Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ الوقوف بعرفات ، وإنه ركن ، وموقفه و " العمدة " (٤ - ٦٧٩). ووقوف بعرفات أعظم ركن من ركى الحج. وفى الحديث: ((الحج عرفة))، أخرجه الترمذى وبقية السفن والدارمى من حديث عبد الرحمن بن يعمر الأيلى. وفى هذا الحديث نفسه: ((من أدرك عرفة ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج)) . والوقوف بعرفات ركن وفرض ، اتفق عليه الأمة ، كما فى " البدائع " وغيره ؛ وهو أحد ركنى الحج والثانى طواف الزيارة . والوقوف بعرفات فى أى جزء من زوال الشمس يوم عرفة إلى آخر ساعة ليلة النحر، وليلة جمع .قبل طلوع الفجر يكفى لأداء الفرض ، ويخطب الإمام خطبة بعلم فيها الحجاج المناسك من الوقوف بعرفة، والرواح إلى مزدلفة ، وجمع صلاة المغرب والعشاء مع تأخير، والمبيت بها ، والوقوف بها غداة النحر، إلى غير ذلك من الأحكام والمناسك ، ثم يقفون بعرفات مستغلين بالدعوات المأثورة مكبرين ومهللين وملبين فى أثناء الدعوات ساعةً فساعةً . وعرفة كلها موقف غير وادى عرفة بنص الحديث، والأفضل فى الموقف موقف النبى معَ الجِ بعرفات بقرب جبل الرحمة عند الصخرات الكبار السود، وهو مظنة موقف النبى حَ الجهل، وقد بنى فيه مسجد يسمى بمسجد الصخرات ، كما يحكيه الشيخ حسين عبد الغنى عن الشيخ طاهر سنبل فى تعليقاته " إرشاد السارى إلى مناسك القارى" . قال شيخنا رحمه الله: وأول من عين موقف النبى معََّّ بعرفات هو: الشيخ القاضى بدر الدين الشبلى الحنفى تلميذ الحافظ شمس الدين الذهبى وقال : إن وادى عرفات بقرب وادى " نعمان " التى أخرج فيها من صلب آدم ذريته فى عالم الذر . قال الراقم : أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبو الشيخ ج - ٦ معارف السنن ٢٠٢٠ بالموقف مكاناً يباعدة عمرو، فقال: إنى رسول رسول اللّه مَ لهم إليكم يقول: كونوا على مشاعركم فإنكم على إرثٍ من إرث ابراهيم)». عن ابن عباس فى الآية: "مسح اللّه ظهر آدم وهو "ببطن نعمان" واد إلى جنب عرفة" اهـ. كذا فى "الدر المنثور" (٣ - ١٤١). و "عرفات" علم للموقف، منصرف على ما حققه الزغشرى ، وكذا العينى فى "العمدة" (٤ - ٦٧٨ ) وملخصها: أن التاء فيها ليست للتأنيث، بل لكون الجمع جمعاً مؤنثاً، ولا يمكن تقدير التاء فيها لوجود تاء فيها، فإذن بقى سبب واحد وهو العلمية . وقد بين البدر العينى عدة وجوه فى سبب تسميتها بعرفات ، فراجعها . قوله : يباعده . أى يجعله بعيداً ويصفه بالبعد عن موقف الإمام، كما فى و" المجمع" غيره. قوله : مشاعركم. المشاعر جمع مشعر، وهو المنسك ، فالمشاعر مواضع المناسبك . والشعائر: أعمال الحج وكل ما جعل علماً لطاعة الله عز وجل ، والواحد : شعيرة ، وقيل: شعارة، أو المشاعر والشعائر واحد ، وهى معالمه التى تُدب اللّه إليها وأمر بالقيام بها، وكل ما أشعرها اللّه أى جعلها الله أعلاماً لنا من موقف أو مسعى أو ذبح، هذا ملخص ما فى "التاج" للزبيدى. وبالجملة فالمشاعر مواضع النسك ، سميت بذلك لأنها معالم العبادات . قوله : على إرث من إرث ابراهيم. علة للأمر بالاستقرار والتثبت على تلك المواقف بأنها سنة ابراهيم عليه السلام سنة متبعة ورثتموها من أيكم ابراهيم، ففيه حث وترغيب على التمسك بها . هذا ملخص ما قيل .. ٢٠٣ بيان عدم وقوف قريش بعرفات وتسميتهم بالحمس وفى الباب عن على وعائشة وجبير بن مطعم والشريد بن سويد الثقفى . قال أبو عيسى : حديث ابن مربع حديث حسن ، لا نعرفه إلا من حديث ابن عيينة عن عمرو بن دينار. وابن مربع اسمه : يزيد بن مربع الأنصارى ، وإنما يعرف له هذا الحديث الواحد . حدثنا : محمد بن عبد الأعلى الصنعانى البصرى نا محمد بن عبد الرحمن الطفاوى نا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : (( كانت قريش ومن كان على دينها - وهم الحمس - يقفون بالمزدلفة يقولون : نحن قطين الله ، وكان من سواهم يقفون بعرفة، فأنزل الله عز وجل : ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ٥))). وأخرج فى الباب أيضاً حديث عائشة ، وهو الذى أحال عليه أولاً ، وأخرجه الشيخان وإن كان فى سياقه بعض اختلاف ، وكلاهما من حديث هشام بن عروة عن عروة ، والمؤلف قام بشرحه فى الكتاب ، وما قال : "الخمس هم أهل الحرم" وليس هذا تفسير من جهة اللغة، وإنما سميت قريش ومن تابعهم من كنانة وجديلة وغيرها بـ : "الحمس"، واختلف الأقوال فى تسميتهم بالحمس ، وهى جمع: أحمس ، وهو الشديد ، وسموا بذلك لما شددوا : على أنفسهم ، وكانوا إذا أهلوا بحج وعمرة لا يأكلون لحماً ، ولا يضربون وبراً ولا شعراً ، وإذا قدموا مكة وضعوا ثيابهم التى كانت عليهم ، وهذا ما قاله مجاهد فيما حكاه إبراهيم الحربى، كما ذكر فى " فتح الحافظ"، وحكى الحافظ عن أبى عبيدة : تحمس : تشدد ، ومنه : حمص الوغى : إذا اشتد اهـ. ويقول المحب الطبرى فى "القرى" (ص - ٣٤٤): وقيل : سمواحماً لشجاعتهم ، والحماسة : الشجاعة . وفى " القاموس " وشرحه للزبيدى بسط هذا ، كعادة الشارح، ومما قالا : وحمس الرجل : صلب فى الدين وتشدد ، ٢٠٤ معارف السنن ج - ٦ قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. ومعنى هذا الحديث: أن أهل مكة كانوا لا يخرجون من الحرم ، وعرفات خارج من الحرم ، فأهل مكة كانوا يقفون بالمزدلفة ويقولون: نحن قطين اللّه، يعنى سكان الله، ومن سوى أهل مكة كانوا يقفون بعرفات ، فأنزل الله تعالى : ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس O) ، والحمس: هم أهل الحرم . ( باب ما جاء أن عرفة كلها موقف ) حدثنا : محمد بن بشار نا أبو أحمد الزبيرى نا سفيان عن عبد الرحمن بن الحارث ابن عياش بن أبى ربيعة عن زيد بن على عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع عن وكذلك فى القتال والشجاعة ، فهو حمس ككتف ، والحماسة الشجاعة ، ومنه الأحس : الشجاع، كالخميس والحمس اهـ . -: باب ما جاء أن عرفة كلها موقف :- أخرج فى الباب حديث على ، وهو حديث طويل ، وفيه عدة مسائل من المناسك ، وفاقية وخلافية . والحديث أخرجه أبو داؤد فى الدفع من عرفة، وفى الصلاة بجمع، وابن ماجه فى باب الموقف بعرفة ، كل مختصراً . والوقوف بعرفات من أعظم أركان الحج ، وأجمع المسلمون على كونه ركناً، وثبت ذلك من فعل النبى فَ ل} وقوله. والأحاديث فى وقوف عرفات عدة ، منها فعلية ، وعدة أخرى قولية ، وحديث الباب جمع البابين . وعرفة كلها موقف إلا بطن عرنة ، ومزدلفة كلها موقف إلا وادى محسر ، وثبت ذلك من حديث جابر عند ابن ماجه فى " سننه " فى باب الموقف بعرفات ، ٢٠٥ بحث الوقوف بعرفة وعدم الوقوف بعرفة على بن أبى طالب قال: ((وقف رسول اللّه عَ لٍ بعرفة، فقال: هذه عرفة، وهو الموقف، وعرفة كلها موقف ، ثم أفاض حين غربت الشمس وأردف ولفظه مرفوعاً: (( كل عرفة موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة، وكل المزدلفة موقف، وارتفعوا عن بطن محسر، وكل منى منحر إلا ماوراء العقبة))، وفيه القاسم بن عبد الله بن عمر العمرى متزوك . ومن حديث جبير بن مطعم عند أحمد فى " مسنده" (٤ - ٨٢) وفيه انقطاع، ولكن رواه ابن حبان فى "صحيحه" باتصال. ومن حديث ابن عباس عند أحمد والطبرانى والحاكم وصححه على شرط مسلم ؛ وقال الهيثمى: رجاله ثقات . ومن حديث ابن عمر عند ابن عدى فى " الكامل " بلفظ حديث جابر عند ابن ماجه ، وحديث ابن عباس عند أحمد والحاكم، وفيه عبد الرحمن بن عبد الله العمرى، وهو ضعيف. ومن حديث أبى هريرة أيضاً عند ابن عدى، وفيه متروك . وفى حديث جابر الطويل عند مسلم وأبى داود : ((وقفت ههنا، وعرفة كلها موقف))، هذا كله ملخص فى " نصب الرأية" و " فتح القدير " وغيرهما بترتيب وزيادة ومحو وإثبات، والله المستعان . وحد عرفة - على ما قاله الأزرقى وحكاه فى " العمدة" و" المجموع " وغيرهما عن ابن عباس - : من قبل المشرق على بطن عرنة إلى جبال عرنة إلى وصيق إلى ملتقى وصيق إلى وادى عرفة، وراجع للتفصيل " القرى" الطبرى و "شرح المهذب " للنووى . ثم الوقوف عند أكثر أهل العلم وجمهور الأئمة : أنه لا يصح إلا بعرفة ، (بالفاء) دون عرنة (بالنون)، وعرفة بضم العين ويحكى ابن المنذر ثم الخطابى عن مالك أنه يصح الوقوف بعرفة ويلزمه دم ، فالواقف بعرنة حجه صيح ٢٠٦ معارف السنن ج - ٦ أسامة بن زيد وجعل يشير بيده على هيئته والناس يضربون وعليه دم، كما يقوله الخطابى فى "معالمه" (٢ - ٢٠٢) والنووى فى " شرح المهذب" ( ٨ - ١٠٩)، ومثله فى " المغنى" لابن قدامة نقلاً عن الحافظ ابن عبد البر . ويقول الشيخ ابن الهام فى "فتحه" (٢ - ٣٨١) ما ملخصه: أن ظاهر كلام " القدورى" و "الهداية" وغيرهما: أنه لا يجزئ الوقوف بعرفة ولا فى وادى محسر، وإنهما ليسا بمكان الوقوف ، سواء كان عرفة من عرفة أو لم تكن ، وسواء كان محسر من مزدلفة أو لم يكن ، وهو ظاهر الأحاديث، وهو الذى يقتضيه كلام محمد فى "الأصل" ( أى المبسوط)، ولكن صرح فى "البدائع". بالإجزاء مع الكراهة بالوقوف فى وادى محسر ، ولكن لم يصرح مثله فى الوقوف بعرفة - بالنون - . ومقتضى كلامه أن يكون مثله ، وما قاله صاحب " البدائع" خلاف ما يقتضيه كلام الأصحاب من عدم الإجزاء والفصل فيه : إن ثبت كون عرفة من عرفة وكون محسر من مزدلفة والمشعر الحرام صح الوقوف للعمل بالقاطع مع الكراهة لمخالفته أخبار الآحاد وإلا فلا . قوله : على هيئته. اختلف نسخ الترمذى فى " هينته " بالنون وفى " هيئته " بالهمز، قال السيوطى فى " القوت": بهاء ونون، كزيتته، أى على عادته فى سكونه ورفقه . قال أبو موسى المدينى : ولغير المصنف " على هيئته" بهمز بدل فون، كرحمة ، أى هيئته فى سيره المعتاد اهـ . وكذلك اختلفت نسخ " الهداية" من الفقه الحنفى، والذى يميل إليه القلب الأول، كما يدل عليه قوله فَّلي: ((أيها الناس عليكم السكينة))، ولفظ الشيخين : ((عليكم بالسكينة)، فإن البر ليس بالإيضاع، والله أعلم. قوله: والناس يضربون ، أى الإبل ، كما فى رواية " أبى داود". ٢٠٧ الوقوف بمز دلفة وبيان أسمائها يميناً وشمالاً يلتفت إليهم ويقول : يا أيها الناس عليكم السكينة، ثم أتى جمعاً فصلى بهم الصلاتين جميعاً، فلما أصبح أتى قزح ووقف عليه وقال : هذا قزح، وهو الموقف، وجمع كلها موقف، ثم أفاض حتى انتهى إلى وادى محسر فقرع ناقته قوله : يميناً وشمالاً يلتفت إليهم ، هكذا فى نسخ الترمذى عندنا ، وفى رواية أبى داود "فى باب الدفعة من عرفة": ((يميناً وشمالاً لا يلتفت إليهم))، ومثله فى " مسند أحمد" (١ - ١٥٧). قال المحب الطبرى فى " القرى". (ص - ٣٧٥): قال بعضهم: رواية من روى ((يلتفت إليهم)) بإسقاط "لا" أصبح، فإنه كان ينظر إليهم وهم يضربون الإبل ليشير إليهم يميناً وشمالاً : السكينة السكينة اهـ. أقول: ويؤيده رواية أحمد فى " مسنده" (١ - ٧٦) بلفظ: " وهو يلتفت". قوله : أنى جمعاً. أى المزدلفة، ولها أسماء ثلاثة، الثالث: "المشعر الحرام "، كما قاله الطحاوى، حكاه ابن الهمام ، وسمى : " جمعاً " لأن آدم عليه السلام اجتمع فيها مع حواء عليها السلام وازدلف إليها : أى دنا منها ، أو لأنه يجمع فيها بين الصلاتين، وأهلها يزدلفون: أى يتقربون إلى اللّه بالوقوف فيها ، كذا فى " العمدة" ( ٤ - ٦٧٨ ). قوله : قزح. بضم القاف كزفر ، وهو الجبل الذى يقف عليه الإمام بمز دلفة ، غير منصرف للعلمية والعدل ، كما فى "القرى" و " التاج " و "اللسان" وغيرها. وما فى " تحفة الأحوذي" بفتح القاف فغير صحيح. قوله : وادى محمسر. والمحسر بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد السين (م - ٦ صر. ٢٠٨ معارف السنن ج - ٦ المهملة وكسرها ، هو: واد بين مزدلفة ومنى، وقال بعضهم : ماصب منه فى المزدلفة فهو منها، وماصب منه فى من فهو منها ، وصوبه بعضهم ، وسمى بذلك لأنه حسر فيه فيل أصحاب الفيل ، أى أعيا ، وقيل : لأنه يحسر سالكيه ويتعبهم. قال الشافعى فى "الأم": وتحريكه عَلّ الراحلة فيه يجوز أن يكون فعل ذلك لسعة الموضع ، وقيل : يجوز أن يكون فعله لأنه مأوى الشياطين ، وقيل: لأنه كان موقف النصارى، فاستحب ◌َّالج الإسراع فيه، هذا مختصر ما قاله المحب الطبرى فى "القرى". ويقول الزبيدى فى " التاج": وفى كتب المناسك : هو وادى النار، قيل: إن رجلاً اصطاد فيه فنزلت نار فأحرقته ، نقله الأقشهرى الخ . قلت: وذكره صاحب "القرى" أن أهل مكة يسمون هذا الوادى: وادى النار الخ . قال شيخنا رحمه الله: ووادى محسر هو الذى هلك فيه أصحاب الفيل، وذلك أن أبرهة بن الصباح الأشرم ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشى بنى كنيسة بصنعاء ، وسماها : القليس ، وأراد أن يصرف إليها الحاج، فخرج من بنى كنانة رجل وتغوط فيها ليلاً، فأغضبه ذلك ، فحلف ليهدمن الكعبة ، فخرج بالحبشة ومعه فيل اسمه : محمود ، فأصابهم ما أصاب ، وقضى فيهم أمر الله . قال الراقم: وهذا ملخص ما ذكره ابن كثير والرازى والقرطبى والزمخشرى والسيوطى والآلوسى وغيرهم من المفسرين ، ولم أجد من صرح منهم بأن ذلك كان فى وادى محسر، إلا ما قاله المحب الطبرى، كما أسلفناه منه ، وإلا ما قاله النووى فى شرحه لمسلم بلفظ الطبرى .... وقال: أى أعيا وكلّ اهـ، واللّه أعلم . ثم رأيت فى شرح " الدسوقى " على شرح متن " الخليل" من کتب المالكية (٢ - ٤٥): قال شيخنا العدوى: الحق أن قضية الفيل لم تكن ٢٠٩ بيان وادي محسر وذكر أسمائها ٠٠ فخبت حتى جاوز الوادى فوقف وأردف الفضل، ثم أتى الجمرة فرماها، ثم أتى المنحر فقال : هذا المنحر، ومنى كلها منحر، واستفتته جارية شابة من خثعم فقالت: إن أبى شيخ كبير قد أدركته فريضة الله فى الحج! أفيجزى" أن أحج عنه ؟ قال : حجى عن أبيك . قال : ولوى عنق الفضل ، فقال العباس : يا رسول بوادى محسر، بل كانت خارج الحرام، كما أفاده بعض شيوخنا اهـ . والبدر العبنى فى "العمدة" (٤ - ٦٩١) نقل عن الطبرى - وهو المحب الطبرى - ذلك ثم قال : قيل هذا غلط، لأن الفيل لم يعبر الحرم ، وقيل سمى به لأنه يحسر سالكه ویتعبه، ويسمى: وادى النار. ويقال: إن رجلاً اصطاد فيه، فنزلت نار فأحرقته . وحكمة الإسراع لأنه كان موقفاً للنصارى، فاستحب رسول اللّه عَ ل الإسراع فيه اهـ. وفى "مشكل الآثار" الطحاوى (٢ - ٧٣ و٧٤) بإسناده إلى عمرو ابن معدی کرب يقول : كنا عشية عرفة ببطن عرنة نتخوف أن يتخطفنا الجن، فقال لنا رسول الله حلّا﴾: ((أجيزوا إليهم فإنهم إن أسلموا إخوانكم ... )) فكان ما فى الحديث : أنهم كانوا يقفون عشية عرفة ببطن عرنة خوفاً منهم على أنفسهم أن يخطفهم الجن، وإن النبى بَّالج أمرهم أن يجيزوا إليهم أى إلى ما. سوى بطن عرنة من عرفة اه مختصراً ، نبه على هذا شيخنا رحمه الله. وبالجملة ظهرت فيه نكتة أخرى للتجنب عن الوقوف بعرفات والله أعلم . قوله : فخبت ، من الخبب مضاعف ، قسم من العدو ، كالحفد والعنق والنص والإرقال والتقريب وغيرها . قوله : إن أبى شيخ كبير قد أدركته فريضة الله الخ. ولفظ " الصحيح" فى "باب الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة": ((إن فريضة الله أدركت أبى شيخاً كبيراً لا ثبت على الراحلة! أفأحج عنه الخ ؟)) وهو حديث متفق عليه من حديث ابن عباس . ١٣ ج - ٦ معارف السنن اللّه! لم لويت عنق ابن عمك؟ قال: رأيت شاباً وشابةً فلم آمن الشيطان عليهما ، فأتاه رجل ، فقال: يا رسول الله إنى أفضت قبل أن أحلق ؟ قال : احلق ولا حرج، أو قصر ولا حرج، قال : وجاء آخر فقال : يا رسول الله ! والمسألة هذه تسمى فى الفقه بـ : "مسألة المعضوب"، بالعين المهلمة ثم الضاد المعجمة . قال الإمام الشافعى فى المناسك: وإذا كان الرجل معضوباً لا يستمسك على الراحلة فحج عنه رجل فى تلك الحالة فإنه يجزئه اهـ . حكاه الزبيدى فى " التاج" . قال الفقهاء : وكل من وجب عليه الحج من وجود شرائطه کالزاد والراحلة والقدرة على الركوب والثبات على الراحلة وعجز عن الأداء بنفسه يجب عليه الإحجاج، بأن بأمر أحداً بالحج عنه فى حال حياته أو بعد موته ، ويتحقق العجز بالموت والحبس والمنع والمرض الذى لا يرجى زواله كالزمن والفالج وذهاب البصر والعرج والهرم بحيث لا يقدر معه على الاستمساك على الراحلة . ثم إن قدر بعد العجز وجب عليه أن يحج بنفسه وهذا ملخص ما قاله صاحب "اللباب" وشارحه وغيرهما، وتفاصيل المذاهب وبقية الإختلافات محملها كتب الفروع . قوله : إنى أفضت قبل أن أحلق الخ. اعلم أن فى يوم النحر أربعة أشياء من مناسك الحج: الرمى، أى رمى جمرة العقبة ، ثم النحر، ثم الحلق ، ثم الطواف، فهذه أمور ثبتت من السنة بهذا الترتيب، وكذلك رتبها النبى ◌َّامٍ كما وصفها جابر فى حديثه الطويل فى حجة الوداع، وروى أنس كما فى "سنن أبى داود": ((إن النبى حَ لّ رمى ثم نحر ثم حلق)). فلاريب أن الترتيب المطلوب هو هذا، فإن أخل بترتيبها ناسياً أو جاهلاً فهل يجب عليه دم أم لا؟ فاختلفت الأقوال فى ذلك كما فى "المغنى" و "العمدة" وغيرهما، فذهب عطاء وطاؤس و مجاهد وسعيد بن جبير والحسن: أنه لا شئ عليه، وإليه ذهب الشافعى وأحمد بحث الترتيب فى أفعال المناسك الأربعة • إسحاق وأبو ثور و داود ومحمد بن جرير الطبرى. وقال ابن عباس : عليه دم ، وهو قول النخعى والحسن ( فى رواية ) وقتادة ، وإليه ذهب أبو حنيفة والنخعى وابن الماجشون، وقال أبو حنيفة: إن كان قارئاً فعليه دمان: دم للقران ودم لهذه الجناية . وقال مالك والأوزاعى والثورى : إذا حلق قبل أن يذبح لا شئ عليه ، وهو نص الحديث ، ونقله ابن عبد البر عن الجمهور ، وإليه ذهب أبو يوسف ومحمد صاحبا أبى حنيفة ، فالترتيب واجب عند أبى حنيفة ولكنه فى الثلاثة الأول ، ومسنون عند الجمهور ، وما ورد من الأسئلة فى الأحاديث المروية فهى سبعة كما تجد تفصيل ذلك فى " العمدة " (٤ - ٧٥٣ و ٧٥٥) و "الفتح" (٣ - ٤٥٥)، ثم الفروع الفقهية المنشعبة فكثيرة. وفى "شرح الدردير على الخليل": أن تقديم الرمى على الحلق والإفاضة واجب ، وما عداه مندوب اهـ . ومعنى الواجب : أى يشجبر عندهم بالدم ، كما فى "أقرب المسالك" وغيره، وعند الحنابلة قولان فيمن أخل بالترتيب عامداً ، فيجب عليه دم فى قول . وراجع "المغنى" لابن قدامة و" إحكام الأحكام " لابن دقيق العيد للتفصيل . وبالجملة ففى العمد يجب دم عند أحمد فى قول، وكذا يجب الدم فى بعض الصور عند مالك ، فاتفق مع أبى حنيفة فى عدم جواز تقديم الحلق على الرمى ، والشافعى قول مثله كما يقوله ابن دقيق العيد ، كما فى " الفتح" وشرح "العمدة؟". لابن دقيق العيد. وأما عند أبى حنيفة فيجب الدم مطلقاً ، سواء كان عامداً أو ناسياً أو جاهلا، ولكنه فى الأشياء الثلاثة دون طواف الإفاضة، فلا يجب الدم بتقديمه على بقية المناسك . نعم يجب الدم بتأخيره عن أيام النحر الثلاثة . نعم المفرد بالحج ليس عليه الذيح ، فيجب عليه الترتيب فى الرمى والحلق دون الذيخ ، وإنما يجب الترتيب فى الثلاثة على القارن والمتمتع ، وطواف الإفاضة أمره فى ٢١٢ معارف السنن ج -٠ ٦ الكل سواء. نعم المندوب فيه أن يكون بعد الفراغ من الثلاثة للقارن والمتمتع أو الأمرين للمفرد، وهكذا إذا كان السائل مفرداً بالحج فلا شئى عليه بتقديم الذيج وتأخيره عن الرمى، ولا بتقديم الحلق على الذج . وقال الأوزاعى : إن أفاض قبل الرمى اهراق دماً ، وقد اختلف عن مالك فى تقديم الطواف على الرمى ، ويجب إعادة الطواف فى رواية ابن عبد الحكم ، فإن لم يعد وجب عليه الدم . وحجة أبى حنيفة رحمه الله تعالى ما رواه ابن أبى شيبة بإسناد فيه من ضعف ولكن رواه الطحاوى بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: (( من قدم شيئاً من حجه أو أخره فليهرق لذلك دماً )) . وأخرج أيضاً عن سعيد بن جبير وابراهيم النخعى وجابر زيد أبى الشعثاء نحوه . وأخرج الطحاوى عن ابراهيم ابن مهاجر نحوه، وصاحب "الهداية" رواه عن ابن مسعود بلفظ: ((من قدم نسكاً على نسك فعليه دم))، ونحن وإن لم نقف عليه فيما عندنا من المآخذ ولكن لا يبعد أن يكون له أصل فى كتب أئمتنا ، وقول ابن عباس قرينة صحة ذلك ، وأئمة الكوفة ألزم الناس لأقوال ابن أم عبد ، وقول ابن الهمام الأثر ابن عباس: "وهو أعرف" أصح من قول الزيلعى: " وهو أصح" . ومن المؤسف أن الحافظ فى "الفتح" يغمض عن إسناد الطحاوى ويقول: أخرجها ابن أبى شيبة ، ثم يغمزها بابراهيم بن مهاجر . ويقول الطحاوى ما ملخصه : فهذا ابن عباس أحد من روى عن النبى عَّ لي : أنه ما سئل يومئذ عن شى قدم ولا أخر إلا قال: لا حرج، فلم يكن نفى الحرج على الإباحة، بل على نفى الإثم، بل إن ما فعلوه فى حجة الذى حلّ} ٢١٣ تحقيق عدم وجوب الدم بترك الترتيب كان على الجهل بالحكم فيه ، فعذرهم لجهلهم وأمرهم فى المستقبل أن يتعلموا مناسكهم اهـ . ويقول ابن الهمام: وإنما عذرهم بالجهل لأن الحال إذ ذاك فى ابتدائه اهـ . قال الراقم: ويتضح ذلك بأن هذه أول حجة للرسول حَله وهى حجة الوداع وحجة البلاغ، والناس الحجاج كانوا فى غاية الكثرة نحو مائة ألف ، بل فوقها ، ولم يتمكنوا من تعلم المناسك قبل ذلك ، ولم يمكن تعليم كلٍ منهم كل المناسك ، وكان العهد عهد التشريع، والدور دور التعليم ، والمناسك التى لم يسبق لهم بها عهد كثيرة، والزحمة الغامرة فى غاية الكثرة ، والعصر عصر البؤس والفقر لم يكن عصر الثروة والغنى ، فتحمل جهلهم فى مثل هذا الموقف وعد عذراً ، ويقول السائل : " لم أشعر"، وقال ابن دقيق العيد: وهذه الأحاديث المرخصة .... قد قرنت بقول السائل: " لم أشعر"، فيختص الحكم بهذه الحالة ... ولاشك أن عدم الشعور وصف مناسب لعدم المؤاخذة، وقد علق به الحكم ، كما فى " الفتح" . وبالجملة ! فمن المعقول: أن يرفع الحرج فى مثل هذه الحالة (.وما جعل عليكم فى الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم ٥). نعم إذا أخذوا المناسك وتعلموها وبلغ علمها كل أحد ، واستقامت الأحوال وانضبطت الأحكام وانتشر معرفتها فلا يكون الجهل عذراً، وإنما يجب إذن ما يجب بترك العلم والعمل ، هذا والله أعلم . وبالجملة ! أثر ابن عباس بخلاف ما يرويه مرفوعاً دليل واضح وحجة قوية على أن المراد من نفى الحرج نفى الإثم فى أحكام الآخرة دون نفى الجزاء من وجوب الدم . وعمل الراوى وهو مثل ابن عباس على خلاف ما يرويه من ٢١٤ معارف السنن ج - ٦ المرفوع دليل على أنه متأول عنده، كما تحقق فى محله من كتب الأصول . ثم استدل الإمام الطحاوى لوجوب الدم مستنبطاً من قوله تعالى : ( ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدى محله O) بأن الإجماع منعقد على وجوب الدم إن حلق قبل بلوغ المحل، فكذلك القارن إذا قدم الحلق قبل الذيمح. قال الإمام الطحاوى: وحديث أسامة بن شريك: ((إن الأعراب سألوا رسول اللّه عَلّم عن أشياء، ثم قالوا : هل علينا حرج فى كذا ؟ وهل علينا حرج فى كذا ؟ فقال رسول اللّه ◌َاله: إن الله عز وجل قد رفع الحرج عن عباده إلا من اقترض من أخيه شيئاً مظلوماً فذلك الذى حرج وهلك)) ، قال: فكانوا أعراباً لا علم لهم بمناسك الحج. ثم قال لهم ما ذكر أبو سعيد فى حديثه: " وتعلموا مناسككم" اهـ. ملخصاً . قال شيخنا : وقال الطحاوى فى موضع آخر من " شرح معانى الآثار ". ما حاصله : إن الشرع إذا أجاز عملا فى الصلاة فذاك غير مفسد لها ، وهذا بخلاف الحج ، فإنه رب شئ فى المناسك يباح ضرورةً ويجب عليه الجزاء فى أحكام الدنيا ، كما إنه أبيح حلق الرأس لمن به أذى من رأسه ، ومع ذلك أوجب عليه فدية ، قال سبحانه وتعالى: ( فمن كان منكم مريضاً أو به أذىّ من رأسه فقدية من صيام أو صدقة أونسك ٥) ( البقرة - ١٩٦ )، وكما أبيح للمحصر الخروج عن الإحرام مع وجوب القضاء عليه من العام القابل . قال شيخنا : وهذا كلام فى غاية القوة ، فثبت أن المراد هو نفى الإثم دون نفى الجزاء، والله ولى التوفيق. قال الراقم : ولعل شيخنا يريد بكلام الطحاوى ما قاله فى باب ما يلبس المحرم من الثياب (١- ٣١٢)، وذكر عدة نظائر من إباحة أشياء محظورة ٢١٥ بحث وجوب الدم بارتكاب المحظور ونزع زمزم بنفسه - إنى ذبحت قبل أن أرمى؟ قال : إرم ولا حرج. قال : ثم أتى البيت فطاف به، ثم أتى زمزم فقال : يا بنى عبد المطلب! لولا أن يغلبكم عليه الناس لنزعت)). للمحرم ، ومع ذلك عليه الكفارة . ومما قال : فرأينا الإحرام ينهى عن أشياء قد كانت مباحة قبله ، منها : لبس القميص والعمائم والخفاف والسراويلات والبرانس ، وكان من اضطر فوجد الحر فغطى رأسه، أو وجد البرد فلبس ثيابه أنه قد فعل ما هو مباح له فعله وعليه الكفارة مع ذلك ، إلى آخر ما قال . وقال فى "باب المحصر بالحج" (١ - ٣٦٨): ثم جعل الله عزوجل لمن فرض عليه الصلوات بالأسباب التى يتقدمها ، والأسباب المفعولة فيها فى ذلك عذراً إذا منع منه ، فجعل فى عدم الماء التيمم ، وفى عدم الثياب الصلاة بادى العورة ، ولمن منع من القبلة أن يصلى إلى غير قبلة ، إلى آخر ما قاله ، وهذا مختصره وملخصه والله المستعان . قوله : لولا أن يغلبكم عليه الناس لنزعت . غرضه ◌ِّلِّ: أنى أحب أن أنزع بنفسى ولكن أخاف أن لوفعلت ذلك لجعله الناس سنة من المناسك ، وكل أحد إذا أراد ذلك غلب الناس عليكم ونزع هذا الفضل منكم يا بنى عبد المطلب، وهذا ملخص ما قالوه . ولفظ حديث ابن عباس عند أحمد ، كما فى " القرى" للطبرى، يبينه ، ففيه: ((لولا أن يتخذها الناس نسكاً ويغلبوكم عليه لزعت معكم)). وحديث جابر الطويل فى "مسلم" يدل على أنه لم ينزع بنفسه، ولفظه: ((فناولوه دلواً فشرب منه)). ويقول المحب الطبرى: وذكر الملا فى " سيرته" عن ابن خديجُ: ((إن النى عََّ﴾ زع لنفسه دلواً فشرب منه ثم عاد إلى منى)). فإما أن ( م - ٥٧ ) ٢١٦ معارف السنن ج - ٦ وفى الباب عن جابر . قال أبو عيسى: حديث على حديث حسن صحيح، لا نعرفه من حديث على إلا من هذا الوجه ، من حديث عبد الرحمن بن الحارث ابن عياش ، وقد رواه غير واحد عن الثورى مثل هذا . والعمل على هذا عند أهل العلم ، قد رأوا أن يجمع بين الظهر والعصر بعرفة فى وقت الظهر. وقال بعض أهل العلم: إذا صلى الرجل فى رحله ولم يرجح سياق مسلم أو يجمع بأنه تارةً فعل ذلك وتارةً فعل هذا. وقوله جَلال﴾ فى حديث الباب وأمثاله: ((لنزعت)) يكون مراده: "لنزعت سقابة الناس واشتركت معكم فى هذه السقاية " والله أعلم . قوله : قد رأوا أن يجمع بين الظهر والعصر الخ . اعلم أن الجمع بين العصرين - أى الظهر والعصر - بعرفة جمع التقديم بعرفات ، والجمع بين العشائين - أى المغرب والعشاء - بمزدلفة كل منها له شروط عند الأئمة ، مختلف فيها ومتفق عليها . فذهب أبى حنيفة فى جمع التقديم بعرفة له شروط سنة : الأول : تقديم الإحرام بالحج عليها . الثانى : تقديم الظهر على العصر، فلو صلاهما وظهر أن الظهر كان قبل وقته أعادهما جميعاً . الثالث: الوقت والزمان ، أى يوم عرفة بعد الزوال . الرابع: المكان ، وهو وادى عرفات، أو بقربها ، كمسجد نمرة من أى جهة كان . ٢١٧ بيان شرائط الجمع بعرفة وبمز دلفة يشهد الصلاة مع الإمام إن شاء جمع هو بين الصلاتين مثل ما صنع الإمام . وزيد بن على هو: ابن حسين بن على بن أبى طالب . الجامس : الجماعة فيهما . السادس : الإمام الأعظم أو نائبه . فملخصها : الإحرام ، والإمام ، والجماعة ، والزمان ، والمكان ، والترتيب، وهذا تنقيح ما ذكره فى شرح "اللباب" للقارى وغيره من الكتب. وشرائط الجمع بين العشائين بمزدلفة ، فيشترط له : الإحرام بالحج ، وتقديم الوقوف بعرفات ، والزمان - وهو ليلة النحر -، والمكان ـــ وهى مزدلفة -، والوقت وهو العشاء . ولا يشترط له الإمام ونائبه ولا الجماعة ، فيفارق جمع التأخير جمع التقديم فى هذين، كما فى شرح "اللباب" وغيره، وإليه ذهب الثورى والنخعى ، كما فى " مغنى ابن قدامة". ولا يشترط الإمام ولا الجماعة عند أحمد كما فى " المغنى"، وإليه ذهب الشافعى كما فى شرح المهذب" (٨ - ٩٢)، وإليه ذهب مالك كما فى " أقرب المسالك" (١ - ٢٥٩ ) . وبالجملة عدم اشتراط الإمام والجماعة هو مذهب جمهور الأئمة والعلماء كما يقوله النووى فى " المجموع". ثم ههنا مسألة خلافية أخرى : أن الجمع بين الظهرين بعرفة والجمع بين العشائين بمز دلفة ، هل هما بأذان واحد وإقامة واحدة أو غير ذلك ؟ فالأقوال فى الأولى ثلاثة وفى الثانية ستة . فالثلاثة الأول فى الأولى: الأول: أداؤهما بأذان واحد وإقامتين لحديث ٢١٨ معارف السنن ج - ٦ جابر عند "مسلم"، وإليه ذهب أبو حنيفة والثورى والشافعى وأبو ثور وأحمد فى رواية ومالك فى رواية ، وبه قال ابن القاسم وابن الماجشون وابن المواز . والقول الثانى : بإقامتين من غير أذان ، وهو مذهب أحمد المشهور ، وروى ذلك عن ابن عمر . والثالث: بأذانين وإقامتين، وهو الأشهر من مذهب مالك ، كما فى "الجلاب"، وهو المذكور فى "المدونة"، وروى ذلك عن ابن مسعود. والمسألة الثانية : من جمع العشائين بمزدلفة ، فالأقوال سنة ، والمشهور منها أربعة : الأول : أداؤهما بأذان واحد وإقامة واحدة ، وهو مذهب أبى حنيفة وأبى يوسف وقول قديم للشافعى ورواية عن أحمد، وهو قول ابن ماجشون من المالكية ، لدليل حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر من حديث طويل فى " صحيح مسلم " وغيره . الثانى: بأذان واحد وإقامتين، وإليه ذهب الشافعى ، وصححه النووى فى " المجموع"، وهو قول لمالك، وإليه ذهب زفر من أصحاب الإمام ، واختاره الطحاوى، ورجحه ابن الحمام فى " فتحه" (٢ - ٣٧٧). الثالث : أداؤها بأذانين وإقامتين، وإليه ذهب مالك ، وروى ذلك عن عمروابنه وعبد الله بن مسعود . الرابع : أداؤهما بإقامتين من غير أذان ، وإليه ذهب أحمد فى المشهور، وهو رواية عن الشافعى ، وروى ذلك عن ابن عمر وابنه سالم والقاسم ، ٢١٩ بحث الصلاة بالمزدلفة بأذان وإقامة هذا تنقيح ما قدرنا عليه من تلخيص المذاهب والأقوال من " معالم الخطابى" و " مغنى ابن قدامة" و " قواعد ابن رشد" و "مجموع النووى" و "عمدة البدر العينى" و"بلغة الصاوى" وغيرها . وروى ابن عبد البر عن أحمد بن خالد أنه كان يتعجب من مالك حيث أخذ بحديث ابن مسعود ، وهو من رواية الكوفيين مع كونه موقوفاً ، ويترك ما روى عن أهل المدينة ، وهو مرفوع، قال ابن عبد البر: وأنا أعجب من الكوفيين حيث أخذوا بما رواه أهل المدينة .... وتركوا ما رووا فى ذلك عن ابن مسعود ، مع أنهم لا يعدلون به أحداً ، حكاه العينى، وقال: قلت: لا تعجب ههنا أصلاً ، أما وجه ما فعله مالك ؟ فلأنه اعتمد على صنيع عمر فى ذلك وإن كان لم يروه فى " المؤطأ " . وأما الكوفيون فإنهم اعتمدوا على حديث جابر الطويل الذى أخرجه مسلم الخ . قال الراقم : ترك مالك حديث ابن عمر وترك أبى حنيفة أثر ابن مسعود كل ذلك دليل واضح على أن هؤلاء الأئمة الأعلام قد بلغوا فى اجتهادهم غاية الجهد فى إدراك ما هو الصواب من دون أن يتأثروا عن رجال بلادهم وأقوال أهل بلدهم ، فلم يأخذوا من أقوالهم إلا ما تحقق لديهم بعد البحث والتحقيق ما هو الصواب، ولم يتركوا من أقوالهم إلا ما تبين لهم ما هو أقوى مسكة فى الباب، فأخذوا ما أخذوا ببصيرة نافذة وتركوا ما تركوا بحجة واضحة ، فرحهم اللّه وجزاهم خيراً وأحسن إليهم. وبالجملة الأحاديث الصحاح والآثار الصحاح متعارضة، والقصة واحدة، وتستفاد منها صورستة ، وإلی کل ذهب ذاهب ، ورجح کل فريق ما نحقق الذبهم من بحث دقيق وتفكير عميقٍ ، حديثاً وفقهاً، روايةً ودرايةً ، ولكل وجهة هو موليها ، والله المستعان . ثم ذكر صاحب " الهداية" فى الفقه الحنفى وجهة الفرق بين صلافى ٢٢٠ معارف السنن ج - ٦ عرفة وصلانى مزدلفة من جهة الفقه والنظر فقال : ولأن العشاء فى وقته فلا يفرد بالإقامة إعلاماً ، بخلاف العصر بعرفة ، لأنه مقدم على وقته ، فأفرد بها لزيادة الإعلام اهـ. ويقول ابن الحمام: لترجيح ما اختاره من إقامتين، فإن لم يرجح ما اتفق عليه الصحيحان على ما انفرد به مسلم وأبو داود حتى تساقطا كان الرجوع إلى الأصل يوجب تعدد الإقامة بتعدد الصلاة ، كما فى قضاء الفوائت بل أولى ، لأن الصلاة الثانية هذه وقتية ، فإذا أقيم للأولى المتأخرة عن وقتها المعهود كانت الحاضرة أولى أن يقام لها بعدها اهـ . ويقول شيخنا فى وجه الفرق فقهاً بين الظهرين وبين العشائين : بأن صلاة العصر بعرفة ليس فى وقته ، وإنما استعيرلها وقت الظهر ، فاحتاجت إلى إقامة ثانية ؛ وصلاة المغرب بمزدلفة فى هذه الليلة فى وقتها بالعشاء حيث جعل ذلك وقتها ثم العشاء فى وقتها ، فيكفى إقامة واحدة هما فى الوقت ، ويؤيده المسائل المنقولة عن الإمام أبى حنيفة . فمنها : أن الإمام شرط الجمع بعرفة دون مزدلفة ، ومنها : أن تقديم العصر بعرفة ليس واجباً، وتأخير المغرب إلى العشاء واجب، فمن صلى المغرب فى وقته قبل العشاء وجبت عليه إعادتها إلى طلوع الصبح ، فمن لم يعدها وطلع الفجر عادت صحيحة . ثم السبب فى تقديم العصر وأدائها مع الظهر كان لفراغ الوقت كله إلى وظائف وقوف عرفات من استماع الخطبة والأذكار والأدعية ، ولم يكن مثل هذه الداعية فى صلاة المغرب وتأخيرها عن وقتها ، بل جعل العشاء وقتها فى تلك الليلة ، وهذا هو وجه الوجه الفقهى، والله أعلم. وما ذكره الشيخ من إعادة المغرب ما لم يطلع الفجر، وبعد طلوعه انقلبت صحيحةً ، المسألة كذلك ٠