Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
بيان الفضل بين الركنين المانيين
( باب ما جاء فى الكلام فى الطواف )
حدثنا : قتيبة نا جرير عن عطاء بن السائب عن طاؤس عن ابن عباس :
عن محمد بن الحسن استلام المانى وتقبيله كالحجر الأسود . وقال فى "البدائع":
لا خلاف فى أن تقبيله ليس بسنة ، وإذا عجز عن استلام المانى لا يشير إليه إلا
على رواية محمد . وبالجملة الجمهور على عدم التقبيل كما فى " شرح المناسك"
للقارى، وذكر أن استلام الشاميين بدعة مكروهة عند الأربعة .
فائدة : فى "كتاب الحميدى" من حديث عائشة مرفوعاً: ((ما مررت
بالركن المانى قط إلا وجدت جبريل عليه السلام قائماً عنده))، وعن ابن
عباس مثله بزيادة (( يا محمد أدن فاستلم)) وفى حديث أبى هريرة: ((وكل الله
به سبعين ألف ملك)). كذا فى "العمدة" ملخصاً (٤ - ٦٢٢ ).
-: باب ما جاء فى الكلام فى الطواف :-
أخرج فيه حديث ابن عباس ، وقد أخرجه النسائي عن رجل أدرك النبى
فِدخله ، والحديث أخرجه الحاكم فى " المستدرك " من طريق سفيان وفضيل بن
عياض ، كلاهما عن عطاء بن السائب عن طاوس عن ابن عباس ، ولفظه :
(( الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله قد أحل فيه النطق، فمن نطق فيه فلا ينطق
إلا بخير)) وسكت عنه الحاكم . ورواه ابن حبان فى " صحيحه"، كما فى "نصب
الرأية". ويقول الحافظ فى "التلخيص" (١ - ١٢٩) فى (باب الأحداث):
وصححه ابن السكن وابن خزيمة وابن حبان .... واختلف فى رفعه ووقفه ،
ورجحه النسائى والبيهقى وابن الصلاح والمنذرى والنووى. وزاد : إن رواية
الرفع ضعيفة ، وفى إطلاق ذلك نظر ، فإن عطاء بن السائب صدوق ، وإذا

٤٢٢
معارف السنن
ج - ٦
((إن النبى مَ ل قال: الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه ،
فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير »
قال أبو عيسى . وقد روى عن ابن طاوس وغيره عن طاوس عن ابن
عباس موقوفاً، ولا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث عطاء بن السائب. والعمل
روى عنه تارةً مرفوعاً وتارةً موقوفاً، فالحكم الرفع ، وأخرجه الحاكم من
رواية الثورى عنه ، وهو يروى عنه قبل الاختلاط باتفاق ، هذا تلخيص ما
فى " التلخيص". وراجعه للتفصيل.
قوله : مثل الصلاة . قال شيخنا : هكذا عند الفقهاء فى عدة من الأحكام
كستر العورة والطهارة ، وجواز مرور الطائف أمام المصلى ، كما يدل عليه
رواية فى " مشكل الآثار" اهـ .
قال ابن عابدين: ذكر فى "حاشية المدنى": لا يمنع المار داخل الكعبة
وخلف المقام وحاشية المطاف ، لما روى أحمد وأبو داود عن المطلب بن أبى
وداعة: ((إنه رأى النبى معَّل﴾ يصلى مما يلى باب بنى سهم والناس يمرون بين يديه
وليس بينهما سترة ، وهو محمول على الطائفين فيما يظهر، لأن الطواف صلاة ،
فصار كمن يديه صفوف من المصلين اهـ . ومثله فى " البحر العميق"، وحكاه
عز الدين بن جماعة عن "مشكلات الآثار" الطحاوى، ونقله الملارحمة الله فى"منسكه
الكبير" ، ونقله سنان آهندى أيضاً فى " منسكه " اهـ .
وفى " إرشاد السارى" (ص - ١٠٥): قال العلامة الشيخ قطب الدين
الحنفى فى "منسكه": فرع غريب رأيت بخط تلامذة الكمال ابن الهمام فى
حاشية " فتح القدير": إذا صلى فى المسجد الحرام ينبغى أن لا يمنع المار، لما
روى أحمد وأبو داود عن المطلب، فذكر الحديث الذى ذكرنا ، ثم قال : ثم

٤٢٣
بحث المروزبين يدى المصلين بحضرة الكعبة .
على هذا عند أكثر أهل العلم يستحبون أن لا يتكلم الرجل فى الطواف إلا لحاجة،
أو يذكر الله تعالى أو من العلم .
( باب )
حدثنا : قتيبة نا جرير عن ابن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس
قال: ((قال رسول اللّه بَلٍ فى "الحجر": والله ليبعثه الله يوم القيامة له عينان
يبصر بها ، ولسان ينطق به ، يشهد على من استلمه بحق)).
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن .
رأيت فى "البحر العميق" حكى عن ابن جماعة عن "مشكلات الآثار" للطحاوى:
إن المرور بين يدى المصلين بحضرة الكعبة يجوز اهـ .
قال الراقم: وفى "مشكل الآثار" (٣-٢٥٠) احتج الإمام الطحاوى
برواية المطلب لا غير، وهو الذى رواه أحمد وأبوداود، نعم فحوى عبارته:
أن المرور لا يخص بالطائف بل بعم المار، سواء كان طائفاً أو غير طائف والله
أعلم. وقد مرالبحث فى "معارف السنن" (٣-٣٥٣ و ٣٥٤) وأتذكر أن المحدث
الفقيه الكنكوهى فى كتابه "زبدة المناسك" أيضاً جنح إلى العموم، والله أعلم.
قال الطبرى فى "القرى" بعد رواية الأحاديث المتعلقة بالباب (ص -٢٣٨) فى
قوله بَلٍ: "الطواف بالبيت صلاة": دليل على أن الطواف يشترط فيه الطهارة
والستارة، وأن حكمه حكم الصلاة إلا فيما وردت فيه الرخصة من الكلام بشرط
أن يكون بخير، ثم ذكر من الخير: أنّ يسلم الرجل على أخيه ويسأله عن حاله
وأهله ويأمر الرجل الرجل بالمعروف وينهاه عن المنكر، وأشباه ذلك من تعليم
جاهل أو إجابة مسألة ، وهو مع ذلك كله مقبل على الله تعالى فى طوافه خاشع
بقلبه ذاكر بلسانه متواضع فى مسألته ، ويطلب فضل مولاه ويعتذر إليه، فمن
كان بهذا الوصف رجوت أن يكون ممن قال رسول حَ له: ((إن الله تبارك
وتعالى يباهى بالطائفين)) اهـ.
-: باب ما جاء فى الحجر الأسود :-
أخرج فيه حديث ابن عباس ، وقد وافق ابن ماجه الترمذى بإخراجه

٤٢٤
معارف السنن
ج - ٦
(باب)
حدثنا : هناد نا وكيع عن حماد بن سلمة عن فرقد السبخى عن سعيد بن
جبير عن ابن عمر: ((إن النبى حَ لّ كان يدهن بالزيت وهو محرم غير
المفتت )) .
من بين الأئمة الستة ، وقد أخطأ صديقنا الشيخ أحمد شاكر المرحوم فى القول
بتفرد الترمذى بإخراجه . وقد استوفينا الكلام فى بعض جوانبه قبل أربع وستين
باباً فلا نعيده ، وفيه حديث عبد الله بن عمرو ، رواه الحاكم والطبرانى فى
"الأوسط" مرفوعاً قال: «يؤتى الركن يوم القيامة أعظم من أبي قبيس ،
له لسان وشفتان يتكلم عمن استلمه بالنية، وهو يمين اللّه بصافح بها خلقه. قال
الحاكم: صحيح، حكاه الحافظ العينى فى "العمدة" (٤ - ٦٠٨).
وحديث ابن عباس هذا حديث الباب رواه ابن خزيمة فى " صحيحه " ،
ومصحه أيضاً ابن حبان والحاكم ، وله شاهد من حديث أنس عند الحاكم أيضاً،
قاله الحافظ فى "الفتح" (٣ - ٣٦٩).
وبالجملة فحديث الباب وإن حسنه الترمذى فهو صحيح ، وله شواهد
صحيحة ، ووافق على إخراجه الترمذى أحمد والدارمى وابن ماجه وابن حبان
وابن خزيمة والحاكم . ثم إن لفظ أحمد والدارمى وابن حبان كما بقوله العراقى
ويحكيه السيوطى عنه يشهد لمن استلمه بحق . والباء فى " بحق " يحتمل تعلقها
بيشهد أو باستلمه ، وذكر الشيخ عبد الحق الدهلوى كلمة " على " فى رواية
الترمذى باعتبار تضمين معنى الرقيب والحفيظ اهـ ، كما حكاه المباركفورى .
-: باب :-
باب من غيره ترجمة ، أخرج فيه حديث ابن عمر، وقد تفرد به الترمذى

ج - ٦
بحث الادهان للمحرم
٤٢٥
قال أبو عيسى: "مقتت": مطيب. هذا حديث غريب، لانعرفه إلا
من حديث فرقد السبخى عن سعيد بن جبير. وقد تكلم يحيى بن سعيد فى فرقد
السبخى، وروى عنه الناس .
من بين الأئمة الستة، وقد عزاه الطبرى فى "القرى" إلى أحمد والنسائى والترمذى،
ولم أجده فى " صغرى النسائى" ولعله فى " الكبرى"، والله أعلم.
و "المقتت": المطيب، وهو الذى يطبخ فيه الرياحين حتى تطيب
ريحه، كما فى "القرى" للطبرى. وحديث ابن عمر هذا مختلف فيه رفعاً ووقفاً،
كما يدل عليه كلام الحافظ فى "الفتح" (٣ - ٣١٥)، ويقول: والموقوف.
عنه أخرجه ابن أبى شيبة وهو أصح. قال : ويؤيده ما تقدم فى كتاب الغسل:
أنه قال: ((لأن أطلى بقطر أحب إلى من أن أتطيب اهـ. يريد الحافظ أنه لا بد أن.
يكون الادهان بالزيت غير مطيب، فإنه كان لا يحتمله أصلاً ..
قال المحب الطبرى: ذهب كثير من أهل العلم إلى أن المحرم إذا ادهن بدهن
غير مطيب فى غير رأسه ولحيته من جميع جسده لاشى عليه . وذهب أصحاب الرأى
إلى أنه إذا دهن جسده فعليه الفدية، قال: وهذه الأحاديث حجة عليهم اهـ. قال
شيخنا رحمه الله: والجواب عنه أولاً: إن الحديث الصحيح إنه موقوف وليس
بمرفوع ( كما تقدم فى كلام الحافظ). وثانياً: إن من عادة المصنف الإمام الترمذى
ما قد جربناه: أنه إذا حكم على الحديث بأنه غريب هو لا يكون عنده صحيحاً ولا
حسناً، بل يكون ضعيفاً، وإن كان يجتمع عند العامة الغرابة مع الصحة والحسن .
وأما ثالثاً: فيحتمل أن يكون الغرض أنه حمّل ادهن قبل الإحرام وبقى أثره
بعد الإحرام، وجاز للمحرم الاد هان والتطيب قبل الإحرام بما يبقى جرمه وأثره

٤٢٦
معارف السنن
ج - ٦
بعد الإحرام عندالجمهور: أبى حنيفة والشافعى وأحمد، خلافاً لمالك ومحمد اهـ. ودليل
الجمهور حديث عائشة فى "الصحيح" قالت: ((كأنى أنظر إلى وبيص الطيب فى
مفرق رسول اللّهِ حَّ ل﴾ وهو محرم)). قال العينى فى "العمدة" (٢-٣٩): ومما يستنبط
منه: أن بقاء أثر الطيب على بدن المحرم إذا كان قد تطيب به قبل الإحرام غير
مؤثر فى إحرامه، ولا يوجب عليه كفارة، قاله الخطابى .... قلت: مذهب أبى
حنيفة وأبی یوسف مثل ما قاله الخطابى، و کر هه محمد بمایبقی عینه بعد إحرامه اهـ .
وقال فى (٤-٥١٥) ما ملخصه: احتج به أبو حذيفة و أبو يوسف وزفر،
وبه قال الشافعى و أصحابه وأحمد والثورى والأوزاعى ، وهو قول عائشة راوية
الحديث، وسعد بن أبى وقاص و ابن عباس وابن الزبير وابن جعفر وأبى
سعيد الخدرى وجماعة من التابعين بالحجاز والعراق .... وقال آخرون:
لا يجوز، وإليه ذهب محمد بن الحسن ، واختاره الطحاوى ، وهو مذهب عمر
وعثمان وابن عمر وعثمان بن أبى العاص، وإليه ذهب عطاء والزهرى و ابن جبير
وابن سيرين والحسن، وراجعها لمزيد البيان. وفى (٥-١٦): وعن مالك
يحرم ، وعنه فى وجوب الفدية قولان ، وفى " بداية المجتهد " لابن رشد
ما يدل على أن عليه الفدية، ذكره فى (باب القول فى التروك) ثم ذكر احتجاجه
والجواب عنه.
ثم إن رواية الحديث من طريق السبخى يكفى لكون الحديث ضعيفاً،
فيقول الحافظ فى "التقريب": صدوق عابد ولكنه لين الحديث كثير الخطأ. وفى
"التهذيب " عن أبى حاتم: ليس بالقوى، وعن البخارى: فى حديثه منا كير،
وقال النسائى والدار قطنى: ضعيف، وما إلى ذلك من كلمات .

٤٢٧
ماء زمزم وفضل شربه
( باب)
حدثنا : أبو كريب نا خلادبن يزيد الجعفى نا زهير بن معاوية عن
هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: (( إنها كانت تحمل من ماء زمزم وتخبر:
أن رسول اللّه عَ ل﴾ كان يحمله)).
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
_: باب :-
أخرج فيه حديث عائشة فى حمل ماء زمزم، وتفرد به الترمذى من بين
أرباب الأمهات الست ، و أخرجه الحاكم، وصححه والبيهقى، والحديث هذا دل
على جواز حمل ماء زمزم وأنه حَلالٍ كان يحمله ، فإذن هوسنة مطلوبة، وقد
أخرج الطبرى فى "القرى" عدة روايات من رواية الأزرق وأبى موسى
المدنى والواقدى ما ملخصه: إنه ◌َّلُ بعث إلى سهيل بن عمرو يستهديه من ماء
زمزم فبعث إليه براويتين، وجعل عليها كراً غوطياً. "والكر" جنس من ثياب
غلاظ. وعن عطاء: (( إن كعب الأحبار كان يحمل معه من ماء زمزم ويتزوده
إلى الشام)»، أخرجه الطبرى عن الواقدى.
قال الشيخ قدس الله روحه: ومن فضائل شرب ماء زمزم قبول الدعاء
عند شربه، وعليه واقعة الحافظ ابن حجر ثم ابن الهمام ثم السيوطى، وذكر
حديثاً فى فضله فراجعه. أقول: وقد عقد الشيخ ابن الحمام بعد شرح قول صاحب
"الهداية": " ثم يأتى زمزم فيشرب من مائها" فصلاً طويلاً نفيساً فى فضل
مائها وما يدور حولها، وذكرفيه: أن عبدالله بن المبارك شربه لعطش يوم القيامة.
وعن جماعة من العلماء: أنهم شربوه لمقاصد فحصلت، منهم صاحب ابن عيينة

ج - ٦
معارف السنن
(باب)
حدثقاً: أحمد بن منيع ومحمد بن الوزير الواسطى، المعنى واحد، قالا نا
اسحاق بن يوسف الأزرق عن سفيان عن عبدالعزيزبن رفيع قال: ((قلت لأُنس:
حدثى بشىْ عقلته عن رسول حّله، أين صلى الظهر يوم التروية؟ قال: بمنى،
قال: قلت: وأين صلى العصر يوم النفر؟ قال: بالأبطح، ثم قال: افعل كما يفعل
أمرائك» .
المتقدم - حكاه الدينورى فى "المحالسة". والشافعى شربه للرمى، والحاكم لحسن
التصنيف . وشيخنا شهاب الدين العسقلانى شربه أولاً لأن يكون حفظه مثل
الذهبى فى الحديث، ثم بعد نحو عشرين سنة لرتبة أعلى منه، وشربه الشيخ ابن
الهمام للاستقامة والوفاة على حقيقة الإسلام معها، وذكر أن كل من سأله شيئاً
ناله، وبالله التوفيق .
وبالجملة إن شرب ماء زمزم عند بئر زمزم من جملة تلك المقامات الخمسة
عشر التى يستجاب فيها الدعاء، ذكرها ابن الهمام وغيره فى كتب المناسك، وعلم
من ذلك أن الشيخ ابن الهام من أصحاب الحافظ ابن حجر العسقلانى، فلعله أخذ عنه
والله أعلم .
-: باب :-
أخرج فيه حديث أنس فى صلاته عّلّ الظهر يوم التروية بمنى والعصر
يوم النفر بالأبطح ، والحديث هذا أخرجه الشيخان فى «صحيحيهما"، كلاما
فى الحج، البخارى فى (باب أين يصلى الظهر يوم التروية؟) وفى غيره. واسماق
واسطى، و شيخه سفيان الثوری کوفی، و عبدالعزيز بن رفيع مكى سكن الكوفة
وليس له فى "الصحيحين" غير هذا الحديث، ومعنى "عقلته" أى: أدركته

٤٢٩
مكان صلاة الظهر يوم التروية
ج - ٦
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح، يستغرب من حديث اسماق
الأزرق عن الثورى .
( آخر أبواب الحج )
وفهمته . و "النفر" هو: الرجوع من منى. و " الأبطح" هو مكان متسع بين
مكة و منى، وهو المحصب، كماتقدم تفصيله ، وذكر أبوسعد النيسابورى فى
كتاب " شرف المصطفى": أن خروجه فَ الجُ يوم التروية كان ضحى، ويدل
عليه حديث جابر الطويل، فالمستحب صلاة الظهر بمنى، وهو قول مالك
والثورى وأبى حنيفة والشافعى وأحمد و اسماق وأبى ثور، هذا ملخص ما فى
"العمدة" (٤-٦٦٧).
وقد ذكر فى "العمدة" و " الفتح"، وجوهاً فى وجه تسمية اليوم الثامن
من ذى الحجة بـ " التروية"، والمشهور أنهم كانوايروون الإبل، وذلك
لعدم وجود الماء بمنى ومزدلفة وعرفات فى ذلك العهد، و "التروية" تفعيل
من: " رويت بالماء أروى»، وبابه سمع.
هذا والحمد لله أولاً وآخراً، والصلوات والسلام على حبيهه
عبده ورسوله سيدنا محمد وآله. وأصحابه باطناً وظاهراً.

٤٣٠
تنبيه فى أدوار تأليف
"معارف السنن "
الحمد لله كما ينبغى لجلال وجهه وعظيم سلطانه ، والصلاة والسلام
على من بعثه مبشراً ونذيراً و خاتماً بإحسانه ، وعلى آله وصحبه وإخوانه .
المجلس العلمى: قام بتأسيسه الأستاذ المغفور له "محمد بن موسى ميان
الإفريقى"، وكان من أصحاب إمام العصرشيخنا رحمه الله مشغوفاً بعلو مه، وبنشر ماخص
الله إمام العصر من خصائص رائعة فى علوم النبوة من الحديث والفقه والأصول
وغيرها، هو الباعث لى على تأليف كتابى "معارف السنن"، وقد قلت فيه فى
جزء " أبواب الوتر" حيث بدأت بطبعه فى أول أمرى:
" كان شيخنا الإمام المحدث الكبير الحجة الثقة إمام العصر محمد أنور
شاه الكشميرى ثم الديوبندى رحمه الله، المتوفى سنة ١٣٥٢هـ أصبح فى عهده مسنداً
لعلوم الرواية، ومداراً فى حل مشكلات العلوم ومشكلات الأحاديث، وكان
يلفى فى تدريس ما يدرس من الأمهات: "صحيح البخارى" و "جامع الترمذى "
أبحاثاً رائعة و تحقيقات نفيسة من جميع جهات الرواية والدراية حديثاً وفقهاً،
وكل ما له صلة من بدائع مسائل العلوم ما كان نتيجة أفكاره الناضجة وآرائه
الصائبة التى قضى نحبه فى حلها وتحليل غوامضها برهة طويلة من حياته المباركة،
وكان يتصدى بأدنى صلة فى كل باب إلى فوائد سامية تساوى رحلة .
فكان أصحابه يتلقون ذلك، بيد أنه لم يكن يقوم بضبط جميع ما كان يلقيه
إلا من كان متضلعاً من العلوم روايتها ودرايتها، ذكباً متوقداً ، قوى الحدس،

٤٣١
ج - ٦
معارف، السنن
بصيراً مستيقظاً، لا يفتر لمحة عن الإصغاء، ولا يغفل طرفة عين من الإستماع ،
وقليل ما هم. ثم يحاولون كتابته بعد الفراغ من الدرس أو يقاسون العناء للكتابة
فى الدرس، وعلى كل حال لم يكن الشيخ يراعيهم بطريق الإملاء المعروف لكى
يقدروا على الضبط بالكتابة، فلم يكن هناك إملاء ولا استملاء، وإنما كانت كتابات
كالمذكرة ، فلم يكن أن يدركوا جميع ما كان يلقيه أو يضبطوا ، وكان أسرعهم
كتابة وأقدرهم ضبطاً من كان يفوت منه نحو الثلث، ولاريب أن مثله بعد
أنجحهم فى المقصود. فمن جملة ما ضبط ما كان يلقيه فى تدريس "جامع الترمذى"
ما هو مطبوع باسم "العرف الشذى"، فلا غرو إذا كان فى مثله أخطاء فى الضبط
وسهو فى التعبير ونقص فى البيان أو عدم استيفاء لسائر الأطراف، فكان أرباب
" المجلس العلمى" الذى كان من أعظم عنايته نشر علوم الشيخ وتقديمها ناصعة
الجبين إلى الأمة، يريدون أن يخدم هذا الكتاب بحيث يجبر وهنه، ويسد ثلمته،
ويشعب صدعه، ويستدرك ما فات بالمراجعة إلى المصادر والمآخذ، ذكرها الشيخ
أو لم يذكر، وبضوء تلك المراجع يرتب تلك المادة الزاخرة بتعبير واضح
وأسلوب متين، فأمرونى بالقيام إلى أعباء تلك الخدمة قبل خمس وعشرين
عاماً (١)، ونز ولاً على رغبتهم بذلت جهدی و قوتی فی استخراج کل دفین من معدنه،
والعثور على مأخذه، ولم أقصر فى تصفح الأوراق والبحث عن المظان و إن
كانت بعيدة حتى طال بى الخطب وبعدت فى المسافة، فكنت ربما أبقى فى إنشاد
ضالة ساعات بل ليالى وأياماً أقرأ مجلدات، وإذا صادفت شيئاً كنت أبتهج له
ابتهاجاً، والتزمت إخراج كل مسألة من كل كتاب أحال عليه الشيخ، فكنت
مضطراً إلى مراجعة " كتاب سيبويه" و" الرضى" شرح" الكافية" و" دلائل
الإعجاز" و "أسرار البلاغة" و" عروس الأفراح" و"كشف الأسرار"
(١) و كتبت هذا قبل نحو سبع سنين.
٨

٤٣٢
معارف السنن
ج - ٦
للبخارى شرح "أصول البزدوى" للفخر الرازى، وما إلى ذلك من أمهات كتب العلوم
والفنون، مثل اضطرارى إلى مراجعة أمهات شروح الحديث من " الفتح" و"العمدة"
وغيرهما، وفقه المذاهبكـ "شرح المهذب" و"مغنى ابن قدامة" وكتب الرجال.
ولولا شبابى ونشاطى فى البحث و شدة حرصى على إبراز جواهر الشيخ من معادنه
ومكامنه لم أكد أقوم بأعبائها، وأيم الله إن شرح كل كتاب من أمهات الحديث
كان أهون علىّ من تخريج لمثل هذا الكتاب وشرح لكل باب . ولا بأس لو
أذكر مثالين يتجلى فيها إفراغ ذلك المجهود وينكشف القناع عن محيا المقصود.
١- قال الشيخ رحمه الله فى صدد توجيه فى بعض المتعارضات من الروايات:
"إن هذا من قبيل ذكر كل ما لم يذكره الآخر"، ثم أفاد أن هذه قاعدة مهمة،
وكان من المهم أن يعتنى بها أرباب المصطلح ولكن أغفلوها، وقدتعرض لها
الحافظ فى "الفتح" فى أكثر من موضع، فأخذت فى البحث عنها فى تلك
الأجزاء الضخمة من " فتح البارى"، أتصفح كل جزء منه حتى عثرت عليها
فیالکتاب كله فوق عشرة مواضع.
٢- قال الشيخ رحمه الله فى صدد تحقيق فى اختلاف الصحابة؛ إنه صدق
الإمام أبوزيد الدبوسى حيث قال: كل مسألة اختلف فيها فقهاء الصحابة يصعب
الخروج عنها وبشكل أن ينفصل فيها النزاع" هذا ملخص ما أفاده، فأخذت
" تأسيس النظر" للدبوسى فقرأته كله فلم أجد فيه، فخطر ببالى أنه لا بد أن
يكون فى أحد كتابيه: " أسرار الخلاف" أو "تقويم الأدلة" وكلاهما مخطوط
ثم غير موجود، ثم خطر بالبال أن هذه الحوالة ربما أن يكون بواسطة أحد
الكتابين " كشف الأسرار" للشيخ عبدالعزيز البخارى، أو "شرح التحرير" لا بن
أمير الحاج، فأخذت فى مطالعتها حتى صادفت فيها جميعاً بعد قراءة قدر
كثير، فانظر بارعاك الله ! كيف بلغ بى الشوق وأخذ بى النشاط، ولله درالقائل:

ج - ٦
معارف السنن
جهد المتيم أشواق فيظهرها . دمع على صفحات الخد ينحدر
فكان من نتيجة هذا البحث أن تم كتاب الطهارة من شرح الترمذى فى
حجم أصل الكتاب كله تقريباً، وبالجملة كنت أطوى مراحله حتى انتهت فى
أواخر أبواب الحج إلى نحو ألفى صفحة بالقطع الكبير، فبقيت فى تأليفه أعواماً
واستوفيت بقية أبحاث يحتاج إليها شرح الكتاب فى التعليقات، فعبرت وصورت
و قدمت وأخرت، ولكن مع هذا كله كان نهج التأليف غير عصرى لأمور
لاداعى لذكرها ، حتى مضى على ذلك نحو خمسة عشر عاماً، ثم قمت لاستيناف
العمل ، فغيرت أشياء وزدت أشياء ، ورتبت ترتيبا عصرياً واضحاً، وأسميته :
"معارف السنن"، وراعيت فيه أموراً:
الأول: تخريج كل ما قاله الشيخ ولومن مظان بعيدة عن متناول أهل العلم .
الثانى : استيفاء كل موضوع يكون فيه للشيخ تأليف كـ "نيل الفرقدين"
و "بسط اليدين" كلا هما فى مسألة رفع اليدين، وكتاب "كشف الستر فى مسألة الوتر"
و " فصل الخطاب فى مسألة أم الكتاب" أو "نزل الرفاق شرح حديث
محمد بن اسحاق" و "خاتمة الخطاب فى فاتحة الكتاب" باللغة الفارسية بتعبير واضح
وترتيب جيد، ثم التقاط أو تلخيص فى مواضع أو شرح لغوامضه فى مواضع أخرى.
الثالث : توضيح ما أبهمه الشيخ وإيضاح ما أشار إليه بتخريج حوالات
و ضم متعلقات حرصاً على تسهيل تلك الفوائد .
الرابع : التقاط نفائس ودرر من مذكرة الشيخ المخطوطة من تعليقاته على
" آثار السنن" للنيموى أو من برنامجته المخطوطة ما تيسرلى بتخريج وتوضيح
وترتيب .

٤٣٤
معارف السنن
ج - ٦
الخامس : كلما طال موضوع وانتشر أو اتسع بحث واستغزر لخصته فى
آخر الباب تسهيلاً للتعاطى .
السادس : اجتهدت إلى الغاية فى حسن التعبير و جمال الترتيب لكى
لا یتعانى الناظر فى ترتيبه عند البيان .
السابع : أتيت ببيان المذاهب عن مصادرها الموثوقة كـ "عمدة البدر العينى"
و "مجموع النووى" و"مغنى ابن قدامة". وكم كنت أود أن لو عثرت على
كتاب أبى بكر ابن المنذر أو كتاب أبى جعفر الطحاوى أو كتاب أبى جعفر
الطبرى أو ابن نصر المروزى وغيرها من أمهات كتب الخلاف وهى كثيرة
كلها مخطوطة و معدومة ، أو أشياء غيرها يقف بها البصير المحنك والجذيل
المحكك، فلا داعى لذكرها مستوفاة، و فى سبيل الله ما لاقيت من عناء وكبد
أو سهاد وأرق .
ثم من غاية ما رغبت فيه فى هذا التأليف أشياء حيبت أن يكون هذا
الشرح متصفاً بها .
١- أوسع شرح لمذاهب الأئمة المتبوعين من مصادرها الموثوقة وبيان
تعامل الأمة .
٢- أوثق مصدر لأدلة الإمام أبى حنيفة فى الخلافيات بين الأمة .
٣- أكمل شرح "لجامع التر مذى من جهة استيفاء المباحث حديثاً وفقهاً
و أصولاً، وما إلى ذلك من مهمات علمية .
٤- أحسن شرح لحل المشكلات وتوضيح المعلقات بعبارة رائقة وأسلوب
رائع .

ج - ٦
معارف السنن
٤٣٥
٥- أجمع شرح لأقوال إمام العصر مسند الوقت الحبر البحر محمد أنور
شاه الكشميرى فى أماليه وتآليفه و مذكراته المخطوطة و المبعثرة فى مظان منتشرة .
٦- أخص كتاب لتسهيل ما تعسر من عبارات إمام العصر الكشميرى فى
رسائله من "فصل الخطاب" و"نيل الفرقدين" و "بسط اليدين" و "كشف السعر"
وغيرها .
٧- أشمل كتاب يحتوى على فوائد من شتى العلوم ونفائس الأبحاث
روايةً ودرايةً فقهاً وحديثاً عربيةً وبلاغةً .
٨- أبدع تأليف جمع بين جمال التعبير وحسن الترتيب ومتانة البحث
ورزانة البيان واستقصاء كل باب من غرر النقول لأولى الألباب .
٩- أول شرح ظهر إن شاء الله فى عالم المطبوعات فى شروح الحديث
فى هذه البلاد بورق جيد و طبع فاخر وثوب قشيب من جمال التنسيق وجودة
السبك .
١٠- مرجع وحيد لتصحيح ما وقع من الأغلاط فى ضبط أمالى الشيخ
إمام العصر فى أبحاثه و تحقيقاته من أماليه المطبوعة على عدة من الأمهات الست
كـ" فيض البارى على صحيح البخارى" أو "العرف الشذى على جامع الترمذى"
أو " القول المحمود على سنن أبى داؤد" .
وبالجملة هو بفضل اللّه وكرمه وحسن معونته وتوفيقه شرح لـ " جامع
الترمذى" أغزر مادةً وأجمل تعبيراً وأوفى بحثاً وأكثرجمعاً لغر النقول بتر تيب
أنيق .

٤٣٧
معارف السنن
ج - ٦
ومن خصائص هذا الشرح أن غرر النقول من كتب شروح الحديث والفقه
الطويلة المبسوط"، اجتنبنا عن نقلها برمتها مخافة السآمة والطول، بل جئت بها
بتلخيص جيد و تعبير واضح فى نحو ثلث الأصل، لكى يفهمه القارى من غير
ترو فى التفكير، وفى أقل وقت يجد ضالته المنشودة . ولاريب أن تلخيص مثل
كلام الحافظ ابن حجر فى كتابه " فتح البارى" أو تلخيص كلام الشيخ ابن
الحمام فى "فتح القدير" عسير جداً، ليس بأمرهين، ولا أرى بأساً بأن أذكر مثالاً
النموذج. قال الشيخ ابن الهمام فى "الفتح" (٢-٣٨١):
"واعلم أن ظاهر كلام " القدورى" و "الهداية" وغيرهما فى قولهم:
"مزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر"، وكذا: " عرفة كلها موقف إلا بطى
عرنة" أن المكانين ليسا مكان وقوف، فلو وقف فيها لا يجزيه كما لو وقف فى
منى، سواء قلنا: إن عرفة ومحسراً من عرفة ومزدلفة أو لا، وهكذا ظاهر
الحديث الذى قدمنا تخريجه، وكذا عبارة الأصل من كلام محمد. و وقع فى
" البدائع": وأما مكانه- يعنى الوقوف بمز دلفة - فجزء من أجزاء مزدلفة إلا أنه
لاینیغی أن ینزل فى وادى محسر، وروى الحديث ثم قال. ولووقف به أجزاء
مع الكراهة، وذكر مثل هذا فى بطن عرنة، أعنى قوله: " إلا أنه لا ينبغى
أن يقف فى بطن عرنة، لأنه عليه السلام نهى عن ذلك وأخبر أنه وادى الشيطان
اهـ" ولم يصرح فيه الإجزاء مع الكراهة كما صرح به فى وادى محسر، ولا
يخفى أن الكلام فيها واحد، وما ذكره غير مشهور من كلام الأصحاب، بل
الذى يقتضيه كلامهم عدم الإجزاء، وأما الذى يقتضيه النظر إن لم يكن إجماع
على عدم إجزاء الوقوف بالمكانين هو أن عرنة ووادى محمسر إن كانا من مسمى
عرفة والمشعر الحرام يجزئ الوقوف بها ويكون مكروهاً، لأن القاطع أطلق
الوقوف بمسماهما مطلقاً، و خبرالواحد منعه فى بعضه، فقيده، والزيادة عليه

٤٣٧
ج - ٦
معارف السنن
بخبر الواحد لا تجوز، فيثبت الركن بالوقوف فى مسماها مطلقاً، والوجوب فى كونه
فى غير المكانين المستثنيين وإن لم يكونا من مسماهما لا يجزئ أصلاً وهو ظاهر،
والإستثناء منقطع. فقلت: ويقول الشيخ ابن الهام فى "فتحه" (٢-٣٨١)
ما ملخصه:
إن ظاهر كلام " القدورى" و"الهداية" وغيرها: أنه لا يجزئ الوقوف
بعرفة ولا فى وادى محسر، وإنها ليسا بمكان الوقوف، هواء كان عرنة من
عرفة أو لم تكن، وسواء كان محسر من مزدلفة أو لم يكن، وهو ظاهر
الأحاديث، وهو الذى يقتضيه كلام محمد فى "المبسوط"، ولكن صرح فى
"البدائع" بالإجزاء مع الكراهة بالوقوف فى وادى محسر، ولكن لم يصرح
مثله فى الوقوف بعرفة - بالنون .. ومقتضى كلامه أن يكون مثله، وما قاله
صاحب " البدائع" خلاف ما يقتضيه كلام الأصحاب من عدم الإجزاء. والفصل
فيه: إن ثبت كون عرنة من عرفة وكون محمسر من مزدلفة صح الوقوف للعمل
بالقاطع مع الكراهة لمخالفته أخبار الآحاد وإلا فلا اهـ (١) .
قال الراقم: فعسى أن يقدرها من عافى شدائد التأليف وعنى محل
المشكلات والإتيان بالصفوة واللباب وتلخيص عبارات المحققين المتقنين البارعين.
كل ذلك بتوفيق الله وتأييده و معونته وتسديده، وهو سبحانه ولى كل نعمة،
والموفق لكل خير وسعادة، وهو حسبنا ونعم الوكيل .
وبالجملة كل هذا مع اعترافى بأن ليس لى فيه من عمل إلا تصفح الأوراق
والبحث عن المسألة فى مظانها وغير مظانها ، وهذا أمر. والثانى: اجتهادی و عنايتى
(١) وذلك فى (٦ - ٤٤٠).

ج-٦
معارف السنين
بتلخيص العبارة وقوة تعبيرها وتأثيرها فى النفوس بعبارة واضحة غير معقدة. والثالث :
جتهادى فى حسن ترتيبها وحمع المواد المنتشرة بأسلوب يعين على الحفظ والضبط
لكيلا يحتاج المطالع والمدرس إلى ترتيبها . والرابع : الإتيان بفذلكة البحث إذا
طال وانتشر، فهناك جمع ثم ترتيب ثم تعبير ثم تلخيص ، فهذه أمور أربعة. وفقنى
اللّه لها بحوله وقوته .
فهذه هى: " معارف السنن"! وما أدراك ماهى " معارف السنن"؟! شرح
الأنفاس إمام العصر المحدث الكبير الكشميرى فى درس "جامع الترمذى"، وتوضيح
لأماليه، وجمع درره المبعثرة فى مذكراته وتآليفه، بتعبير قاسيت فيه العناء
وترتيب طارلأجله الرقاد، واستيفاء لكل موضوع من غرر النقول، عثرت عليها
بعد بحث طويل، ولم نعرج فى طرق أبحاث مفروغة فى كتب القوم و تسويد
أوراق فى تعديل الرواة وجرحها ما يكفى فى مثلها مثل " تهذيب التهذيب "
أو " تقريب التهذيب" إلا إذا دعت هناك حاجة، ولاحول ولا قوة إلا بالله
العلى العظيم ..
ثم ألفت مقدمة حاوية على فوائد و أبحاث فى غاية من الأهمية، ملى بها
الفراغ الملموس من ترجمة الإمام الترمذى ترجمة واسعة، و منزلة السنة والأحاديث
النبوية فى الشريعة المحمدية، وبيان مزية الفقه فى الدين، وما إلى ذلك من فوائد
لا محيد عنها للباحث النبيه والمحدث الفقيه، والله سبحانه هو الموفق والمعين،
وهو حسبنا ونعم الوكيل .
ونسأل الله سبحانه أن يتقبله بفضله ويجعله خدمة العلم والدين، خالصاً
لوجهه الكريم، ويوفقنا لإخراج الكتاب كله وافياً فى صورة جميلة وثوب
قشيب، كما نسأل الله أن يتم نعمته علينا بإتمام بقية الشرح على هذا المنوال.

ج - ٦
معارف السنن
٨۶۶
أللهم يسر علينا كل عسير ، فإن تيسير العسير عليك يسير ، ونسألك اليسر
والمعافاة فى الدين والدنيا والآخرة .
ثم بداء تى فيه قبل إحدى وثلاثين سنة وكنت شاباً نشيطاً لا أعرف مللآ
ولا كللآ، حريصاً فى تصفح الأوراق ، لا أشعر بضجر وسآمة و تعب حيث
امتزج النصب بلذة الروح والفكر ، فكان كل مسألة ينشرح بها الصدر،
كرجل يفوز بضالته المفقودة بعد يأس وقنوط، ولكن لم تجتمع عندى مايحتاج
إليه أمثال هذه التأليفات القيمة من مراجع الكتب و مصادر البحث ومآخذ
التحقيق فى نشأة أمرى و بداءتى بالتأليف مع إكبابى وعكوفى على الدراسة،
وعدم التفرغ للتأليف، وخطب ذلك يطول، فكان مثلى كرجل يعرف السباحة
وألقى فى البحر ولكنه مكتوف اليدين ومصفود الرجلين فرمى به فى البحر مكهولاً
مغلولاً، فكيف يسبح ويصل إلى الساحل ناجياً ناجحاً، فضت على ذلك برهة
من الدهر ، ثم اجتمع عندى قدر من مراجع البحث لا يستهان به ، وأصبحت
متفرغاً للتأليف، بيد أنى مشغول البال من ناحية حياتى من بؤس وعناء، ومع
هذا فقد وصلت إلى أواخر كتاب الحج فى نحو سبع سنين مع فترات فى البين ،
ثم عاقتنى عن التأليف عوائق واضطررت إلى مغادرة البلاد وبالهجرة من الهند
إلى باكستان، وأحاطت فى أعمال وأشغال لاقبل لى بها، فخرج من قلبى قصد
الإتمام واشتغلت بدراسة للكتب وإدارة للمعهد، وتذليل الصعاب و عقبات
تحول دونها إلى أن جاء أوان طبعه .
ومن عجيب ما يحكى ومن لطيف تدبير الله عزوجل، لما طبع " جزء الوتر"
وبلغ إلى علماء الحرمين الشريفين فأعجبوا به، و وقع موقع القيول، وهب عليه
من نسماتهم ريح الصبا والقبول . ومن أعز أصدقائى وخلانى العالم الجليل الزاهد
العابد فضيلة الأستاذ الكبير الشيخ حسن محمد مشاط المالكى قد ألح على بطبع ما تم

٤٤٠
معارف السنن
ج - ٦
من الكتاب بعد إعجابه " بجزء الوتر"، فاعتذرت إليه بأنه انقلبت الأحوال
و تغيرت الظروف وأصبحت أصول الدين على وهى وخفاء، فالأمة لاتحتاج
- والظروف هذه - إلى أمثال هذه التأليفات، ثم إنى لا أقدر على نفقات الطبع،
وطبع أمثال هذه يحتاج إلى ثروة وغناء، ولم أتعود بأن أبوح بأمثال هذه الحوائج
إلى أثرياء وأغنياء ولكن زاد إصراره على وقال: ولا بد أن تعزم وتجتهد فى تيسير
الأسباب، فقد جرب أن ثلاثة أشياء من: النكاح، والحج، وطبع الكتاب،
إذا دفع الرجل إلى تدبيره ، فالله سبحانه يوفقه إلى الإنجاز ، ويمن عليه بتيسير
الأسباب، فقمت من عنده متفكراً فى الأمر، وكانت هذه المحادثة والمحاورة فى
المسجد الحرام، فأتيت البيت الحرام، وطفت لهذا الغرض الوحيد، وتشبثت بأستار الكعبة
عند الملتزم، ودعوت الله سبحانه والهاً مناجياً سائلا إن كان فى نشر هذا الكتاب
مصلحة العلم والدين ورجاء لأن تنتفع به الأمة، والحالة هذه ، فأنت القادر
على طبعه ونشره، فأنت تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، فدعوت اللّه
بمثل هذه الكلمات فيما أتذكر، ورجعت بلادى، وبمجرد وصولى جاءفى خطاب
من صديق لى صالح من آل ميان من إفريقيا الجنوبية، بحث عزمى على طبع
الكتاب ونشره، فاعتذرت إليه بما اعتذرت عند ذلك الشيخ فضيلة الأستاذ المشاط،
فأجابنى بتكفل نفقات الطباعة . ثم کتب إلى بعد سنة وما فوقها بأنه رآی رؤيا
تشرف فيها برؤية الشيخ إمام العصر رحمه الله فى رؤياً طويلة، ومن جملة ما رآه
أنه سأله عن طبع كتاب فى علم الحديث ينتفع به الأمة، فأشار إليه الشيخ بطبع
ما ألفه البنورى، وذلك فى نفس تلك الأيام التى دعوت اللّه فيها عند الملتزم،
فاستجاب الله عزوجل دعاء الملتزم، وتمثل التدبير الإلهى فى إعلام أحد عباده
بالقيام إلى نشر الكتاب، فله الحمد كما ينبغى لجلال وجهه وعظيم سلطانه .
وكنت وصلت فى التأليف إلى وسط كتاب الحج إلى الباب الخامس والأربعين،
وقد مضت برهة طويلة نحو ستة وعشرين عاماً، وكم خطر بالبال إكماله ولكن