Indexed OCR Text

Pages 241-260

المذاهب فى الرمى ، هل هو راكباً أو ماشياً ؟
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد رواه بعضهم عن عبيد الله
ولم يرفعه ، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم ، وقال بعضهم: يركب
يوم النحر ويمشى فى الأيام التى بعد يوم النحر .
قال أبو عيسى: وكأن من قال هذا إنما أراد اتباع النبى عَ لّ فى فعله،
لأنه إنما روى عن النبى ◌ّ: ((أنه ركب يوم النحر حيث ذهب يرمى الجمار
ولا يرمى يوم النحر إلا جمرة العقبة)).
راكباً ؟ فقلت : راجلة، فخطأنى، ثم قلت: راكباً، فخطأنى، ثم قال :
ما كان يوقف عندها فالأفضل أن يرميها راجلا، وما لا يوقف عندها فالأفضل
أن يرميها راكباً، قال: فخرجت من عنده فما بلغت الباب حتى سمعت صراخ
النساء أنه قد توفى إلى رحمة الله ، فلو كان شئ أفضل من مذاكرة العلم لاشتغل
به فى هذه الحالة ، لأن هذه الحالة حالة الندامة والحسرة اهـ . وحكاه ابن
الهمام ولفظه فى الآخر : فتعجبت من حرصه على العلم فى مثل هذه الحالة اهـ .
وذكر صاحب " البحر": أن قول أبى حنيفة ومحمد على ما فى " الخافية":
أن الرمى كله أفضل راكباً ، وعلى ما فى " الظهيرية": ماشياً، قال: ورجح
ابن الهمام ما فى "الظهيرية" لقربه إلى التواضع والخشوع، ورميه حليم راكباً
ليقتدى به كطوافه راكباً ، انتهى ملخصاً ، وراجع للتفصيل "فتح ابن الهمام"
(٢ - ٣٩٥).
وقال النووى فى " شرح المهذب" (٨ - ٢٤٢) ما ملخصه : المستحب
الرمى فى اليومين ماشياً ، وفى الثالث راكباً بعد الزوال ، وعليه جماهير
الأصحاب، ونص الشافعى فى " الإملاء". وما ذكره المتولى من أن
الصحيح : الرمى ماشياً فى الأيام الثلاثة فغير صحيح، وما استدل به من حديث
14

٢٤٢
معارف السنن
ج - ٦
( باب كيف ترمى الجمار؟ )
حدثنا : يوسف بن عيسى نا وكيع نا المسعودى عن جامع بن شداد أبى صفرة
ابن عمر عند أبى داود والبيهقى ففيه عبد الله العمرى، وهو ضعيف، والصحيح
ما رواه الترمذى من حديث ابن عمر بإسناد على شرط الشيخين اهـ .
وقال ابن قدامة ما تلخيصه : الرمى يوم النحر راكباً أو ماشياً سواء ،
وبقية الأيام يكون ماشياً. ويستفاد من كتب المالكية كـ " أقرب المسالك"
وشرحه : ندب يوم النحر راكباً وفى بقيته ماشياً ، فتلخص من هذا أن مذهب
أبى حنيفة ومالك متقارب، ويقرب إليهما مذهب أحمد ، فاتفقوا على استحباب
الركوب يوم النحر، واختلفوا فى البقية، والنووى فى شرح مسلم فصل تفصيلاً
غير هذا ، وجعل مذهب مالك والشافعى فى يوم النحر : أن من وصل إليه
راكباً فراكباً أفضل ، ومن وصل ماشياً فماشياً أفضل ، فراجعه والله أعلم .
-: باب كيف ترمى الجمار؟ :-
أخرج فى الباب حديث ابن مسعود من طريق المسعودى، وهو: عبد الرحمن
ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود الكوفى، وأخرجه من طريقه ابن ماجه وفيه :
(واستقبل الكعبة))، وقد أخرجه البخارى من غير طريق المسعودى مخالفاً متنه من
متن الترمذى ، فدل لفظ الترمذى على أنه استقبل القبلة ، والبخارى لفظه :
(( فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه))، ومثله عند مسلم والنسائى وغيرهما .
قال الحافظ فى " الفتح" (٤ - ٤٦٤): وهو الصحيح، وهذا - أى ما
رواه الترمذى - شاذ، فى إسناده المسعودى وقد اختلط اهـ . وأخرج أيضاً فيه
حديث عائشة ، وقد أخرجه الدارمى فى " مسنده " وأبو داود فى " سننه "

اں
بيان المحل المندوب لرمي الجمار
٢٤٣
عن عبد الرحمن بن يزيد قال: ((لما أتى عبد اللّه جممرة العقبة استبطن الوادى
واستقبل الكعبة وجعل يرمى الجمرة على حاجبه الأيمن ، ثم رمى بسبع حصيات
وقد أجمعوا على أنه من حيث رماها جاز سواء استقبلها أو جعلها عن يمينه أو
يساره أو من فوقها أو من أسفلها أو وسطها ؟ والإختلاف فى الأفضل ، قاله
الحافظ ابن حجر . فالأفضل عند الجمهور الکیفیة التى وردت فى حديث ابن
مسعود عند البخارى وغيره . قال ابن بطال : رمى جمرة العقبة من حيث تيسر
من العقبة من أسفلها أو أعلاها أو أوسطها ، كل ذلك واسع، والموضع الذى
يختار بها بطن الوادى من أجل حديث ابن مسعود ، وكان عبد الله يرميها من
بطن الوادى ، وبه قال عطاء وسالم ، وهو قول الثورى والشافعى وأحمد
واسحاق. وقال مالك: رميها من أسفلها أحب إلى. وقد روى عن عمر بالت:
((أنه جاء والزحام عند الجمرة فصعد فرماها من فوقها ١هـ))، كذا فى "العمدة"
(٤ - ٧٦٧ ) . وأما الجمرة الأولى والثانية فيرمى مستقبل القبلة عندهم جميعاً
ندباً لا وجوباً .
: استبطن الوادى، أى وقف فى بطن الوادى .
قوله : بسبع حصيات . قال العينى: الحصبات - بفتح الصاد والباء - جمع
حصاة ، وهو الصواب بخلاف ما وقع فى رواية أبى الحسن : "حصابات".
قال : واستفاد منه أن الرمى لا بد أن يكون بسبع حصيات ، وهو قول أكثر
العلماء ، وذهب عطاء إلى أنه : إن رمى بخمس أجزأه، وقال مجاهد: إن رمى
بست فلا شى عليه، وبه قال أحمد واسحاق ..... والصحيح الذى عليه
الجمهور : أن الواجب سبع كما هو فى حديث ابن مسعود وجابر وابن عباس
وابن عمر وغيرهم ، وما روى عن سعد بن مالك عند النسائى خلافه ، فهو

٤٤ ٢
معارف السنن
ج - ٦
يكبر مع كل حصاة ، ثم قال: والله الذى لا إله غيره من ههنا رمى الذى أنزلت
عليه " سورة البقرة " )).
حدثنا : هناد نا وكيع عن المسعودى بهذا الإسناد نحوه .
قال : وفى الباب عن الفضل بن عباس وابن عباس وابن عمر وجابر .
قال أبو عيسى: حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح . والعمل على هذا
ليس بمسند ، وما روى عن ابن عباس عند النسائى وأبى داود فهو بالشك ،
فلا يقابل الجزم . ومن رمى بأقل من سبع فالجمهور أن عليه دماً ، وهو قول
مالك والأوزاعى ، وذهب الشافعى وأبو ثور إلى أن على تارك حصاة مداً من
طعام ، وفى اثنتين مدين، وفى ثلاث فأكثر دماً ، وله قولان آخران . وذهب
أبو حنيفة وصاحباه إلى أنه إن ترك أكثر من نصف الجمرات الثلاث فعليه
دم ، وإن ترك أقل من نصفها ففى كل حصاة نصف صاع .... واختلفوا
فيمن رمى سبع حصيات مرة واحدة، فقال مالك وأبو حنيفة والشافعى: لا يجزيه
إلا عن حصاة واحدة، وكذلك مذهب أبى حنيفة فى " المحيط"، كما ذكره
صاحب "التوضيح" وأتبعه الحافظ وغيره، واقتدى صاحب "تحفة الأحوذي"،
وهو غلط من مذهب أبى حنيفة ، نبه عليه البدر العينى .
قوله : أنزلت عليه "سورة البقرة". قال البدر العينى فى " العمدة"
٠
( ٤ - ٧٦٧): حلف ابن مسعود من غير داع لذلك لأجل تأكيد كلامه ،
وذلك أنه لما سمع من عبد الرحمن بن يزيد ما نقل عن هؤلاء الذين يرمون جمرة
. العقبة من فوق الوادى على خلاف ما يفعله الشارع صعب عليه ذلك وكرهه
منهم وأنكر عليهم غاية الإنكار ، حتى ألجأه ذلك إلى اليمين . ثم الحكمة فى
ذكر ابن مسعود ! " سورة البقرة " دون غيرها من السور وإن كان قد أنزل

٢٤٠
بیان الأذ کار عند رمي الجمار
عند أهل العلم ، يختارون أن يرمى الرجل من بطن الوادى بسبع حصيات ويكبر
مع كل حصاة ، وقد رخص بعض أهل العلم إن لم يمكنه أن يرمى من بطئ
الوادى رمى من حيث قدر عليه وإن لم يكن فى بطن الوادى .
حدثنا : نصر بن على الجهضمی وعلى بں خشرم قالا نا عيسى بن يونس
عن عبيد الله بن أبى زياد عن القاسم بن محمد عن عائشة عن النبى عَلي قال:
((إنما جعل رمى الجمار والسعى بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله)).
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح
عليه كل السور: أن معظم المناسك مذكور فى " سورة البقرة" ، فكأنه قال:
من هنا رمى من أنزل عليه أمور المناسك ، وأخذ عنه الشرع، فهو أولى وأحق
بالاتباع ممن رمى الجمرة من فوقها اهـ .
قوله : يكبر مع كل حصاة . التكبير مع كل حصاة أجمعوا على استحبابه
كما حكاه القاضى عياض ، ولو ترك التكبير أجزأه إجماعاً، ولكن بعضهم
بعده واجباً . وقال أصحابنا : يكبر مع كل حصاة ويقول: " بسم الله والله
أكبر " رغماً للشيطان وحزبه . وكان على يقول: " أللهم اهدنى بالهدى ونقى
بالتقوى واجعل الآخرة خيراً لى من الأولى"، وكان ابن مسعود وابن عمر
يقولان : " اللهم اجعله حجاً مبروراً وذنباً مغفوراً وسعياً مشكوراً"، وقال
ابن القاسم : فإن سبح فلا شى عليه انتهى ببعض الإختصار .
قوله: لإقامة ذكر اللّه. بريد حيل أن الرمى والسعى إنهما أفعال ليس
ظاهرها عبادة، ولكن الغرض فيهما أيضاً إقامة شعائر الله وذكر الله، فليكن أمام
الحاج أن هذا ذكر فعلى . هذا ملخص ما قال على القارى فى " مرقاته " .

٢٤٦
معارف السنن
.ج - ٦
(باب ما جاء فى كراهية طرد الناس عند رمي الجمار)
حدثنا : أحمد بن منيع نا مروان بن معاوية عن أيمن بن نابل عن قدامة
ابن عبد اللّه قال: ((رأيت النبى معَّ الهيرمي الجمار على ناقته ليس ضرب ولا طرد
ولا " إليك إليك ")).
وفى الباب عن عبد الله بن حنظلة . قال أبو عيسى : حديث قدامة بن
عبد الله حديث حسن صحيح، وإنما يعرف هذا الحديث من هذا الوجه ، وهو ..
حديث حسن صحيح . وأيمن بن نابل هو ثقة عند أهل الحديث .
(٣ - ٢٣٠)، وراجعه للتفصيل وما ذكره من الطيى والغزالى.
-: باب ما جاء فى كراهية طرد الناس عند رمى الجمار :-
أخرج فى الباب حديث قدامة بن عبد اللّه ،! وقد أخرجه النسائى فى
" باب الرکوب إلى الجار» ، وابن ماجه فى "باب رمى الجمار راكباً"، ولفظ
النسائى فيه زيادة: ((قال: رأيت رسول الله عَلّه يرمى جمرة العقبة يوم النحر
على ناقة له صهباء الخ)). فكان هذا الرمى رمى جمرة العقبة يوم النحر وكان راكباً
على ناقته الصهباء، ومثله عند ابن ماجه، والغرض منه أنه نحّلهم على سجيته
المتواضعة كان يرمى من غير أن يكون هناك ضرب الناقة أو طرد للناس أو
قول: "إليك إليك"، وهو اسم فعل بمعنى: تنح عن الطريق، فلا فعل صدر
للضرب والطرد ، ولا قول ظهر للإبعاد والتنحية .
والضرب: منع بالعنف ، والطرد : دفع باللطف . والتكرير فى " إليك"
للتأكيد، وهذا ملخص ما قاله الطبى وابن حجر الهيتمى على نقل القارى
والسندى مع زيادة وإيضاح. كل هذا كما فى بقية الروايات فى كيفية سيره فى

٢٤٧
فيان المشى بالسكينة عند الإفاضة من عرفات والاشتراك فى الدفة
( باب ما جاء فى الاشتراك فى البدنة والبقرة )
بقية المواقع، فأفاض رسول اللّهِ وَله من عرفة وعليه السكينة وقال: ((يا أيها
الناس عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بايجاف الخيل والإبل)»، كما فى حديث
ابن عباس، وفى حديث أسامة: ((كان يسير العنق، فإذا وجد فجوةً نص)).
ولفظ حديث ابن عباس فى "الصحيح": ((فسمع النبى ◌َا} وراءه زجراً
شديداً وضرباً للإبل ، فأشار إليهم بسوطه وقال : أيها الناس عليكم بالسكينة ،
فإن البر ليس بالإيضاع)) .
والراوى الصحابى: قدامة ، بالضم والتخفيف ، أسهم قديماً وسكن مكة
ولم يهاجر، وشهد حجة الوداع، حكاه فى " المرقاة" عن مؤلف " المشكاة".
و "الصهباء " التى بخالط بياضها حمرةً بأن يحمر أعلى الوبر وتبيض
أجوافه. وقال الطبى: الصهبة كالشقره. وهذا الباب غير مذكور فى " العرف
الشذى " .
-: باب ما جاء فى الاشتراك فى البدنة والبقرة :-
أخرج فى الباب حديث جابر بنّ، وقد أخرجه مسلم فى " صحيحه ".
وأخرج حديث ابن عباس النسائى وابن ماجه . والبدنة : ناقة أو بقرة
تتحر بمكة ، وجمعها : بدن ، سميت بذلك لأنهم كانوا يسمنونها ، والبدن :
التسمين والاكتناز، وبدن - بالتخفيف - من باب " كرم»: إذا ضخم،
وبدن - بالتشديد - : إذا أسن وضعف ، وقيل : من الإبل خاصة عندهم .
وقال الداودى: قيل: تكون من البقر أيضاً، وهذا نقل عن الخليل اهـ .
وخصت فى الاصطلاح بالإبل المهداة إلى الحرم . وبالجملة: عند الجوهرى فى
(م - ٦١)

٢٤٨
معارف السنن
ج - ٦
"الصحاح": البدنة بعم الناقة والبقرة من جهة اللغة، وإن كان مخصوصاً من
جهة اللغة فيلحق البقرة بها حكماً لحديث: (( جعل البدنة عن سبعة ، والبقرة عن
سبعة))، وإليه ذهب الإمام أبو حنيفة، وبقية الأئمة يخصونها بالإبل ، هذا
ملخص ما فى " أحكام الجصاص الرازى" و"عمدة العينى" و" فتح الشهاب
العسقلانى" و "صماح الجوهرى" و"تاج الزبيدى" .
ثم إنه اتفق أبو حنيفة والثورى والأوزاعى والشافعى وأحمد واسماق على
أنه لا تجزى البدنة والبقرة عن أكثر من سبعة، ولا الشاة عن أكثر من واحد.
وعند المالكية تجوز البدنة والبقرة عن أكثر من سبعة إذا كانت ملكاً لرجل
واحد وضحى بها عن نفسه وأهله، كما فى "العمدة" (٤ - ٧٠١).
وقال فى ( ٤ - ٧٢٥): واعلم أن الشاة لا تجزىْ إلا عن واحد، وأنها أقل.
ما يجب، وذكر بعض شراح "الهداية": أنه إجماع. وقال الكاكى: وقال
مالك وأحمد والليث والأوزاعى : تجوز الشاة عن أهل بيت واحد الخ ومثله
فى " المغنى" لابن قدامة. وذكر قبله فى إجزاء البدنة والبقرة عن سبعة:
وهذا قول أكثر أهل العلم ، روى ذلك عن على وابن عمر وابن مسعود وابن
عباس وعائشة رضى الله عنهم ، وبه قال عطاء وطاوس وسالم والحسن وعمرو
ابن دينار والثورى والأوزاعى والشافعى وأبو ثور وأصحاب الرأى ... وعن
سعيد بن المسيب: إن الجزورعن عشرة والبقرة عن سبعة، وبه قال اسماق لما روى
رافع: ((أن النبي ◌َّ الج قسم فعدل عشرة من الغنم ببعير)) متفق عليه. وعن ابن
عباس قال: ((كنا مع رسول اللّه حَ لّ فى سفر فحضر الأضحى، فاشتركنا
فى الجزور عن عشرة والبقرة عن سبعة))، رواه ابن ماجه . ثم ذكر الاستدلال
للجمهور بحديث جابر، وهو حديث الباب، رواه مسلم ، وأجاب عن حديث
رافع بأنه ليس فى الأضحية ، بل فى القسمة ، وحديث مسلم أصح من حديث

٢٤٩
بقية بيان الاشتراك فى الجزور والبقر
حدثنا: قتيبة نا مالك بن أنس عن أبى الزبير عن جابر قال : ((نحرنا
مع رسول اللّه عَّاللي عام الحديبية البقرة عن سبعة والبدنة عن سبعة)).
وفى الباب عن ابن عمر وأبى هريرة وعائشة وابن عباس . قال أبو عيسى:
حديث جابر حديث حسن صحيح . والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب
النبى عَ ليه وغيرهم: يرون الجزور عن سبعة والبقرة عن سبعة، وهو قول
سفيان الثورى والشافعى وأحمد، وروى عن ابن عباس عن النبى نَّ اللّ: أن
البقرة عن سبعة والجزور عن عشرة، وهو قول اسحاق، واحتج بهذا الحديث،
وحديث ابن عباس إنما نعرفه من وجه واحد .
ابن ماجه والترمذى .
قال الراقم: وفى إسناد ابن ماجه: هدية بن عبد الوهاب المروزى صدوق،
ربما يهم، لم يخرج عنه غير ابن ماجه، وأيضاً فيه حسين بن واقد ثقة له أوهام
كما فى " التقريب"، وأنكر أحمد حديثه كما فى "التهذيب"، وحسين بن واقد
موجود فى إسناد الترمذى أيضاً ، ولذا قال الترمذى فيه : حسن غريب
وراجع لبعض الجهات الأخرى " الفتح" (٣ - ٤٢٧ ) الحافظ .
ويقول شيخنا رحمه اللّه مجيباً عن مستدل ابن راهويه : بأنها واقعة حال
لا عموم لها ، ولا يعلم تفاصيلها ، فالأخذ بالضابطة العامة أقوى . والحديث دل
على أن الواقعة كان فى السفر، ولا تجب الأضحية على المسافر ، فإذن الذج عن
العشرة تطوع. أو يكون هذه القسمة للأكل ، أو يقال : يمكن أن يكون
هذا فى أول الأمر ثم استقر أخيراً على أن البدنة عن سبعة .
قوله : نحرنا. النحر يكون فى اللبة ، كما أن الذيح يكون فى الحلق،

جـ
ج . - ٦
معارف السنن
حدثنا : الحسين بن حريث وغير واحد قالوا نا الفضل بن موسى عن
حسين بن واقد عن علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس قال: (( كنا
مع النّىِ نَّ﴾ فى سفر فحضر الأضحى، فاشتركنا فى البقرة سبعة وفى
الجزور عشرة)).
قال أبوعيسى: هذا حديث حسن غريب، وهو حديث حسين بن واقد .
( باب ما جاء فى أشعار البدن )
فالذبج هو: قطع العروق التى فى أعلى العنق تحت اللحيين . وفى الحديث دليل
العلماء على أن نحر البقرة جائز، وإن كان الذيح مستحب عندهم ، لقوله تعالى:
( إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرةً O). وخالف الحسن بن صالح فاستحب
نحرها، وقال مالك: إن ذبح الجزور من غير ضرورة أو نحر الشاة من غير ضرورة
لم تؤكل ، وكان مجاهد يستحب نحر البقرة، والحديث ورد بلفظ " النحر"،
كما فى الباب، وورد بلفظ الذيح، وعليه ترجمة البخارى ، وقال القدورى :
المستحب فى الإبل النحر ، فإن ذبحها جاز ويكره ، وإنما يكره فعله لا
المذبوح ، كذا فى " العمدة " ( ٤ - ٤٢٤) باختصار .
وبالجملة النحر أولى لذى العنق الطويل كالإبل فى الأنعام والبط فى
الطيور، وسر ذلك أن ذلك الموضع يكون مجمع العروق ، فبقطعها نخرج الدم
بسرعة ، وتنتهى الحياة فى أقرب وقت، ففيه نجاة الحيوان من تعذيبه وإراحة له
فى إخراج روحه بسهولة، ولعل البقر يستوى فيه النحر والذيح بالنسبة إلى
قطع عروقها وأوداجها .
-: باب ما جاء فى إشعار البدن :-
أخرج فى الباب حديث ابن عباس ، وأخرجه مسلم وأبو داود .

٢٥١
بحث الإشعار وبيان المذاهب
حدثنا : أبو كريب ناوكيع عن هشام الدستوائى عن قتادة عن أبى حسان
الأعرج عن ابن عباس: (إن النبى معَّ ل قلد فعلين وأشعر الهدى فى الشق
الأيمن بذى الحليفة وأماط عنه الدم )) .
ول حديث الباب على مشروعية إشعار البدن، ودل عليه حديث المسور
ابن مخرمة وأشار إليه الترمذى، وقد ذكره البخارى موصولاً ومعلقاً، وثبت
ذلك من حديث عائشة عند البخارى وغيره .
والإشعار لغةً: الإعلام، وفى إصطلاح المحدثين: أن يكشط جلد البدنة
حتى يسيل دم، ثم يسلته فيكون ذلك علامة على كونها هدياً. ثم هو فى صفحة
سنامها اليمنى أو اليسرى أو مطلقاً ؟ أقوال، وقد ذهب إليه الجمهور، وإلى
أنها سنة ، وهو مذهب مالك والشافعى وأحمد، ويروى عن أبى يوسف ومحمد
ابن الحسن : بأنه حسن ، ويروى عن " اختلاف العلماء" الطحاوى كراهته
عن أبى حنيفة ، ولكن الطحاوى فى " شرح معانى الآثار" - وهو أشهر كتبه
متداول بين أهل العلم سلفاً وخلفاً ، والطحاوى أعلم الناس بمذاهب الفقهاء
خصوصاً بمذهب إمامه أبى حنيفة - يقول: لم يكره أبو حنيفة أصل الإشعار،
ولا كونه سنة ، وإنما كره ما يفعل على وجه يخاف منه هلاك البدن لسرابة
الجرح، ولاسيما فى حر الحجاز مع الطعن بالسنان أو الشفرة ، فأراد سد الباب
على العامة ، لأنهم لا يراعون الحد فى ذلك ، وأما من وقف على الحد فقطع
الجلد دون الحم فلا يكرهه، وذكر الكرمانى صاحب "المناسك" عنه استحسانه،
قال: وهو الأصح، لاسيما إذا كان بمبضع أو نحوه، فيصير كالفصد والحجامة .
وذكر ابن أبى شيبة فى " مصنفه" بأسانيد جيدة عن عائشة وابن عباس:
((إن شئت فأشعر وإن شئت فلا)). هذا ملخص ما ذكره البدر والشهاب،

٢٥٢
معارف السنن
ج - ٦
وفى الباب عن المسور بن مخرمة . قال أبو عيسى : حديث ابن عباس
حديث حسن صحيح . وأبو حسان الأعرج اسمه: مسلم . والعمل على هذا عند
أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّ وغيرهم، يرون الإشعار، وهو قول الثورى
ويقول الشهاب : ويتعين الرجوع إلى ما قال الطحاوى، فإنه أعلم من غيره
بأقوال أصحابه اهـ. وابن حزم فى " محلاه" قد شدد النكير على أبى حنيفة
كعادته فى الأخذ على الأئمة ، وكافح البدر العينى عن الإمام ورد قوله فى
" العمدة" (٤ - ٧١٢) وقال : حاشا من أهل الإنصاف أن يصدر
منهم ما لا يليق ذكره فى حق الأئمة الأجلاء الخ. والحافظ فضل الله التوربشتى
الحنفى فى شرح " المصابيح" لشيخه الإمام البغوى الشافعى كلام جيد متين فى
المسألة أحكيها بنصه وفصه عن حاشية " نصب الرأية" و "التعليق الصبيح"
للشيخ الکاندلوى .
قلت: وقد كان هذا الصنيع - إشعار الهدى - معمولاً به قبل الإسلام ،
وذلك أن القوم كانوا أصحاب غارات ، لا يتناهون عن الغصب والنهب ولا
يتماسكون عنه ، وكانوا مع ذلك يعظمون البيت وما أهدى إليه ، ولا يرون
التعرض لمن حجه أو اعتمر، فكانوا يعلمون الهدايا بالإشعار والتقليد ، وذلك
بأن بقلدوها فعلا أو عروة أو مزادة أو لحاء شجرة لئلا يتعرض لها متعرض .
فلمإ جاء الله بالإسلام أقر ذلك بغير المعنى الذى ذكرناه ، بل ليكون مشعراً
بالخروج ما أشعر عن ملك من يتقرب إلى اللّه تعالى، وليعلم أنه هدى، فإن
نفر لم يركب ولم يحلب ولم يختلط بالأموال ولم يتصرف فيه كما يتصرف فى
اللقطة، وإن عطب لم يؤكل منه إلا على الوجه الذى شرع .
هذا وقد اختلف فى الإشعار بالطعن وبإسالة الدم ، فرآه الجمهور، ونفر
عنه نفر يسير، وقد صادفت بعض علماء الحديث بشدد فى النكير على من يأباه

: ٢٥٣
بحث الإشعار ووجه عدم القول بالإشعار من الإمام
والشافعى وأحمد واسماق . قال: سمعت يوسف بن عيسى يقول: سمعت وكيماً.
حتى أفضى به مقاله إلى الطعن فيه والإدعاء بأنه عائد رسول اللّه حَلامٍ فى
قبول سنته، ويغفر الله لهذا الفرح بما عنده كيف سوغ الطعن فى أئمة الاجتهاد ،
وهم اللّ يكدحون ، وعن سنة نبيه يتناضلون ، فأنى يظن بهم ذلك ! أو لم
يدر أن سبيل المجتهد غير سبيل الناقل، وأن ليس للمجتهد أن يتسارع إلى قبول
النقل والعمل به إلا بعد السبك والإتقان وتصفح العلل والأسباب. فلعله على
من ذلك ما لم يعلمه ، أو فهم منه ما لم يفهمه ، وأقصى ما يرى به المجتهد فى
قضيته يوجد فيها حديث مخالف أن يقال : لم يبلغه الحديث، أو بلغه من طريق
لم ير قبوله ، مع أن الطاعن لو قيض له ذوقهم فألقى إليه القول من معادنه وفى
نصابه، وقال: إن النبى عَل ساق بعض هديه من ذى الحليفة وساق بعضه
من قديد ، وأتى على رضى الله عنه ببعضها من اليمن ، فجميع ما ساق النبى:
وَلّ إلى البيت إما ست وثلاثون أو سبع وثلاثون بدنة، والإشعار لم يذكر
إلا فى واحدة منها .
وقد روى أيضاً عن ابن عمر رضى الله عنها: ((إن النبى بعد الج اشترى
هديه من قديد))، وقديد قرية بين مكة والمدينة، وبينهما وبين ذى الحليفة مسافة
بعيدة. فلا يحتمل أن يتأمل المجتهد فى فعل النبي ◌ٍَّّ فيرى أن النبى ◌َّلجّ إنما أقام
الإشعار فى واحدة ثم تركه فى البقية حيث رآى الترك أولى، لاسيما والترك آخر الأمرين،
واكتفى عن الإشعار بالتقليد، لأنه يسد مسده فى المعنى المطلوب منه، والإشعار
يجهد البدنة"، وفيه ما لا يخفى من أذية الحيوان ، وقد نهى عن ذلك قولاً ثم
استغنى عنه بالتقليد، ولعله مع هذه الاحتمالات رآى القول بذلك أن التى عَلَا؟
حج، وقد حصره الجمع الغفير ، ولم يرو حديث الإشعار إلا شرذمة قليلون ،
رواه ابن عباس ولفظ حديثه على ما ذكرنا ، ورواه المسور بن مخرمة ، وفى

٢٥٤
معارف السنن
ج - ٦
يقول حين روى هذا الحديث فقال : لاتنظروا إلى قول أهل الرأى فى هذا ،
حديثه ذكر الإشعار من غير تعرض للصيغة . ثم إن المسور وإن لم ينكر فضله
وفقهه فإنه ولد بعد الهجرة بسنتين ، وروته عائشة ، وحديثها ذلك أوردها
المؤلف فى هذا الباب ، ولفظ حديثها: (( فتلت قلائد بدن النبى {{{$ بيدى ،
ثم قلدها وأشعرها وأهداها، فما حرم عليه شى كان أحل له))، ولم يتعلق هذا
الحديث بحجة النبى فَلي، وإنما كان ذلك عام حج أبو بكر رضى الله عنه،
والمشركون يومئذ كانوا يحضرون الموسم ثم نهوا. وروى عن ابن عمر: أنه أشعر
الهدى ولم يرفعه، فنظر المجتهد إلى تلك العلل والأسباب. ورآى على كراهة
الإشعار جمعاً من التابعين، فذهب إلى ما ذهب ليسارع فى العذر قبل مسارعته فى
اللوم وإلا أسمع نفسه: " ليس بعشك (هذا) فادرجى"، والله يغفر لنا ولهم،
ويجيرنا من الهوى فإنه شريك العمى اهـ .
وبالجملة لو ثبت عن الإمام أبى حنيفة القول بالكراهة تبعاً لمن سبقه من
بعض التابعين، وملاحظة لما دار حول الموضوع من بحث وتحقيق ، فلا لوم
عليه ، وهذا وجهه ، ويمكن أن يكون رجع عن قوله ثم آل أمره إلى ما اتفق
عليه الجمهور، كما يحتمل أن يكون رجع عن قول الجمهور ، واستقر على ما
آل إليه اجتهاده بعد طول البحث إلى ما هداه أدلة الفقه والنظر. وتأول
الشيخ الإمام أبو منصور الماتريدى فى القول بالكراهة فقال : إنما كره ابثاره
على التقليد كإيثار الكتابية على المسلمة ، حكاه الشيخ سعدى جلبى فى حاشيته على
"العناية" و"الهداية". بيد أن الجادة المثلى السكون إلى قوله الذى عليه السلف
والخلف لئلا تتسع ساحة الخلاف ، ويرجح ما تبادر من الروايات من غير
تنطع، والله ولى التوفيق .
قوله: أهل الرأى. الرأى فى اصطلاح القدماء هو الفقه، وهو المراد فى

تحقيق أن " أهل الرأى" هو لقب أبى حنيفة وأصحابه لغاية الفقه ٢٥٥.
الإمام ربيعة الرأى، وهو الإمام ابن عبد الرحمن التيمى المدنى شيخ مالك ، سمى
بذلك لاختصاصه بالفقه حيث كان صاحب الفتوى بالمدينة ، ولأجل هذا كان
يقول مالك لما توفى رحمه الله: " ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة" كما فى -
" التهذيب". وكلمة : عبيد اللّه بن عمر فيه فى " التهذيب": "هو صاحب
معضلاتنا وأعلمنا وأفضلنا أهـ" يشير إلى تلك الخصوصية. ومنه " هلال الرأى»
وهو الإمام ابن أحمد ، وقيل: محمد البصرى الفقيه المحدث، آخر من روى عن
أبى مسلم الكجى بالبصرة ، كما فى "الجواهر" للقرشى نقلا عن "ميزان الذهبى"،
اشتهر بذلك اللقب لاختصاصه بالفقه بين محدثى البصرة . ويطلق الحافظ ابن
تيمية فى تصانيفه " أهل الرأى" على "الفقهاء" إلا أن أول إطلاق هذا اللفظ على
أبى حنيفة وأصحابه، لأنهم دونوا الفقه المجرد، وسبقوا فى استنباط أحكام النوازل
من النصوص ، وأصبح الناس عالةً على أبى حنيفة وأصحابه ، كما يقول الإمام
الشافعى: "الناس كلهم فى الفقه عيال على أبى حنيفة"، كما حكاه ابن عبد البر
فى "الإنتقاء" عن أبى عبيد وحرملة وغيرهما . ويقول الشافعى: من أراد
أن يتبحر فى الفقه فليلزم أصحاب أبى حنيفة ، كما يحكيه الإمام البزدوى فى آخر
" أصوله"، فاختصوا بهذا اللقب من بين سائر الفقهاء، كمالك والثورى
والأوزاعى وغيرهم . والحافظ أبو عمر ابن عبد البر من أجل هذا سمى كتابه :
" الإستذكار لمذاهب علماء الأمصار لما فى المؤطأ من معانى الرأى والآثار" .
وبالجملة كان هذا لقباً لمدحهم ، لأجل براعتهم وتفوقهم فى الاستنباط
المسائل الفقه الغير المنصوصة من نصوص الكتاب والسنة ، فقد دانت الدنيا لهم
بالاعتراف بهذا الفضل، والتنويه بشأنهم فى تذليل معضلات المسائل وعويصات
النوازل ، لا لهجوهم ، فليس المراد من "الرأى" هو المذموم ما كان من هوى
( م - ٦٢ )

٢٥٢
معارف السنن
ج - ٦
فإن الإشعار سنة، وقولهم بدعة. قال: سمعت أبا السائب بقول: كنا عند وكيع
وبدعة ، وإنما هو رأى ممدوح فى استنباط حكم النازلة من النص على طريقة
الصحابة والتابعين ، كما ساق الخطيب فى كتابه " الفقيه والمتفقه " غالب
تلك الآثار من استنباطهم ، وكذا الحافظ ابن عبد البر فى "جامع بيان العلم "
والحافظ ابن القيم فى " إعلام الموقعين"، ومن راجع إلى هذه المصادر النابعة
الفياضة يثلج صدره بمعنى الرأى الممدوح المطلوب المرادف للفقه والقياس
والاجتهاد ، ويكفى للوقوف على الحقيقة ما ذكره الشيخ الكوثرى فى مقدمة
" نصب الرأية" للزيلعى، واكتفى هنا منها بنقل كلام للشيخ سليمان بن
عبد القوى الطوفى الحنبلى فى شرح " مختصر الروضة فى أصول الحنابلة" فقال:
واعلم أن "أصحاب الرأى" بحسب الإضافة هم: كل من تصرف فى الأحكام بالرأى،
فيتناول جميع علماء الإسلام ، لأن كل واحد من المجتهدين لا يستغنى فى اجتهاده
عن نظر ورأى ، ولو بتحقيق المناط وتنقيحه الذى لا نزاع فى صحته. وأما
بحسب العلمية فهو فى عرف السلف من " الرواة" بعد محنة خلق القرآن علم
على أهل العراق ، وهم أهل الكوفة أبو حنيفة ومن تابعه منهم
وبالغ بعضهم فى التشنيع عليه .... وإنى والله لا رأى إلا عصمته مما قالوه ،
وتنزيهه عما إليه نسبوه . وجملة القول فيه : إنه قطعاً لم يخالف السنة عناداً ،
وإنما خالف فيما خالف منها اجتهاداً بحجج واضحة ودلائل صالحة لائمة، وحججه
بين أيدى الناس موجودة، وقل أن ينتصف منها مخالفوه، وله بتقدير الخطأ أجر
وبتقدير الإصابة أجران، والطاعنون عليه إما حساد أو جاهلون بمواقع الإجتهاد،
وآخر ما صح عن الإمام أحمد رضى الله عنه : إحسان القول فيه والثناء عليه .
ذكره أبو الورد من أصحابنا فى كتاب " أصول الدين" اهـ.
قوله : وقولهم بدعة . تأدب وكيع مع الإمام فلم يصرح بالبدعة لما نقل،

٣٥٧
بيان أن وكيعاً كان يفتى بآراء أبى حنيفة
فقال الرجل ممن ينظر فى الرأى: أشعر رسول اللّه عَلٍ ، ويقول أبو حنيفة:
هو مثلة ؟ قال الرجل : فإنه قد روى عن ابراهيم النخعى أنه قال : الإشعار
مثلسة ، قال : فرأيت وكيعاً غضب غضباً شديداً وقال : أقول لك : " قال
رسول اللّه حَ له" وتقول: " قال ابراهيم"؟ ما أحقك بأن تحبس ثم لا تخرج
حتى تنزع عن قولك هذا .
عن أبى حنيفة وأبهم الأمر بالنسبة إلى أهل الرأى ، نعم لم يرض بقوله ، وأما
غضبه غضباً شديداً على ذلك الرجل، فذلك لأنه عارض قول رسول اللّه عَل؟
بقول ابراهيم معارضة ، ومثل هذه المعارضة وإن كانت معارضة صورية غير
متحملة ، ومن أجل هذا حكم أبو يوسف الإمام على قتل من قال : " أنا لا
أخبه " بعد ما روى أبو يوسف بأنه عَل﴾ كان يحب الدباء، كما ذكره الشيخ
محمد بن حسين الطورى فى تكملة " البحر الرائق" كما حكاه شيخنا رحمه الله.
وقد أسلفنا فى أوائل الطهارة من الجزء الأول هذا وما عداه من المعارضات
الصورية فراجعه .
ثم إن وكيعاً كان يفتى بمذهب أبى حنيفة ، كما فى " التهذيب" عن ابن
معين ، وحكاه شيخنا عن " عقود الجواهر المنيفة" الزبيدى ، وعن " كتاب
الضعفاء " لأبى الفتح الأزدى. وحكاه الكوثرى عن الذهبى فى تقدمة " نصب
الرأية"، وحكاه فى " التأنيب" عن الخطيب من طريق الصيمرى عن ابن
معين ما فى " تهذيب التهذيب". وتجاهل صاحب " التحفة" عن هذا مستدلاً"
بما فى هذا المقام من قول وكيع عجيب ، فإن نسبة عالم إلى مذهب من المذاهب
المتبوعة باعتبار أنه قائل بمعظم مسائل ذلك المذهب أصلاً وفرعاً ، لا باعتبار
أنه لا يخالف مسألة من مسائله ، وأتباع السلف المحدثين والقدماء للأئمة المتبوعين
كلهم من هذا القبيل ، ثم إنهم يقلدون الإمام ، أو يفتون بآرائه فيما لم يظهر
14

٢٥٨
معارف السنن
ج - ٦
له وجه من السنة والحديث، فيقبعونه ويقتدون بأقواله فى المسائل الغير المنصوصة
ما لم تصل إليها أفكارهم وقصر عنها اجتهادهم . وقد قال يحيى بن معين أيضاً
بأن : يحى بن سعيد القطان بفتى بقول أبى حنيفة أيضاً ، كما فى " التأنيب"،
وذكره غير واحد ، ومن هذا القبيل كون الترمذى شافعياً مع أنه رد عليه فى
"جامعه" على الشافعى فى مسألة الإبراد بالظهر، وكون أبى داود حنبلياً وتقليد
سائر المحدثين من أرباب التآليف أئمة المذاهب كله من هذا الوادى .
والحاصل : أن إتباع هؤلاء المحدثين الجهابذة الكبار لأئمة الأمصار غير
تقليد العامى لإمامه ، وبينهما فرق كبير، ولا يخرج أحد عن دائرة إمامه باختياره
عدة من مسائل غيره ، فرجل ربما يلوح له دليل قوى خلاف قول إمامه
ويسكن إليه قلبه، فيخالفه فى مسائل مع شدة اتباعه فى بقية المسائل، ولا أدرى
كيف خفى على الشيخ المباركفورى هذا مع وضوحه ، والله يقول الحق وهو
يهدى السبيل .
وبالجملة و کیع بن الجراح الکوفی شیخ أحمد ، عد من أصحاب أبى حنيفة،
وفيه يقول أحمد : " ما رأيت أوعى العلم من وكيع، ولا أحفظ منه". ويقول
أحمد : عليكم بمصنفات وكيع. وقد روى الخطيب بإسناده الصحيح فى "تاريخه"
(١٤ - ٢٤٧): كنا عند وكيع يوماً فقال رجل : أخطأ أبو حنيفة ، فقال
وكيع: يقدر أبو حنيفة يخطئ ، ومعه مثل أبى يوسف وزفر فى قياسها ، ومثل
يحيى بن أبى زائدة، وحفص بن غياث وحبان ومندل فى حفظهم الحديث؟ إلى أن
قال: ومن كان هؤلاء جلساؤه لم يكد يخطأ، لأنه إن أخطأ ردوه اهـ. كما حكيت
العبارة برمتها فى بحث الفاتحة خلف الإمام من هذا الكتاب. فعلم من هذا تقدير
وكيع لأبى حنيفة وتوقيره .
ويحكى شيخنا كما فى "العرف الشذى" عن " ميزان الإمام الشعرانى" قول

بيان كون وكيع منى أصحاب أبي حنيفة والرد على صاحب " التحفة" ٢٥٩
وكيع أنه قال: لو لم ألق ابن المبارك والثورى وأبا حنيفة لكنت من العوام . غير
أنى لم أقف عليه فى " ميزان الشعرانى" فى عملة المستوفز مع مطالعتنى لمظنته من
الكتاب نحو تسعين صفحة بالقطع الكبير، وقد قرأت فى عدة مواقع قول ابن
المبارك مثل هذا فى أبى حنيفة وسفيان . علا أن ابن المبارك مع علو طبقته ثبت
روايته عن وكيع، والله أعلم .
وعلى كل حال كون وكيع من أصحاب الإمام وتقديره لآرائه واتباعه
لاجتهاده والإفتاء بمذهبه لا ينكره إلا من أنكر الذكاء فى منتصف النهار ، فقد
ذكر القرشى فى "الجواهر" عن أبى عبد الله الصيمرى: أنه ذكره فيمن أخذ
العلم عن الإمام أبى حنيفة ، ويقول: " كان يفتى بقوله" ، وخلافه فى مسألة
أو مسائل لا يخرجهعن إذعانه لأبىحنيفة وأتباعه إياه، ونکيره الشديد على الرجل
عند معارضة حديث الرسول عليه صلوات الله وسلامه بقول النخعى أمر معقول
فى غابة من الفقه ووضع كل شئ فى موضعه ، والله ولى التوفيق .
تنبيه: لصاحب " التحفة" المهاركفورى ههنا كلمات فى حط إمام العصر
صاحب الأمالى على " جامع الترمذى ، يغنى ما كتبته عن استقلال الرد عليه ،
وتأويله لقول ابن معين كما فى " تذكرة الحفاظ" و" التهذيب" : " بأنه كان
يفتى على قول أبى حنيفة " فى شرب النبيذ خاصةً بثبت عداؤه الكامن فى قلبه
مع أبى حنيفة الإمام وأصحابه وأتباعه ، وقد أطبقت كلماتهم من ابن معين إلى
الذهبى بأنه كان يتبع أبا حنيفة الإمام فى قوله ، وسياق كلام الذهبى فى
" طبقاته" (١ - ٢٨٢) هكذا: قال يحيى - أى ابن معين - : ما رأيت
أفضل منه يقوم الليل ويسرد الصوم ويفتى بقول أبى حنيفة ، وكان يحيى القطان
يفتى بقول أبى حنيفة اهـ. فياترى هل هذا السياق يدل على ما يدعيه هذا الزاعم
المتأول ؟ كلا ثم كلا ! وتشبئه لذلك بقول الذهبى : ما فيه إلا شربه النبيذ

٢٧٠٠
معارف السنن
ج - ٦
(باب )
معدمنها: قتيبة وأبو سعيد الأشج قالاثنا ابن المان عن سفيان عن عبيد الله
عن نافع عن ابن عمر: ((إن النبى معَ لِ اشترى هديه من قديد)).
الكوفيين كيف يستقيم ؟ وأنى يصح وهو كوفى؟ والكوفيون كلهم على جواز
شرب النبيذ ، فلا خصوصية لأبى حنيفة فى ذلك .
وأما مسألة النبيذ فنقول له : ع
وتلك شكاة ظاهر عنك عارها
وليس ذلك النبيذ إلا إلقاء تميرات فى الماء ليلا وشربه نهاراً ليحلو الماء ،
فليس بمسكر ولا غليظ ، وإنما هو تدبير لجعل الماء الغير الجلو حلواً ، وحسب
المرأ أن لا يدخل فى غير فنه ، وقد أسلفنا بعض التفصيل فى الطهارة عند
الكلام بجواز الطهور بالنبيذ، وما قاله بَالُ: ((تمرة طيبة وماء طهور))
فراجعه، وكأن هذا المسكين سامحه الله ينتظر فرصة تسنح له فى خلاف أبى حنيفة
ومن تمسك بمذهبه ، ورحم الله من أنصف .
وأما أحاديث النهى عن المثلة أخرجها الزيلعى فى " نصب الرأية " عن
ثلاثة عشر من أصحاب رسول اللّه جَلالٍ ، فيمكن أن يقال: تعارض هذه
الأحاديث حديث الإشعار، كما يقوله صاحب " الهداية"، وكما أشار إليه
الحافظ التوربشتى ، وليس هذا الوجه للمعارضة بغريب ، وإن كنت لا أجنح
إليه استدلالاً بما أسلفناه .
-: باب :-
هكذا من غير ترجمة ، وأخرج فيه حديث ابن عمر المرفوع ، وقد تفرد