Indexed OCR Text

Pages 201-220

- ٢٠١ -
لأحد من الرجال يدخل فيتحدث اليهن . وكان الحديث من الرجال الى
النساء من عادات العرب لا يرون ذلك عيبًا ولا يعدونه ريبة، فلما نزلت آية
الحجاب وصارت النساء مقصورات نهى عن محادثتهن والقعود اليهن، وليس
المراد بوطئ الفرش هاهنا نفس الزنا لأن ذلك محرم على الوجوه كلها فلا معنى
لأشتراط الكراهية فيه ولو كان المراد به الزنا لكان الضرب الواجب فيه هو
المبرح الشديد والعقوبة المؤلمة من الرجم دون الضرب الذي ليس بمبرح .
وفيه من الفقه ان صلاتي الظهر والعصر تجمعان بعرفة بأذان واحد واقامتين
وكذلك المغرب والعشاء تجمعان بالمزدلفة مثل ذلك .
وفيه أن السنة ان يقف الامام بالموقف إلى أن تغرب الشمس ثم يفيض.
وقوله شنق لها معناه كفها بزمامها والحبال ما كان دون الجبال في الأرتفاع
واحدها حبْل .
وفيه ان الدفع من المزدلفة انما هو قبل طلوع الشمس. وكان أهل الجاهلية
يقفون بها حتى تطلع الشمس ويقولون اشرق ثبير كيما نغير .
وفيه ان التكبير عند رمي الجمار سنة . وذلك ان التلبية تقطع عند رميها
فيكون التكبير بدلا عنها .
وفيه ان ذبح الرجل نسيكته بيده مستحب وقد قيل في نحر النبي محمد بيده
ثلاثًا وستين بدنة انه انما بلغ بها هذا العدد لأن سنه كان بلغ عامئذٍ ثلاثًا
وستين لتكون لكل سنة بدنة والله اعلم .
( ج ٢ م ٢٦ )

٠٠ ..
- ٢٠٢ -
G﴿ ومن باب موضع الوقوف بعرفةامـ
قال أبو داود : حدثنا ابن نفيل حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن
عمرو بن عبد الله بن صفوان عن يزيد بن شيبان قال انانا ابن مِربع الانصارى
ونحن بعرفة في مكان يباعده عمر وعن الامام فقال انى رسول رسول اللهعز ئع
اليكم فقال يقول لكم تفوا على مشاعركم فأنكم على ارث من ارث ابراهيم.
المشاعر المعالم واصله من قولك شعرت بالشيئء اي علمته وليت شعري ما فعل
فلان اي ليت علمي بلغه واحاط به. يريد قفوا بعرفة خارج الحرم فأن ابراهيم
هو الذي جعلها مشعراً وموقفًا للحاج، وكان عامة العرب يقفون بعرفة وكان
قريش من بينها تقف داخل الحرم وهم الذين كانوا يسمون أنفسهم الخمس وهم
اهل الصلابة والشدة في الدين والتمسك به ، والحماسة الشدة يقال رجل احمس
وقوم حمس .
وكانوا يزعمون انا لا تخرج من الحرم ولا نخليه فرد رسول الله تعرف ذلك
من فعلهم واعلمهم انه شئ قد احدثوه من قبل انفسهم وان الذي اورث ابراهيم
من سنته هو الوقوف بعرفة .
واختلفوا فيمن وقف من عرفة ببطن عرنة فقال الشافعي لا يجزئه حجه.
وقال «الك حجه صحيح وعليه دم .
﴿ ومن باب الدفع من عرفة ﴾چ۔
قال أبو داود : حدثنا وهب بن بيان حدثنا عَبيدة حدثنا سليمان الأعمش
عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال افاض رسول الله عَلى من عرفة
وعليه السكينة ثم اردف الفضل بن عباس وقال ايها الناس ان البر ليس

- ٢٠٣ -
بايجاف الخيل والابل فعليكم بالسكينة قال فما رأيتها رافعة يديهاحتی الیمنی.
قوله افاض معناه صدر راجعاً إلى منى واصل الفيض السيلان بقال فاض الماء
اذا سال وافضته اذا اسلته، والايجاف الإسراع في السير يقال وجف الفرس
وجيفً واوجفه الفارس ايجافا قال الله تعالى (فما او جفتم عليه من خيل ولاركاب).
قال أبو داود: حدثنا القعني عن مالك بن انس عن هشام بن عروة
عن ابيه انه قال سئل اسامة بن زيد وانا جالس كيف كان رسول اللهعز ع
يسير فى حجة الوداع حين دفع قال كان يسير العَنَّق فاذا وجد فجوة نص.
العنق السير الوسيع والنص ارفع السير وهو من قولهم نصصت الحديث
اذا رفعته الى قائله ونسبته اليه ونصصت العروس اذا رفعتها فوق المِنّعة .
والفجوة الفرجة بين المكانين، وفي هذا بيان ان السكينة والتؤدة المأمور
بها انما هي من اجل الرفق بالناس لئلا يتصادموا فأذا لم يكن زحام وكان في
الموضع سعة سار كيف شاء .
﴿ومن باب الصلاة بجمع هـ
قال أبو داود : حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن سالم عن ابيه
ان رسول الله ◌َي صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعاً.
قلت هذا سنة النبي عَ في الجمع بين هاتين الصلاتين بالمزدلفة في وقت
الآخرة منهما كما سن الجمع بين الظهر والعصر بعرفة فى وقت الاولى منهما
ومعناه الرخصة والترفيه دون العزيمة الا ان المستحب متابعة السنة والتمسك بها.
واختلفوا فيمن فرق بين هاتين الصلاتين فصلى كل واحدة منهما في وقتها
او صلاهما قبل ان ينزل المزدلفة، فقال أكثر الفقهاء ان ذلك يجزئه على الكراهة

- ٢٠٤ -
لفعله . وقال اصحاب الرأى ان صلاهما قبل ان يأتي جْمًا كان عليه الاعادة
وحكى نحو من هذا عن سفيان الثوري غير أنهم قالوا ان فرق بين الظهر والعصر
اجزاه على الكراهة لفعله ولم يروا عليه الاعادة .
قال ابو دواد: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنى عن مالك عن موسى
ابن عقبة عن كريب مولى ابن عباس عن اسامة بن زيدانه سمعه يقول دفع
رسول الله عَ ل من عرفة حتى اذا كان بالشِعب نزل فبال وتوضأً ولم يسبغ
الوضوء فقلت له الصلاة فقال الصلاة امامك فركب فلما جاء المزدلفة
نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم اقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم اناخ كل
انسان بعيره في منزله ثم اقيمت العشاء فصلاها ولم يصل بينهما شيئاً.
قلت قوله الصلاة امامك يختج به اصحاب الرأي فيما ذهبوا اليه من ايجاب
الاعادة على من صلاها قبل أن يأتي المزدلفة ، ومعناه عند من ذهب الى خلاف
مذهبهم الترخيص والترفيه دون العزيمة والايجاب .
قال أبو داود : حدثنا احمد بن حنبل حدثنا حماد بن خالد عن ابن ابي ذئب
عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال وجمع بينهما بأقامة .
قال ابو داود : حدثنا عثمان بن ابي شيبة حدثنا شبابة عن ابن ابي ذئب في هذا
الحديث وقال بأقامة لكل صلاة ولم يناد في الأولى ولم يسبح على اثر واحدة منهما.
قال وحدثنا ابن كثير اخبرنا سفيان عن ابى اسحاق عن عبد الله بن مالك عن
ابن عمر رضي الله عنهما قال صليتهما مع رسول الله عَ بأقامة واحدة .
قلت اختلف الفقهاء في ذلك فقال الشافعي لا يؤ ذن ويصليهما بأقامتين وذلك
أن الأذان انما سن لصلاة الوقت . وصلاة المغرب لمتصل في وقتها فلا يؤذن لها

- ٢٠٥ -
كما لا يؤذن للعصر بعرفة وكذلك قال اسحاق .
وقال اصحاب الرأي يؤذن للأولى ويقام لها ثم يقام للأخرى بلا اذان،
وقد روى هذا في حديث جعفر بن محمد عن ابيه عن جابر بن عبد الله في قصة
الحج انه فعلها بأذان واقامتين .
وقال مالك يؤذن لكل صلاة ويقام لها فيصليان بأذانين واقامتين .
وقال سفيان الثوري يجمعان باقامة واحدة على حديث ابنعمر من رواية ابي
اسحاق ، وقال احمد ايها فعلت اجزاك .
﴿ومن باب يتعجل من جمعمـ
قال ابو داود: حدثنا محمد بن كثير اخبرنا سفيان حدثني سلمة بن كهيل
عن الحسن العُرَنى عن ابن عباس قال قدمنا رسول الله عَ ليه ليلة المزدلفة اغيلمة
بني عبد المطلب على جمرات وجعل يلطخ انفاذنا ويقول أُبَيْنيّ لا ترموا الجمرة
حتى تطلع الشمس .
اللطخ الضرب الخفيف باليد يقال لطخه بيده لطخًا. وهذا رخصة رخصها
رسول الله على الضعفة اهله لئلا تصيبهم الحظمة وليس ذلك لغيرهم من الأقوياء
وعلى الناس عامة ان يبيتوا بالمزدلفة وان يقفوا بها حتى يدفعوا مع الأمام قبل
ان تطلع الشمس من الغد. وفيه بيان ان الجمرة لا ترمي الا بعد طلوع الشمس.
وهذا في رمى الجمرة يوم النحر، فأما في سائرالا يام فأنه لا يرميها حتى تزول الشمس.
قال ابو داود : حدثنا هارون بن عبد الله اخبرنا ابن ابي فديك عن الضحاك
ابن عثمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت أرسل النبي معَة
بيأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت وكان ذلك

-٢٠٩-
اليوم الذي يكون رسول الله عَل﴾ يعني عندها .
قلت واختلفوا في رمي الجمرة قبل الفجر فأجازه الشافعي ما دام بعد نصف
الليل الأول واحتج بحديث ام سلمة . وقال غيره انما هذا رخصة خاصة لها
فلا يجوز ان يرمي قبل الفجر .
وقال اصحاب الرأي ومالك واحمد بن حنبل يجوز ان يرمي بعد الفجر قبل
طلوع الشمس ولا يجوز قبل ذلك .
قلت والأفضل ان لا يرمي الا بعد طلوع الشمس كماجاء في حديث ابن عباس .
﴿ ومن باب يوم الحج الأكبراهـ
قال ابو داود : حدثنا مسدد حدثنا اسماعیل حدثنا ایوب عن محمد عن ابي
بکرة ان النبي ګ خطب في حجته فقال ان الزمان قد استدار كهيئته يوم
خلق الله السموات والأرض السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ثلاثة متواليات
ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان .
قوله ان الزمان قد استدار كهيئته معنى هذا الكلام ان العرب في الجاهلية
كانت قد بدلت اشهر الحرم وقدمت واخرت اوقاتها من اجل النسئ الذي
كانوا يفعلونه وهو ماذكرالله سبحانه في كتابه فقال (انما النسئ زيادة في الكفر
يُصَل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً) الآية. ومعنى النسيُ تأخير
رجب الى شعبان والمحرم الى صفر واصله مأخوذ من نسأت الشئ اذا اخرته
ومنه النسيئة في البيع، وكان من جملة ما يعتقدونه من الدين تعظيم هذه الأشهر
الحرم فكانوا يتحرجون فيها عن القتال وعن سفك الدماء ويأمن بعضهم بعضاً
الى ان تنصرم هذه الأشهر ويخرجوا الى اشهر الحل فكان اكثرهم بتمسكون
بـ

- ٢٠٧ -
بذلك ولا يستحلون القتال فيها ، وكان قبائل منهم يستبيحونها فأذا قاتلوا في
شهر حرام حرموا مكانه شهراً آخر من اشهر الحل ويقولون نسأنا الشهر واستمر
ذلك بهم حتى اختلط ذلك عليهم وخرج حسابه من ايديهم فكانوا ربما يحجون
في بعض السنين في شهر ويحجون من قابل في شهر غيره الى ان كان العام الذي
حج فيه رسول الله عَ ﴾ فصادف حجهم شهر الحج المشروع وهو ذو الحجة
فوقف بعرفة اليوم التاسع منه ثم خطبهم فأعلمهم ان اشهر النسئُ قد تناسخت
بأستدارة الزمان وعاد الأمر الى الأصل الذي وضع الله حساب الأشهر عليه
يوم خلق السموات والأرض وامرهم بالمحافظة عليه لئلا تتغير او تتبدل فيما
يستأنف من الأيام فهذا تفسيره ومعناه .
وقوله رجب مضرانما اضاف الشهر الى مضر لأنها كانت تشدد في تحريم
رجب وتحافظ على ذلك اشد من محافظة سائر القبائل من العرب فأضيف الشهر
اليهم لهذا المعنى .
واما قوله الذي بين جمادى وشعبان فقد يحتمل ان يكون ذلك على معنى
توكيد البيان كما قال في اسنان الصدقة فأن لم تكن ابنة مخاض فأبن لبون
ذكر ومعلوم أن ابن اللبون لا يكون الا ذكراً. ويحتمل ان يكون انما قال ذلك
من اجل انهم قد كانوا نساوا رجباً وحولوه عن موضعه وسموا به بعض الشهور
الأخر فنحلوه اسمه فبين لهم ان رجبًا هو الشهر الذي بين جمادى وشعبان لا ما كانوا
يسمونه على حساب النسئء .
0﴿ ومن باب من لم يدرك عرفة٤هـ
قال ابو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيي عن اسماعيل حدثنا عامر اخبرني

- ٢٠٨ -
عروة بن مُضرّس الطائي قال انيت النبي عَبّ بالموقف يعني بجمع فقلت جئت
يا رسول الله من جبلى طئء ا كللت مطيتي واتعبت نفسي والله ما تركت من
جبل الا وقفت عليه فهل لى من حج فقال رسول الله عَبه من ادرك معنا هذه
الصلاة واتی عرفات قبل ذلك ليلاً او نهاراً فقد تم حجه وقضى تفتّه .
قلت في هذا الحديث من الفقه ان من وقف بعرفات وقفة ما بين الزوال
من يوم عرفة إلى أن يطلع الفجر من يوم النحر فقد ادرك الحج.
وقال اصحاب مالك النهار تبع الليل في الوقوف فمن لم يقف بعرفة حتى
تغرب الشمس فقد فاته الحج وعليه حج من قابل، وروي عن الحسن انه قال عليه
ھدی من الأبل وحجه تام .
وقال أكثر الفقهاء من صدر من عرفة قبل غروب الشمس فعليه دم وحجه
تام وكذلك قال عطاء وسفيان الثوري واصحاب الرأي وهو قول الشافعي واحمد.
وقال مالك والشافعي فيمن دفع من عرفة قبل غروب الشمس ثم رجع
اليها قبل طلوع الفجر فلا شيء عليه .
وقال اصحاب الرأي اذا رجع بعد غروب الشمس ووقف لم يسقط عنه
الدم، وظاهر قوله من ادرك معنا هذه الصلاه شرط لا يصح الحج الا بشهوده
جمعاً وقد قال به غير واحد من اعيان اهل العلم، قال علقمة والشعبي والنخعي
اذا فاته جمع ولم يقف به فقد فاته الحج ويجعل احرامة عمرة وممن تابعهم على ذلك
ابو عبد الرحمن الشافعي واليه ذهب محمد بن اسحاق بن خزيمة واحسب محمد بن
جرير الطبري ايضًا واحتجوا او من احتج منهم بقوله سبحانه (فاذكروا الله
عند المشعر الحرام) وهذا نص والأمر على الوجوب فتركه لا يجوز بوجه.

- ٢٠٩ -
وقال أكثر الفقهاء ان فاته المبيت بالمزدلفة والوقوف بها اجزأه وعليه دم.
وقوله فقد تم حجه يريد به معظم الحج وهو الوقوف بعرفة لأنه هو الذي
يخاف عليه الفوات ، فأما طواف الزيارة فلا يخشى فواته وهذا (١) كقوله الحج
عرفة اي معظم الحج هو الوقوف بعرفة .
وقوله وقضى تفته فأن التفث زعم الزجاج ان اهل اللغة لا يعرفونه الا من التفسير
قال وهو الأخذ من الشارب وتقليم الظفر والخروج من الاحرام الى الاحلال
وقال ابن الأعرابي في قوله ثم ليقضوا نفتهم اي قضاء حوائجهم من الحلق والتنظف.
،﴿ ومن باب بيت بمكة ليالي منى ﴾مـ
قال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن خلاد حدثنا يحي عن ابن جريج
اخبرنى جرير او ابن جرير الشك من يحني انه سمع عبد الرحمن بن فروخ
يسأل ابن عمر قال اننا نتبايع بأموال الناس فيأتى احدنا بمكة فيبيت على المال
فقال اما رسول اللَّه عَ} فقدبات بمنى وظل .
قلت واختلف أهل العلم في المبيت بمكة ليالي منى لحاجة من حفظ مال ونحوه
وكان ابن عباس يقول لا بأس اذا كان للرجل متاع بمكة يخشى عليه ان يأت عن منى.
وقال اصحاب الرأي لا شيء على من كان بمكة ايام منى إذا رمى الجمرة وقد اساء.
وقال الشافعي ليست الرخصة في هذا الالا هل السقاية ومن مذهبه ان في ليلة در هماً
وفي ليلتين در همين وفي ثلاث ليال دم، وكان مالك يرى عليه في ليلة واحدة دماً.
(١) من قوله لأنه هو الذي يخاف عليه الفوات الى هنا لا وجود له في الطرطوشية
والكتانية اهـ م .
(ج ٢ م ٢٧ )

- ٢١٠ -
ح﴿ ومن باب الصلاة بمنى ج.مـ
قال ابو داود : حدثنا مسدد ان ابا معاوية بن يزيد وحفص بن غياث حدثاهم
وحديث ابى معاوية اتم عن الأعمش عن ابراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد قال
صلى عثمان بمنى أربعاً فقال عبد الله صليت مع النبي عَّ ركعتين ومع ابى بكر
ركعتين ومع عمر ركعتين زاد حفص ومع عثمان رضي الله عنهم صدراً من
امارته ركعتين ثم اتمها . زاد من هنا عن ابي معاوية ثم تفرقت بكم الطرق،
قال الأعمش وحدثني معاوية بن قرة عن اشياخه ان عبد الله صلى اربعاً فقيل
له عبت على عثمان ثم صليت اربعًا فقال الخلاف شر.
قلت لو كان المسافر لا يجوز له الإِتمام كما لا يجوز له القصر لم يتابعوا عثمان
عليه اذ لا يجوز على الملا من الصحابة متابعته على الباطل فدل ذلك على ان من
رأيهم جواز الاتمام وان كان الاختيار عند كثير منهم القصر. الا ترى ان عبدالله
اتم الصلاة بعد ذلك واعتذر بقوله الخلاف شر فلو كان الأتمام لا جواز له
لكان الخلاف له خيراً لا شراً . وفي هذا دليل على ما قلناه الا انه قد روى
عن ابراهيم انه قال انما صلى عثمان اربعاً لأنه كان اتخذها وطناً، وعن الزهري
انه قال انما فعل ذلك لأنه اتخذ الأموال بالطائف واراد ان يقيم بها .
قلت وكان من مذهب ابن عباس ان المسافر اذا قدم على اهل او ماشية اتم
الصلاة ، وقال احمد بن حنبل بمثل قول ابن عباس .
-0﴿ ومن باب القصر لأهل مكةامـ
قال أبو داود : حدثنا النفيلي حدثنا زهير حدثنا ابو اسحاق حدثنا حارثة بن
وهب الخزاعى قال صليت مع رسول الله عَ به بمنى والناس ا كثر ما كانوا

- ٢١١ -
فصلى بنار كعتين في حجة الوداع . قال ابو داود حارثة من خزاعة دار هم بمكة .
حارثة بن وهب اخو عبيد الله بن عمر بن الخطاب لأمه .
قلت ليس في قوله فصلى بنا ركعتين دليل على ان المكي يقصر الصلاة بني
لأن رسول الله عَ﴾ كان مسافراً بمنى فصلى صلاة المسافر ولعله لو سأل رسول
الله تعرب عن صلاته لأمره بالإتمام وقد يترك ◌َي بيان بعض الأمور في بعض
المواطن اقتصاراً على ما تقدم من البيان السابق خصوصاً في مثل هذا الأمر الذي
هو من العلم الظاهر العام ، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يصلي بهم فيقصر
فأذا سلم التفت فقال اتموا يا اهل مكة فأنا قوم سفر .
وقد اختلف الناس في هذا فقال الشافعي يقصر الأمام والمسافرون معه ويقوم
اهلمکة فیتمون لا نفسهم ، واليه ذهب سفیان واحمد وهو قول اصحاب الرأي
وقد روي ذلك عن عطاء ومجاهد والزهري، وذهب مالك والأ وزاعي واسحاق
الى ان الأمام اذا قصر قصروا معه وسواء في ذلك اهل مكة وغيرهم.
وحدثني اسماعيل بن محمد بن خشّك بن محرز حدثنا سلمة بن شبيب قال: قال
الوليد بن مسلم وافيت مكة وعليها محمد بن ابراهيم وقد كتب اليه ان يقصر الصلاة
بمني وعرفة فقصر فرأيت سفيان الثوري قام فأعاد الصلاة وقام ابن جريج فبنى
على صلاته فأتمها، قال الوليد ثم دخلت المدينة فلقيت مالك بن انس فذكرت
ذلك له واخبرته بفعل الأمير وفعل سفيان وابن جريج ، فقال اصاب الأمير
واخطأ ابن جريج ثم قدمت الشام فلقيت الأ وزاعي فذ کرت له ذلك فقال اصاب
مالك واصاب الأمير واخطأ سفيان وابن جريج . قال ثم دخلت مصر فلقيت
الشافعي فذكرت ذلك له فقال اخطأ الأمير واخطأً مالك واخطاً الأوزاعي

- ٢١١ -
واصاب سفيان واصاب ابن جريج .
قلت أما ابن جريج فأنما بني على صلانه لأن من مذهبه ان المفترض يجوز له
ان يصلي خلف المتنفل واعاد سفيان الصلاة لأنه لا يرى للمفترض ان يصلي
خلف المتنفل. وكانت صلاة الأمير عنده نافلة حين قصرها وهو مقيم بمكة
واليًا عليها فاستأنف سفيان صلاته. وكذلك مذهب اصحاب الرأي في هذا.
،چ﴿ ومن باب رمي الجمار }ےہ
قال ابو داود : حدثنا ابن السرح اخبرنا ابن وهب اخبر ني مالك عن عبدالله
ابن ابي بكر بن حزم عن ابيه عن ابي البداح بن عاصم عن ابيه وهو عاصم بن
عدي ان رسول الله { 19 رخص لرعاء الأبل في البيتونة يرمون يوم النحر
ثم يرمون الغد او من بعد الغد ليومين ثم يرمون يوم النفر .
قلت اراد بيوم النفر هاهنا النفر الكبير وهذا رخصة رخصها رسول اللهعز ئ
للرعاء لأنهم مضطرون الى حفظ اموالهم فلو اخذوا بالمقام والمبيت بمني ضاعت
اموالهم وليس حكم غيرهم في هذا كمكهم.
وقد اختلف الناس في تعيين اليوم الذي يرمي فيه فكان مالك يقول يرمون
يوم النحر واذا مضي اليوم الذى بلي يوم النحر رموا من الغد وذلك يوم النفر
الأول يرمون لليوم الذي مضى ويرمون ليومهم ذلك ، وذلك انه لا يقضي
احد شيئًا حتى يجب عليه. وقال الشافعي نحواً من قول مالك ، وقال بعضهم هم
بالخيار ان شاؤًا قدموا وان شاوءا اخروا.
﴿ ومن باب الحلق والتقصير }﴾.مـ
قالابو داود : حدثنا القعنبي عنمالك عننافع عنعبد الله بنعمر ان رسول

- ٢١٣ -
اللّه ◌َا} قال اللهم ارحم المحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال اللهم ارحم
المحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال والمقصرين .
قلت كان اكثر من احرم مع رسول الله عَي من الصحابة ليس معهم
هدي وكان ◌َ} قد ساق الهدى ومن كان معه هدي فأنه لا يحلق حتى ينحر
هدیه فلما امر من ليس معه هدي ان يحل وجدوا من ذلك في انفسهم واحبوا
ان يأذن لهم في المقام على احرامهم حتى يكملوا الحج وكانت طاعة رسول الله
وَلَ اولى بهم فلما لم يكن لهم بد من الاحلال كان القصر في نفوسهم احب
من الحلق فمالوا الى القصر فلما رأى ذلك رسول الله عَّى منهم اخرهم في الدعاء
وقدم عليهم من حلق وبادر الى الطاعة وقصر بمن تهيبه وحاد عنه ثم جمعهم في الدعوة
وعمهم بالرحمة .
قال ابو داود: حدثنا محمد بن العلاء حدثنا حفص عن هشام عن ابن سيرين
عن انس بن مالك ان رسول الله عَ ه رمى جمرة العقبة يوم النحر ثم رجع الى
منزله بمنى فدعا يذبح فذبح ثم دعا بالحلاق فأخذ بشق رأسه الأيمن خلقه تجعل
يقسم بين من يليه الشعرة والشعرتين ثم اخذ بشق رأسه الأ يسر خلقه ثم قال
هاهنا ابو طلحة فدفعه اليه .
قلت فيه من السنة ان يبدأ في الحلاق بالشق الأيمن من الرأس ثم بالشق
الأيسر وهو من باب ما كان ما يستحبه ◌َ ه من التيمن في كل شيئ من طهوره
ولباسه ونعله في نحو ذلك من الأمور .
وفيه ان شعر بني آدم طاهر فلا معنى لقول من زعم ان هذا خاص لرسول
الله عَّ ولو لزم هذا في شعره للزم في منيه مثل ذلك فيقال ان منيّ سائر الناس

٠٠ ..
- ٢١٤ -
نجس فلما لم يفترق الأمر في ذلك عنده وجب ان لا يفترق كذلك في الشعر.
والذيج مكسورة الذال ما يذبح من الغنم والذبح الفعل.
قلت وفي قوله اللهم ارحم المحلقين وجه آخر وهو ان السنة فيمن لبد رأسه
الحلق وانما يجزئ القصر فيمن لم يلبد وكان رسول الله عَ لى قد لبد رأسه.
وروى عنه انه قال من ليد رأسه فليحلق من طريق عبد الله العمري عن نافع
عن ابن عمر ، وروي ذلك ايضاً عن عمر بن الخطاب وبه قال مالك والشافعي
واحمد واسحاق، وقال اصحاب الرأي ان قصر ولم يحلق اجزاه .
﴿ ومن باب العمرة ا.هـ
قال أبو داود : حدثنا هناد بن السري عن ابي زائدة حدثنا ابن جريج ومحمد
ابن اسحاق عن عبد الله بن طاوس عن ابيه عن ابن عباس قال والله ما اعمر رسول
الله 45 عائشة في ذي الحجة الا ليقطع بذلك امر اهل الشرك فأن هذا الحي
من قريش ومن دان دينهم كانوا يقولون اذا عفا الوبر وبراً الدبر ودخل صفر
فقد حلت العمرة لمن اعتمر .
قوله عنا الوبر معناه كثرواث نباته يقال عفا القوم اذا كثر عددهم، ومنه
قول الله تعالى ( حتى عفوا) وكانوا لا يعتمرون في الأشهر الحرم حتى تنسلخ.
قال ابو داود: حدثنا ابو كامل خدثنا أبو عوانة عن ابراهيم بن مهاجر عن
ابي بكر بن عبد الرحمن قال اخبر نى رسول مروان الذي ارسل الى ام معقل
قال جاء ابو معقل حاجاً مع رسول الله عَ ليه فلما قدم قالت ام معقل قد علمت
ان على حجة فانطلقا مشیان حتىدخلا على رسول الله ﴾ فقالت يارسول الله
ان على حجة وان لأبي معقل بكراً فقال ابو معقل صدقتْ جعلته في سبيل الله

- ٢١٥ -
فقال رسول الله على اعطها فلتحج عليه فأنه في سبيل الله فأعطاها البكر فقالت
يارسول الله اني امرأة قد كبرت وسقمت فهل من عمل يجزئ عني من حجتي
فقال عمرة في رمضان تجزء حجة .
قلت فيه من الفقه جواز احباس الحيوان. وفيه انه جعل الحج من السبيل،
وقد اختلف الناس في ذلك ، وكان ابن عباس لا يرى بأسا ان يعطي الرجل
من ز كاته في الحج وروي مثل ذلك عن ابن عمر ، وكان احمد واسحاق يقولان
يعطي من ذلك فى الحج، وقال سفيان واصحاب الرأي والشافعي لا تصرف
الزكاة الى الحج وسهم السبيل عندهم الغزاة والمجاهدون .
﴿ ومن باب الحائض تخرج بعد الافاضة آدمـ
قال أبو داود : حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن هشام بن عروة عن
ابيه عن عائشة ان النبي ◌َّ ذكر صفية بنت حتى فقيل انها قد حاضت فقال
رسول الله عَّ لعلها حابستنا فقالوا يا رسول الله انها قد افاضت قال فلا اذاً.
قلت طواف الإفاضة هو الذي يدعي طواف الزيارة وهو الواجب الذي
لا يتم الحج الا به .
وفيه دليل على ان طواف الوداع ليس بواجب واوجبوا على من تركه دماً
الا الحائض فأنها اذا تركته لم يلزمها شئء. وفيه دليل على ان الطواف لا يصح
من الحائض وانها لا تدخل المسجد ولا تقرب البيت .
قال أبو داود : حدثنا عمرو بن عوف اخبرنا ابو عوانة عن يعلي بن عطاء عن
الوليد بن عبد الرحمن عن الحارث بن عبد الله بن اوس قال اتيت عمر بن الخطاب
فسألته عن المرأة تطوف بالبيت يوم النحر ثم تحيض، قال ليكن آخر عهدها

- ٢١٦ -
بالبيت، قال فقال الحارث كذلك افتاني رسول الله تع الى فقال عمر اربْتَ عن
يديك سألتني عن شيئ سألت عنه رسول الله عمري لكيما اخالف.
قوله اربت دعاء عليه كأنه يقول سقطت آرابه وهي جمع ارب وهو العضو.
قلت وهذا على سبيل الأختيار في الحائض اذا كان في الزمان نفَس وفي الوقت
مهلة. فأما إذا اعجلها السير كان لها ان تنفر من غير وداع بدليل خبر صفية ،
وممن قال انه لا وداع على الحائض مالك والأوزاعي والشافعي واحمد وإسحاق
وهو قول اصحاب الرأي وكذلك قال سفيان .
﴿ ومن باب التحصيبامـ
قال أبو داود: حدثنا احمد بن حنبل حدثنا يحيى بن سعيد عن هشام عن ابيه
عن عائشة قالت انما نزل رسول الله عَفى المحصب ليكون اسمح لخروجه.
قلت التحصيب اذا نفر الرجل من منى الى مكة للتوديع ان يقيم بالشعب
الذي يخرجه الى الأ بطح حتى بهجع بها من الليل ساعة ثم يدخل مكة وكان
هذا شيئًا يفعل ثم ترك .
-،ټ ومن باب منقدم شيئاً قبل شيء فی حجهے۔
قال أبو داود : حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن عيسى بن طلحة
ابن عبيد الله عن عبد الله بن عمرو بن العاص انه قال وقف رسول الله څ في
حجة الوداع بني يسألونه فجاء رجل فقال يارسول الله اني لم اشعر خلقت قبل
ان اذبح فقال رسول الله عَّ اذبح ولا حرج، وجاء آخر فقال يا رسول الله
لم اشعر فنحرت قبل ان ارمي قال ارم ولا حرج، قال فماسئل يومئذ عن شيئء
قدم او اخر الا قال اصنع ولا حرج .

- ٢١٧ -
قال أبو داود : حدثنا عثمان بن أبى شيبة حدثنا جرير عن الشيبانى عن
زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك قال خرجت مع النبيمعَ لل حاجاً فكان
الناس يأتونه فمن قائل يارسول الله سعيت يعنى قبل ان اطوف واخرت
شيئاً او قدمت شيئاً فكان يقول لا حرج لا حرج الا على رجل اقترض
من عرض رجل مسلم وهو ظالم فذلك الذي حَرِج وهذَك .
قلت ظاهر هذا الحديث انه اذا حلق رأسه قبل ان يذبح او نحر قبل ان
يرمي فلا شيء عليه، وإلى هذا ذهب مجاهد وطاوس وهو قول الشافعي وسواء
عندهم فعله ناسياً او متعمداً.
وقال احمد واسحاق فيمن فعل ذلك ساهياً فلا شيء عليه كأنه يرى ان حكم
العامد خلاف ذلك ويدل على صحة ما ذهب اليه احمد قوله في هذا الحديث
اني لم اشعر فلقت .
وذهب قوم الى انه اذا قدم شيئًا او اخره كان عليه دم . وروي ذلك عن
ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير وقتادة واليه ذهب مالك بن انس .
وتأول بعض من ذهب الى هذا القول من اصحاب الرأي. قوله ارم ولا حرج
على انه اراد رفع الحرج في الاثم دون الفدية ، قال وقد يجوز ان يكون هذا
السائل مفرداً فلايلزمهدم واذا كان متطوعاً بالدم لم يلزمه في تقديمه وتأخيره شىء.
قلت قوله لا حرج ينتظم الأمرين جميعاً الاثم والفدية لأنه كلام عام،
وكان أصحاب رسول الله عَّ اما متمتعين او قارنين على مادلت عليه الأخبار
والدم على القارن والمتمتع واجب على ان السائل عن هذا الحكم لم يكن رجلاً
( ج ٢ ٢ ٢٨ )

- ٢١٨ -
واحداً فقط انما كانوا جماعة الا تراه يقول فمن قائل اخرت شيئً او قدمت شيئًاً
وهؤلاء لا يتفقان يكونوا كلهم مفردين فكان هذا الاعتراض غير لازم.
واما قوله سعيت قبل ان اطوف فيشبه ان يكون هذا السائل لما طاف طواف
القدوم قرن به السعي، فلما طاف طواف الإفاضة لم يعد السعي فأفتاه بأن
لا حرج لأن السعي الأول الذي قرنه بالطواف الأول قد اجزاه .
فأما اذا لم يكن سعى الى ان افاض فالواجب عليه ان يؤخر السعي عن الطواف
لا يجزيه غير ذلك في قول عامة اهل العلم الا في قول عطاء وحده فأنه قال يجزئه
وهو قول كالشاذ لا اعتبار له .
قوله اقترض معناه اغتاب واصله من القرض وهو القطع .
ومن باب حرم مكة )هـ
قال أبو داود : حدثنا احمد بن حنبل حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي
حدثنی يحي بن ابى كثير عن ابى سلمة عن ابى هريرة قال لما فتح الله على
رسوله عَ ي مكة قام رسول الله على فيهم حمد الله وأثنى عليه ثم قال ان
الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين وانما احلت لي
ساعة من النهار ثم هي حرام الى يوم القيامة لا يُعضد شجرها ولا ينفر
صيدها ولا تحل لقطتها الا لمنشد فقام عباس او قال فقال يا رسول الله
الا الا ذخر قال وزادنا فيه ابن المصفى عن الوليد فقام ابو شاه رجل من
اهل اليمن فقال اكتبوا لى يارسول الله فقال رسول الله تع اكتبوا لأبى
شاة قلت للأوزاعى ما قوله اكتبوا لأبى شاة. قال هذه الخطبة .
قوله ان الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين. ثم قوله

- ٢١٩-
وانما احلت لي ساعة من النهار يستدل بهما من يذهب الى ان مكة فتحت
عنوة لا صلحًاً. وتأول غيرهم قوله وانما احلت لي ساعة من النهار على معنى دخوله
اياها من غير احرام لأنه ◌َ﴾ دخلها وعليه عمامة سوداء.
وقيل انما احلت له في تلك الساعة اراقة الدم دون الصيد وقطع الشجر وسائر
ماحرم على الناس منه ،
وقد سأل بعض الملحدين عن هذا فقال لم كان حبس الفيل في زمان الجاهلية عنها
ومنعه منها ومن الافساد والالحاد فيها ولم يمنع الحجاج بن يوسف في زمان الاسلام
عنها وقد نصب المنجنيق على الكعبة واضرعها بالنار وسفك فيها الدم الحرام وقتل
عبد الله بن الزبير واصحابه في المسجد وكيف لم يحبس عنها القرامطة وقد سلبوا الكعبة
ونزعوا حليتها وقلعوا الحجر وقتلوا العالم من الحاج وخيار المسلمين بحضرة الكعبة.
فأجاب عن مسألته بعض العلماء بأن حبس الغيل عنها في الجاهلية كان علماً النبوة
رسولالله څے وتنويها بذ کر آبائه اذ کانوا عمار البيت وسكان الوادي فكان
ذلك الصنيع ارهاصًا للنبوة وحجة عليهم في اثباتها فلو لم يقع الحبس عنها والذب
عن حريمها لكان في ذلك امران احدهما فناء اهل الحرم وهم الآباء والاسلاف
لعامة المسلمين ولكافة من قام به الدين، والا خر ان الله سبحانه اراد ان يقيم به
الحجة عليهم في اثبات نبوة رسوله عمله وان يجعله مقدمة لكونها وظهورها فيهم
فكان مولد رسول الله ◌َي عامئذ وكانوا قوماً عربا اهل جاهلية ليست لهم
بصيرة في العلم ولا تقدمة في الحكمة وانما كانوا يعرفون من الأمور ما كان
دركه من جهة الحس والمشاهدة فلولم يجر الأمر في ذلك على الوجه الذي جرى
لم يكن يبقى في ايديهم شئء من دلائل النبوة تقوم به الحجة عليهم فى ذلك الزمان

- ٢٢٠-
فأما وقد اظهر الله الدين ورفع اعلامه وشرح ادلته واكثر انصاره فلم يكن
ما حدث عليها من ذلك الصنيع امراً يضربالدين او يقدح في بصائر المسلمين
وانما كان ما حدث منه امتحانًا من الله سبحانه لعباده ليبلو في ذلك صبرهم
واجتهادهم ولينيلهم من كرامته ومغفرته ماهو اهل التفضيل به والله يفعل مايشاء
وله الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين .
وقوله لا يعضد شجرها معناه لا يقطع والعضد القطع قلت وسواء فى ذلك
ما غرسه الآدميون وما نبت من غير غرس وتنبيت لأن العموم يسترسل
على ذلك كله وهو ظاهر مذهب الشافعي، وسمعت أصحاب أبي حنيفة يفرقون
بين ما ينبت من الشجر فى الحرم وبين ماينبته الآدميون ويجعلون النهي مصروفاً
الى ما انبته الله تعالى دون غيره .
ويحكى عن مالك انه قال لا شئء على من قطع شيئًا من شجر الحرم وهو قول
داود واهل الظاهر واما الشافعي فأنه يرى فيه الفدية .
وقوله لا ينفر صيدها معناه لا يتعرض له بالأصطياد ولا يهاج فينفر .
وحكي عن سفيان بن عيينة انه قال معناه ان يكون الصيد رابضًاً في ظل الشجرة
فلا ينفره الرجل ليقعد فيستظل مكانه. وقوله لاتحل لقطتها الا لمنشد فأن المنشد
هو المعرف تقول نشدت الضالة اذا طلبتها وانشدتها اذا عرفتها .
وقد اختلف الناس في حكم ضالة الحرم فذهب اكثر اهل العلم الى انه لا
فرق بينها وبين ضالة الحل. وكان عبد الرحمن بن مهدي يذهب الى التفرقة
بينها وبين ضالة سائر البقاع ويقول ليس لواجدها منها غير التعريف ابداً
ولا يملكها بحال ولا يستنفقها ولا يتصدق بها حتى يظفر بصاحبها، وكان يحتج