Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
ذكر الأدلة على تزويج المحرم
حدثنا : اسحاق بن منصور نا وهب بن جرير نا أبى قال سمعت أبا فزارة
يحدث عن يزيد بن الأصم عن ميمونة: ((إن رسول اللّهِ فَ لّ تزوج وهو
حلال وبنى بها حلالاً وماتت بسرف ودفناها فى الظلة التى بنى بها فيها )) .
قال أبو عيسى : هذا حديث غريب ، وروى غير واحد هذا الحديث
عن يزيد بن الأصم مرسلة: ((إن النبى ◌َّ ل تزوج ميمونة وهو حلال)).
لا يصح. ومن الأدلة على تأييد حديث ابن عباس حديث عائشة عند النسائى
وابن حبان والطحاوى والبزار، وحديث أبى هريرة عند الطحاوى فى "المشكل"
والدار قطنى فى "السنن"، وفى كليهما: ((إنه { 4} تزوج وهو محرم))، كما
تقدم فى الباب السابق ، فكان فى الباب أحاديث ثلاثة يؤيد بعضها بعضاً،
ومرسلان عن مجاهد والشعبى عند ابن أبى شيبة، وآثار عن ابن مسعود ومعاذ
وأنس ، كما أشار إليه الحافظ علاء الدين فى " الجوهر النقى"، وهو مذهب
جمهرة فقهاء التابعين الكبار كما أسلفناه ، وقد توسع الطحاوى فى البحث عن
المسألة ، والروايات فى "مشكل الآثار".
فيستفاد من مجموعها أنه نَّ هُ بعث أبا رافع ورجل من الأنصار - وهو
أوس بن خولى كما فى "طبقات ابن سعد" ( ٨ - ٩٤) - ليخطبا له ميمونة ،
- ولم يكن أحد من أوليائها حاضراً - فوكلت أمرها إلى العباس، فخرج رسول
اللّه عَل لعمرة القضية فزوجها العباس بسرف، ثم أراد رسول اللّه ◌َخَّ أن
يُعْرس بها بمكة بعد الفراغ من العمرة ولكن لم يمكنه قريش ، فخرج بها حتى
عرس بها بسرف ، وإذن يمكن أن يخفى عن ميمونة أيضاً وقت تزويجها فضلاً
عن غيرها فلم تشعر إلا فى الوقت الذى بنى بها ، وعلمه ابن عباس لحضورها
ولم تعلمها هى لغييتها. وقريب من ذلك ما ذكره الحافظ الماردينى فى " الجوهر

١٢٢
معارف السنن
ج - ٦
التّى" نقلا عن " الإستذكار"، و"التمهيد"، و"الإستيعاب"، كلها لابن
عبد البر ، وحكاه عن موسى بن عقبة وعن ابن اسحاق ، ويقول الحافظ فى
" الإصابة" فى ترجمة ميمونة: وقد انتشر الاختلاف فى هذا الحكم بين الفقهاء،
ومنهم من جمع بأنه عقد عليها وهو محرم وبنى بها بعد أن أحل من عمرته
بالتنعيم وهو حلال فى الحل ، وذلك بين من سياق القصة عند ابن اسماق آهـ .
وبالجملة فتطابقت على ما اختاره الجنفية روايات الحديث وأئمة التاريخ معاً .
فالرجوع إلى رواية ابن عباس أولى ، خصوصاً بعد تأييده برواية أبى هريرة
وعائشة وغيرهما مما ذكرنا ، علا أن فى حبر الأمة وبحرها وحده كفاية ،
ألاترى إلى ما يحدثناه الطحاوى والبيهقى ، وكذا عبد الرزاق فى " مصنفه" كما
فى "الجوهر النقي" عن عمرو بن دينار: قلت لا بن شهاب: أخبرنى أبو الشعثاء
عن ابن عباس ((إن النبى نَّال﴾ فكح وهو محرم))، فقال ابن شهاب: أخبرنى
يزيد بن الأصم : (( أنه عليه السلام نكح ميمونة وهو حلال )» وهی خالته ،
قال: فقلت لابن شهاب: أتجعل أعرابياً بوالاً على عقبيه إلى ابن عباس ؟ ولفظ
الطحاوى : أتجعله مثل ابن عباس ؟ ، فقد ضعفه عمرو بن دينار فى خطابه
الزهرى فى مقابلة ابن عباس والزهرى لم ينكر عليه . فلم تكن ميمونة مباشرة
العقد ولا أبو رافع ولا يزيد بن الأصم بل جعلت أمرها إلى العباس فكان أعلم
الناس وابن عباس فى بيته، فيكون أعلم من ميمونة ومن أبى راقع معاً على حالها
فضلاً عن رتبته فى العلم والفضل والفقه .
قال فى " المعتصر" (ص - ١٨٢): فإن قيل: ففى خبر عثمان النهى
فكيف يجوز فيما علم منه بِّلةِ الإباحة فيه؟ قيل: إن عثمان لم يذكر فى حديثه
من أمر ميمونة شبئاً ، وما ذكره فيه عنه يجوز أن يكون سمعه منه قبل ذلك
أوبعده، فكان مراده به غيره من أمته، إذ هو بخلافهم، إذ هو عَ لّ كان

بيان ترجيح رواية ابن عباس فى نكاح المحرم
محفوظاً مالكاً لإربه ، ولم يكن غيره من أمته كذلك ، فنهاهم عنه لخوفه عليهم
ما يخاف عليهم من مثله، وفعله عَّلِ إذ لم يخف على نفسه من ذلك ، وليس
فيه أن عقد التزويج إذا وقع كان غير جائز ، ومما يؤكده الى بعد
النداء يوم الجمعة لم يبطل مع نهى الله عزو جل عنه، فالنهى عن نكاح المحرم
كذلك، ونقول لمالك والشافعى: إن بيع الحاضر البادى منهى عنه ، وهو
جائز إن وجد بلاخلاف ، فلا يلزم من النهى الفساد ، فلا ينكر أن يكون
النهى عن نكاح المحرم كذلك مع ما ذكرنا عن مالك من تفريقه بطلاق أو فسخ،
ولا یکون ذلك إلا فى عقد قد ثبت لأنه لا یقع فى تزويج باطل طلاق ولا فسخ الخ .
ثم ذكر وجه النظر كما هو فى شرح " معانى الآثار" هذا، وهذا كلام متين
خرج من فقه النفس ، ونظائر ذلك فى الشرع فى غاية الكثرة ، وفى هذا
القدر كفاية .
ثم ظهر لى وجه آخر لترجيح رواية ابن عباس على رواية يزيد بن الأصم
ما عدا أسلفناه ، يحدثنا ابن سعد فى " طبقاته" (٨ - ٩٥): قال أخبرنا
يزيد بن هارون عن عمرو بن ميمون بن مهران قال: (( كتب عمر بن عبد العزيز
إلى أبى أن: سل يزيد بن الأصم: أحراماً كان رسول اللّه ◌َ لّ حين تزوج ميمونة
أم حلالاً ؟ فدعاه أبى فأقرأه الكتاب فقال: خطيها وهو حلال وبنى بها وهو
حلال ، وأنا أسمع يزيد يقول ذلك، اهـ فهذه الرواية تخالف نوع مخالفة من
عامة روايات يزيد بن الأصم بل كأنها تعارضها وليس فيها ذكر للتزويج
وإنما ذكر الخطبة والبناء ، والسؤال كان عن التزوج، فلو كان التزوج حال
كونه حلالاً لذكره، وإنما هذه الرواية تشعر بأن التزويج كان فى حالة
الإحرام ، وإنما الخطبة والبناء كانا فى حالة الحل .
فظهر من هذه الرواية أن فی حدیث یرید طريقاً بوافق حديث ابن عباس.
معے

١٢٤
معارف السنن
:
ج -
فالرجوع إليها أولى لتطابق كلتا الروايتين . وإن شئت فقل : إن طرق حديث
زید بن الأصم تكاد تكون معارضة وطرق حديث ابن عباس كلها سالمة عن
التعارض ، فالرجوع إليه أولى .
ووجه آخر أنه فى رواية " مسلم " وغيره وقع حديث يزيد بن الأصم
بلفظ: ((نكحها وهو حلال))، ولفظ "النكاح" تارةً يراد منه: الوطی دون
العقد على اختلاف فى أيهما حقيقة لغوية أو شرعية ، فإن أريد بالنكاح هذا
المعنى فيرادف البناء ، وعلى هذا الوجه أيضاً يوافق حديث ابن عباس، وإذن
لا يبعد : أن يكون لفظ التزوج بدل النكاح من تصرف الرواة ، أو أطلق على
الوطنى مجازاً لأنه سببه والله أعلم .
وفى هذا القدر مقنع وكفاية للباحث إن شاء اللّه تعالى . وتاخص أمور:
الأول : إن حجة الحنفية حديث ابن عباس ، وهو أصح إسناداً من
حديث يزيد بن الأصم .
الثانى: إن ابن عباس أفقه وأعلم من يزيد بن الأصم ، وإن أباه العباس
كان وكيل عقد الزواج .
الثالث : إنه تواتر على الرواية عنه كبار من فقهاء التابعين نحو خمسة
عشر نفساً من خيار أصحابه .
الرابع : إنه لم ينفرد بالرواية هو بل له شاهد من حديث عائشة عند
النسائى والطحاوى وابن حبان بإسناد صحيح باعتراف الحافظ ابن حجر ، وله
شاهد من حديث أبى هريرة عند الدار قطنى والطحاوى فى "المشكل"، وينجبر
بضعفه بالاعتضاد ، وله شاهد من مرسل عامر الشعبى ومن مرسل مجاهد ،

١٢٥
بقية تلخيص البحث السابق فى جواز نكاح المجرم
كلاهما عند ابن أبى شيبة. فهذه أربعة شواهد، والكل خمس حجج فى الباب.
الخامس : إن فى حديث يزيد طريقاً يوافق حديث ابن عباس كما فى
" طبقات ابن سعد"، فالأخذ بها أولى .
السادس: إنه مذهب جمهور التابعين كما يقوله الزبيدى فى "الإتحاف".
السابع: إنه لما تعين محل النكاح وهو سرف وتعين وقته وهو عند الذهاب
إلى مكة فلا مساغ إلا بأن يقول بكونه مّالج محرماً عند النكاح، وإلا لزم تجاوز
الميقات بلا إحرام ، وقد تقررت المواقيت قبل ذلك ، وإحرامه من ذى الحليفة
قبل ذلك بعام ثبت فى " الصحيح" من غير ما ريب .
الثامن : إنه وقع حديث يزيد بلفظ " النكاح" فى طريق عند "مسلم"،
فيحتمل أن يراد به الوطنى دون العقد ، فإذن يتحد حديثا ابن عباس ويزيد
ابن الأصم ، ويجرى هذا التأويل فى لفظ " التزوج" أيضاً مجازاً.
التاسع: روايات المؤرخين كابن اسحاق وموسى بن عقبة وما ينقله ابن
عبد البر فى " الإستذ كار" و "التمهيد" و"الاستيعاب" كلها مما يؤيد ما
اختاره الحنفية .
العاشر: إن حديث عثمان عند مسلم وإن كان قولياً ليس نصاً فى البطلان وإنما
يحتمل الكراهة والتحريم والتنزيه جميعاً ، وذكر النهى عن الخطبة فيه يكاد بعين
القول بالكراهة أو التنزيه ، حيث اتفقوا على صحة الخطبة ، فليكن مثل كراهة
البيع بعد النداء يوم الجمعة مع وجود النص المقطوع فيه . وإذن عمل رسول الله
وَال إما يكون من قبل التشريع وبيان الجواز فلا كراهة فى حقه حرام، أو
خصوصية له لقدرته وتملكه على النفس ، وله نظائر .

١٢٦
معارف السنن
ج - ٦
(باب ما جاء فى أكل الصيد للمحرم )
الحادى عشر: لا حجة الخصم فى آثار " عمر" و"على" فى التفريق،
فإنه يمكن أن يكون من قبل الزجر والتعزير، هداً للذرائع ، وصيانةً لهم من
الوقوع فى المحظور؛ فإن من حام حول الحمى يوشك أن يواقعه . فخذوا
الكلام ملخصاً محرراً وكونوا من الشاكرين ، وله الحمد على هذا التوفيق حمد
الشاكرين .
-: باب ما جاء فى أكل الصيد للمحرم :-
.. أصل حديث الباب قوله عزوجل: ( ولا تقتلوا الصيد وأنتم حرم Q)
وقوله : (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً ٥)، فاتفق الأمة على أنه
لا يجوز للمحرم قتل الصيد فى حالة الإحرام ، ويجب الجزاء بقتله ، ويستوى
فيه ناسياً أو عامداً أو مبتدئاً فى القتل أو عائداً إليه . وكذلك اتفقوا على أنه
لا يحل للمحرم أكله إن صاده الحلال بأمره أو بإعانته أو بدلالته أو بإشارته .
وإنما اختلفوا فيما عدا هذه الأمور على مذاهب ثلاثة :
أحدها : أنه ممنوع مطلقاً صيد لأجله أولا. وحكى هذا عن بعض
السلف، ومنهم ابن عمر وطاؤس ، وجابر بن زيد، والثوری، وابن راهويه .
ودليله حديث الصعب بن جثامة وعموم الآية الكريمة .
الثانى : إن صاده أو صيد لأجله سواء كان بإذنه أو بغير إذنه ، وهذا
مذهب مالك والشافعى وأحمد ، ودليله حديث الصعب بن جثامة .
الثالث : إن لم يكن بإذنه وإعانته أو دلالته فلا يحرم وإن صيد لأجله ،
وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه . وقد حكاه أبو عمر ابن عبد البر، كما فى

١٢٧
بحث عدم جواز الصيد للمحرم
حدقنا: قتيبة نا يعقوب بن عبد الرحمن عن عمرو بن أبى عمرو عن المطلب
عن جابر عن النبى معَّلي قال: ((صيد البرلكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه
أو بصد لكم).
"العمدة" (٥ - ٦٤ ) عن عمر، وأبى هريرة، والزبير بن العوام ، وكعب
الأحبار، ومجاهد ، وعطاء فى رواية، وسعيد بن جبير. قال الراقم : وكفى
بهم قدوة، وإليه ذهب البخارى، والفرق بين الإشارة والدلالة : أن الإشارة
فى المحسوس والمشاهد ، والدلالة فى الغائب الغير المشاهد ، كما يقوله صاحب
" البحر الرائق" . ويقول بعض علماء اللغة: إن الدلالة بالفتح فى المعانى،
وبالكسر فى الأعيان .
قوله : عن المطلب. هو: ابن عبد اللّه بن المطلب المخزومى، وثقه أبو زرعة
والدار قطنى، وقال ابن سعد: لا يحتج بحديثه ، وقال فى " التقريب": صدوق
كثير التدليس والإرسال . قال أبو حاتم : ولم يسمع من جابر. وقال ابن
أبى حاتم : يشبه أن يكون سمع منه ، كما فى "الخلاصة" ووافق الترمذى
أبا حاتم، فإذن الحدیث عندهم منقطع حیث قال: لا نعرف له سماعاً من جابر،
وليس عندهم فى الباب أقوى منه كما قال الشافعى .
قوله : وأنتم حرم . الحرم ۔ بضمتین - جمع حرام ، کردح جمع رداح،
ويقال : رجل حرام ، وامرأة حرام ، قاله فى " العمدة " (٥- ٥٨ ).
قوله : ما لم تصيدوه أو يصد لكم. استدل به الأئمة الثلاثة فى عدم جواز
الصيد للمحرم إن كان لأجله صاده الحلال . وأجاب الحنفية عن ذلك بوجوه"

١٢٨
معارف السنن
ج - ٦
وفى الباب عن أبى قتادة وطلحة . قال أبو عيسى : حديث جابر حديث
مفسر، والمطلب لا نعرف له سماعاً عن جابر. والعمل على هذا عند بعض أهل
العلم، لا يرون بأكل الصيد للمحرم بأساً إذا لم يصطده أو يصد من أجله .
منها ما قال صاحب " العناية" فى شرح " الهداية": إن الرواية عند
أبى داود والنسائى بالألف " أو يصاد" فليس مجزوماً حتى يصير معطوفاً على
الغاية ، بل يصاد معطوفاً على المغيا ، وإذن لا يصح التمسك بهذه الرواية ،
كأنه يريد أنه منصوب. وكلمة " أو" معناها: " إلا أن". والرواية كذلك
فى النسخ الموجودة بأيدينا بالألف من " سنن أبي داود" و" النسائى".
نعم فى نسخة " الترمذى» وقع مجزوماً بدون الألف، وعامة النسخ للترمذى
كذلك . وإن كان الرواية بالألف فيحتمل أن يكون مرفوعاً من عطف الجملة
على الجملة ، فإذن لا يستقيم الجواب ولا يتم الاستدلال عند وجود هذا
الإحتمال .
ومنها : أن اللام ليس فى معنى "لأجلكم" بل هى التوكيل كما فى قوله :
بعت له ثوباً، واشتريت له لحماً ، وإذا احتمل كلا الوجهين لم يبق حجة
فى الحمل على الوجه الأول .
ومنها: ما أجيب عنه: أن "لكم" بمعنى: "إعانتكم"، أو "إشارتكم" ،
ولكن هذا تأويل محض لا يطمئن بمثله القلب .
والجواب عند إمام العصر شيخنا رحمه الله: أن غرض الحديث كما قاله
الجمهور ، ولكن ليس الغرض المنع والحرمة ، وإنما الغرض الكراهة فقط ،
والنهى من قبيل سد الذرائع ، كما أنه عليه الصلاة والسلام أخذ صيد أبى
قتادة بياناً الجواز، ولم بأحذ صيد صعب بن جثامة لسد الذرائع. وما فى رواية:

١٢٩
بقية بحث عدم جواز الصيد المحرم
قال الشافعى: هذا أحسن حديث روى فى هذا الباب وأقيس . والعمل على
هذا ، وهو قول أحمد واسماق .
عدم أخذ لحم صيد أبى قتادة ، فقد حكم عليه الزبلعى بالوهم .
والوجه فى الجواب: أن فى حديث أبى قتادة وقع: ((فنسأل عن
ذلك النبى ◌َّجٍ، فقال: هل أشرتم أو أعتم؟ قالوا: لا، قال : فكلوا))،
وكان هذا المحل محل البحث والفحص ، فسأله عن الإشارة والإعانة ولم يسأل
عن غيرها، فكان كالضريح فى نفى كون الإصطياد لهم مانعاً، فترك الاستفصال
فى وقائع الأحوال ينزل منزلة عموم المقال ، كما يقوله أبو المعالى فى
" البرهان"، وحكاه السهيلى فى " الروض الأنف" (٢ - ٣٠٣). فتعارض
محديث الإباحة وجديث النهى ، ولكن حديث الإباحة حديث "الصحيحين"،
وحديث المنع حديث السنى . علا أن فيه انقطاعاً ، وفيه من تكلم فى بعض
رجاله ، فالأولى هو ترجيح حديث أبى قتادة بلاريب .
ثم إنه وقع فى رواية "الصحيحين": ((فبينما أنا مع أصحابه يضحك بعضهم
إلى بعض فنظرت فإذا أنا بحمار وحش)). فكأن الضحك لأجل أنهم محرمون ،
وكأنهم أرادوا أن يفطن له أبو قتادة ليصطاد هو ، فكأن هو اصطاد لأجلهم .
قال شيخنا : فهل مثل هذا يدخل فى الإعانة أم لا؟ قال: لم أجد شيئاً غير أن
البخارى يشير فى ترجمة " صحيحه" إلى أنه ليس بإهانة، وأنه لا يلزمهم شئ
على محكهم ، راجع " العمدة" (٥ - ٧١ ).
قوله : هذا أحسن حديث . قال شيخنا : والأحسن حديث أبي قتادة وهو
حديث "الصحيحين". أقول: وقد علمت حال إسناده ومافيه من المغامز ،
فكيف يكون أحسن ؟ والله أعلم.

١٣٠
معارف السنن
ج - ٦
حدثنا : قتيبة عن مالك بن أنس عن أبى النضر عن نافع مولى أبي قتادة عن
أبى قتادة: (( أنه كان مع النبى } حتى إذا كان ببعض طريق مكة تخلف مع أصحاب
له محرمين وهو غير محرم، فرأى حماراً وحشياً فاستوى على فرسه، فسأل أصحابه
أن يناولوه سوطه ؟ فأبوا ، فسألهم رمحه ؟ فأبوا عليه ، فأخذ فشد على الحمار
فقتله، فأكل منه بعض أصحاب النبي ◌ٍَّ وأبى بعضهم، فأدركوا النبى
ويسير
صَلى اللّه
على
فسألوه عن ذلك ؟ فقال: إنما هى طعمة أطعمكموها اللّه)).
حدثنا : قتيبة عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبى قتادة
فى حمار الوحش مثل حديث أبى النضر، غير أن فى حديث زيد بن أسلم :
(((إن رسول اللّه فَّل﴾ قال: هل معكم من لحمه شى؟)).
قال أبو عیسی : هذا حديث حسن صحيح .
قوله: وهو غير محرم. ولفظ مسلم فى "صحيحه": ((أحرم أصحابى ولم
أحرم)» ، وقد أشكل مرور أبى قتادة وتجاوزه عن الميقات بلا إحرام على الحنفية
والشافعية جميعاً. قال الأثرم : كنت أسمع أصحاب الحديث يتعجبون من حديث
أبي قتادة ويقولون : كيف جاز لأبى قتادة أن يجاوز الميقات غير محرم ؟ ولا
يدرون ما وجهه حتى رأيته مفسراً فى رواية عياض بن عبد الله عن أبى سعيد
الخدرى ، كما حكاه العينى فى "العمدة" (٥ - ٦٧) وقال : روى الطحاوى
حديث أبى سعيد الخدرى قال: ((بعث النبي ◌َّالج أبا قتادة الأنصارى على
الصدقة، وخرج رسول اللّه مَ الٍ وأصحابه وهم محرمون حتى نزلو بعفان
فإذاهم بحمار وحش الخ)) ، وهذا أقوى من كل ماقيل فى حل هذا الإشكال ،
فإنه صرح به فى نفس الحديث . فما قال القشيرى: إنه لم يكن مريداً للحج
أو كان ذلك قبل توقيت المواقيت فغير صحيح ، حيث وقع التصريح على إخرامه.

١٣١
بحث عدم التجاوز عن الميقات - وكراهية لحم الصيد
( باب ما جاء فى كراهية لحم الصيد للمحرم )
حدثنا : قتيبة نا الليث عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله أن ابن
مَ له من ذى الحليفة فى عمرة الحديبية فى "صحيح البخارى"، وكذا ما قال
أبو عمر: ((كان رسول اللّه عَل وجهه على طريق البحر مخافة العدو)) وكذا
ما قاله المنذرى: إن أهل المدينة أرسلوه إلى رسول اللّه ◌َلّ يعلمونه أن بعض
العرب ينوى غزو المدينة . فكل ذلك بمعزل عن الحقيقة . فلا حاجة إلى مثل
هذه التوجيهات بعد صحة وجه الجواب فى نفس الحديث .
نعم كان يمكن للحنفية أن يقولوا : إن للمدينة ميقاتين : ذا الحليفة
والجحفة ، كما ذكره محمد فى " مؤطئه"، فالتجاوز عن الأول لا بأس به ،
غير أنه إذا تحقق وجه الصواب فى الجواب لم يبق حاجة إلى مثل هذه التكلفات
عند أولى الألباب .
-: باب ما جاء فى كراهية لحم الصيد :-
غرض حديث الباب ما ذهب إليه بعض السلف من عدم جواز أكل
الصيد للمحرم مطلقاً ، فإن لفظ " اللحم" أعم ، وقصة حديث الباب واقعة
حجة الوداع ، والحديث يخالف الحجازيين والعراقيين جميعاً .
وأجيب بحمله على سد الذرائع، ومسألة سد الذرائع من أهم مسائل أصول
الفقه ، والحنفية والشافعية لم يذكروها ، وإنما يذكرها المالكية ، ويتثبت بها
ابن تيمية فى كتبه كثيراً. وحقيقته أن لا يكون الحكم منهياً عنه فى الشريعة ،
وإنما ينهى لئلا توسل به إلى المنهى عنه . مثل نهى الفاروق وابن مسعود عن
التيمم للجنب لكيلا يكون مؤدياً إلى التيمم عند أدنى البرد

١٣٢
معارف السنن
ج - ٦
عباس أخبره أن الصعب بن جثامة أخبره: ((أن رسول اللّه حّ له مر به بـ "الأبواء"،
أو بـ "ودان" فأهدى له حماراً وحشياً، فرده عليه، فلما رأى رسول الله عَليه
فى وجهه الكراهية قال : إنه ليس بنا رد عليك ولكنا حرم )).
قال أبوعيسى : هذا حديث حسن صحيح. وقد ذهب قوم من أهل العلم
من أصحاب النبي ◌ِّ ال وغيرهم إلى هذا الحديث، وكرهوا أكل الصيد للمحرم.
وقال الشافعى : إنما وجه هذا الحديث عندنا : إنما رده عليه لما ظن أنه
صيد من أجله وتركه على التنزه . وقد روى بعض أصحاب الزهرى عن
الزهرى هذا الحديث وقال : أهدى له لحم حمار وحش ، وهو غير محفوظ .
وفى الباب عن على وزيد بن أرقم .
قوله : فأهدى له حماراً وحشياً . ظاهر هذا اللفظ أنه رده لأجل أنه كان
حياً ، ويتهادر من رواية البخارى أيضاً ذلك ، فلم يكن الشافعية فيه دليل أنه كان
صاد لأجله، ولكن مسلماً صرح فى إحدى رواياته: ((من لحم حمار وحش))،
وفى رواية: ((أهدى رجل حماروحش))، وفى رواية: ((عجز حمار وحش
يقطر دماً))، وفى رواية: (أهدى له عضو من لحم صيد)). فهذه الروايات
كلها تدل على أن الجمار غير حى ، فلا يمكن الجواب عنها إلا بحمله على أن
المنع لسد الذرائع . ولكن قال النووى فى شرح " المهذب" (٧ - ٣٢٩):
قال الشافعى: وحديث مالك: ((إن الصعب أهدى حماراً)) أثبت من حديث
من حدث: ((إنه أهدى لحم حمار (هـ)). وقد بسط فى شرح " المهذب".
الروايات لحديث الباب . وذكر الحافظ فى " الفتح " كلام الشافعى فى " الأم"
أنه أثبت ، وذكر عن الترمذى : أن لحم حمار وحش غير محفوظ . وراجع
"الفتح" فقد استوفى البحث سنداً ومتناً .

١٣٣
بحث جواز صيد البحر للمحرم
(باب ما جاء فى صيد البحر للمحرم)
حدثنا : أبو كريب ناوكيع عن حماد بن سلمة عن أبى المهزم عن
-: باب ما جاء فى صيد البحر للمحرم :-
صيد البحر جائز بنص القرآن المقطوع ، قال تعالى : ( أحل لكم صيد
البحر وطعامه متاعاً لكم والسيارة، وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً ٥).
ولعل غرض الإمام الترمذى إدخال ما هو فى حكم صيد البحر من الجراد فى صيد
البحر ، وقد دل الحديث على أنه لاجزاء بقتل الجراد، وأنه فى حكم صيد البحر.
ومذاهب الأئمة أبى حنيفة ومالك والشافعى: أن فيه الجزاء، قال النووى فى شرح
"المهذب» (٧ - ٣٣١): يجب الجزاء على المحرم بإتلاف الجراد عندنا ،
وبه قال عمر وعثمان وابن عباس وعطاء ، قال العهدرى: وهو قول أهل العلم
كافة ، إلا أن أبا سعيد الأصطخرى فقال: لا جزاء فيه ، وحكاه ابن المنذر عن
كعب الأحبار وعروة بن الزبير قالوا : هو من صيد البحر فلا جزاء فيه آهـ.
وعن أحمد روايتان . ؟ال فى "المغني" (٣ - ٥٣٤ ): وروى عن أحمد أنه
من صيد البر، وهو قول الأكثرين آهـ. ورواية مالك فى "مؤطئه" تدل على
رجوع كعب عن قوله ، أنظر " الزرقانى على الموطأ" (٢ - ٣٨٤).
وبالجملة فالجزاء بقتل الجراد للمحرم هو مذهب الأئمة أبى حنيفة ومالك
والشافعى ، وهو إحدى روايتى أحمد ، وهو قول عامة الصحابة والتابعين .
والجواب من حديث الباب أنهم اتفقوا على تضعيفه لضعف أبى المهزم ، وكذلك
رواية ميمون بن حابان عن أبى رافع عن أبى هريرة .
فحديث الباب عند أبى داود ضعيف . قال أبو داود: وأبو المهزم ضعيف ،

١٣٤
معارف السنن
ج - ٦
والروايتان جميعاً وهم ، وقال البيهقى وغيره : ميمون بن حابان غير معروف ،
حكاه النووى فى شرح " المهذب"، وراجعه للتفصيل (٦ - ٣٣٢). قال
الراقم : وكذلك حديث جابر وأنس مرفوعاً عند ابن ماجه فى ( باب صيد
الحيتان والجراد) من طريق موسى بن محمد بن ابراهيم: ((إن الجراد نثرة
الحوت فى البحر )) فضعيف جداً ، وموسى بن محمد متروك ومنكر الحديث
ومن أفراد " ابن ماجه". وللجمهور أثر عمر الفاروق فى " مؤطأ مالك"،
قال عمر: ((أطعم قبضة من طعام))، وفيه: ((لتمرة خير من جرادة)).
ورواه عبد الرزاق فى "مصنفه" وابن أبى شيبة فى "مصنفه"، كما فى "نصب
الرأية" ( ٢ - ١٣٧ ) .
قال شيخنا رحمه الله: وما فى ابن ماجه أن راوياً يقول : فحدثنى من
رأى الحوت بنثره ، فلا يدل على أن الجرادة من خلق البحر ، فلعلها أخذها
من الخارج ، ولم يذكر أحد ممن ألف فى الحيوانات بأن الجرادة من حيوانات
البحر ، ولعل السمك إن كان بيضه داخل الماء ولد السمك وإن كان خارجه ولد
الجراد ، فإذا عاش فى البر صار من الحيوان البرى . وذكروا أن سفنقور
( ریگ ماهى) من نسل السمك، ومع هذا يعيش فى البر آهـ . قال النووى
فى شرح "المهذب" (٦ - ٣٢): ودعوى أنه بحرى لاتقبل بغير دليل
وقد دلت الأحاديث الصحيحة والإجماع على أنه مأكول ، فوجب جزاؤه
كغيره والله أعلم اهـ .
ثم إن تأويل الحديث بأنه لا دليل فيه على تخصيصه بالإحرام فغير صحيح ،
حيث وقع التصريح فى رواية أبى داود بالإحرام ، ولفظه : (( أصبنا صرماً
من الجراد فكان رجل يضرب بسوطه وهو محرم )) .

١٣٥
بحث صيد الجراد للمحرم ، والضبع يصيبها المحرم
أبى هريرة قال: ((خرجنا مع رسول اللّه فَخلل فى حج أو عمرة فاستقبلنا
رجل من جراد، فجعلنا نضربه بأسياطنا وعصينا، فقال النبى معَّلٍ: كلوه
فإنه من صيد البحر )) .
قال أبو عيسى : هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث أبى المهزم
عن أبى هريرة . وأبو المهزم اسمه : يزيد بن سفيان ، وقد تكلم فيه شعبة ،
وقد رخص قوم من أهل العلم للمحرم أن يصيد الجراد فيأكل، وروى بعضهم
أن عليه صدقة إذا اصطاده أو أكله .
( باب ما جاء فى الضبع بصيبها المحرم )
حدثنا: أحمد بن منيع نا اسماعيل بن ابراهيم نا ابن جريج عن عهد الله
ابن عبيد بن عمير عن ابن أبى عمار قال : ((قلت لجابر بن عبد الله: الضبع،
قوله : رجل بالكسر كسدر جماعة كثيرة من جراد ، وهو اسم جمع .
قوله : بأسباطنا . قال العراقى: كذا سماعنا، ولا يعرف لغةً ، وإنما جمع
سوط : أسواط وسياط بلاهمز، كما ذكره الجوهرى وغيره ، حكاه السيوطى
فى " قوت المغتذى" .
-: باب ما جاء فى الضبع يصيبها المحرم :-
الباب موضوع لبيان إيجاب الجزاء فى الضبع لأنه صيد، والمسألة هذه متفق
عليها بين الأئمة الأربعة ، والضبع يقال له بالفارسية: " كفتار"، وباللغة
الأردية: " هندار" وذكروا أنه من أخبث السباع، ويقال : أنه يحفر حفرة
(م - ٤٧ )

١٣٦
معارف السنن
ج - ٦
أ صيد هى؟ قال: نعم، قال: قلت: آكلها ؟ قال: نعم، قال: قلت: أ قاله
رسول اللّه عَ ليه؟ قال: نعم)).
تحت رأس رجل قائم ، فإذا وقع رأسه فى الحفرة قطعه .
والمسألة فى السباع فى كتبنا: أنه لو صالت على المحرم فقتلها المحرم لاشئ
عليه ، ولو ابتدأ المحرم بقتلها فعليه الجزاء ، ولا تجاوز الشاة .
والمسألة الثانية التى تعرض إليها فى حديث الباب من جواز أكل الضبع
فحل بيانها كتاب الأطعمة ، وملخص القول فيها : إن الضبع حرام عند مالك
وأبى حنيفة، حلال عند الشافعى وأحمد، حجة الأولين أحاديث النهى عن كل
ذى ناب من السباع وعن كل ذى مخلب من الطير من حديث ابن عباس عند
" مسلم " فى الصيد ، ومن حديث خالد بن الوليد عند " أبى داود " فى
الأطعمة ، ومن حديث على عند أحمد فى " مسنده"، ومن حديث أبى ثعلبة
الخشنى عند الأئمة الستة ، ومن حديث أبى هريرة عنذ " مسلم ".
فهذه أحاديث سماح تدل على أن الضبع حرام ، فإنه ذوناب بلا شك ،
ولا عبرة لما يقوله الشوكانى أن لها فكاً وليس بذى ناب . وتؤيد تلك الأحاديث
حديث خزيمة بن جزء عند الترمذى وابن ماجه من طريق ابن أبى الخارق فى
الأطعمة مرفوعاً : « أو بأ كل الضبع أحد فيه خير؟)) . والحديث وإن تكلم فيه
المحدثون غير أنه يؤيده أحاديث التحريم من كل ذى ناب. وما قاله مولانا
أحمد حسن السنبل فى حاشية " الهداية": أن الحديث قوى وعبد الكريم
ثقة فوهم ، حیث ظنه ابن مالك الجزرى، والحال أنه عبد الكريم بن أبى الخارق
أبو أمية البصرى
وحجة الآخرين فى الإباحة هذا الحديث حيث صرح بجواز الأكل وأنه

١٣٧
بحث جزاء الضبع وفيه الكبش
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح ، وقال على: قال يحيى بن
سعيد: وروى جرير بن حازم هذا الحديث فقال: عن جابر عن عمر،
وحديث ابن جريج أصح، وهو قول أحمد واسحاق . والعمل على هذا الحديث
عند بعض أهل العلم فى المحرم : إذا أصاب ضبعاً أن عليه الجزاء .
١
صيد ، والصيد مما يؤكل. والجواب من كونه صيداً أن الصيد لا يختص بمأكول
الحم ، قال قائلهم :
وإذا ركبت فصيدى الأبطال
٠
صيد الملوك أرانب وثعالب
وعزاه الإمام الرازى إلى على بن أبى طالب رضى الله عنه ، كما فى
" نصب الرأية" وكفى به حجة، وأما التصريح بجواز الأكل فقد أطال الإمام
فيه أبو جعفر الطحاوى فى "مشكل الآثار" كما يقوله شيخنا، وملخصه : أن
الإمام يحيى بن سعيد القطان قال : إن راويه ابن أبى عمار قد أخطأ فى رفعه ،
وكان هو يرويه موقوفاً على عمر ثم رفعه ، وقد أشار إليه الترمذى أيضاً عن
على بن المدينى عن يحيى بن سعيد ، وابن القيم قد رجح تحريم الضبع فى كتابه
" إعلام الموقعين". وما قاله الترمذى: وحديث ابن جريج أصح، إنما هو قوله
وليس من قول يحى بن سعيد ، قاله شيخنا .
وحديث الباب رواه أبو داؤد فى " سننه " عن جابر بن عبد الله،
ولفظه: قال: ((سألت رسول اللّه فَالٍ عن الضبع، أصيد هى؟ قال: نعم،
ويجعلٌ فيه كبش إذا صاده المحرم)). وليس فيه ذكر الأكل، ويحتمل أن
جابراً استنبط جواز الأكل من كونه صيداً ، وتسامح فى الجواب من النسبة
إليه بَّ اج صراحةً، وأثر الفاروق رواه مالك فى " مؤطئه": ((إن عمر بن
· الخطاب قضى فى الضبع بكبش ، وفى الغزال بعنز، وفى الأرنب بعناق ، وفى

١٣٨
معارف السنن
ج - ٦
(باب ما جاء فى الاغتسال لدخول مكة)
حدثنا : يحيى بن موسى أخبرنى هارون بن صالح نا عبد الرحمن بن زيد
ابن أسلم عن أبيه عنى ابن عمر قال: ((اغتسل النبى معَّلم لدخول مكة بـ "فخ")).
قال أبو عيسى : هذا حديث غير محفوظ ، والصحيح ما روى نافع عن
ابن عمر: ((أنه كان يغتسل لدخول مكة)». وبه يقول الشافعى : يستحب
الإغتسال لدخول مكة .
اليربوع بخفرة)) اهـ .
وما ورد فى بعض طرق حديث الباب خارج الستة : (( إن فى قتل الضبع
شاة تؤكل))، فتؤكل الضمير فيه راجع إلى الشاة دون الضبع، فلا حجة فيه ،
قاله شيخنا رحمه الله. قال الحافظ علاء الدين التركمانى فى " الجوهر النّقى "
(٢ - ٢٢٥): حديث النهى عن كل ذى ناب من السباع صحيح ثابت مشهور
مروى عن عدة طرق ، فلا تعارض به حديث (( الضبع صيد))، لأنه انفرد به
عبد الرحمن بن أبى عمار، وليس هو بمشهور بنقل العلم، ولا ممن يحتج به إذا
خالفه من هو أثبت منه، كذا قال صاحب "التمهيد"، ثم حكى عن "الإشراف"
لابن المنذر ، قال الأوزاعى : كان العلماء بالشام يعدون الضبع من السباع ،
ویکرهون أكلها اهـ .
-: باب ما جاء فى الاغتسال لدخول مكة :-
أخرج فيه حديث ابن عمر، وحديث الباب وإن كان ضعيفاً من هذه
الطريق غير أنه أخرج البخارى فى "صحيحه" من حديث ابن عمر، وفيه: (( ثم

١٣٩
بيان استحباب الغسل لدخول مكة لكل أحد
وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف فى الحديث ، ضعفه أحمد بن حنبا
وعلى بن المدينى وغيرهما ، ولا نعرف هذا مرفوعاً إلا من حديثه .
( باب ما جاء فى دخول النبى صلى الله عليه وسلم)
مكة من أعلاها وخروجه من أسفلها )
حدثنا : أبو موسى محمد بن المثنى نا سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة
يبيت بذى طوى ثم يصلى به الصبح ويغتسل لأن ابن عمر كان يغتسل ويحدث أن
نبى اللّه عَلٍ كان يفعل ذلك)). قال فى " العمدة" (٤ - ٥٧١): قال ابن
المنذر : الإغتسال لدخول مكة مستحب عند جميع العلماء إلا أنه ليس فى تركه
عامداً عندهم فدية ، وكان ابن عمر يتوضأ أحياناً ويغتسل أحياناً ، وأوجبه على
الظاهر فرضاً من بريد الإحرام، والأمة على خلافهم .... والغسل لدخول
مكة ليس لكونها محرماً وإنما هو لحرمة مكة ، أفاد ذلك الشافعى فى "الأم" اهـ
ملتقطاً. وقال ابن الحمام فى " الفتح": ويستحب الحائض والنفساء كما فى غسل
الإحرام اهـ. وعند المالكية : هذا الغسل للطواف فيندب لغير حائض و نفساء،
وهما لا يدخلان المسجد ويغتسلان للإحرام والوقوف، كما قاله الزرقانى فى
شرح " المؤطأ".
والفخ - يفتح الفاء وتشديد الخاء المعجمة - : موضع بقرب مكة .
. -: باب ما جاء فى دخول النبى صلى الله عليه وسلم مكة من
أعلاها وخروجه من أسفلها :-
أعلى مكة هو الجانب الشرقى، ويسمى : كداء ، وثنية كداء ، يفتح

١٤٠
معارف السنن
ج - ٦
عن أبيه عن عائشة قالت: «لما جاء النبى مَلٍ إلى مكة دخلها من أعلاها وخرج
من أسفلها )) .
وفى الباب عن ابن عمر. قال أبوعيسى: حديث عائشة حديث حسن صحيح.
(باب ما جاء فى دخول النبى ) مڪڪة نياراً)
حدثناً : يوسف بن عيسى نا وكيع نا العمرى عن نافع عن ابن عمر :
الكاف والمد ، وهو بقرب الحجون وبقربها: خيف بنى كثافة المسمى بالأبطح،
والبطحاء، والمحصب؛ والغربى هو: ثنية كدى، بالضم والقصر، كما هو
الأشهر، كما فى " العمدة " وغيرها، وتسمى اليوم : " كداء المعلاة "،
و "كدى/ المسفلة" .
قال العينى فى " العمدة" (٤ - ٥٧٣): وفيه استحباب الدخول إلى
مكة من الثنية العليا والخروج من السفلى سواء فيه الحاج والمعتمر ومن دخلها
بغير إحرام . وفيه استحباب الخروج من أسفل مكة الخارج منها ، سواء خرج
الوقوف بعرفة أو غير ذلك اهـ .
قال ابن الحمام فى " الفتح" (٢ - ١٤٧): وإنما سن لأنه يكون فى
دخوله مستقبل باب البيت ، وهو بالنسبة إلى قاصد البيت كوجه الرجل بالنسبة
إلى قاصده ، وكذا تقصد كرام الناس اهـ .
وحديث الباب حديث " الصحيحين" ، وكذا حديث ابن عمر المشار إليه
فى الباب رواه الشيخان .
-: باب ما جاء فى دخول النبى صلى الله عليه وسلم مكة نهاراً :-
يستحب دخول مكة نهاراً عند الجمهور ، وهو مذهب أبى حنيفة