Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
بيان الدعاء والذكر بعد الرجوع من السفر
(باب ما جاء ما يقول عند القفول من الحج والعمرة)
حدثنا على بن حجر فا إسماعيل بن ابراهيم عن أيوب عن نافع عن ابن
عمر قال: ((كن النبى ◌َّ إذا قفل من غزوة أو حج أو عمرة فعلا فدفداً
من الأرض أو شرفاً كبر ثلاثاً ثم قال: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له
له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، آئبون تائبون عابدون سائحون لربنا
حامدون ، صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده )).
و " الفتح". واستنبط منه أن إقامة ثلاثة أيام لا تخرج صاحبها عن حكم
المسافر، قاله الشهاب والبدر، وراجع لبعض التفصيل "الفتح" (٧ - ٢٠٨)
-: باب ما جاء ما يقول عند القفول من الحج والعمرة :-
أخرج الترمذى فى الباب حديث ابن عمر ، ورواه البخارى فى الجهاد فى
( باب التكبير إذا علا شرفاً )، ورواه مسلم فى الحج، ولفظ البخارى ومسلم:
((كل) أوفى على ثنية أو قدفد)) وفى روايتها: "ساجدون" بل " سائحون"،
ومعنى " سانحون" من السياحة أى سائرون للمطلوب والمقصود، ومعنى
"الشرف" بفتح الشين المعجمة والراء المهملة المفتوحتين: المكان المرتفع. ومعنى
"أوفى": علا وارتفع. و"الفدفد" بفائين مفتوحتين بينهما دال مهملة ساكنة:
الأرض الغليظة ذات الحصى ، وقيل : المكان المرتفع الصلب ، قاله الشارحون
من البدر و الشهاب والنووى . ومعنى "آثبون": راجعون
قوله: صدق الله وعده الخ. أى صدق وعده فى إظهار الدين وكون
العاقبة للمتقين وغير ذلك من وعد الله سبحانه ، إن اللّه لا يخلف الميعاد ،
وهزم الأحزاب وحده أى من غير قتال من الآدميين . والمراد " بالأحزاب "
٢٩

٤٠٢
معارف السنن
ج - ٦
وفى الباب عن البراء وأنس وجابر. قال أبو عيسى: حديث ابن عمر
حديث حسن صحيح .
( باب ما جاء فى المحرم بموت فى احرامه )
حدثنا : ابن أبى عمر نا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سعيد بن
جبير عن ابن عباس قال: (( كنا مع النبي عَلَ فى سفر فرأى رجلاً سقط
عن بعيره فوقص فمات وهو محرم، فقال رسول اللّه جَلٍ: اغسلوه بماء
وسدر وكفنوه فى ثوبيه، ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة بهل أو بلبى».
الذين اجتمعوا يوم الخندق وتحزبوا على رسول اللّه فَ له فأرسل الله عليهم
ريحاً وجنوداً لم تروها، وقيل: أحزاب الكفر فى جميع المواطن ١هـ، من
شرح النووي مختصراً .
قال الشيخ : وذكر النووى استحباب الوقف على كل جملة من هذه
الثلاثة . قال الراقم: ولعله قاله فى غير شرح " مسلم". قال الشيخ: والشافعية
لهم عناية فى ذكر الأدعية المأثورة والأذكار المروية فى الصلاة والحج فى
متونهم ، وفى كتبهم الفقه، والحنفية لا يذكرونها فى كتبهم الفقهية ( إلا
قليلاً منهم كابن الهمام فى "الفتح" ذكر من أدعية الحج قدراً كثيراً) . وصاحب
" الهداية" المرغينانى قد ألف كتاباً مستقلا فى أدعية الحج سماه " عدة الناسك
فى عدة من المناسك"، وكذلك ألف ابن عابدين وأفرده بكتاب سماه : "غنية
الناسك فى أدعية المناسك " كما فى " رد المحتار".
-: باب ما جاء فى المحرم يموت فى إحرامه :-
أخرج فى الباب حديث ابن عباس فى موت المحرم فى إحرامه، وقد اتفق
:

٤٠٣
بحث موت المحرم وبقاء إحرامه
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وهو قول سفيان الثورى
والشافعى وأحمد وإسحاق . وقال بعض أهل العلم : إذا مات المحرم انقطع إحرامه
ويصنع به ما يصنع بغير المحرم .
الشيخان على تخريجه ، البخارى فى الجنائز فى عدة أبواب، فى ( باب الكفن فى
ثوبين)، وفى (باب الحنوط للميت)، وفى (باب كيف يكفن المحرم؟). وفى
كتاب جزاء الصيد فى (باب المحرم بموت بعرفة) من طرق مختلفة بألفاظ مختلفة .
هُ و"الوقص": كسر العنق والأصح هو الثلاثى، وفى "فصيح ثعلب":
وقص الرجل ": إذا سقط عن دابته فاندقت عنقه، فهو موقوص . وفى
لفظ من الإفعال: الإيقاص، وفى آخر : الإقعاص ، وفى طريق : الإقصاع:
بتقديم الصاد على العين .
وتكفينه فى ثوبه من غیر ثالث إکراماً له كما فى الشهيد لم يزد على ثيابه،
وزاد البخارى: "ولا تحنطوه" أى: لا تمسوه حنوطاً، و"لا تخمروا رأسه"،
أى: لا تغطوها. وفى "مسلم" زاد: ((ولا وجهه)). وقال البيهقى: وذكر
الوجه وهم من بعض الرواة ، وهذا فيه نظر .
أ وقوله: ((بهل أو يلبى)) معناه: أنه يحشر يوم القيامة على هيئته التى
مات عليها ليكون ذلك علامة لحجه ، كالشهيد " يأتى وأوداجه تشخب دماً".
واحتج بهذا الحديث الشافعى وأحمد واسحاق وأهل الظاهر فى أن المحرم على
إحرامه بعد الموت، كما يقوله الترمذى، ولهذا يحرم ستر رأسه وتطيبه ، وهو
قول عثمان وعلى وابن عباس وعطاء والثورى. وذهب أبو حنيفة ومالك
والأوزاعى إلى أنه يصنع به ما يصنع بالحلال ، وهو مرور عن عائشة وابن
عمر وطاوس، لأنها عبادة شرعت فيطلت بالموت، يمصلاة والصيام، وقال

٤
٤
معارف السنن
ج - ٦
( باب ما جاء فى المحرم يشتكى عينه
فيضمدها بالصبر)
حدثنا: ابن أبى عمرنا سفيان بن عيينة عن أبوب بن موسى عن نعيم
بَّكُلُّ: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث))، كما رواه مسلم
حديث أبى هريرة ، وأجيب عن الحديث بأنه من خصائص الرجل ، وورد
على خلاف الأصل، فيقتصر على مورد النص ، ولا سيما وقد وضح أن الحكمة
فى ذلك استبقاء شعار الإحرام كاستبقاء دم الشهداء ، فالحديث ليس عاماً بل
هو فى ذلك الشخص المعين ، فهو اختصاص له وبشارة . وفى " الموطأ ":
((إن عبد الله بن عمر لما مات ابنه واقد وهو محرم كفنه وخمر وجهه ورأسه وقال:
لولا إنا محرمون لحنطناك يا واقد)). وفى "المصنف" بأسانيد جياد عن عطاء
وعن طاوس وعن الحسن وعن عامر وعن عائشة ما يدل على أنه حلال وأنه
ذهب إحرامه ، هذا كله ملخص ملتقط من " العمدة " ( ٤ - ٥٦ و ٥٧ ).
واعترض الحنفية والمالكية على الشافعى وأحمد بأن فى "مسلم": ((لا تخمروا
رأسه ولا وجهه)) مع أنكم لا تقولون بستر الوجه للمحرم فى حياته فكيف بعد
موته ؟ فأجابوا بما فى "الهداية": أن إحرام الرجل فى رأسه وإحرام المرأة
فى وجهها ، وكذلك اعترض الحنفية على الشافعية بأن فى حديث الباب غسله
بماء وسدر مع أن المحرم الحى لا يغتسل بالماء والسدر ، وهذا دليل على خصوصية
الرجل ، كذا قاله شيخنا كما فى " العرف الشذى ".
-: باب ما جاء فى المحرم يشكى عينه فيضمدها بالصبر :-
الحديث هذا أخرجه مسلم فى " صحيحه " فى كتاب الحج فى ( باب جواز

٤٠٥
بيان مداواة المحرم فى عينيه بصبر ومثله
وهب: ((إن عمر بن عبيد الله بن معمر اشتكى عينيه وهو محرم فسأل أبان بن
عثمان ؟ فقال: اضمدها بالصبر فإنى سمعت عثمان بن عفان يذكره عن رسول
اللّهَ حَ ل يقول: اضمدها بالصبر)).
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح: والعمل على هذا عند أهل
العلم ، لا يرون بأساً أن يتداوى المحرم بدواء ما لم يكن فيه طيب .
مداواة المحرم عينيه ) من حديث عثمان بن عفان . و " الضمد " من باب
"ضرب" و "نصر"، ومن باب التفعيل، فى الأصل هو: الشد بالضماد،
والضمادة وهى العصابة، ثم استعمل فى خلط الدواء بمائع فيمرخ ويطلى بالعضو
المئوف. فإن كان تخيناً يسمى بالضماد ، وإن كان رقيقاً مائعاً يقال له: الطلاء.
والغرض أن يسحق الصبر ويخلط بالماء فيقطر فى العين ، فيكون هو القطور
إذن ، هذا ملخص ما علمناه من كتب الطب واللغة .
و " الصبر" ككتف بفتح الصاد المهملة وكسر الباء ، وربما يسكن فى
ضرورة الشعر . قال فى "القاموس": عصارة شجر مر، وزاد فى " التاج":
نبات الصبر كنبات السوسن الأخضر غير أن ورق الصبر أطول وأعرض وأنخن
كثيراً .. وأجوده السقوطرى ، قال الراقم: ويسمى بالأردوية: " إيلوا"،
وهو فى غاية المرارة ملين نافع. قال الشاعر :
لا تحسب المحد تمراً أنت تأكله . لن تلعق المجد حتى تلعق الصبرا
وأما حكمه للمحرم فقال الإمام النووى فى شرح "مسلم" (١ - ٣٨٣):
اتفق العلماء على جواز تضميد العين وغيرها بالصبر ونحوه مما ليس بطيب ولا
فدية فى ذلك.، فإن احتاج إلى ما فيه طيب جاز له فعله وعليه الهدية . قال :
واتفق العلماء على أن للمحرم أن يكتحل بكحل لا طيب فيه إذا احتاج إليه

ج - ٦
معارف السنن
(باب ما جاء فى المحرم يحلق رأسه فى
أحرامه ما عليه )
حدثنا: ابن أبى عمر نا سفيان بن عيينة عن أبوب وابن أبى نجيح وحيد
الأعرج وعبد الكريم عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن كعب بن
عجرة: ((إن النبى معَظلم مر به وهو بالحديبية قبل أن يدخل مكة وهو محرم
وهو يوقد تحت قدر والقمل يتهافت على وجهه فقال : أتؤذيك هوامك هذه ؟
فقال: نعم، فقال: احلق وأطعم فرقاً بين ستة مساكين - والفرق ثلاثة آصع -
أو صم ثلاثة أيام. أو انسك نسيكة، قال ابن أبى نجيح: أو اذبح شاة)).
ولا فدية عليه وأما الاكتحال للزينة فمكروه عند الشافعى وآخرين ، ومنعه
جماعة، منهم أحمد واسماق. وفى مذهب مالك قولان كالمذهبين ، وفى إيجاب
الفدية بذلك عندهم خلاف ، والله أعلم ، ومثل مذهب الشافعى فيه مذهب
أبى حنيفة رحمها الله .
وهذا الباب غير مذكور فى "العرف الشذى"
-: باب ما جاء فى المحرم يحلق رأسه فى إحرامه ما عليه :-
أخرج فى الباب حديث كعب بن عجرة ، وهو حديث متفق عليه من
" واية "الصحيحين"، أخرجه البخارى فى كتاب المحصر ومسلم فى الحج،
ولفظ "البخارى": ((احلق رأسك، أوصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين.
أو أنسك بشاة))، وقد استوفى البدر العبنى ألفاظ سائر الروايات فى الصحاح السنة
وغيرها استيفاءً بالغاً فى " العمدة" (٥ - ٤٩ و٥٠)
قوله : أنوذيك هوامك هذه ؟ هذا سؤال عن تحقيق العلة التى عليها مدار

٤٠٧
بحث حلق المحرم الرأس وفديته
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. والعمل على هذا عند أهل العلم
من أصحاب النبي ◌ٍَّ وغيرهم: أن المحرم إذا حلق أو لبس من الثياب ما
لا ينبغى له أن يلبس فى إحرامه أو تطيب فعليه الكفارة بمثل ما روى عن
التى بية
الحكم ، فلما أخبره بالمشقة أمره بالحلق. و "الهوام" بتشديد المم جمع: «هامة "
وهى ما تدب من الأحناش، وتسمى: الأخشاش. وهى: حشرات الأرض ،
وأريد بها ما يلازم جسد الإنسان غالباً إذا طال عهده بالتنظيف، وقد وقع فى
الرواية هذه نفسها: ((والقمل يتهافت)) فهو المراد بها هنا، و"التهافت" من
"الهفت" بسكون الفاء، وهو: تساقط الثنى قطعة قطعة كالثلج والرذاذ ونحوهما .
حَذَه العينى عن "المحكم".
و " القمل" بفتح القاف ومكون الميم: ما يتولد فى بدن الإنسان من
العرق والوسخ من دويبة، تسمى بالفارسية. "سيس"، وبالأردوية: "جوير)".
و "الفرق" بفتح الفاء وسكون الرأء وفتحها : مكيال معرف تع ثلاثة
أصوع، فيكون لكل مسكين نصف صاع. وهل هو من القمح أومطلقاً؟ فيه
خلاف فى المذاهب. والقياس فى جمع الصاع: " أصوع"، كما ذكره ابن مكتى
فى " تثقيف اللسان"، وذكر أن " آصع" من خطأ العوام ولكن ثبت فى
الرواية ، ولعله على القلب. فيكون وزنه أعفل ، والصاع يذكر ويؤنث .
ودل الحديث على جواز الحلق للمحرم عند الضرورة وتجب عليه الكفارة
المذكورة فى الآية وفى الحديث. وهذا أمر مجمع عليه فى الأمة ، وفى معناه
عند الأئمة جميعاً حلق شعر غير الرأس لاشتراك العلة إلا فى رواية عن مالك
( م - ٨٠)

٤٠٨
معارف السنن
ج - ٦
( باب ما جاء فى الرخصة للرعاة أن برموا
يوماً وبدعوا يوماً )
وإلا عند داود الظاهرى ، فيختص بشعر الرأس فى وجوب الفدية ، وأمره
بالحلق بأن يحلق بنفسه، وذلك جائز عند الكل، نعم لو حلق المحرم شعر حلال
فعليه صدقة عند أبى حنيفة ، وعند مالك والشافعى وأحمد : لا تجب . وإن حلق
رأسه من غير ضرورة فعليه الدم عند أبى حنيفة والشافعى وأصحابهما ، وعليه
الفدية عند مالك كما ذكر أبو عمر فى " الاستذكار ". وقد اتفقوا على التخبير
بين الأمور الثلاثة من غير فضيلة فى تقديم أحد الأنواع ، وهو نص القرآن الكريم،
وعليه الفقهاء فى الأمصار .
ثم إن مذهب الجمهور أن الإطعام لستة مساكين. ولا يجزئ أقل منها،
وروى عن أبى حنيفة جواز الدفع إلى مسكين واحد. ونصف الصاع لكل
مسكين من كل شئ من قمح وشعير وتمر مذهب مالك والشافعى وأحمد وعند
أبى حنيفة والثورى مخصوص بالقمح ، وما عداه فصاع ، وهو رواية عن
أحمد. وحكى ابن عبد البر رواية عن أبى حنيفة مثل الجمهور، واستثنى العراقى
من عموم التخيير فى كفارة الأذى العبد إذا احتاج إلى الحلق فعليه الصوم فقط ،
هذا كله من الجزء الخامس من "العمدة " ملتقطاً بعضه وملخصاً بعضه، وشئى
قليل من "الفتح" من الرابع، ومن شاء التفصيل فليراجعها .
وهذا الباب مثل السابق غير مذكور فى "العرف الشذى"
-: باب ما جاء فى الرخصة للرعاة أن يرموا يوماً ويدعوا يوماً : -
أخرج فيه حديث عاصم بن عدى من طريقين، من طريق ابن عيينة ومن

٤٠٩
بيان الرخصة للرعاة فى رمى الجمار بأن يتركوا يوماً فى البين
حدثنا: ابن أبى عمر نا سفيان عن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو
ابن حزم عن أبيه عن أبى البداح بن عدى عن أبيه: ((إن النبىٍ عَّ رخص
للرعاء أن يرموا يوماً ويدعوا يوماً)).
طريق مالك، ورجح رواية مالك على رواية ابن عيينة . والحديث أخرجه النسائى
فى ( باب رمى الرعاة ) ، وأبو داود فى (باب رمى الجمار ) فى " سننيها ".
والحديث أيضاً أخرجه مالك فى "موطئه " والشافعى فى " مسنده" وأحمد فى
" مسنده " وابن حبان والحاكم .
ودل الحديث على أن ترك المبيت بمنى فى ليالى منى إنما هو رخصة لأجل
هذا العذر، وهى رعى الجمال وحفاظة المال مثل ما رخص للعباس لأجل السقاية.
والمبيت بمنى فى هذه الليالى سنة مؤكدة عند أبى حنيفة وأحمد فى أصح الروايتين،
وواجب عند مالك والشافعى كما فى "مغنى ابن قدامة" وغيره، فإن ترك المبيت
فقال محمد بن الحسن فى "موطئه": فهو مكروه ولا كفارة عليه، وهو قول
أبى حنيفة والعامة من فقهائنا اهـ. وقال ابن قدامة فى "المغني" (٣ - ٤٤٩):
لا شئ عليه وقد أساء، وهو قول أصحاب الرأى اهـ. وعند مالك دم فى ترك
ليلة واحدة ، وعند الشافعى دم فى ترك ثلاث ليال ، وفى ليلة درهم ، وفى
ليلتين درهمان، كما فى " معالم السنن" للخطابى (٢ - ٢٠٩).
ثم ههنا مسألتان: مسألة ترك المبيت بمنى ليالى منى، ومسألة تأخير رمى
الجمار عن وقته المسنون ، فوقعت الرخصة بنص الحديث للرعاة فى الأمرين
معاً ، وتأخير الرمى بغير مثل هذا العذر فيه دم عند أبى حنيفة كما فى " المؤطا
لمحمد " ، نعم التأخير من وقته نهاراً إلى الليلة الآتية قبل الفجر لا يلزم فيه
الدم . نعم خلاف الأولى بغير عذر، فإن الليل القابلة فى المناسك فى حكم النهار

٤١٠
معارف السنن
ج -. ٦
قال أبو عيسى: هكذا روى ابن عيينة ، ورى مالك بن أنس عن عبد اللّه
ابن أبى بكر عن أبيه عن أبى البداح بن عاصم بن عدى عن أبيه .
الغابر الماضى كما فى الوقوف وغيره .
قال شيخنا رحمه الله - كما فى "العرف الشدى" بتغيير يسير فى : الرعاة
هم رخصة فى رمى الجمار كل يوم وجمع رمى ليومين فى يوم من غير لزوم الفدية عند
مالك والشافعى وأحمد وصاحبى أبى حنيفة . ويجب الجزاء عند أبى حنيفة بالتأخير
بغير عذر . ثم الجمع جمع تقديم أو جمع تأخير، ولكن الجمهور على جمع التأخير
دون التقديم إلا ما يوهمه رواية فى "موطأ مالك " من جواز جمع التقديم ،
وسيأتى شرح الحديث . وكتب المالكية على عدم جواز التقديم . ثم نسب صاحب
" البحر " إلى " البدائع" عدم لزوم الجزاء بترك واجب، ولم أجد التصريح فى
" البدائع". نعم يفهم ذلك منه. وفى بعض الكتب: أنه لا جزاء فى ستة
واجبات إذا تركت بعذر، وجمعتها فى شعر فقلت :
صدر وجمع وزور قبل إمساء
سعی وحلق ومشى عند طوفهما
من العوارض فقد قالوا بإجزاء
من واجبات ولکن حیث ما ترکت ·
وذكروا أن ترك هذه السنة ثبت بالنص، فلا يجب بتركها الجزاء، فتأخير
الرمى أيضاً منصوص ، فإذن لا يجب فيه الجزاء . وعبارة " الهداية " توجبه
الجزاء مطلقاً ، وإليه تشير عبارة محمد فى " مؤطئه " حيث أوجب الجزاء
مطلقاً عند أبى حنيفة ، ولم يقيده بعذر أو بغير عذر. وما ذكره الشيخ اللكنوى
فى حاشيته نقلاً عن " البناية " البدر العينى فجوابه ليس فى هذا السياق وإنما
هو فى سياق آخر .
والواضح فى الجواب عن حديث الباب على مذهب أبى حنيفة : أن

٤١١
بحث ربى الرعاة - وعدم وجوب الفدية فى الترك فى أشياء
ورواية مالك أصح ، وقد رخص قوم من أهل العلم الرعاة أن يرموا يوماً
ويدعوا يوماً ، وهو قول الشافعى .
الرخصة وقعت لأمرين مخافة ضياع المال ورعى الإبل ، أو يحمل على رواية
الحسن بن زياد من تأخير رمى الحادى عشر إلى اليوم الثانى عشر إلى ما بعد
طلوع الفجرية. هذا ملخص ما أفاده الشيخ رحمه اللّه كما نقل فى " العرف
الشذى"، ولا حاجة إلى تخريج كل حرف من كلامه بعد ما ذكرنا أولاً .
لا يقول الخطابى فى "معالم السنن" (٢ - ٢١٢) فى حديث عاصم بن
عدى: وهذا رخصة رخصها رسول اللّه عَّ ل﴾ للرعاء، لأنهم مضطرون إلى
حفظ أموالهم ، فلو أخذوا بالمقام والمبيت بمنى ضاعت أموالهم ، وليس حكم
غيرهم فى هذا كحكمهم اهـ. وفى "البدائع" (٢ - ١٣٤): وإذا كان -
السعى - واجباً فإن تركه لعذر فلا شى عليه وإن تركه لغير عذر لزمه دم ،
لأن هذا حكم ترك الواجب فى هذا الباب الخ. ويقول فى ( ٢ - ١٤٢) ...
وهذا أصل عندنا فى كل نسك جاز تركه لعذر أنه لا يجب بتركه من المعذور
كفارة، والله أعلم اهـ. وما ذكره الشيخ من الأشياء الستة من الواجبات فى
شعره ما لا يجب بتركها دم من أجل العذر: السعى بين الصفا والمروة، والمشى
بالأرجل فى الطواف والسعى بأن لا يركب ولا يحمل . وحلق الرأس للتحلل ،
وطواف الصدر، والجمع بين صلاتي المغرب والعشاء بمز دلفة ، وطواف الزيارة
قبل غروب الثانى عشر من ذى الحجة، فهذه ستة، فيجب بتركها الدم من
غير عذر، وبالعذر لا شئ عليه، وتفصيلها ظاهر من كتب المناسك وكتب الفقه .
قوله : وراية مالك أصح. يحتمل أن يكون وجه الأصحية أن الراوى عنه
حَ ظٍّ فى رواية ابن عيينة هو: عدى، حيث عن أبى البداح عن أبيه، والراوى

٤١٢
معارف السنن
ج - ٦
حدثنا: الحسن بن على الخلال نا عبد الرزاق نا مالك بن أنس قال حدثنى
عبد الله بن أبى بكر عن أبيه عن أبى البداح بن عاصم بن عدى عن أبيه قال:
((رخص رسول اللّه عَّله لرعاء الإبل فى البيوتة أن يرموا يوم النحر ثم يجمعوا
فى رواية مالك هو: عاصم بن عدى ، وعامة الروايات تؤيد رواية مالك
الإمام، ولكن هذا القدر لا يكفى، وأنه غير ظاهر حيث من قال: "من أبى البداح
ابن عدى" فقد نسبه إلى جده ، كما يقول الحافظ فى " التلخيص"، وكما يقوله
البيهقى، كما حكاه الزرقانى فى شرح "الموطأ"، وكثيراً ما ينسب تارةً" إلى
الأب، وتارةً إلى الجد ، ويحتمل أن يكون الوجه هو ما يظهر من نقل الزرقانى
من أن رواية الترمذى وأبى داود من طريق سفيان عن عبد الله ومحمد بن
أبى بكر عن أبيهما عن أبى البداح بن عدى، ورواية ابن ماجه من طريق سفيان
عن عبد الله بن بكر عن عبد الملك بن أبى بكر عن أبى البداح، فكأنه وقع
سقط فى نسخة " الترمذى" التى بين أيدينا ، فإذن وجه ترجيح رواية مالك
من عدم ذكر عبد الملك فى البين، وذكره فى رواية ابن عيينة هو هذا لا غير.
وبقول الزرقانى: وأما زعم أن تصحيحه لقوله ابن عاصم و قول سفيان بن عدى،
والرد على الترمذى بأن النسبة إلى الجد سائغ "أنا ابن عبدالمطلب" فليس بشى إذ هذا
لا يخفى على الترمذى، وكونه لم يذكر الاختلاف لا يدل على أنه لم يره اهـ .
وهذا الذى يقوله شيخنا إمام العصر، كما حكاه فى " العرف الشذى"، فيقول
ما ملخصه : فأقول : كيف الفرق بين رواية مالك ورواية ابن عبينة، والقول
بأن فى سند ابن عيينة " عن أبى البداح بن عدى" وفى رواية مالك " عن أبى
البداح بن عاصم بن عدى"، وهذا القدر لا يكفى للترجيح، وإن كان الترجيح
من جهة المتن، فهذا أيضاً غير ظاهر ، بل الترجيح من جهة المتن يكون لرواية
ابن عيينة ، فإن رواية مالك فيها كلمة توهم مخالفة جمهور الأئمة ، ورواية

بحث فى تحقيق روايتى مالك والثورى فى مسألة الرمى
رمى يومين بعد النحر فيرمونه فى أحدهما . قال مالك: ظننت أنه قال: فى
الأول منها ثم يرمون يوم النفر )) .
ابن عيينة ليس فيها ما يوهم خلاف الجمهور
وبالجملة لم أجد وجهاً شافياً لترجيح رواية مالك على رواية ابن عيينة اهـ:
فهذا كلام واضح لا غبار عليه ، وعلى ما ذكره الزرقانى ظهر وجه الترجيح
بالنسبة إلى إسناد الترمذى فى غير هذه النسخة التى بأيدينا ، فصاحب "التحفة"
الشيخ المباركفورى رد على عبارة " العرف الشذى" ذهاباً إلى ما رده الزرقانى
فلم يقف على ما قاله الزرقانى وإلا لم يقل ما قاله . ويا ليت لو وفق إلى الرد
النزيه العلمى يرد بقلم بقطر منه الشحناء بلسان بقطر منه البغضاء ، فرحم الله
من أنصف وسوى الميزان والله المستعان .
) ثم أقول: إن رواية ابن عيينة يدل على ترك الرمى يوماً ولم يدل على الرمى
ليومين، ورواية مالك لا يدل على ترك يوم بل للرمى فى اليوم ليومين . فربما
يكون هذا وجهاً للترجيح فى المتن أيضاً لرواية مالك ، والله أعلم .
قوله : قال مالك : ظننت أنه قال فى الأول منهما .
هذا يصرح بجواز الرمى ليومين تقديماً ، ولم يقل به أحد كما قال شيخنا ،
وهو خلاف ما قاله فى "مؤطئه" حيث بقول: قال مالك: تفسير هذا الحديث
.... أنهم يرمون يوم النحر، فإذا مضى اليوم الذى يلى يوم النحر رموا من
الغد ، وذلك يوم النفر الأول ، فيرمون اليوم الذى مضى ثم يرمون ليومهم ،
لأنه لا يقضى أحد شيئاً حتى يجب عليه ، فإذا وجب عليه ومضى كان القضاء
بعد ذلك اهـ .
قال شيخنا : فليؤول قوله: "فى الأول منهما" بالترك فى الأول منها

٤١٤
معارف السنن
ج - ٦
وهذا حديث حسن صحيح. وهو أصح من حديث ابن عيينة عن عبد الله
ابن أبى بكر .
(باب)
والقضاء فى الثانى، ولا يراد الرمى فى الأول اهـ. وإذن يتحد مآل قوليه ، أى
قوله فى "مؤطئه" وقوله فى "الترمذى". قال الشيخ: وغالب ظنى - بل أقطع -
أن هذه الرواية فيها سهو من الراوى، والصحيح رواية أحد فى "مسنده»،
وفيه : "قال مالك: ظننت أنه فى الآخر منها". قلت: وهذا هو الموافق لما قاله
فى "الموطأ" واضحاً مفسراً. ورواية " مسند أحمد" (١٢ - ٢٢٢) من
ترتيب " المسند " للساعاتى .
وبالجملة لفظ الحديث ظاهره غير مراد وغير واضح، ولذا احتاج مالك
إلى تفسيره ، فظاهره أنه يدل على أنه يرمون يوم النحر جمرة العقبة ثم يرمون
الثلاث يوم النحر ليومين بعده ، ولا ريب أنه غير مراد ، وكذا ما يوجمه من
الرمى فى الغد بعد يوم النحر لليوم الثانى والثالث تقديماً. وهذا أيضاً غير مراد،
فالمراد الصحيح ما قاله فى "موطئه"، وما رواه عنه أحمد فى "مسنده "
فثبتت للرعاء الرخصة فى المبيت خارج منى حيث يمكن لهم حفظ إبلهم ورعيها
لتشاغل الناس بنسكهم عنها، ولا يمكنهم الجمع بين رعيها وبين الرمى والميت،
فجاز لهم ترك المبيت للعذر والرمى على الصفة المذكورة . قال الخطابى فى
" معالمه" (٢ - ٢١٢): وقال الشافعى نحواً من قول مالك . قال الخطانى:
وقال بعضهم : هم بالخيار، إن شاءوا قدموا وإن شاءوا أخروا اهـ . فلعل
هناك قائلاً بجواز التقديم والله أعلم .
-: باب :-
لم يترجم المؤلف الإمام ، والغرض عن الحديث هو الإبهام فى الإحرام

٤١٥٠
بحث الإبهام فى الإحرام عند الأئمة
حدثنا: عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال حدثنى أبى ذا
سليم بن حيان قال سمعت مروان الأصفر عن أنس بن مالك: ((إن علياً قدم
على رسول اللّه عَّي من اليمن فقال: بما أهللت؟ قال : أهللت بما أهل به
رسول اللّه ◌َ ا﴾. قال: لولا أن معى هدياً لأحللت))
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه
وحديث الباب أخرجه الشيخان في " صحيحيهما"، كلاهما فى الحج. البخارى
فى (باب من أهل زمن التَى عَلَّ كَإهلال النبى معَِّه)، وفى الباب حديث
أبى موسى الأشعرى عندهما .
دل حديث الباب على جواز الإحرام بالنية المبهمة، وهو مذهب أبى حنيفة
والشافعى، وما قاله النووى: "وفى هذا دليل لمذهب الشافعى ومن وافقه ...
ولا يجوز عند سائر العلماء والأئمة اهـ " فغير صحيح، فكتب الحنفية فى الفقه
وفى المناسك كلها مصرحة بالجواز، غير أنه يجب على المحرم التعيين قبل الشروع
فى أفعال العمرة أو الحج. وهو مذهب أحمد كما هو فى " مغنى ابن قدامة"
(٣ - ٢٨٥): قال: ويصح إبهام الإحرام الخ. وهو مذهب مالك كما
فى "أقرب المسالك" وشرحه حيث قال: وهو أى الإحرام نية أحد النسكين
أو هما أو أبهم ، نعم ذكر صاحب " بلغة السالك " فى إحرام الشخص كإحرام
زيد فيه قولان .
وبالجملة مذهب أبى حنيفة ومالك وأحمد مثل مذهب الشافعى فى جواز
الإبهام فى الإحرام ، فكيف يقول الإمام النووى: ولا يجوز عند سائر العلماء ،
وكذا ما يقوله الحافظ ابن حجر، فيقول فى "الفتح" (٣ - ٣٣٠): وأما
(م - ٨١ )

٤١٦
معارف السننُ
ج -..
( باب ما جاء فى يوم الحج الأكبر )
حدثنا : عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث نا أبى عن أبيه عن
محمد بن اسحاق عن أبى إسحاق عن الحارث عن على قال: ((سألت رسول الله
عَلي عن يوم الحج الأكبر ؟ فقال: يوم النحر)) .
مطلق الإحرام على الإبهام فهو جائز .... يقول: وهذا قول الجمهور ،
وعن المالكية لا يصح على الإبهام وهو قول الكوفيين اهـ. هذا وفى " البدائع"
(٢ - ١٦٣): ولو لبى ينوى الإحرام ولانية له فى حج ولا عمرة مضى فى
أيهما شاء ما لم يطف بالبيت أشواطاً، فإن طاف شوطاً كان إحرامه عن العمرة،
ثم استدل برواية على وأبى موسى .... ثم قال: فصار هذا أصلاً فى انعقاد
الإحرام بالمجهول الخ .
وبالجملة فالمسألة فى إبهام الإحرام أو الإحرام المجهول مسألة اتفاقية بين
الأئمة الأربعة .
-: باب ما جاء فى يوم الحج الأكبر :-
أخرج فى الباب حديث على من طريق محمد بن اسحاق بالعنعنة، وعنعنته غير
مقبولة، وفيه الحارث الأعور وهو ضعيف. ثم اختلف فى الحديث رفعاً ووقفاً،
ورواه ابن عيينة موقوفاً . قال الترمذى: وهذا أصبح، والحديث هذا تفرد به
الإمام الترمذى من بين أرباب الأمهات الست .
نعم أخرج البخارى فى " صحيحه" فى معناه حديث ابن عمر فى ( باب
الخطبة أيام منى) قال: ((وقف النبى عَ لٍ يوم النحر بين الجمرات فى الحجة
التى حج بهذا وقال: هذا يوم الحج الأكبر، فطفق النبى وَّلُ يقول: " أللهم

٤١٧
بيان الحج الأكبر وتعيينه
حدثنا: ابن أبى عمر ذا سفيان بن عيينة عن أبى اسماق عن الحارث عن
حلى قال: (( يوم الحج الأكبر يوم النحر))، ولم يرفعه.
وهذا أصح من الحديث الأول، ورواية ابن عيينة موقوفاً أصح من
رواية محمد بن اسحاق مرفوعاً .
اشهد " وودع الناس، فقالوا: هذه حجة الوداع . ووقع فى حديث أبى هريرة
فى "الصحيح" فى ( باب "كيف ينبذ إلى أهل العهد؟ ) قال: بعثنى أبو بكر
فيمن بؤذن يوم النحر .... إلى أن قال: ويوم الحج الأكبر يوم النحر .
وعزاه الحافظ العينى إلى أبى داود ، وهو فى " الصحيح" فليتنبه. أنظر
"الصحيح" من الجهاد (١ - ٤٥١). وقد استوفى البدر العينى فى " العمدة"
(٤ - ٧٦٢) جميع ما ورد فى هذا الباب فراجعها إن شئت
ثم "لحج الأكبر" اختلفوا فى تفسيره؟ فقيل: الحج هو: الحج الأكبر،
والعمرة يقال لها : الحج الأصغر. وقيل: الحج الأكبر هو الذى كان رسول
اللّه بحّ واقفاً فيه، وقيل: عرفة، وقيل غير هذا. أنظر " العمدة" (٤ -
٧٦٢). وحديث الباب يؤيد القول الأول، وراجع لإستيفاء الروايات
" الدر المنثور" (٣ - ٢١١ و٢١٢). ولخصها ابن كثير فى " تفسيره "
فى "سورة براءة". وذكر العينى فى " العمدة " ( ٧ - ٢٠٦): ويوم
الحج الأكبر يوم النحر، هذا قول مالك وجماعة من الفقهاء ، وفيه عرفة ،
وإنما قيل: "الأكبر" لأجل قول الناس: "الحج الأصغر" اهـ.
وبالجملة ليس الحج الأكبر فى تعبير القرآن والحديث ما اشتهر على ألسنة
العامة من أن الحج الأكبر ما كان فيه الوقوف بعرفة يوم الجمعة . نعم له فضل
كبير يدل عليه رواية عن طلحة بن عبيد الله بن كريز - بفتح الكاف وكسر
٢٥

٤١٨
معارف السنن
ج - ٦
قال أبو عيسى : هكذا روى غير واحد من الحفاظ عن أبى اسماق عن
الحارث عن على موقوفاً .
الراء - أن رسول اللّه بَّلالم قال: ((أفضل الأيام يوم عرفة وافق يوم جمعة،
وهو أفضل بن سبعين حجة فى غير جمعة)) ، أخرجه رزين فى " تجريد
الصحاح"، وعليه علامة " الموطأ". قال الحافظ المحب الطبرى فى " القرى"
( ص - ٣٧٢): ولم أره فى "موطأ يحيى بن يحيى الليثى الأندلسى" فلعله
فى غيره من المؤطآت .
قال : وذكر أبو طالب المكى فى كتابه الموسوم بـ "قوت القلوب"
عن بعض السلف أنه قال: إذا وافق يوم عرفة يوم جمعة غفر لكل أهل الموقف،
وقد صح أن النبى ◌َّلم وقف فيه فى حجة الوداع الخ . وجمع اللّه سبحانه
هذه الفضيلة الشامخة لسيدنا الرسول عليه صلوات الله وسلامه بأن كان وقوفه
بعرفة يوم الجمعة، واستدارة الزمان على تاريخ صحيح كبدئه فى الأيام مع عمل
النسبى الذى شوش نظام الدين كل ذلك من شواهده وآياته، ونزول آية إكمال
الدين وإتمام النعمة ، وكل ذلك ذكرى من الذكريات الربانية الإلهية، تدل
على أن الله سراً خفياً وحكمة بديعة خفية فى اجتماع هذه المزية ، ولله فى خلقه
شئون ، وفى حكمه ظهور وبطون .
وطلحة بن عبيد الله بن كريز تابعى، يروى عن ابن عمر وأبى الدرداء
وأم الدرداء وعائشة والحسين بن على والزهرى ، وهو من أقرانه . وقال ابن
سعد: كان قليل الحديث . وقال أحمد والنسائى: ثقة ، وذكره ابن حبان فى
الثقات ، كما فى "التهذيب". فالحديث مرسل ، والمرسل مقبول ، ثم هو فى
الفضائل لا فى الأحكام ، وباب الفضائل أوسع، وفضل اللّه أرجى، واجتماع

٤١٩
بحث استلام الركنين
( باب ما جاء فى استلام الركنين )
حدثنا: قتيبة ناجرير عن عطاء بن السائب عن ابن عبيد بن عمير عن
أبيه: ((إن ابن عمر كان يزاحم على الركنين، فقلت: يا أبا عبد الرحمن!
إنك تزاحم على الركنين زحاماً، ما أربت أحداً من أصحاب النبي حَ اله زاحم
سيد أيام الأسبوع وأفضل أيام السنة لا بد أن يكون له فضل كبير ، وغمز
الحافظ إياه فى " الفتح" بالضعف فيه نظر، والله أعلم .
وأفرد هذا الموضوع الشيخ على القارى برسالة سماها : "الحظ الأوفر
فى الحج الأكبر"، وقد طبعت هذه الرسالة فى ضمن تعليقات القاضى حسين
عبد الغنى " إرشاد السارى إلى مناسك القارى" (ص - ٣١٦ - ٣٢٢) فراجعها
إن شئت .
-: باب ما جاء فى استلام الركنين :-
أخرج فى الباب حديث عبيد بن عمير عن ابن عمر، وقد أخرجه النسائى
مختصراً فى " سننه" فى فضل الطواف بالبيت ، وابن عبيد بن عمير هو :
عبد الله كما هو فى رواية "النسائى"، وعبيد بن عمير بالتصغير فيها، ويكنى: أبا
عاصم ، وهو الليثى الحجازى قاضى أهل مكة ، ولد فى زمن رسول الله
عَ ل٣، ويقال: رآه، وهو معدود فى كبار التابعين، سمع جماعة من الصحابة،
وروى عنه نفر من التابعين، ومات قبل ابن عمر. حكاه القارى فى " المرقاة "
عن مؤلف " المشكاة".
ومعنى "يزاحم": يغالب، والمفعول المطلق للتأكيد، أى زحاماً عظيماً.
ثم هو يحتمل فى الأشواط كلها أو فى الشوطين: الأول والآخر، فإنها آكد .

٤٢٠
معارف السنن
ج - ٦
عليه؟ فقال: إن أفعل فإنى سمعت رسول اللّه عَّالٍّ يقول: "إن مسحها
كفارة للخطايا"، وسمعته يقول: " من طاف بهذا البيت أسبوعاً فأحصاه كان
كعتق رقبة "، وسمعته يقول: " لا يضع قدماً ولا يرفع أخرى إلا حط
الله عنه بها خطيئة، وكتبت له بها حسنة")).
قال أبو عيسى : وروى حماد بن زيد عن عطاء بن السائب عن ابن عبيد
ابن عمير عن ابن عمر نحوه، ولم يذكر فيه عن أبيه . وهذا حديث حسن .
والشافعى فى "الأم" يقول: ولا أحب الزحام فى الاستلام إلا فى بدء الطواف
وآخره، وأريد به ما لا يتأذى به أحد. وروى الشافعى وأحمد: أنه عَّ التّ قال
لعمر : "إنك رجل قوى لا تزاحم على الحجر فتؤذى الضعيف، إن وجدت
خلوة فاستلمه وإلا فاستقبله وهلل وكبر)) . وما يفعله العوام من الزحام بحيث
يؤذى الأنام ، فهو موجب لزيادة الآثام . هذا ملخص ما قاله القارى فى
" المرقاة" (٣ - ٢١٠)، وراجعه للتفصيل. وحديث ابن عمر هذا رواه
الحاكم وقال: صحيح الإسناد، حكاه فى "العمدة" (٤ - ٦٢٢ ). ثم المسنون
استلام الركنين اليمانيين عند الجمهور، وهو مذهب ابن عباس وعمر بن الخطاب،
قال ابن المنذر : أكثر أهل العلم لا يسن استلام الركنين الشاميين ، ومذهب
معاوية وابن الزبير وجابر بن عبد الله والحسنين وأنس وجابر بن زيد وعروة
كلها ، والشاميين ليسا بركنين أصليين ، فلو رفع
وسويد بن غفلة استلام
جدار الحجر وتم القواعد على بناء ابراهيم لكان يستلمان ، كما حكاه العينى عن
الأسود فيه فضيلتان : كون الحجر الأسود فيه ، وكونه على
التیمی . ثم
قواعد ابراهيم عليه الصلاة والسلام، والمانى فيه فضيلة واحدة: الثانية، والشاميين
ليس فيها شى منهما ، كذا فى " العمدة" و " الفتح".
واستحب بعضهم تقبيل الركن اليمانى أيضاً، وذكره الطرابلسى وغيره