق بينهما وترتيب
أحدهما على الآخر ان لا يحملا على المنافاة ولا يضرب بعضها ببعض لكن
يستعمل كل واحد منهما في موضعه وبهذا جرت قضية العلما في كثير من الحديث
الا ترى انه لما نهى حكيما عن بيع ما ليس عنده ثم اباح السلم كان السلم عند
جماعة العلما مباحاً فى محله وبيع ما ليس عند المرء محظوراً فى محله وذلك ان احدهما
وهو السلم من بيوع الصفات والآخر من بيوع الأعيان، وكذلك سبيل مايختلف
اذا امكن التوفيق فيه لم يحمل على النسخ ولم يبطل العمل به. وانما جاء تحريم
المزاينة فيما كان من التمر موضوعاً على وجه الأرض وجاءت الرخصة في بيع
العرايا فيما كان منها على رؤس الشجر في مقدار معلوم منه بكمية لا يزاد عليها
وذلك من اجل ضرورة او مصلحة فليس احدهما مناقضاً للآخر او مبطلاً له،
وقد قال بهذه الجملة في معناها أكثر الفقهاء مالك والأوزاعى والشافعي واحمد
ابن حنبل واسحاق بن راهوية وابو عبيد، وامتنع من القول به اصحاب الرأي
وذهبوا الى جملة النهي الوارد فى تحريم المزاينة وفسروا العربة تفسيراً لا يليق
بمعنى الحديث وصورتها عندهم ان يعرى الرجل من حائطه نخلات ثم يبدو له
فيها فيبطلها ويعطيه مكانها تمراً فسمى هذا بيعاً في التقدير على المجاز وحقيقة
الهبة عندهم .
قال الشيخ والحديث انما جاء بالرخصة في البيع كما ذكرناه زيد بن ثابت
ویزیده بیاناً حديث سهل بن ابي خيثمة ذكره ابو داود فى هذا الباب .
قال حدثنا عثمان بن أبى شيبة قال حدثنا بن عيينة عن يحيى بن سعيد عن سعيد